الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث

رئيس وزراء مصر السابق يروي ذكرياته لـ {الشرق الأوسط} من ثورة 1952 إلى ثورة 2013 (2 - 2)

الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث
TT

الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث

الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث

يواصل الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء المصري السابق، رواية ذكرياته مع الشأن المصري منذ ثورة 1952 حتى ثورة 2013 التي تولى المسؤولية في ظل الأحداث الكبرى لها، وفي القلب منها إجراءات فض اعتصامي الموالين للرئيس المعزول محمد مرسي في ميداني «رابعة العدوية» و«النهضة» بالقاهرة. ويكشف الببلاوي في هذه الحلقة عن ملابسات استقالة الدكتور محمد البرادعي الذي كان وقتها نائبا لرئيس الدولة المؤقت المستشار عدلي منصور، قائلا إن الأغلبية في المجلس الأعلى للدفاع، كانت مع فض الاعتصام، إلا البرادعي الذي كان يرفض ذلك، ويقول إنه يخشى أن يتكرر ما حدث في الجزائر من اقتتال في تسعينات القرن الماضي بين المتطرفين والجيش استمر لعدة سنوات، وأنه يخشى من وقوع حرب أهلية بمصر.
ويقول الببلاوي إن الدولة كانت تؤجل فض اعتصام «رابعة العدوية» مرة بعد أخرى، لكنها في الوقت نفسه كانت لا تريد أن تتحول الأمور إلى فوضى تهدد وجود الدولة نفسها، ولهذا عندما تطورت الأمور ووصلت إلى مرحلة معينة تنذر بالخطر، كان لا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة لفرض سلطة القانون على الجميع. ويضيف أنه قال في اجتماع مجلس الدفاع: «إذا لم تتخذ الوزارة أي إجراء يبين أن الدولة قادرة على فرض القانون على الشارع، فإنها ستفقد سلطتها بالكامل».
وتطرق الببلاوي إلى محطات خلال عمله وزيرا للمالية ونائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حكومة الدكتور عصام شرف، خاصة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير حسين طنطاوي، الذي تولى إدارة البلاد عقب تخلي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن سلطاته في 2011. وقال إنه قدم استقالته وهو وزير للمالية احتجاجا على العنف مع متظاهري أحداث «ماسبيرو»، وقام بإغلاق هواتفه ومكث في بيته، إلا أن المشير طنطاوي بعث له برسالة مفادها أنه «إما أن تفتح الهاتف حتى أتصل بك، أو أنني سآتي لك في بيتك».
وإلى أهم ما جاء في الحلقة الأخيرة من الحوار:

* هل كنت تتوقع وأنت تراقب الأحداث في مصر أن تحدث فيها ثورة مثل تلك التي وقعت في تونس؟
- كنت أشعر أن الأوضاع في مصر سيئة جدا، وأن هناك تذمرا شديدا، وعدم قبول للأوضاع، لكن أيضا كنت أشعر أن البلد فيها «بلادة».. حين قامت الثورة في تونس، انبهرتُ لكن لم أكن أتصور أن هذا سيحدث في مصر بشكل سريع، وبتلك القوة التي جرت بها الأحداث. ورجعت إلى مصر في شهر يوليو (تموز) 2011. ودخلت الحكومة (حكومة الدكتور عصام شرف) يوم 22 أو 23 يوليو. وكنت أدرك وقتها أن البلد في حالة سيولة رغم أنها لم تكن قد بلغت السيولة والصعوبة التي وصلت إلهيا في المرحلة الثانية (أي مع ثورة المصريين ضد حكم «الإخوان» في يونيو/ حزيران 2013)، لكن كان الهم الذي نحن فيه، كوزراء، يتلخص في أننا في مرحلة ما بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وأن الوضع معقد، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي يدير (الحكم). وكانت المسألة هي كيف ننتقل إلى الوضع الطبيعي، الذي يقتضي وضع دستور وإجراء انتخابات. فكان الجوهر هو كيف نساعد على إعادة النظام السياسي. كانت الفكرة هي أننا في وضع قلق.. كنا نسعى لترتيب البيت من الداخل.
