تطوير الأندية المنافسة لملاعبها يبرز إهمال عائلة غليزر لـ«أولد ترافورد»

حاجة ماسة لتطويره بعدما بدأت علامات الزمن تظهر عليه... لكن مالكيه لا يريدون إنفاق الأموال

المدرج الذي يحمل اسم السير بوبي تشارلتون لم يشهد أي تطوير منذ 45 عاماً
المدرج الذي يحمل اسم السير بوبي تشارلتون لم يشهد أي تطوير منذ 45 عاماً
TT

تطوير الأندية المنافسة لملاعبها يبرز إهمال عائلة غليزر لـ«أولد ترافورد»

المدرج الذي يحمل اسم السير بوبي تشارلتون لم يشهد أي تطوير منذ 45 عاماً
المدرج الذي يحمل اسم السير بوبي تشارلتون لم يشهد أي تطوير منذ 45 عاماً

من المؤكد أن معظم جمهور مانشستر يونايتد غير راضٍ عن الطريقة التي تدير بها عائلة غليزر الأميركية الأمور داخل هذا النادي العريق. وفي الحقيقة، لم يكن هذا الأمر يشكل مفاجأة، بالنظر إلى «جبال الديون» التي كدستها هذه العائلة على النادي. وعندما استحوذت هذه العائلة على مانشستر يونايتد وعدت بأن يكون هناك خط اتصال مفتوح ومباشر بينها وبين جمهور ومحبي النادي في كل مكان، لكننا لم نسمع منها أي شيء منذ 14 عاماً!
ربما سيتغير هذا الأمر في يوم من الأيام. لكن حتى ذلك الحين، لن يكون من السهل التأكد من معرفة ما إذا كانت هذه العائلة تعرف، أو حتى تهتم، بأن هذا قد يكون الوقت المناسب للحديث عن ملعب «أولد ترافورد»، والحاجة الماسة إلى تطويره بعدما بدأت علامات الزمن تظهر عليه.
انتقل نادي توتنهام إلى ملعبه الجديد، وهناك العديد من الخطط الطموحة من جانب العديد من الأندية التي يرى مانشستر يونايتد دائماً أنها ضمن الفئة التي ينافسها على الساحة الأوروبية، حيث سيبدأ نادي ريال مدريد العمل على تطوير ملعب «سانتياغو بيرنابيو» خلال هذا الصيف، كما سيعمل نادي برشلونة على تطوير ملعب «كامب نو» بحيث يكون لديه سقف معلق وتصل سعته إلى 105 آلاف متفرج.
كما سيتم تجديد ملعب سان سيرو، الذي يحتضن مباريات ناديي ميلان وإنتر ميلان الإيطاليين، لكي يناسب التطورات التي يشهدها القرن الحادي والعشرين. وعلاوة على ذلك، انتقلت أندية بايرن ميونيخ ويوفنتوس وأتليتكو مدريد إلى ملاعب جديدة ورائعة خلال الفترة التي استحوذت فيها عائلة غليزر على مانشستر يونايتد. وينطبق نفس الأمر أيضاً على آرسنال ومانشستر سيتي.
ولا يزال «أولد ترافورد» هو أكبر ملعب كرة القدم في إنجلترا، بعد ملعب ويمبلي، بفارق كبير عن باقي الملاعب الإنجليزية، ويضم مدرجاً واحداً يمكنه استيعاب جمهور يفوق عدد الجمهور في ملاعب فولهام أو واتفورد أو هيدرسفيلد تاون أو بيرنلي أو بورنموث. وعندما وصل فريق برشلونة إلى مدينة مانشستر من أجل خوض المواجهة الهامة في الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا، كان ذلك بمثابة تذكرة على أن ملعب «أولد ترافورد» يمتلك شيئاً قد لا يملكه أي ملعب جديد بالضرورة، وهو «الروح».
ومع ذلك، لا يغير ذلك من حقيقة أنه سيكون هناك باعة متجولون في مدرج مدرب مانشستر الأسطورة السير مات بيسبي، يبيعون آخر نسخة من مجلة «ريد نيوز» التي تصدر عن النادي والتي تتحسر على الحالة السيئة التي وصلت إليها أرضية ملعب «أولد ترافورد» في هذه الأيام، وتكرس مساحة كبيرة لتحليل الأسباب التي تجعل عائلة غليزر الأميركية لا تفكر في تطوير ملعب الفريق. أما الاستنتاج المنطقي الوحيد لهذا الأمر فيتمثل في أن العائلة الأميركية لا تريد إنفاق الأموال.
وعلاوة على ذلك، فإن سقف هذا المدرج قديم للغاية وبه بعض الشقوق التي تسمح بتدفق السيول في أوقات الأمطار الغزيرة. ورغم أنني لا أريد أن أوجه الانتقادات إلى أي مسؤول تنفيذي داخل النادي، فإن هذا ربما يلخص الطريقة السيئة التي يدار بها النادي خلال السنوات الماضية. كل ذلك يذكرنا بالصورة التي نشرتها صحيفة «ذا صن» على صفحتها الأخيرة لفأر يركض داخل الملعب، خلال مباراة مانشستر يونايتد أمام بورتون ألبيون في كأس الاتحاد الإنجليزي، وانتقاد المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون خلال المؤتمر الصحافي التالي لمن يتحدثون حول هذا الأمر، وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق.
