رابطة اللاعبين المحترفين الإنجليزية لا تقوم بما يكفي لمكافحة العنصرية

شكوك في نياتها واتهامات بعجزها عن التعاون لوقف التمييز العرقي

جماهير  مونتينغرو تسب داني روز مدافع إنجلترا خلال مباراة بالتصفيات الأوروبية (رويترز)
جماهير مونتينغرو تسب داني روز مدافع إنجلترا خلال مباراة بالتصفيات الأوروبية (رويترز)
TT

رابطة اللاعبين المحترفين الإنجليزية لا تقوم بما يكفي لمكافحة العنصرية

جماهير  مونتينغرو تسب داني روز مدافع إنجلترا خلال مباراة بالتصفيات الأوروبية (رويترز)
جماهير مونتينغرو تسب داني روز مدافع إنجلترا خلال مباراة بالتصفيات الأوروبية (رويترز)

لم يكن من السهل في البداية معرفة ما يجب فعله في حملة «كفاية» التي أطلقتها رابطة اللاعبين المحترفين في إنجلترا لمكافحة العنصرية. وقد كان من الصعب التأكد مما إذا كانت فكرة هذه الحملة نابعة من الرابطة نفسها أم أنها جاءت في المنام لمسؤولي العلاقات العامة بإحدى الهيئات! فهل تعتقد الرابطة أن مجرد مطالبة اللاعبين بمقاطعة وسائل التواصل الاجتماعي لمدة 24 ساعة وإطلاق هاشتاغ جديد على موقع «تويتر» سيسهم في تقليل العنصرية في ملاعب كرة القدم؟ في الحقيقة، يشك البعض في أن الرابطة قد أطلقت هذه الحملة للتغطية على الأعمال المؤسفة المتعلقة برئيس الرابطة غوردون تايلور.
وتعد هذه هي المرة الأولى في إنجلترا وويلز التي يتم فيها دعوة الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بشكل احترافي للاحتجاج بصورة جماعية على العنصرية التي يتعرض لها كثير منهم. وكان يجب أن يتم الاحتجاج بصورة قوية ومؤثرة تسهم فعلا في مكافحة العنصرية، لكني لا أعتقد أن الأمر كان كذلك في هذه الحملة التي شنتها الرابطة. فهل يُعقل أن يكون رد فعل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم عبارة عن رموز تعبيرية على حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لمدة 24 ساعة لمكافحة العنصرية التي تؤرق عالم كرة القدم؟ في الحقيقة، أنا لا أعتقد أن هذه الحملة سيكون لها تأثير إيجابي على الإطلاق.
وقد أرفق الكثير من لاعبي كرة القدم نسخة من بيان الرابطة على حساباتهم الخاصة على موقع «تويتر»، وهو البيان الذي يقول: «معا، ندعو منصات التواصل الاجتماعي وهيئات كرة القدم إلى بذل المزيد من الجهد!». ولكي نكون منصفين يجب الإشارة إلى أن رابطة اللاعبين المحترفين لم تكتف خلال الفترة الماضية بإصدار هذا البيان، لكنها أشارت إلى أن المرحلة التالية من الحملة ستشمل، وفقاً للإعلان الأخير، إجراء محادثات مع وزيرة الرياضة، ميمس ديفيز. وقد أشارت الرابطة إلى وجود عنوان بريد إلكتروني مخصص للاعبين للإبلاغ عن أي إساءات يتعرضون لها عبر الإنترنت، في الوقت الذي يتم فيه الترتيب لعقد اجتماعات مع مسؤولي «تويتر» وفيسبوك وإنستغرام، حيث تعتزم الرابطة أن تخبر هذه الهيئات بأنه كان يتعين عليها القيام بالمزيد من الخطوات منذ وقت طويل لمكافحة العنصرية.
لكن من الممكن أيضا أن يتهم مسؤولو هذه الشركات رابطة اللاعبين المحترفين بالأمر نفسه ويؤكدون أنه كان يتعين عليها هي الأخرى القيام بالمزيد من الإجراءات منذ زمن طويل لمكافحة العنصرية! ويروي ستان كوليمور قصة في سيرته الذاتية عن الفترة التي كان يلعب خلالها مع نادي أستون فيلا، عندما اتهم علناً زميله السابق في نادي ليفربول ستيف هاركنس بتوجيه إهانات عنصرية له طوال إحدى المباريات. ونفى هاركنس هذا الأمر وهدد بمقاضاة كوليمور. وعند هذه النقطة، يقول كوليمور إن عدداً من المديرين التنفيذيين في رابطة اللاعبين المحترفين، بما في ذلك تايلور، تدخلوا وطلبوا من اللاعبين التوقيع على اعتذار مشترك للكشف عنه على الملأ. وكتب كوليمور يقول: «لقد طلبوا مني أن أعتذر عن وصفي بأنني زنجي. لقد أرادوا أن أعتذر لأن هاركنس سخر مني وقال إن والدتي صديقة لرجل أسود».