* هل شعرت أن المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي كانت لديه رغبة في الاستمرار في حكم البلاد، أم كنت ترى أن المجلس جاد في السعي لتسليم السلطة سريعا؟
- أعتقد أنهم كانوا جادين.. كان هناك كثير من الدلائل التي تشير إلى أنهم كانوا يريدون فعلا، وبقدر الإمكان، أن تنتهي الفترة الانتقالية وتعود القوات المسلحة لثكناتها. وكانت هناك العديد من الاجتماعات المشتركة ما بين المجلس العسكري وعدد من وزراء الحكومة، وحضرت كل هذه الاجتماعات. وأرى أيضا، للإنصاف، أنه في كثير من الأحيان تجري مناقشة قضية، وتكون البداية فيها أن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو أحد أعضائه، له رأي حول موضوع مطروح للنقاش، ثم من خلال المناقشة يغير رأيه.. وأذكر هذا في كذا موقف.. مثلا أعتقد أنه كان هناك حديث في أحد هذه الاجتماعات حول ما إذا كان المصريون في الخارج يحق لهم المشاركة في التصويت في الانتخابات أم لا، وكانت الفكرة أنه من الصحيح أن من حقهم التصويت، لكن الوقت غير مناسب.. والوقت ضيق.. لكن كانت هناك آراء موجودة في الاجتماع المشترك، خاصة من جانب بعض الوزراء المدنيين، بأنه يجب أن نفعل كل شيء من أجل أن يتمكن المصريون في الخارج من المشاركة في التصويت في الانتخابات التي تجري في بلدهم. وتغير الرأي بعد المناقشات والحوار داخل اجتماع المجلس العسكري.
* يعني كان المشير طنطاوي مع تأجيل تصويت المصريين بالخارج؟
- في البداية.. في بداية الاجتماع كان رأيه أن الوقت قصير وليست لدينا إمكانات، ولا نريد أن تحدث مشاكل في هذه التجربة.. لكن، ومن خلال المناقشات التي جرت، غير رأيه بعد ذلك.. مثلا في بعض المسائل التي كنت طرفا فيها، كانت في البداية هناك معارضة لمسألة الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، وأنا كنت أرى أن القرض ليس فيه عيب.. وهذا حق.. فهذا الصندوق جرى إنشاؤه بينما كنا دولة من الدول المؤسسة له، لكي يساعد البلاد، ونحن أصبحنا الآن في أشد الحاجة لهذه المساعدة.. ومجرد أن تحصل على القرض تعطي شهادة أمام العالم أن هذا الاقتصاد قادر (على التعافي). وفي آخر الأمر، كنت مصرا على رأيي.. وحين ذلك قابلت الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي كان وقتها ما زال عضوا في المجلس العسكري (بصفته مديرا للمخابرات الحربية)، وقلت له إن رفض الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي ليس مفيدا للبلد، فقال لي: حسنا.. اذهب (للمشير طنطاوي) وابحث معه الأمر مجددا. وعليه توجهت للمشير طنطاوي، وقلت له: لن أذهب من هنا إلا بعد أن نتوافق حول موضوع قرض الصندوق، فطلب مني أن أكتب مذكرة وأوقع عليها أنا ومحافظ البنك المركزي، ورئيس الوزراء في ذلك الوقت. وبالفعل.. كتبت المذكرة وعرضتها على مجلس الوزراء، ولأول مرة.. أو المرة الوحيدة التي يتخذ فيها مجلس الوزراء قرارا بعد التصويت بتلك الطريقة. كان بعض الوزراء يرون أنه لا يجب أن يصوتوا بـ«نعم»، لكن القرار حصل على أغلبية معقولة، حيث رأى من صوتوا لصالح القرار أن القرض يصب في مصلحة مصر. ولهذا أقول إن مسألة أن أعضاء المجلس العسكري أو رئيسه كانوا يتمسكون بآرائهم، هي مسألة غير صحيحة، بل كانوا يتناقشون ويوافقون حين يقتنعون بأن الموضوع يخدم البلد.
