إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد

التألق في المطبخ لا يعني النجاح التجاري

إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد
TT

إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد

إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد

جاء الإعلان في شهر مايو (أيار) الماضي عن إفلاس 22 مطعماً في بريطانيا تحمل اسم الشيف الشهير جيمي أوليفر، ويتخصص معظمها في الوجبات الإيطالية والباربيكيو، كمفاجأة مدوية لزبائن هذه المطاعم، خصوصاً أن وراءها شيف بارع اشتهر تلفزيونياً منذ تسعينات القرن الماضي، وكانت له أكثر من مبادرة لنشر الوجبات الصحية بين الشباب وتلاميذ المدارس. ونتج عن هذه الصدمة فقدان ألف عامل في هذه المطاعم لوظائفهم.
ولكن هذا السقوط المدوي لم يكن مفاجأة للنقاد والإعلام، حيث كان السر المباح للكثيرين هو أن مطاعم جيمي أوليفر تعاني من المتاعب المالية منذ فترة طويلة، كما أنها عانت من المنافسة المتزايدة، وتلقت الكثير من التعليقات السلبية من زبائنها. ولكن ربما كان السبب الأهم هو أن أوليفر الذي أدرك قمة النجاح في المطبخ لم يتقن أبداً فن الإدارة. وبلغت قيمة ديون مطاعم أوليفر عند إعلان إفلاسها نحو 71.5 مليون إسترليني (93 مليون دولار).
وعلى الرغم من الفشل الإداري، فإن جيمي أوليفر ما زال متعدد المواهب، فهو يتميز تلفزيونياً بأنه هادئ الأعصاب، وليس مثل غيره من سليطي اللسان فاقدي الأعصاب. وقد اختلط أوليفر في ذروة نجاحه بنجوم هوليوود والمشاهير في بريطانيا، يعلمهم فن الطبخ البسيط، ويتبادل معهم الحديث الضاحك، وهو أيضاً مؤلف ناجح لكتب الطبخ البريطانية التي كانت تسيطر عليها النساء من أمثال ديليا سميث. كما صرح مرات بأنه عازف للطبلة في فرقة موسيقية.
وكان من الطبيعي بعد هذا النجاح أن يفتتح أوليفر في عام 2008 أول مطاعمه الذي اختار له مدينة أكسفورد. وتبع ذلك توسع سريع، وربما غير محسوب، بلغ معه 43 مطعماً في عام 2016. وهنا، بدأت متاعب أوليفر تظهر جلياً، خصوصاً في جانب السيولة المالية. واحتاج أوليفر قبل 3 سنوات لقرار سريع لإنقاذ مطاعمه، وقرر ضخ 13 مليون إسترليني (17 مليون دولار).
ولكنه اضطر بعدها لتصفيه أعماله في 12 مطعماً، وتسريح أكثر من 600 عامل. وتهاوت الصورة الإيجابية لجيمي أوليفر ومطاعمه، وانهارت معها الروح المعنوية لعمال المطاعم. وتوالت التعليقات السلبية من الزبائن التي تراوحت في أفضل صورها بين أن الوجبات التي تقدمها مطاعم أوليفر أقل من العادية، ولا تستحق الثمن الباهظ الذي يدفع فيها. أما أسوؤها فقد أطلق العنان للأوصاف السلبية في تجربة تناول الطعام في مطاعم الشيف الشهير.
ما لم يقدره أوليفر في السنوات الأخيرة هو أن هيكلية السوق اختلفت ودخلت المنافسة كثير من المطاعم المجددة بوجبات جديدة وأسعار أرخص، منها أسماء مثل كارلوشيو وغاوتشو وبايرون وغورميه برغر وبريتزو ولا تاسكا. ولكن حتى هذه المطاعم واجهت متاعب مالية، واضطر بعضها لإغلاق فروع. وبسبب الحالة الاقتصادية غير المستقرة في بريطانيا هذه الأيام مع ترددات الخروج من الاتحاد الأوروبي، زادت حالات إفلاس المطاعم في بريطانيا بنسبة 35 في المائة إلى 1100 مطعم في العام الماضي.
