آل باتشينو العائد إلى البطولات المطلقة: من الصعب أن أجد الأدوار التي تستهويني

قال في حوار لـ «الشرق الأوسط» أنه لا يعد نفسه مخرجا بل ممثلا

آل باتشينو مع غريتا غرويغ في «منغلهورن» وفي الاطار آل باتشينو
آل باتشينو مع غريتا غرويغ في «منغلهورن» وفي الاطار آل باتشينو
TT

آل باتشينو العائد إلى البطولات المطلقة: من الصعب أن أجد الأدوار التي تستهويني

آل باتشينو مع غريتا غرويغ في «منغلهورن» وفي الاطار آل باتشينو
آل باتشينو مع غريتا غرويغ في «منغلهورن» وفي الاطار آل باتشينو

فيلمان لآل باتشينو (74 سنة) عُرضا في مهرجان «فينسيا» الأخير يؤكدان مجددا على أنه أحد أهم رموز التمثيل في السينما العالمية. في فيلم «الإذلال» يلعب دور الممثل السابق الذي يرفض العودة إلى التمثيل ويغوص في مشكلات مع فتاة تصغره سنّا قبل أن يقرر الاستجابة لحبّه الأول ويعود في مسرحية شكسبيرية. وفي «منغلهورن» هو صانع المفاتيح الذي يعمل بصمت منطويا على حب قديم لا يزال مشتعلا في قلبه رغم استحالة العودة إليه.
كلا الفيلمين انتقل من مهرجان فينسيا إلى مهرجان تورونتو بأمل العثور على موزع لها ذلك أنهما أنتجا بمعزل عن الاستوديوهات الكبيرة والمؤسسات الإنتاجية الضخمة التي توفر لهما عقودا للتوزيع داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر.
يشير باتشينو في حديثنا معه بين واقع العمل في أفلام من هذه الفئة الفنية (المستقلة) ومصاعبها في الوصول للجمهور الذي ما زال يحفظ له أدواره القممية مثل «العراب» و«سربيكو» و«سكارفايس» و«طريقة كارلتو» أكثر مما يحفظ له معظم أدواره الأخيرة ومنها «في أي يوم أحد» و«دوني براسو» و«88 دقيقة» و«قتل صائب».
كل من «منغلهورن» و«الإذلال» يقدّم الممثل باتشينو في دور بطولة أول، هناك ممثلون آخرون معه مثل هيلين هانت في «منغلهورن» وغريتا غرويغ وكايرا سيدجويك في «الإذلال»، لكن باتشينو يظهر في كل مشهد من مشاهدهما مستوليا على الاهتمام وباثا روح الإعجاب عبر الطريقة الذكية التي يتعامل فيها مع دوريه.
وهذا نص الحوار الذي دار معه على هامش مهرجان فينيسيا السينمائي:
* فيلمان معا في فينسيا كلاهما يشير مجددا إلى موهبتك الرائعة التي تكتنزها. هل أنت في مرحلة جديدة من حياتك المهنية؟
- ‬ لا أعلم تماما كيف أجيب عن هذا السؤال. من ناحية مهنة الممثل متواصلة تدخل أحيانا في منعطفات وتصعد هنا وتهبط هناك لكن من ناحية ثانية لا أعرف كيف أنظر إليها كمراحل. لقد وجدت نفسي معجبا بهذين المشروعين لأن كلتا الشخصيّتين جديدة ولأنني كممثل مطالب بالبحث دائما عن أدوار جيّدة. في الآونة الأخيرة، لنقل في السنوات العشرين السابقة، صار من الصعب أن يجد الممثل، مثلي، الأدوار التي تستهويه متى شاء.
* ماذا تقصد بممثل مثلي؟