* هل أثرت الأغلبية البرلمانية التي تكونت من الإسلاميين (إخوان وسلفيون) على عملك وزيرا؟
- لا.. لكن لا جدال أن هؤلاء النواب الذين شكلوا الأغلبية في البرلمان في ذلك الوقت كان لديهم تأييد شعبي حقيقي.. ولم أشعر أن العملية (الثورة) سرقت، إلا أن ضعف الأحزاب السياسية بالكامل، وتفرقها، وعدم وضوح رؤيتها، هو السبب.. الساحة تقريبا كانت متروكة للإخوان.. الإخوان، أولا، كان لديهم تنظيم قوي وجبار، وليس لديهم ماض يقيس عليه الناس ما إذا كانوا يصلحون أم لا يصلحون للعمل السياسي.. كانوا أمام الناس صفحة بيضاء. ثانيا دعوة الإخوان تتحدث بطريقة تجد هوى لدى المصريين الذين لديهم تطلع ديني.. كانت الظروف بشكل عام تساعد الإخوان. ولذلك أنا قلت بالعكس، هذا مظهر ديمقراطي حقيقي. أنا لم أكن أعتقد أن هذا أفضل مجلس، لكن الديمقراطية هي التي أتت بهم. المشكلة أنه لم يكن لديهم ما يقدمونه أكثر من الخطاب والكلام.. ليس لديهم وضوح تام. وكنت أتوقع أن تواجههم مشاكل كثيرة، لكن في العمل اتضح أن أداءهم أسوأ من تقديري لهم، رغم أنه لم يكن لدي تقدير كبير بشأنهم.
* دار لغط حول أنك كنت تريد أن تقدم استقالتك احتجاجا على التعامل الأمني مع بعض المتظاهرين في الشوارع في ذلك الوقت، مثل مظاهرة «ماسبيرو».. هل تقدمت باستقالتك بالفعل، ولمن وجهتها؟
- وأنا في مجلس الوزراء، أثناء أحداث المظاهرات المعروفة بمظاهرات «ماسبيرو»، قلت رؤيتي لمن معي من المسؤولين، وهي أنه حين يسقط ضحايا أبرياء، فإن القانون يقول إنه لا بد من الالتزام بنتيجة.. وهي أن الدولة عليها أن توفر الأمن لأبنائها.. وإذا لم يتوفر الأمن، حتى لو كان دون حدوث خطأ، فعلى الأقل أن تقول الدولة: أنا آسفة.. ولا بد أن يكون هناك أي إجراء للتعبير عن الأسف، مثل تقديم الاستقالة. قلت هذا الرأي في مجلس الوزراء، وكانت هناك أغلبية في المجلس ميالة لهذا الرأي. ثم انقلبت الأوضاع (أي تغير رأي أغلبية أعضاء مجلس الوزراء).. وحين رجعت للمنزل، وجدت نفسي غير قادر على الاستمرار، فقلت خلاص.. المجلس حر.. لكن أنا غير قادر، فقررت تقديم استقالتي وأرسلتها لرئيس الوزراء، دون أن يعلم أحد.. وأغلقت هواتفي، ومكثت في البيت.
* كم من الوقت استغرق غلقك للهواتف، وماذا حدث بعد ذلك؟
- أغلقت هواتفي تقريبا لمدة يوم، حيث كانت الدنيا مقلوبة (في أوساط مسؤولي الدولة الكبار)، وتلقيت اتصالا على هاتف المنزل من الوزيرة فايزة أبو النجا، وأخطرتني أن المشير (طنطاوي) يبحث عني في كل مكان، وإذا لم أعد تشغيل هواتفي، فإنه سيأتي لي بنفسه في البيت. وقالت لي أيضا: نريد منك أن تفتح هاتفك المحمول حتى يتمكن المشير من الاتصال بك، وإذا لم تفتحه، فإن المشير مُصرّ على القدوم للبيت. ففتحت الهاتف وكلمني المشير طنطاوي، وقال لي: كيف أقابلك؟ فقلت له: سآتي لك أنا.. ذهبت له وشرحت له وجهة نظري من أحداث ماسبيرو، فقال لي: لا.. لا.. المسألة لا تتحمل. ومن جانبي قلت له: على أية حال.. هذا كان تعبيرا مني عن أنه ينبغي أن نقول للناس: أنا آسف على ما حدث، وليس لأنني مخطئ. أعني حتى لو لم يكن وقوع تلك الأحداث مقصودا، إلا أنه كان يتوجب الأسف. وقلت له أيضا إن ما جرى أصابني بالضيق، لكن إذا قلت لي أكمل عملك في الوزارة سأكمل، (وهو ما حدث).