وعانت المطاعم في بريطانيا بشكل عام من ارتفاع الإيجارات التجارية عليها، خصوصاً في المواقع الجيدة، مع ضرائب متصاعدة. وكانت متاعب مطاعم جيمي أوليفر أكثر حدة من غيرها بسبب التوسع العشوائي السريع، مع فقدان روح الإتقان التي تميز بها أوليفر في بداية حياته العملية قبل التوسع غير المحسوب.
ويقول المقربون من أوليفر إنه تلقى نصائح خاطئة من المستشارين الذي أحاط نفسه بهم، ونصحوه بالاقتراض والتوسع بوتيرة سريعة. وتقول خبيرة أسواق الاستهلاك جولي بالمر إن المطاعم عانت أيضاً في الفترة الأخيرة من توسع شركات توصيل الطلبات إلى المنازل، من ديلفرو وأوبر وغيرهما. وسحبت هذه الخدمات نسبة كبيرة من زبائن المطاعم، في الوقت الذي تصاعدت فيه الأجور والإيجارات والضرائب، مع تناقص العوائد. وفي ظل هذه الصعوبات، اتخذ أوليفر القرار بعدم تكرار ضخ المزيد من الملايين لإنقاذ المطاعم، وترك الأمور تجري في مسار إعلان إفلاسها.
أسباب السقوط
إلى جانب الأسباب العامة لمتاعب المطاعم البريطانية في حقبة توصيل الطلبات إلى المنازل، وارتفاع الإيجارات على المنافذ التجارية، التي أدت إلى إفلاس كثير من المتاجر الأخرى لصالح التسوق على الإنترنت، وتمحيص زبائن المطاعم لوجباتهم في المطاعم، وتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كان التوسع السريع في مناخ سلبي هو نقطة الضعف في خطة أوليفر التجارية.
ولكنه أيضاً على مر السنين ارتكب كثيراً من الأخطاء التي صدمت مشاهديه في فترة تألقه التلفزيوني. وبدأت متاعب أوليفر في عام 2005، عندما قام بذبح شاة صغيرة على الشاشة، وأثار هذا العمل غضب عائلات وأطفالها قررت بعده مقاطعته. وبعد ذلك بخمس سنوات، شدد أوليفر على أنه لا يستخدم سوى المنتجات المحلية في وجباته ومطاعمه حتى يشجع المزارع المحلية. وسرعان ما انكشفت بعد ذلك كثير من الحالات التي كانت محتويات الوجبات مستوردة من مواقع كثيرة من داخل بريطانيا ومن خارجها.
وواجه أوليفر أيضاً كثيراً من الشكاوى الخاصة بالنظافة العامة في أثناء تحضير الوجبات. وكانت أشهر هذه الحالات في عام 2014، عندما اكتشف مفتشون من الصحة بقايا فئران ولحوم متعفنة وأطعمه منتهية الصلاحية في مطعم باربيكيو في لندن. وكانت هذه الأحداث كافية لأن تبعد زبائن أوليفر عن مطاعمه، ولكن ربما كان فشله الإداري هو الأخطر على مستقبله.
وفي عام 2015، اضطر أوليفر إلى إغلاق سلسلة مطاعم «يونيون جاك» التي حاول من خلالها تشجيع المطبخ البريطاني، بإعادة اختراع البيتزا الإيطالية. ثم عاود أوليفر الكرة بافتتاح مطاعم أخرى على الطراز الإيطالي. وجاء التوسع في التوقيت الخطأ اقتصادياً. وفي العام الماضي، اضطرت المجموعة إلى إغلاق 6 مطاعم إضافية، وقالت إن مخاوف «بريكست» كانت السبب في اتخاذ هذا القرار. ثم كانت اللطمة الأخيرة التي تحولت بسببها النظرة إلى أوليفر من شيف ناجح يسعى لنشر الطعام الصحي إلى رجل أعمال فاشل يسعى إلى الربح السريع بأي ثمن.
وبدلاً من مشاركة جمهوره في كيفية تحضير الوجبات البسيطة الصحية التي تمنع السمنة بين الأطفال، وترفع درجة الوعي لدى الوالدين، ساهمت زوجته في تعزيز الفكرة الخطأ عن الشيف الماهر المتواضع، بنشر صور لمنزلها السوبر فاخر في لندن، الذي تبلغ قيمته 9 ملايين إسترليني، على وسائط التواصل الاجتماعي، مما عزز الهوة بين أوليفر ومتابعيه وزبائن مطاعمه.