لقد رأى فيرغسون أنه من العادي أن يكون هناك فأر في ملعب المباراة، لكنه، ولأسباب غير واضحة، لم يكن يقبل الانتقادات الموجهة لعائلة غليزر. ولم يكن فيرغسون يهتم على ما يبدو بأنه في وقت من الأوقات كان كل مشجعي الفريق داخل ملعب «أولد ترافورد» يرتدون ملابس باللونين الأخضر والذهبي للاحتجاج على بيع النادي لعائلة غليزر الأميركية، أو أن ديفيد جيل، الرئيس التنفيذي آنذاك، قد عارض في البداية عملية الاستحواذ قبل أن يغير ولاءه ورأيه بمجرد إتمام الصفقة.
وقد كتب فيرغسون في آخر سطر من سيرته الذاتية التي نشرتها عام 1999: «لقد كان الولاء دائماً هو أساس حياتي». لكن للأسف، كان فيرغسون خلال السنوات الأخيرة من عمله مديراً فنياً لمانشستر يونايتد موالياً للأشخاص الذين كانوا يدفعون له راتبه، وليس لجمهور النادي الذي حذرهم جيل من أن «الديون هي الطريق إلى الخراب». ربما لا يزال فيرغسون يعتقد بأنه قد راهن على الجواد الرابح. لكنني أريد أن أعرف رأيه الآن وهو يرى الأندية المنافسة وهي تنمو وتتطور، وأتذكر كيف كانت الإدارات السابقة للنادي تدرك دائماً أن نادياً بمطوحات كبيرة مثل مانشستر يونايتد يجب أن يكون لديه ملعب أكبر وأفضل من بقية الملاعب الأخرى.
وكتبت صحيفة «سبورتنغ كرونيكل» في نهاية شهر فبراير (شباط) عام 1910 عندما احتضن ملعب «أولد ترافورد» أول مباراة له على الإطلاق: «إنه الملعب الأجمل والأكثر اتساعاً والأكثر جذباً للأنظار على الإطلاق. إنه لا يوجد له مثيل على الإطلاق، من حيث جودة أرضية الملعب، وإنه لمدعاة للفخر لمانشستر يونايتد، وملعب يساعد الفريق على صنع المعجزات». والآن؟ دعونا لا نبالغ في الانتقادات ونعترف بأن «أولد ترافورد» يمتلك التاريخ والسعة والفخامة التي تجعله دائماً أحد أبرز معالم كرة القدم، وهو أمر ليس محل نزاع أو شك. لكن الأمر يتعلق بطريقة إهمال هذا الملعب في الوقت الحالي وعدم تطويره وتحديثه، وكيف ينعكس ذلك بدوره على القائمين على إدارة هذا النادي.
فما الذي يعنيه، على سبيل المثال، أن يمتلك مانشستر يونايتد لمساحات شاسعة من الأراضي حول الملعب، لكنه لا يفعل أي شيء لاستغلالها؟ ويمتلك نادي مانشستر سيتي، على سبيل المثال، ملعباً بسعة 7 آلاف متفرج مقابل ملعب الاتحاد لاحتضان مباريات الفريق تحت 23 عاماً ومباريات السيدات والناشئين. ويمتلك برشلونة ملعباً صغيراً سيتم إعادة بنائه وسيحمل اسم أسطورة النادي «يوهان كرويف»، كجزء من ملعب «كامب نو» الجديد.
أما بالنسبة لـ«أولد ترافورد» نفسه، فإن الملعب لم يشهد أي تغيير منذ استحواذ عائلة غليزر الأميركية عليه في عام 2005، رغم أنه كان قد تم التصديق على مشروع بقيمة 42 مليون جنيه إسترليني لتوسعة الملعب بحيث يتسع لـ75 ألف متفرج. وخلافاً لذلك، كان أكبر تطوير يشهده النادي هو افتتاح فندق «أوتيل فوتبول» على أرض خاصة مقابل «ملعب أولد ترافورد». وحتى هذا المشروع كان من تفكير غاري نيفيل وزملائه في فريق 1992. وليس من تفكير مسؤولي النادي أنفسهم!
باختصار، يعكس كل ذلك عدم وجود تفكير في التطوير والتحديث في مانشستر يونايتد. وقد أظهر تقرير صادر في عام 2015 أن مسؤولي مانشستر يونايتد لا يهتمون بتطوير الملعب، الذي يبدو في حالة سيئة، وينطبق نفس الأمر على المراحيض والممرات الضيقة داخل الاستاد، وحتى إشارة «الواي فاي» تحتاج إلى تحسين حتى تصبح أفضل، فضلاً عن مناطق تناول الطعام والأماكن المخصصة للصحافيين، التي عفا عليها الزمن.
وهناك سبب وجيه يجعل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لم يعد يختار أكبر ملعب للأندية في إنجلترا لاستضافة المباريات النهائية للبطولات الأوروبية. وكما تقول مجلة «ريد نيوز» التي يصدرها مانشستر يونايتد: «يجب أن يكون أولد ترافورد الوجهة المرئية لمؤسسة عالمية شهيرة، لكنه بدلاً من ذلك يتحلل وينهار في الوقت الحالي».