* بعد تركك موقعك الوزاري، جاءت الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها في سنة 2012 الرئيس الأسبق محمد مرسي.. ما موقفك الشخصي من هذه الانتخابات؟
- كنت أفضل أن يفوز في الانتخابات شخص آخر. هذه مسألة ليس فيها مزاح. أنا لم أتعامل مع أي حملات انتخابية. بل تعاملت مع الأمر كأي مواطن عادي.
* وتوقعت فوز مرسي؟
- الحقيقة أنا فوجئت أساسا أن شفيق حصل (في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية) على أعلى أصوات، مع مرسي.. كنت أتوقع أن الإخوان سيحصلون على غالبية الأصوات، وأنه في حالة الإعادة سيعيد معهم أحد المرشحين المدنيين. الخيار بين شفيق ومرسي (في الجولة الأخيرة للانتخابات) كان خيارا مزعجا.. أحلاهما مر.. لا تشعر بأي راحة لو أعطيت صوتك لأي منهما.
* هل توقعت أن نظام الحكم الجديد بقيادة مرسي سيكون نظاما ضعيفا وسيتسبب في وقوع مشكلات، كما حدث بثورة المصريين على نظام الإخوان في يونيو 2013؟
- كنت أتوقع أنه لن يكون لديهم وضوح فكري بشأن ما ينبغي القيام به. لديهم شعارات، لكن ليس لديهم فهم كامل، إلا أنه أيضا لم أكن أتوقع أن عملية الحشد الشعبي ضد الإخوان ستكون بذلك النجاح وبتلك القوة التي رأيناها في 30 يونيو، سواء حركة «تمرد» أو غيرها. كنت أشعر أن الإخوان لا يديرون البلد إدارة جيدة، وأنهم يرتكبون أخطاء، ويدفعون برجالهم، ويقصون رجالا يتمتعون بكفاءة. لم يكن الإخوان يسيرون في طريق مريح، وكنت أرى أيضا أن هناك شعورا جماهيريا متزايدا بالقلق، كما كنت أرى، شخصيا، أنه من أخطر الأشياء الخلط بين السياسة والدين.. هذا أمر يضر الدين ويضر السياسة.
* توليت في يوليو 2013 العمل رئيسا للوزراء والقاهرة فيها اعتصامان كبيران لأنصار الرئيس المعزول.. هل كنت تتوقع أن فض هذين الاعتصامين بالقوة سيكون هو الخيار الوحيد؟
- لا تستطيع أن تقول «تتوقع».. لكن الشيء الوحيد الذي تضعه في الحسبان هو أن قوانين الدولة لا بد أن تُحترم، وأنه إذا بدأ الناس في الاستهانة بقوانين الدولة، فلن تستطيع الدولة القيام بأي عمل. ولذلك كان لا بد للأمن أن يعود، أي أن يطبق القانون على الجميع. إلا أنه في حالة ما إذا كان هناك من له مطالب ولديه استعداد أن تناقشه فيها وتتحاور معه حول الحلول، فهذا مقبول، لكن حين يصر على ألا يكون هناك أي نوع من الحلول الوسط، دون أي احترام للدولة.. فنفترض أنك قمت بمخالفة، وقمت بعرقلة المرور في الشارع، فأنا لن آتي لأضربك فورا، ولكن أترك لك فرصة لكي تُخلي الطريق. ولذلك كان لا بد أن تعود هيبة الدولة، مع الإقرار بأنه يمكنك أن تعترض وتعلن آراءك وتعمل اجتماعات، لكن من غير المقبول أن تتحدى الدولة، وتقول إنني لن أخلي الطريق، وتقوم بترويع المواطنين وتسئ للسكان الموجودين حولك، وتلقي خطبا تحريضية على مدى أسابيع. كما أن عملية التصدي لهذه العملية (اعتصام