«أزاهير الخراب»... الرهان على اللعبة السردية

رواية للنوبلي الفرنسي موديانو ترجمها الراحل بسام حجار

غلاف «أزاهير الخراب»
غلاف «أزاهير الخراب»
TT

«أزاهير الخراب»... الرهان على اللعبة السردية

غلاف «أزاهير الخراب»
غلاف «أزاهير الخراب»

في كل رواية تنضاف إلى رصيد موديانو لا بد من شيء جديد فيها سواء في التقنية أو التيمة أو طريقة المعالجة الفنية، خصوصاً أن الروائي صار معروفاً بموضوعات محددة مثل الذاكرة، وتعرية النازية، واستدعاء التاريخ، والنبش في الأمكنة.
صدرت عن دار «نوفل» ببيروت رواية «أزاهير الخراب» للروائي الفرنسي باتريك موديانو، ترجمة الراحل بسّام حجّار، وهي لا تختلف كثيراً عن رواية «دورا برودية» التي ركّزت على الاستذكارات، واستنطاق الأمكنة، وملامسة جوانب محددة من احتلال الجيش الألماني النازي لباريس، وما خلّفه من جروح عميقة لم تندمل رغم تقادم الأعوام.
يمتلك باتريك موديانو أسلوباً سلساً، رشيقاً، فهو لا يحتفي بالتزويق اللفظي أو المحسّنات البديعية. الجملة الروائية مكتفية بذاتها، وبما تنطوي عليه من محمولات رمزية واضحة لا يكتنفها الغموض إلاّ ما ندر، ولعل هذه البساطة الأسلوبية الدالة، الأقرب إلى السهل الممتنع، هي التي دفعت بعض النقاد الفرنسيين إلى وصف هذا الأسلوب بـ«التقنية الموديانية» التي تنتسب إليه، ولا يشترك فيها كثيراً مع أقرانه الروائيين.
لا يراهن موديانو على تقنيته المميزة، وأسلوبه المتقشف فحسب، وإنما يعتمد على التيمة المتصدِّعة التي يفتِّتها عن عمد، ويترك للقارئ حرية تجميع شظاياها المتناثرة في المتن السردي المتداخل. ففي «أزاهير الخراب» هناك قصص وحكايات مبعثرة تحتاج إلى من يتأملها جيداً على انفراد أو يدمجها معاً أو يعيد ترتيبها من جديد خصوصاً أنّ أزمانها المتعددة تتوزع على ثلاث مراحل وهي ثلاثينات القرن الماضي، وستيناته، ثم نصل إلى مرحلة التسعينات، وليس بالضرورة أن يأخذ الزمن منحى خطياً مستقيماً، فقد يعمد الراوي إلى التنقّل بين المراحل حسب الأحداث والمواقف التي يمرّ بها. وربما يؤكد الحدث الأول صحة ما نذهب إليه، إذ يتذكر الراوي في 24 أبريل (نيسان) 1933 انتحار زوجين شابين لأسباب غامضة. ثم يقفز إلى الستينات ليخبرنا بقصة ديفيز، نزيل الغرفة المجاورة في شارع دولامبر، الذي أمضى ثلاث سنوات في الجبال لكنه نفر من الحرب، وأخيراً ينهمك في قصة باشيكو الذي يمتلك عدداً من الأصدقاء المغاربة والاسكندنافيين، ويتقنّع باسم فيليب دي بيلّون. القصص والحكايات المتواشجة مع المتن السردي كثيرة ويصعب حصرها رغم أن عدد صفحات الرواية لا يتجاوز الـ119 صفحة. ومن بين هذه الحكايات حكاية الراوي الذي يستذكر «الموجة الجديدة» التي برزت في الستينات، حيث علق بذاكرته فيلمان مهمان وهما «لُولا» 1961 لجاك ديمي، و«وداعاً يا فلبين» 1962 لجاك روزييه. ثم تظهر أمكنة متعددة تنطوي على وقائع وأحداث كثيرة بعضها مريب، ولافت للانتباه مثل «جزيرة الذئاب»، والمدينة الجامعية، ومعسكر داشو، ومطعم «بيرّو» وما سواها من الأمكنة التي ركّز عليها الراوي. ولو أحصينا عدد الشوارع في النص الروائي لوجدنا أكثر من 60 شارعاً وجادة، أما عدد المحطات، والساحات، والمقاهي، والأبراج، والحدائق، والجسور فهي كثيرة بمكان، ويندر أن تخلو منها أي صفحة من صفحات الرواية.
