تفاصيل اعتقال عملاء لبوتين في ليبيا بعد {لقائهم} سيف القذافي

روسيان ونجل وزير بالنظام السابق يواجهون تهمة التجسس

سيف الاسلام القذافي (أ.ب)
سيف الاسلام القذافي (أ.ب)
TT

تفاصيل اعتقال عملاء لبوتين في ليبيا بعد {لقائهم} سيف القذافي

سيف الاسلام القذافي (أ.ب)
سيف الاسلام القذافي (أ.ب)

تكشف هذه القضية، التي تأتي في سياق قصص الحرب ودهاليزها الخفية في ليبيا، عن مزيد من فصول ومفارقات التدخلات الخارجية في البلاد، استغلالاً لحالة الفوضى التي تضربها منذ 8 سنوات.ولنبدأ الحكاية من أولها.
في شهر مايو (أيار) الماضي، اعتقلت مجموعة مسلحة تابعة لحكومة «الوفاق الوطني»، برئاسة فائز السراج، روسيين ونجل وزير سابق في عهد القذافي بالعاصمة الليبية طرابلس، وهم يتجولون بمحيط ميدان الشهداء، ويستوقفون المارة لاستطلاع آرائهم عن الأوضاع الجارية في البلاد، ومدى رضاهم عن الحكومة الحالية، وتحركات الميليشيات المسلحة. وقد طرحت هذه القضية، التي شغلت الرأي العام في ليبيا، مجموعة من الأسئلة حينها حول طبيعة عمل هذا الفريق، وفحوى الاستطلاعات التي كان يجريها، وهل له علاقة بإحدى الشخصيات الروسية المقربة من الرئيس بوتين، والمعروف باسم «طباخ الرئيس»؟
وبحسب مصادر تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد كان فريق روسي فرغ من لقاء سيف الإسلام، النجل الثاني للرئيس الراحل معمر القذافي، في إحدى مدن قمم الجبل الغربي، وتوجه عدد منه نحو طرابلس. لكن انتهى بهم المطاف في قبضة عناصر أمنية، كانت تتعقبهم وتعرف مكان إقامتهم، وهم مكسيم أناتوليفيتش شوغالي، عالم اجتماع، وسامر حسن علي سويفان، وهو طبيب ومترجم، بالإضافة إلى نجل وزير ليبي سابق. وفي الوقت ذاته، كان فريق روسي آخر يجوب المدن الليبية لاستكمال مهمة، قِيل إنها «بحثية تستهدف جمع معلومات سياسية واجتماعية».
هذه التطورات جاءت بعد أن قالت وكالة «بلومبرغ» الأميركية في 5 يوليو (تموز) الحالي، إنها حصلت على وثيقة صادرة عن مكتب النائب العام الليبي في طرابلس، تتحدث عن اعتقال قوات أمن ليبية شخصين يحملان الجنسية الروسية، لاتهامهما بمحاولة التأثير على الانتخابات المقبلة في البلاد، وعن فرار روسي ثالث قبل مداهمة مسكنه، مبرزة أن الوثيقة أشارت إلى أن الروسيين «تورطا» في محاولة الترتيب لعقد اجتماع مع سيف القذافي، وهي المعلومات التي أقر بها مقربون من سيف لـ«الشرق الأوسط»، وقالوا بخصوص لقائه بالفريق الروسي: «إنها ليست جريمة. فـ(الدكتور) وإن كان غائباً عن العيون، فإن اسمه مطروح بقوة للمنافسة على الانتخابات الرئاسية حال إجرائها». في حين قال مصدر مطلع على مجريات التحقيقات، التي يجريها مكتب النائب العام الليبي، مع شوغالي وسويفان ونجل الوزير السابق، إن «الاتهامات التي توجه إليهم تتمحور حول التجسس، والقيام بمهام استخباراتية، تتمثل في جمع معلومات مهمة عن توجهات الرأي العام».