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: أزمة لموشي تشعل بعثة نسور قرطاج في المكسيك

رياضة عربية هل تتم إقالة صبري لموشي من تدريب تونس؟ (د.ب.أ)

«مونديال 2026»: أزمة لموشي تشعل بعثة نسور قرطاج في المكسيك

تتواصل في مدينة مونتيري المكسيكية تداعيات الهزيمة الثقيلة التي مني بها المنتخب التونسي أمام نظيره السويدي بنتيجة 1 - 5.

«الشرق الأوسط» (مونتيري)
رياضة عالمية فرحة مصرية بهدف عاشور (أ.ب)

مصر «المونديال»: عاشور أسعدها... وهاني أحبطها

حرم هدف عكسي مصر من تحقيق أول انتصار لها في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم بعدما تعادلت 1 - 1 مع منتخب بلجيكا في مستهل مشوارهما بالمجموعة السابعة.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عالمية منتخب إيران يؤدي تدريباته في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: إيران في دائرة الضوء

ستكون إيران في دائرة الضوء في كأس العالم لكرة القدم، الاثنين، بعد وصولها إلى الولايات المتحدة وسط أجواء من عدم اليقين بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو (رويترز)

ثياو مدرب السنغال: كأس أمم أفريقيا أصبحت من الماضي

أكد مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو، الاثنين، أن مسألة كأس أمم أفريقيا 2025 أصبحت من الماضي.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد)
رياضة عالمية يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (أ.ف.ب)

كلوب معتذراً لناغلسمان: «أنا أحمق»

اعتذر يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، ليوليان ناغلسمان مدرب ألمانيا، بسبب تعليقه على تشكيلة الفريق.

«الشرق الأوسط» (بوسطن )

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.