في كل رواية تنضاف إلى رصيد موديانو لا بد من شيء جديد فيها سواء في التقنية أو التيمة أو طريقة المعالجة الفنية، خصوصاً أن الروائي صار معروفاً بموضوعات محددة مثل الذاكرة، وتعرية النازية، واستدعاء التاريخ، والنبش في الأمكنة، والبحث في الوثائق والسجلات وما إلى ذلك. ويبدو أن تنويع الحكايات وتشظّيها، ونسف الفكرة الوحيدة التي تهيمن على النسق السردي هو جديد هذه «النوفيلا». ولا بد أن نحيط القارئ علماً بالحدَثين الرئيسيين، فالسيد «أوربان ت» مهندس شاب أحرز المرتبة الأولى على متخرجي دفعته في معهد الكيمياء، وتزوج من الآنسة «جيزيل س» التي تبلغ من العمر 26 سنة، وتكبره بسنة واحدة، وهي جميلة، ورشيقة، وزوجها مثال للفتى الوسيم الأسمر، وقد انتقلا إلى المبنى 26 في شارع «فوسيه - سان - جاك» الذي ستقع فيه حادثة الانتحار. اصطحب أوربان زوجته لتناول العشاء في أحد المطاعم. وفي الثانية بعد منتصف الليل عادا برفقة رجلين وامرأتين أحدثوا صخباً أرّق الجيران. وفي الرابعة فجراً غادر الضيوف الأربعة وعمّ الهدوءُ المنزل. وبعد نصف ساعة لا غير سُمع دوي طلقتين ناريتين لم يثيرا انتباه أحد. عند التاسعة صباحاً خرجت إحدى الجارات من شقتها وسمعت أنيناً عند الباب فتذكرت دوي الطلقتين وحينما طرقت الباب خرجت السيدة جيزيل والدم يسيل من تحت ثديها الأيسر فتمتمت بأن زوجها مات. وحينما وصل مانيان، مفوض الشرطة اكتشف أن زوجها قد انتحر برصاصة في القلب وأنه لا يزال قابضاً على المسدس بيده وإلى جانبه رسالة كتب فيها: «زوجتي قَتلت نفسها. كنُا ثملَين. لذا، أقتل نفسي. لا تتكبدوا مشقّة البحث». ثم أُقفل التحقيق. لم تأخذ الرواية نَفَساً بوليسياً بعد الحادثة، وإنما ظل الروائي يجد متعته في عملية البحث ذاتها بحيث أصبح الكشف عن الجاني هدفاً جانبياً. وعلى حساب هذه القصة التي لم تتكشف خيوطها بعد تبرز لنا قضية السيد باشيكو الذي يعمل في الخطوط الجوية الفرنسية، ويتردد على المدينة الجامعية، ولديه بطاقة طالب تفيد بأنه سجّل في كلية العلوم حتى يُغرقنا الراوي بتفاصيل نَسَبه، وحياته الأسرية فنعرف أن أباه من بيرو، وأمه نصف بلجيكية ونصف فرنسية، وأن نسبها متحدر من سلالة المارشال فيكتور، وأنّ اسمه في صباه كان فيليب دي بيلّون.
يركّز الراوي على مظهر فيليب الخارجي الذي يرتدي بدلة من الكتّان البيج، وينتعل حذاء من جلد الأيّل، وأنّ عمره مراوغ يترجّح بين الخامسة والثلاثين والخمسين عاماً. ورغم أنّ التحقيق قد أُغلق في قضية انتحار الزوجين فإن أخبارهما لم تمت كلياً، فبين آونة وأخرى يظهر خبر في هذه الصحيفة أو تلك مثل «حفلة العربدة المأساوية» أو إشارة إلى «المصعد الأحمر» في جزيرة الذئاب. كما أنّ أخبار باشيكو تتواتر بشكل متضارب تارة لاتصاله بالعدو، وتارة أخرى لمعاناته الكبيرة في معسكر الاعتقال التي أفضت إلى وفاته. يغادر باشيكو إلى المغرب ويودع حقائبه عند الراوي لكنه يعود بعد مدة لنكتشف أن الشخص الذي خدم الزوجين في مطعم «بيرّو» ليلة الحادث لا يُدعى باشيكو أو فيليب دي بيلّون وإنما شارل لومبار.
تغدو شخصيات الرواية شيئاً ثانوياً قياساً للأحداث المتعددة، فيما تُصبح الأحداث أقل أهمية من الأمكنة التي ركّز عليها الراوي أو الروائي ذاته بحيث تحول حي مونبارناس إلى بؤرة مكانية تتسيّد فيها المقاهي والحانات والمحطات المتعددة التي يتنقل فيها أبطال الرواية الأساسيون منهم والهامشيون على حدٍّ سواء لكنهم جميعاً يدورون في مفازة مضللة يصعب أن يخرج منها القارئ بنتيجة ملحوظة سوى متعة السرد ذاتها.
لم يعد موديانو مقتنعاً بالحكاية التقليدية، فلا غرابة أن يفتتها في أكثر من نص سردي، وقد سار في هذه الرواية عكس الزمن التصاعدي ليقدّم لنا ثلاثة أزمنة في آنٍ واحد هي: الزمن المضارع، وزمن الماضي القريب نسبياً، والماضي البعيد، كما أثث الفجوات الزمنية بأحداث فرعية لا تخلو من النفَس الدرامي الذي يتصاعد في كل حدث وينطفئ في نهايته.
أصدر موديانو أكثر من عشرين رواية نال عنها العديد من الجوائز مثل جائزة الأكاديمية الفرنسية، وجائزة الغونكور، وجائزة نوبل التي حققت له شهرة غير مسبوقة دفعت المترجمين إلى ترجمة رواياته إلى معظم اللغات الحية في العالم ومن بينها اللغة العربية حيث أتحفنا بسّام حجّار، ودانيال صالح، وناهد عبد الحميد، بالعديد من التراجم الموفقة لروايات موديانو.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
TT