وكشفت الوثيقة الموجهة لحكومة «الوفاق»، المعترف بها دولياً، والمؤرخة في 3 يوليو (تموز) الحالي، أن شوغالي يعمل مستشاراً سياسياً لدى مؤسسة، يوجد مقرها في موسكو للدفاع عن القيم الوطنية، وأن رئيس هذه المؤسسة أدار حتى وقت قريب موقعاً إخبارياً إلكترونياً، قالت الولايات المتحدة إنه مرتبط برجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، الملقب بـ«طباخ الرئيس» بوتين، وهو واحد من وكلاء روسيا، ومتهم من قبل الولايات المتحدة بتمويل وتنظيم عمليات تدخّل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016. وبالتالي فإن عملية القبض على الفريق الروسي زادت من طرح الأسئلة عن مدى اختراق ليبيا من قبل استخبارات دول أجنبية تستغل الفراغ الأمني، والاقتتال الدائر بالضواحي الجنوبية للعاصمة. وفور اعتقال الروسيين والمواطن الليبي، سارع نعمان بن عثمان، رئيس مؤسسة «كويليام الدولية للأبحاث»، للقول إن «الأجهزة الأمنية في طرابلس تمكنت من القبض على شبكة للتجسس، يقودها 3 عناصر روسية؛ أحدهم عربي روسي، وتحفظت على 50 ألف وثيقة أثناء المداهمات لمواقع عدة كانت تقيم بها». لكن بن عثمان عاد ليؤكد على «تويتر» أنه «تم القبض على روسيين، ونجل وزير ليبي من النظام السابق»، دون الإفصاح عن اسمه. غير أن مصدراً مقرباً من سيف القذافي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الشخص الموقوف مع الروسيين هو نجل الدكتور علي التريكي، وزير الخارجية الأسبق في النظام السابق».
وأوجدت روسيا لنفسها قدماً في ليبيا، عقب إسقاط النظام السابق، ومدت مبكراً خطوط التواصل مع سيف القذافي، إذ سبق أن اعترف ليف دينغوف، رئيس مجموعة الاتصال الروسية لتسوية الأزمة الليبية، بوجود اتصالات بين بلاده وسيف، ورأى أن شخصية سيف «لديها اعتبارات ووزن سياسي في بلاده، ولذلك سيكون ضمن الأطراف المشاركة في العملية السياسية الليبية».
وألقت عملية القبض على الفريق الروسي بظلالها على المقربين من نجل الرئيس الراحل، إذ عبر عبد المنعم محمد، مؤسس «حراك مانديلا ليبيا»، الداعم لترشح سيف الإسلام للانتخابات، عن استغرابه من اعتقال الروسيين، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المجموعة، وغيرها دخلت ليبيا بطريقة شرعية، وبدأت في ترتيب العمل للتأكد من القاعدة الشعبية للدكتور سيف»، كاشفاً أن الحراك «ورغم القبضة الأمنية للميليشيات، فإنه قدم للفريق الروسي استطلاعات للرأي من شرق وغرب وجنوب البلاد، خصوصاً مدينتي طرابلس وبنغازي، تشير إلى تجاوب المواطنين في كل المناطق مع فكرة ترشح سيف للانتخابات». واعتبر أن التهم الموجهة للروسيين «مضحكة للغاية»، وأرجع ذلك إلى صدمة ما سماها «حكومة الميليشيات الإخوانية من الطريقة التي يعمل بها سيف الإسلام، دون التنسيق معها أو الرجوع إليها»، وقال بهذا الخصوص: «هذه حكومة تحارب الجميع، وتحكم من أجل بقائها في أمان». وكان مكتب الادعاء العام قد أوضح أنه تم ضبط أجهزة حواسيب نقالة وشرائح ذاكرة «تثبت أن الروسيين يعملان مع مجموعة، تخصصت في التأثير على الانتخابات، المقرر عقدها في كثير من الدول الأفريقية»، ومن بينها ليبيا.
ما قاله رئيس «حراك مانديلا ليبيا» يتوافق مع ما ذهب إليه ألكسندر مالكيفيتش، مدير مؤسسة «حماية القيم الوطنية الروسية» غير الربحية، التي ينتمي إليها الفريق الروسي، الموقوف في طرابلس: «الموظفون المعتقلون في ليبيا موجودون على أراضي هذا البلد بالتنسيق التام مع السلطات الليبية، ولم يشاركوا إلا في البحوث الاجتماعية، ولم يتدخلوا أبداً في العمليات الانتخابية».