ربما يمكنكم أن تتفهموا، إذن، الأسباب التي تجعل كوليمور من بين أولئك الذين ينظرون دائما إلى رابطة اللاعبين المحترفين بعين الشك والريبة، وتتفهموا التصريحات التي قال فيها إنه يعتقد أن «الحملة التي أطلقتها الرابطة لمدة 24 ساعة تهدف في المقام الأول لكي تجعل بعض الأشخاص يشعرون بالرضا عن أنفسهم». ولا تعتقدوا أن كوليمور هو الوحيد الذي يتخذ هذا الموقف، فخلال حديثي مع نشطاء مناهضين للعنصرية مؤخرا قابلت كثيرين ممن يشككون في نيات الرابطة. وفي الحقيقة، لا يوجد قدر كبير من الرضا عن الرابطة بقيادة تايلور، خاصة أنه كان هناك الكثير من المناسبات التي دعت المرء للتساؤل عن الأسباب التي تجعل رابطة اللاعبين المحترفين رغم وجود 50 مليون جنيه إسترليني في رصيدها المصرفي لا تقوم بالمزيد من الإجراءات لمساعدة حملة «كيك إت أوت» لمناهضة العنصرية للقيام بالدور المطلوب منها على النحو الأمثل.
وللأسف، لم نجد إجابة مرضية على الإطلاق لهذا السؤال، نظرا لأن رابطة اللاعبين المحترفين لديها مدير تنفيذي يحصل على راتب سنوي يبلغ 2.2 مليون جنيه إسترليني، ومتحف للفنون في قاعة اجتماعات مجلس الإدارة. وفي المقابل، تعاني حملة «كيك إت أوت» من نقص مزمن في الموارد على مر السنين، لدرجة أنها كانت بحاجة إلى خطة إنقاذ مالي أكثر من مرة، وحتى وقت قريب كانت تدير أنشطتها من فوق محل للبيتزا في منطقة كليركينويل. وتحصل حملة «كيك إت أوت» على 125 ألف جنيه إسترليني فقط سنويا من رابطة اللاعبين المحترفين!
ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تحمل أمورا إيجابية عن آخر مرة اضطررت فيها إلى الاتصال برابطة اللاعبين المحترفين للحصول على تعليق بشأن تصريحات أربعة شهود عيان زعموا أن تايلور أشار إلى اللاعبين السود على أنهم «ملونون» في حدث يهدف لتعزيز التنوع والمساواة العرقية (لم يتذكر غوردون أي شيء من هذا القبيل وقال، باعتباره ناشطاً في هذا المجال منذ زمن طويل، إنه متأكد من أن هؤلاء الشهود كانوا مخطئين).
وقد وعدت رابطة اللاعبين المحترفين بأنها ستتطور لتواجه قضية العنصرية بشكل قوي، وبالتالي ربما ينبغي علي ألا أحاول التركيز بشكل كبير على ما حدث في الماضي وأن أركز بدلا من ذلك على ما سيحدث خلال الفترة المقبلة. وعلاوة على ذلك، فإنه من الجيد أن تعلم شركات وسائل التواصل الاجتماعي أنها لا تراقب الأشياء التي تنشر على مواقعها بشكل كاف في هذا الصدد.
فهل هناك صعوبة كبيرة، على سبيل المثال، في أن يتم تغيير عملية التسجيل التي تتيح لمن يكتب عبارة عنصرية أن يفتخر بما يكتب ويشعر بالجرأة بسبب عدم الكشف عن هويته؟ دعونا نتفق على أنه إذا كان هناك من يريد حقاً أن ينشر رسالة عنصرية، فلن يكون من الممكن أبدا إيقافه عن القيام بذلك، لكن هذه المواقع تستطيع أن تجبر الأشخاص الذين يقومون بذلك على الكشف عن هوياتهم الحقيقية، والقيام بالمزيد من أجل أن يصل انطباع لهؤلاء الأشخاص بأن ما يقومون به سيتسبب لهم في بعض المتاعب والمشكلات.