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)

قال الممثل السوداني أمين بن رشيد إنه لم يرغب في تقديم شخصية «عثمان» التي يجسدها في فيلم «لمن يجرؤ»، بوصفها رجلاً ينتظر الشفقة، مؤكداً أن هشاشته أمام ظروف المنفى لا تسلبه كرامته أو قدرته على الحب والاختيار.

وأضاف بن رشيد، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن ما جذبه إلى «عثمان» هو إصراره على مواصلة الحياة رغم الخوف، ورغبته في أن يحب وأن يشعر بأنه محبوب، لافتاً إلى أن المنفى يفسر جانباً من تجربته، لكنه لا يختصر هويته؛ لأن بحث الشخصية عن الحب يرتبط أيضاً بمحاولتها استعادة حريتها، والإحساس بأنها لا تزال قادرة على الحلم، واتخاذ القرارات.

ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» الذي انطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وعرض أخيراً في مهرجان «الجونة السينمائي» علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تؤديها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينات من عمرها، و«عثمان» الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية، وبين فارق العمر واختلاف الخلفيات، ورفض المحيطين بهما، يحاول الاثنان حماية علاقتهما، بينما يضاعف اضطراب الواقع من حولهما صعوبة البحث عن حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام اختبارات تتجاوز ما يملكانه من رغبة في البقاء معاً.

وأوضح بن رشيد أن فهم شخصية «عثمان» اقتضى تخيّل حياة تسبق ظهوره الأول على الشاشة، بما تحمله من خسارات وذكريات وأمور يحتفظ بها لنفسه مشيراً إلى أنه بحث عما تركته هذه التجارب في نظرات الشخصية وحركتها وطريقتها في الاقتراب من الآخرين، حتى يشعر المشاهد بوجود ماضٍ يؤثر فيها، من دون أن يحتاج الفيلم إلى روايته كاملاً أو تفسير كل تصرف يصدر عنها.

ولفت إلى أن وضع «عثمان» القانوني يفرض عليه شعوراً مستمراً بعدم اليقين، يمتد أثره إلى أبسط تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل، موضحاً أنه أراد إبقاء هذا القلق حاضراً في الأداء من دون إظهاره في كل لحظة، فيواصل الحب والرغبة واتخاذ القرارات، بينما يظل احتمال فقدان ما يبنيه قائماً، وهو التوتر الذي وجده أساسياً في فهم الشخصية.

وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان من الجوانب التي حرص على تركها مفتوحة داخل الشخصية؛ إذ يمكن للقاء عاطفي أن يصبح ملاذاً لإنسان يعيش عدم الاستقرار، من دون أن ينفي ذلك صدق مشاعره. موضحاً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».