وأقر مالكيفيتش في بيان أصدره بأن الفريق البحثي يضم ماكسيم أناتوليفيتش شوغالي، وسامر حسن علي سويفان، وألكسندر الكسندروفيتش بروكوفييف، الذي وصفه بأنه هو الآخر عالم اجتماع، والذي فر من مسكنه قبل القبض عليه.
ودافع مالكيفيتش عن فريقه، بالقول: «لقد أجروا سلسلة من الدراسات الاجتماعية، من بينها مقابلات واستطلاعات رأي المواطنين»، مبرزاً أن «موقع المؤسسة يحتوي على المعلومات الأساسية التي حصلوا عليها»، بما ينفي من وجهة نظره أي اتهام لهم بالتدخل في الانتخابات المقبلة، أو القيام بأعمال قد تضر ليبيا، وزاد مؤكداً: «هذا غير وارد بتاتاً، وهو هراء كامل».
ميهوب أبو علي، أحد المقربين من سيف القذافي، وهذا ليس اسمه الحقيقي، استهجن توقيف الفريق الروسي، والتهم الموجهة إليه، وقال متسائلاً: «موضوع الادعاء بالتشويش على الانتخابات... أين هي هذه الانتخابات حتى نشوش عليها؟ نحن ندعم إجراءها بأسرع وقت لإنقاذ البلاد، وترك فرصة للشعب كي يختار حكومته».
وأضاف أبو علي: «لقاء الفريق الروسي بالدكتور سيف الإسلام ليس جريمة، أو مخالفاً لأي قانون. فقد أطلق سراحه وهو يعيش حياة طبيعية».
ومنذ أن أطلقت سراحه «كتيبة أبو بكر الصديق» بمدينة الزنتان (غرب) في 11 يونيو (حزيران) 2017، لم يشاهد سيف الإسلام في مكان عام. لكن هناك من يؤكد أنه لا يزال داخل مدينة الزنتان. ومطلع العام الماضي، زار وفد من فريق العمل السياسي لسيف القذافي موسكو لتسليم رسالة إلى وزارة الخارجية الروسية، تتعلق بوجهة نظره لحل الأزمة في بلاده.
ويبدو أن الربط بين المجموعة الموقوفة من النيابة الليبية، ورجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين وثيقاً، ذلك أن التسريبات المتداولة من مكتب النائب العام الليبي تشير إلى ذلك، فضلاً أن شوغالي أحد الموقوفين الروس، سبق له أن لعب دوراً مشابهاً في دول أفريقية عدة، من بينها مدغشقر بدعم من بريغوجين. وقد أظهرت تقارير دولية، على سبيل المثال، حجم التدخل الروسي في انتخابات مدغشقر مطلع عام 2018، عندما حاول شوغالي البحث عن شخص موالٍ لبلاده كي يترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما كشفت عنه بعض الشخصيات المرشحة، التي عملت مع الروس في حديثها مع شبكة «بي بي سي». وقد فرضت الولايات المتحدة في مارس (آذار) 2018 عقوبات على 19 روسياً، تتهمهم بالتدخل في الانتخابات الأميركية عام 2016، وبشن هجمات إلكترونية مزعومة. وطالت العقوبات أيضاً بريغوجين، بالإضافة إلى 12 من موظفي وكالة أبحاث إنترنت تتخذ من سان بطرسبرغ مقراً لها.
واستكمالاً لذلك، قال مؤسس «حراك مانديلا ليبيا» إن الفريق الروسي، الذي كان يستطلع آراء المواطنين في ليبيا حول سيف القذافي، «كان عدده كبيراً، لكن الشرطة أوقفت اثنين منهم في طرابلس»، ورأى أن تهمة التجسس «ملفقة للضغط على روسيا، أو كنوع من الاستفزاز»، وتوقع أن يغادرا ليبيا قريباً إذا تدخلت بلدهما لدى سلطات طرابلس.
وكان من المقرر إجراء انتخابات نيابية ورئاسية في ليبيا العام الحالي، حسب خريطة طريق برعاية الأمم المتحدة. لكن العملية العسكرية التي يشنها «الجيش الوطني» على طرابلس، حالت دون ذلك.



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».