وبدلاً من ذلك، فإن الأمر الذي ربما يلخص الحال الذي نحن عليه الآن يتمثل في تصريحات لاعب واتفورد، كريستيان كاباسيلي، الذي قال إنه في آخر مرة أبلغ فيها عن تعرضه للعنصرية على موقع انستغرام فإنه تلقى ردا من الموقع بأنه درس شكواه ولم يجد أي تهديدات بالعنف! أو ماذا عن قصة زميلي روب هاريس، من وكالة أسوشيتد برس، الذي عثر بالصدفة على حساب على موقع «تويتر» لأحد مشجعي آرسنال يصف فيه ويلفريد زاها ومحمد صلاح بعبارات عنصرية بغيضة. وقد أرسل روب شكوى لموقع توتير بشأن هذا الحساب، وجاء الرد من «تويتر» كالتالي: «نحن نقدر مساعدتك في تحسين تجربة الجميع على موقع تويتر. التقريران اللذان أرسلتهما خلال الساعة الماضية سيجعلان هذا المكان أفضل وأكثر أماناً». وبعد أسبوع من هذه الشكوى، كان هذا الحساب المسيء لا يزال نشطا على الموقع! لكن ربما يكون الجزء الأكثر أهمية فيما تقوم به رابطة اللاعبين المحترفين يتمثل في أنها تروج لرسالة أصبحت أكثر وضوحاً على مدار العام الماضي، وهي أن هذه هي الحقبة التي يتم فيها الاستماع لشكاوى اللاعبين السود والآسيويين والمنحدرين من أقليات عرقية مختلفة. وفي مقابل ذلك، أعتقد أن المنظمين لهذه الحملة قد فاتهم أن يعقدوا مؤتمرا صحافيا يدعون إليه بعض اللاعبين البارزين ويمنحون وسائل الإعلام الفرصة في الترويج لهذه الحملة، سواء على القنوات التلفزيونية أو غيرها من وسائل الإعلام. في الحقيقة، يشعر المرء بأن كل شيء تم من دون تنسيق. ولم يشارك الكثير من اللاعبين الذين كان يُفترض أنهم سيهتمون بهذه الحملة وينشرون البيان الصادر من رابطة اللاعبين المحترفين على حساباتهم الخاصة. لقد انطلقت الحملة وانتهت واتضح أنها لم تصل إلى الجميع في نهاية المطاف.
أما النقطة المهمة هنا فتتمثل في أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم أن يتحملا مسؤولياتهما ويتخذا مواقف أكثر قوة لمواجهة العنصرية. أما بالنسبة لرابطة اللاعبين المحترفين، فدعونا نكون أكثر تفاؤلا ونعتقد أنها ستقوم بعمل جيد مع شركات مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الصدد. لكن عندما يتعلق الأمر بالهيئات المسؤولة عن إدارة كرة القدم، فإنني أعتقد أن الحل الوحيد للتعامل مع العنصرية بالشكل الذي تعرض له لاعبو المنتخب الإنجليزي الشهر الماضي أمام مونتينيغرو هو أن يغادر الفريق الذي يتعرض لاعبوه للهتافات العنصرية أرض الملعب مباشرة.
وخلال هذا الصيف ستقام نهائيات دوري الأمم الأوروبية في البرتغال، لكن لحسن الحظ فإن هذه البطولة نادرا ما شهدت هذا النوع من الهتافات العنصرية المؤسفة. وبعد ذلك، فإن المواجهتين الخارجيتين لمنتخب إنجلترا ستكونان أمام التشيك وبلغاريا، وربما تتذكرون الزيارة السابقة للمنتخب الإنجليزي إلى العاصمة البلغارية صوفيا في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 2012 عندما تعرض أشلي يونغ وثيو والكوت وأشلي كول لهتافات عنصرية وترديد أصوات القردة بمجرد لمسهم للكرة.
هذا لا يعني تلقائياً أنه سيكون هناك المزيد من هذه الهتافات عندما يلعب المنتخب الإنجليزي هناك في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ومع ذلك، فإن طبيعة كرة القدم تعني أن شيئا ما سيحدث قريباً، سواء كان ذلك مع المنتخب الإنجليزي أو مع أحد الأندية. وستكون هذه هي النقطة التي يتعين فيها على اللاعبين المعنيين أن يقرروا ما إذا كانوا يحتاجون إلى شكل آخر من أشكال الاحتجاج، بعيدا عن الهاشتاغات، لأن ما حدث في السابق يكفي، ولا بد أن تكون هناك وقفة قوية وحازمة للتعامل مع هذا الأمر خلال الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.