رابعة العدوية) لم يكن أمرا سهلا.. فيها ثمن وفيها إصابات، ولذلك كان لا بد من عدم التسرع، وأن تعطي فرصة إلى أقصى حد ممكن، لكن دون أن يمس ذلك هيبة الدولة أو يقلل من احترامها. هذا هو التوازن الذي جرى والذي كان مطلوبا. أعطينا فرصة للمعتصمين لفض الاعتصام سلميا أكثر من مرة.. وكانت هناك وساطات من الداخل ومن الخارج، لعلها تنجح، لكنها لم تنجح.. بل بالعكس.. ازدادت لهجة التحدي وازداد الإيذاء للمواطنين، وبدا أن الدولة غير موجودة. ومجلس الوزراء اتخذ قرارا بالإجماع في ثاني اجتماع له بتكليف وزير الداخلية بإعادة الأمن والاستقرار للشارع وفض الاعتصامات مع احترام القانون والدستور. كان هذا قرارا سياسيا. أما التنفيذ فيتم عن طريق خطة.. وفي الوقت نفسه كانت الوساطات مستمرة على أمل الحل دون مشاكل.
* لكن الدكتور البرادعي كان معترضا على فض الاعتصامين؟
- أولا وضع الخطة واتخاذ قرار بساعة البدء في الفض، استغرق وقتا، حيث كان المجلس الأعلى للدفاع يعقد أيضا اجتماعاته. وكان الدكتور البرادعي عضوا فيه (بصفته نائبا لرئيس الدولة)، وكان حاضرا رئيس الجمهورية، المستشار عدلي منصور، وأنا بصفتي رئيس الوزراء بالإضافة إلى مجموعة من الوزراء.. وكان موضوع الاعتصام يُناقش في المجلس، وكان الدكتور البرادعي يقول رأيه في الموضوع، وإنه لا بد من إعطاء مزيد من الفرصة للوصول إلى حل سلمي. والأغلبية التي كانت موجودة في المجلس الأعلى للدفاع، وأنا شخصيا بصفتي رئيس وزراء في ذلك الوقت، كنت أقول لهم، إنه بعد فترة قليلة، وإذا لم تتخذ الوزارة أي إجراء يبين أن الدولة قادرة على فرض القانون على الشارع، فإنها ستفقد سلطتها بالكامل. وقلت أيضا إنه لا يمكن السماح بتحدي الدولة علانية وبرفع السلاح.. هذا أمر غير مقبول. الدكتور البرادعي كان له رأي آخر يقول إنه يجب إعطاء مزيد من الوقت.. وأنا أرى أنه صاحب حق في إبداء رأيه، وهو كان يخشى أن يتكرر ما حدث في الجزائر (من اقتتال بين المتطرفين والجيش استمر لعدة سنوات)، ويخشى من وقوع حرب أهلية بمصر تمتد لسنوات. أعلن البرادعي رأيه بصراحة في اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع، وكان مصرا على رأيه حتى النهاية، لكن المجلس، في مجمله، كان يرى أن الأمور جاوزت (كل حد)، وعليه اتخذ القرار (بالفض).
* هل كانت هناك آراء في مجلس الدفاع مشابهة أو متقاربة مع آراء الدكتور البرادعي؟
- لا أذكر.. يعني ربما هناك من كان يلتزم بالصمت، فكيف أعرف رأيه؟
* هل السيسي، وزير الدفاع وقتها، كان له كلام خلال اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع أثناء مناقشة موضوع اعتصام رابعة العدوية.. هل كان له رأي محدد، أو لهجة تبين إن كان مع أو ضد فض الاعتصام؟
- لا.. كان مثل غالبية الحاضرين.. أعني أنه لم يكن يوجد تمايز من جانبه يختلف به عن التوجه العام في الاجتماع.