هيام عباس وأمين بن رشيد في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن فارق العمر لم يكن نقطة الانطلاق في بناء العلاقة مع البطلة، بل تاريخ كل شخصية وما تحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن تجده لدى الأخرى. مشيراً إلى أن الوصول إلى ألفة مقنعة تطلّب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجأة، لقناعته بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينشأ من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما في أثناء المشهد.

واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد ظل حاضراً في ذهنه خلال العمل، حين قالت له إنها تريد إظهار الحب، موضحاً أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي دفعته إلى البحث عن الحنان وحاجة كل شخصية إلى الأخرى، والانتباه إلى النظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجوار «سوزان»، حتى يصل إحساسهما إلى المشاهد من دون تأكيد مباشر.

وتابع أن العمل إلى جانب هيام عباس عزز لديه أهمية أن يظل الممثل منفتحاً على شريكه، مهما بلغ استعداده للمشهد، مشيراً إلى أن التحضير يمنحه فهماً للشخصية، لكنه يحتاج في أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث أمامه والاستجابة له، وهذه التجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح للمشهد بالتطور.

وعن غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين للعلاقة التي تربطه بالبطلة، أوضح بن رشيد أنه يرتبط بشعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فيجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان، لافتاً إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات مختلفة، فيظهر الغضب أحياناً، ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين به القدرة على تقرير مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.

صناع الفيلم خلال حضور عرضه العالمي الأول في برلين (إدارة مهرجان برلين)

وأكد أنه لم يكن مطالَباً بالاتفاق مع جميع قرارات الشخصية كي يؤديها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها ممكنة بالنسبة لها، خصوصاً أن تصرفاً يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح مفهوماً عند النظر إلى تاريخ صاحبه ومخاوفه ورغباته.

وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى المشاهد في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات التي تسبق أحياناً معرفة الأفراد، مؤكداً أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل حكاياتهم، وإتاحة التعرف إلى ما يجمعنا بهم، مع الاحتفاظ بخصوصية تجاربهم وما يميز مساراتهم.

وعن طموحاته المقبلة، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتحولات عميقة، وتتيح له الخروج من الصورة التي قد يتوقعها الآخرون منه، معرباً عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً، أو تنتمي إلى عوالم خيالية مع سعيه إلى بناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات تتنوع أصولها وحكاياتها.


مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

تراهن مصر على السياحة النيلية لتعزيز قدرة هذا النمط على جذب مزيد من السائحين والاستثمارات السياحية، بعد الاتفاق مع شركة صينية متخصصة لبناء وتشغيل سفينتين سياحيتين «5 نجوم» للعمل في رحلات نيلية بين الأقصر وأسوان.

جاء ذلك ضمن لقاءات عقدها وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع مسؤولي ومديري شركة «Century Cruises of China»، إحدى الشركات الصينية الكبرى العاملة في مجال السياحة النهرية على مستوى العالم، التي تتمتع بحضور قوي في السوقين الصينية والأميركية، خلال المشاركة المصرية في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM London 2026). وبحث الوزير مع مسؤولي الشركة سبل التعاون المشترك في مجال السياحة النيلية، وتعزيز الاستثمارات والتوسع في هذا المنتج السياحي المهم. وفق بيان للوزارة.

واستعرض مسؤولو الشركة الصينية حجم أعمالها في مصر، وخططها التوسعية المستقبلية بالسوق المصرية، مشيرين إلى اعتزامها بناء وتشغيل سفينتين سياحيتين في مصر من فئة الخمس نجوم، للعمل في مجال السياحة النيلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، على أن يتم تشغيلهما اعتباراً من عام 2028.

السياحة النيلية تزدهر في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

وأوضحوا الخطط التسويقية لإطلاق هذه السفن ومناقشة إمكانية التعاون مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي لتنفيذ حملات ترويجية مشتركة ومتنوعة للترويج للسفينتين والبرامج التي تنظمها الشركة لمنتجات سياحية أخرى، مثل سياحة الحوافز والمؤتمرات.

وأبدى شريف فتحي ترحيبه بالخطط الاستثمارية التي تعتزم الشركة تنفيذها في مصر، مؤكداً أن التوسع في بناء وتشغيل السفن السياحية ذات المستوى المتميز من شأنه دعم الطاقة الاستيعابية لمنتج السياحة النيلية، وتعزيز تنافسية مصر في مجال السياحة الفاخرة.