- أقصد ممثلا من جيلي. حين بدأت في الستينات كان المستقبل ما زال بعيدا يتحقق تدريجيا في كل فيلم خطوة خطوة.. أو فيلم وراء فيلم. لكن كما لا شك أنك تعلم اختلف الجمهور عما كان عليه في تلك السنوات السابقة، صار – لنقل - أكثر انتقاء لما يعجبه. بما هو متصل بالتطوّرات الحديثة. يشاهد الأفلام التي تتضمّن الكثير من الحركة والمؤثرات ويبتعد عن تلك التي تتحدث عن الإنسان بعزلة عن العناصر التي تثير إعجابهم. لا أقصد نقد هذا الجمهور فهو في النهاية يفعل ما يريد، لكني أقصد أن مثل هذه المواضيع التي شاهدتها في «منغلهورن» و«الإذلال» هي مواضيع للراشدين الذين يعرفون (المخرج) باري ليفنسون وإنجازاته ويعرفون هيلين هانت الرائعة ويعرفونني.
* كيف بدأت العمل على «الإذلال»؟ أعتقد أنك كنت مسؤولا عن المشروع إلى حد ما.
- نعم، إلى حد ما. لقد اشتريت حقوق رواية فيليب روث وطلبت من باري ليفنسون أن يقوم بإخراجها. بعد أن أصبح السيناريو جاهزا مررنا بكل المراحل العادية التي تسبق التصوير واخترنا الممثلين وقمنا باختيار مكان التصوير.. أردت أن يبدو الفيلم مثل حكايته، جميلا في أماكن حدوثه ومرتاحا.
* هل كان لدى الكاتب روث أي اقتراحات محددة بالنسبة لهذا العمل؟
- الكتاب والفيلم وسيطان مختلفان تماما. كان لديه تصوّره بطبيعة الحال، لكن للفيلم حالته الخاصّة طبعا وقد لا يعبّر كل منهما عن الآخر على نحو كامل. الرواية أساسا درامية جادة لكن (كاتب السيناريو) بك هنري وباري ليفنسون اقترحا جعلها أقرب إلى الكوميديا الساخرة. كوميديا خفيفة من دون أن تفقد معانيها وأزمة بطلها. لا أعتقد أن روث كان يتصوّر أنه يمكن خلق فيلم كوميدي من كتابه.
* إذن ليست هناك من مراحل في الحياة الفنية، أو هكذا تنظر أنت إلى سنوات المهنة، لكن يبدو أنه من الممكن اعتبار أدوارك في السنوات العشرين الأخيرة قد انقسمت إلى فئتين: أفلام تذكّر المشاهد بأدائك الرائع سابقا وبأفلام كانت تنفيذا لعقود. هل توافق؟
- ظهرت في خمسين فيلما لكن حتى في سنوات البداية، في السنوات الذي كان اسمي ما زال جديدا ومهنتي في صعود نسبة للأفلام التي مثّلتها، ستجد بين ما مثلته في السبعينات والثمانينات أفلاما، كما تقول، تنفيذية. لم أحاول أن تكون كذلك ولم أمثل فيلما واحدا لأن هذا هو المطلوب مني أن أقوم به، لكن أقصد أن أقول إن المستويات لا يمكن أن تكون واحدة طوال هذه الفترة أو في أي فترة من فترات المهنة. نتحدث عن عشرات الأفلام وليس عن خمسة أو ستة أفلام. لكن أعتقد أن بعض الأفلام الأخيرة التي مثلتها لم تنجز كما كنت أنا كممثل أو أنت وسواك كمشاهدين نتمناها. هذا طبيعي.
* في كلا هذين الفيلمين الجديدين تؤدي عمرك الحقيقي أو ما هو قريب منه. هل هذا سهل أم صعب؟
- (يضحك) سؤال ذكي. أحب الطريقة البسيطة التي وضعته بها. أعتقد أنه سهل من جانب أنه ليس علي أن أمثل شخصية أصغر سنّا. أحيانا الممثل محكوم بمثل هذا الدور وعليه أن يحسب أن سلوكه أمام الكاميرا يجب أن يتماثل والعمر الذي ينص عليه الدور حتى ولو كان الفارق عشر سنوات أو خمسة عشر سنة. هنا لم تكن هناك حاجة لذلك. لكن الصعوبة هي في أن الكثير من المشاعر المتداخلة في هاتين الشخصيّتين تلتقي والمشاعر التي تخالج الممثل لأنه ليس ممثلا أصغر سنّا يحاول تقليد كيف يشعر أو يتصرف لو كان بمثل هذا العمر. هل تفهمني؟ أعتقد أنه وضع من ذلك الذي يمكن وصفه بالمثالي.