ويقول أصدقاء أوليفر من النقاد إن سقوطه كان بسبب تفوقه الذي جذب آخرين لمنافسته ومزاحمته في السوق. ففي عام 2016، وفي ذروة نجاح أوليفر وإدارته لنحو 43 مطعماً في بريطانيا، بدأت المبيعات في التراجع، ولكن مدير الشركة حينذاك سايمون بلاغدين استمر في التوسع. وفي غضون سنتين بين 2015 و2016، تحولت النتائج المالية من 2.4 مليون إسترليني من الأرباح إلى 9.9 مليون إسترليني من الخسائر.
وأكد العاملون في مطاعم جيمي أوليفر أنهم كانوا مستبعدين تماماً عن معرفة متاعب المطاعم التي يعملون فيها، ولكنهم لاحظوا أن الاستثمار في الصيانة والنوعية بدأ يتدهور. وحتى مدفوعات الحوافز للعاملين التي كان مقرراً لها الصرف تأخرت لمدة 3 أشهر.
وفي بداية العام الجاري، حاول أوليفر العثور على شركاء في الاستثمار لإنقاذ مطاعمه من الإغلاق، ولكن دراسات الجدوى من شركات المحاسبة كشفت أن المخاطر أعلى من المكاسب المحتملة، ولم يتقدم أي مستثمر للمشاركة.
وتقول عاملة سابقة في أحد مطاعم أوليفر في مدينة باث البريطانية أن البداية كانت ناجحة للغاية، لدرجة أن الزبائن كانوا يصطفون حول المبنى انتظاراً لدورهم في تناول وجبة متميزة بأسعار رخيصة. ولكنها الآن تفضل عدم الذهاب إلى مطاعم أوليفر لأن البدائل أفضل وأرخص.
أما كيت نيكولز، رئيسة جمعية الضيافة البريطانية، التي تضطلع بمصالح المرافق السياحية، فتقول إن جيمي أوليفر كان ضحية «كوكتيل سام» من ارتفاع التكاليف واختفاء إقبال الزبائن على المنافذ التجارية بأنواعها والسمعة السيئة بعد إفلاس بعض مطاعمه. وتشير مصادر أخرى إلى أن أوليفر وزع جهوده على كثير من المجالات، ولم يركز انتباهه في مجال محدد. فهو إلى جانب الكتب والتلفزيون ومجموعة مطاعم دولية، لديه أيضاً تعاقدات من شركات يورد إليها أطعمة، مثل محطات وقود شل التي يورد إليها سندويتشات يومياً.
ويعتقد البعض أنه كان على أوليفر أن يقصر نشاطه على ما يجيده، مثل الظهور التلفزيوني وتأليف كتب الطبخ، ولكن إدارة المطاعم تختلف عن هذه المواهب، وتحتاج إلى رجل أعمال حريص، وليس إلى شيف ماهر.
وتعكس هذه الحقيقة تعليقات الزبائن على مواقع إلكترونية مثل «تريب أدفايزر» التي منحت أول مطعم لأوليفر 3.5 درجة من 5 درجات. ولكن التعليقات الأخيرة على مطاعم أوليفر تشير إلى أن الوجبات «غير متميزة» والأسعار باهظة. ويعلق البعض أن مطاعم أخرى تقدم خيارات أفضل بالأسعار نفسها.
ويعلق عامل سابق آخر في أحد مطاعم أوليفر بأن مواقع افتتاح الفروع الجديدة لم تكن ملائمة، مثل القرى والمدن الصغيرة. كما أن المطاعم تحولت إلى المسار التجاري البحت، بدلاً من العناية بالنوعية، حيث كان العمال تحت ضغوط لخدمة الزبائن بسرعة حتى يغادروا ويفسحوا المقاعد لغيرهم. ويضيف أن ثمن الوجبة في المتوسط لم يكن يقل عن مائة جنيه إسترليني، ومع ذلك كانت دورة تناول الوجبة تتم بسرعة مماثلة لمطاعم ماكدونالدز.
ولا شك أن المطابخ المتميزة تحتاج إلى شيف ماهر، ولكن إدارة المطاعم والشركات تحتاج بالتأكيد إلى مواهب أخرى.


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.