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية بها، مثل السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وتنضم السياحة النيلية لهذه الأنماط بوصفها نمطاً سياحياً قابلاً للاستثمار فيه وتعزيز مقوماته في مصر، خصوصاً في العاصمة والمدن التي تزدهر فيها السياحة الثقافية وتنتشر بها المواقع الأثرية مثل الأقصر وأسوان.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «الاستثمار الصيني في السياحة النيلية من شأنه أن يعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق السياحية، كما أن التوجه لبناء وتشغيل سفينتين بين الأقصر وأسوان باستثمارات صينية لا يؤدي لزيادة الطاقة الفندقية أو الاستيعابية للسياحة النيلية فقط، بل يمتد أثره ليشمل الاستفادة من خبرات كبيرة في السياحة النهرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن هذا التوجه يعطي تجربة سياحية تجمع بين الرفاهية والسياحة والتاريخ، وتجمع بين الإقامة الفندقية والرحلات النيلية وزيارة المواقع السياحية في الأقصر وأسوان، ويجذب شريحة من السائحين مرتفعي الإنفاق».

السياحة النيلية لها أشكال ومظاهر عدة (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى ضرورة «دعم هذا التوجه بتحسين ودعم الخدمات والإنشاءات، مع ضرورة مشاركة الشركات في التشغيل والتنظيم».

ويؤكد أن هذا التوجه «فرصة لتحويل السياحة النيلية لتجربة سياحية عالمية على مدار العام، ويربط بين السوقين السياحيتين المصرية والصينية، ويؤدي إلى جذب الاهتمام العالمي بهذه السياحة، ما يعود بالنفع على السياحة النيلية وعلى التنمية السياحية، خصوصاً بمحافظات الصعيد».

وسبق أن أعلنت وزارة السياحة المصرية عن خطط لتنمية وتعزيز السياحة النيلية، ضمن خطتها للترويج للأنماط والمقاصد السياحية المصرية في حملات دعائية، أو عبر المعارض السياحية، وتستهدف مصر نمواً في قطاع السياحة، ليصل عدد السائحين إلى 30 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2030.


«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
TT

«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)

توّج مهرجان البحرين السينمائي الفنانة المصرية يسرا بجائزة «الإنجاز مدى الحياة» خلال حفل افتتاح دورته السادسة، الذي أقيم الخميس، بحضور وزير الإعلام البحريني الدكتور رمزان بن عبد الله النعيمي، وعدد من الشخصيات الفنية البحرينية ونجوم السينما العربية.

وظهرت الفنانة يسرا بإطلالة لافتة، وقالت خلال تسلمها الجائزة: «لقد مضى على حياتي الفنية 50 سنة من عمري وأنا أحب الفن وأقدره، والحب الذي بيني وبينكم وبين كل الناس في جميع أنحاء العالم كان وراءه الفن». وأضافت: «أشكركم لأنكم تمنحونني جائزة على مدى الحياة، وقد شرفت أنني تعاملت مع أهم المخرجين والفنانين في تاريخ الفن المصري والعربي، وحقيقة لم أشعر بمُضي هذه السنوات، لكنني أؤكد لكم أنني أعيش بمحبتكم ومساندتكم».

وعبّرت يسرا عن سعادتها بالتكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر بسعادة كبيرة لهذا التكريم وتزداد سعادتي أن يحظى الفن في الوطن العربي بتقدير كبير، وأن تكون قيمته كبيرة لدى الجمهور، وأشكر مهرجان وجمهور البحرين، وأقدر كثيراً الرقي والذوق الذي يتعاملون به».

ويأتي تكريم «البحرين السينمائي» ليسرا، بحسب المهرجان، احتفاء بمسيرة فنية ممتدة رسّخت حضورها في السينما العربية، وجعلتها واحدة من أبرز نجمات الشاشة على مدى عقود، وتقديراً لأعمالها الفنية التي اتسمت بالتنوع والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، واستمراراً لحضورها الفني على مدى أجيال متعددة، وطرحها أفلاماً لامست قضايا المجتمع والإنسان.