* كيف تشعر شخصيا حيال كونك أصبحت في السبعينات من العمر؟
- العمر هو ما أنت عليه. لا تستطيع أن تخدعه. تستطيع أن تتمتع باللياقة والصحة وتتغلب بذلك على الشروط البدنية التي تمر بها في تلك السن لكنك لا تستطيع أن تتصرّف كما لو كنت ما زالت الشخص الذي عرفته حين كنت صغيرا وبنفس الطريقة.
* هل اضطررت خلال تصوير «منغلهورن» أو «الإذلال» للقيام بأي جهد بدني؟
- كما رأيت لم يتطلب أي من هذين الفيلمين حركة سريعة أو مطاردة أو سقوطا أو أي شيء من هذا القبيل. لكن «منغلهورن» تطلب مني التصوير في مكان لم أزره من قبل والنوم على سرير ليس لي وهذا وجدته صعبا. إذا لم أكن متآلفا مع المكان قد لا أرتاح نفسيا له إلا من بعد الاعتياد عليه وحين أعود إلى منزلي أشعر بأن عطلتي بدأت الآن.
* سألتك قبل أكثر من سنتين عما إذا كنت تريد الاستمرار في الإخراج. كنت آنذاك انتهيت من تصوير «سالومي».. أسألك الآن إذا ما كان لديك فيلم جديد ستقوم بإخراجه.
- لا أعتقد. ليس لدي رغبة في ذلك. حوافزي للإخراج ليست كحوافز باقي المخرجين ولا أعد نفسي مخرجا، بل أنا ممثل أخرجت بعض الأفلام التي كانت ولا تزال تعني شيئا خاصّا جدا بالنسبة إليّ. أحببت «سالومي» مع جسيكا شاستين. لا أشعر بأني أمتلك ما يتألف منه الإخراج كمهنة أو كحرفة. أنا بصراحة غريب عنه، حتى ولو أعجب النقاد.
* آنذاك كنت في سبيل عودتك إلى المسرح لتمثيل «غلنغاري غلن روس». كيف تبدو التجربة الآن؟
- أعتقد أنك شاهدت الفيلم ولم تشاهد المسرحية لذلك أستطيع القول إن هناك فروقا كبيرة بينهما. بالنسبة لي مثير للاهتمام كثيرا أني قمت بالتمثيل في ذلك الفيلم وقمت أيضا بتمثيل المسرحية. في السابق كان هناك ممثلون يداومون تمثيل الشخصية ذاتها في أكثر من فيلم. كأن يشتهر الممثل بأداء شخصيات شكسبيرية، مثل لورنس أوليفييه مثلا، رغم أنه مثل خارج شكسبير أكثر مما مثل شكسبير في السينما على الأقل. هذا جيّد ولا أعتقد أنه أمر سيئ، لكن بالنسبة لي محدود لأن الأعمال التي عرفتها كانت أكثر تنوّعا ولم يشكل أحد منها منوالا دائما. لم أعمد إلى تقديم شخصية واحدة في أكثر من عمل إلا في «العرّاب» طبعا وفي «غلنغاري غلن روس».
* كيف تنظر إلى ممثلي الكوميديا هذه الأيام؟
- هل تريدني حكما على الزملاء الآن؟ لا أستطيع.
* قصدت أن أقول التمثيل الكوميدي هذه الأيام.
- هذا أفضل. المشكلة ليست في الممثل بل في الكتابة. هناك سيناريوهات مكتوبة بدقّة وبروح فنية عالية وتدرك قيمة العمل الذي يود صاحبه أن يراه على الشاشة، وهناك كتابات تبدو لي عشوائية وهي التي تتيح بالتالي لظهور أفلام كوميدية تحمل تمثيلا رديئا. أحيانا هي في الأساس ضعيفة البنيان والكيان. عندما تقرأ سيناريو، وأنا أتكلم الآن عن أي سيناريو، يتحدّث مستواه إليك بوضوح. أنت حر بعد ذلك في أن تقوم به أولا.
* هل ستحاول إيجاد موزّعين للفيلمين في تورونتو؟
- بالتأكيد، إلى جانب أنني أحب المدينة وأحب أجواء ذلك المهرجان كثيرا.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».