كما شهد حفل الافتتاح تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي، ومنحه جائزة «الريادة في الثقافة السينمائية البحرينية» تقديراً لدوره في تأسيس «نادي البحرين للسينما» قبل أكثر من نصف قرن، ما وفّر مساحة للحوار عبر أجيال تفاعلت مع الفن السابع، وهو النادي الذي يقيم مهرجان البحرين السينمائي سنوياً.

تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي (وكالة أنباء البحرين - بنا)

وتشهد الدورة السادسة التي تقام خلال الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مشاركة نحو 90 فيلماً، تُعرض عبر عدد من المسابقات، تختص إحداها بالأفلام البحرينية، وأخرى بالأفلام الوثائقية، إلى جانب مسابقة أفلام الطلبة ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة التي تشهد مشاركات عربية، من بينها الفيلم المصري «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، والفيلم اللبناني «لآخر رقصة» للمخرجة نور عقيقي، والفلسطيني «منع أمني» للمخرج تامر شوامرة، والسوري «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، والمغربي «حدائق الجنة» للمخرجة صونيا الطراب.

وعَد الناقد السينمائي البحريني أسامة الماجد تكريم يسرا «هو تكريم لؤلؤة السينما العربية» وفق وصفه، مؤكداً أنها استحقت هذا الاحتفاء نظير ما قدّمته من أعمال خالدة وأدوار ما زالت عالقة في أذهان المشاهد العربي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هي فنانة تمتلك حضوراً خاصاً وقدرة على منح شخصياتها حياة تبقى معنا طويلاً، وتكريمها تقديراً لمسيرة ثرية بالعطاء والإبداع».

كا عَد تكريم البحريني نادر المسقطي وفاءً مستحقاً لأحد رموز الإبداع والثقافة السينمائية وأحد الرواد الأوائل الذين أسهموا في تأسيس الوعي بالفن السابع وترسيخ حضوره، عاداً أنه أمر مهم أن يحتفي المهرجان بمن وضعوا اللبنات الأولى لهذه المسيرة.

وأشار إلي أن «البحرين السينمائي» يواصل ترسيخ مكانته بخطوات واثقة، وأن كل دورة تحقق تقدماً ملموساً عن سابقتها، سواء في عدد الأفلام المشاركة وجودتها، أو في تنوع الفعاليات واتساع آفاق اللقاء بين المبدعين.

ويرى الماجد أن «الورش التي يقيمها المهرجان تمنحه قيمة معرفية مهمة، وتفتح أمام الشباب مجالاً للتعلم والحوار والاحتكاك بأصحاب الخبرة، وتجعله مساحة لاكتشاف المواهب ومناقشة التجارب وتطوير أدوات صناعة الفيلم، وأن المهرجان يحضر بقوة على خريطة المهرجانات السينمائية العربية».

حضور عربي لافت في افتتاح «البحرين السينمائي» (وكالة أنباء البحرين - بنا)

فيما يرى الناقد المصري خالد محمود أن تكريم يسرا بمهرجان البحرين بمثابة حصاد لمشوار سينمائي قطعته بإصرار ونجاح، ومسيرة استثنائية لفنانة تركت أثراً في السينما المصرية والعربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «يسرا قدّمت أدواراً أثقلت تجربتها مع كبار مخرجي وفناني السينما المصرية بأعمال مهمة، على غرار أفلامها مع المخرج الراحل يوسف شاهين، ومع الفنان الكبير عادل إمام، الذي شاركته البطولة في أفلام عديدة سياسية وكوميدية»، مؤكداً أنها «لا تزال تواصل حضورها الفني بنفس الإصرار والحماس».

وبدأت يسرا مسيرتها الفنية منتصف سبعينات القرن الماضي، عبر أدوار البطولة في أفلام «فتاة تبحث عن الحب»، و«قصر في الهواء» و«شباب يرقص فوق النار»، ولقبت في ذلك الوقت بـ«نجمة أفلام العلب»، بعد أن ظلّت أفلامها حبيسة العلب بعد تصويرها لعدة سنوات، لتنطلق مسيرتها بعد ذلك بأدوار لافتة، من بينها «الإنسان يعيش مرة واحدة» أمام الفنان عادل إمام، وإخراج سيمون صالح، و«لا تسألني من أنا» أمام الفنانة الراحلة شادية وإخراج أشرف فهمي، و«الصعاليك» إخراج داوود عبد السيد، وتواصلت أفلامها مع المخرج الكبير يوسف شاهين في «إسكندرية كمان وكمان»، و«المهاجر»، و«إسكندرية نيويورك».