* وموقف الرئيس عدلي منصور؟
- الرئيس كان يستمع، ويعطي فرصة للكل في الحديث وإبداء وجهات النظر والآراء..
* بماذا شعرت حين قرر الدكتور البرادعي الاستقالة؟
- أولا هو استقال دون أن يخبر أي أحد. أنا أسفت طبعا.. لكن طالما أنه يرى أن هذا الأمر لا يتفق مع ما يعتقده، فمن حقه أن يستقيل. أنا قلت إن الرجل كان متسقا مع نفسه.. إذا الأغلبية رأت رأيا فمن الخطأ أن تحاول أن تفرض رأيك على الأغلبية، لكن إذا وجدت أن ضميرك لن يكون مرتاحا، فيمكنك أن تترك المكان.. أنا رأيت أنه أخذ الموقف المنطقي لواحد له رأي مخالف، أيا كانت مبرراته، فهذا حقه، واستقال. في الحقيقة أنا فوجئت.. فهو لم يقل لي إنه سيستقيل، إلا أنني كنت أفضل ألا يسافر خارج مصر بعد الاستقالة، لكن هذا قراره هو.
* في تلك الأيام وما تلاها، كانت الأوضاع في مصر تحت أنظار العالم، ووفود أجنبية تأتي ووفود تمضي.. ما أكثر شيء كان يشغل بالك وأنت رئيس للوزراء، هل الوفود الغربية؟
- كل ما كنت أتحسب منه هو موقف الشارع المصري.. كنت أقول إذا استمر هذا القلق واستمر هذا الاعتصام، فماذا يمكن أن يحدث في البلد؟ أولا لا بد أن تعطيه فرصة، وثانيا لا بد أيضا أن تعلم أن العملية ليست بتلك البساطة، وأن خطر استمرار الاعتصام كان أكبر كثيرا من خطر فضه، ولهذا كان لا بد من أن يتخذ القرار.
* هل كان لديك علم بالساعة التي سيبدأ فيها فض الاعتصام؟
- كان لدي خبر بالموعد الذي سيتم فيه ذلك، لكن كان من الممكن أن يتأخر يوما أو أن يبدأ التنفيذ قبل الموعد المحدد بساعات.
* ومن أين تابعت عملية الفض.. من التلفزيون أم من موقع الأحدث على الأرض؟
- بالهاتف.. مع وزير الداخلية.
* ما ملابسات إصدار الحكومة في عهدك قرارا يعد جماعة الإخوان جماعة إرهابية؟
- أولا نحن جاءنا حكم من المحكمة بحظر نشاط جماعة الإخوان، ووضعها وأموالها تحت التحفظ. وبالتالي كنا ننفذ حكما قضائيا. أما بعد ضرب وتفجير مقر مديرية أمن محافظة الدقهلية، الموجودة في مدينة المنصورة (نهاية العام الماضي، وخلف عشرات القتلى والجرحى)، فقد اتخذ مجلس الوزراء قرارا سياسيا باعتبار جماعة الإخوان جمعية إرهابية. والسبب في هذا مبني على أنه في مصر، على خلاف أميركا مثلا، لا يوجد نظام يقول متى تعلن هذه الجماعة أو تلك جماعة إرهابية. ولكن توجد جريمة إرهابية، وهي الجريمة المنصوص عليها في قانون العقوبات (المصري).. وجريمة الإرهاب يقوم بها شخص توجه إليه التهمة من النيابة العامة ويقدم للمحكمة. لكن لا يوجد إجراء بأن الدولة تقوم بإصدار قرار، ولكنها يمكن أن تتخذ موقفا سياسيا. ولو كانت الحكومة أصدرت قرارا قانونيا لأصبح قرارا إداريا، يمكن إبطاله من خلال رفع قضية أمام مجلس الدولة (المختص بالفصل في النزاعات بين الدولة والمواطنين). ورغم أنه لا يوجد نظام قانوني (للتصدي لمثل هذا النوع من الجرائم) فإنه يمكنك أن تتخذ موقفا سياسيا، تدين من خلاله. وبالتالي الدولة تصرفت كدولة قانون، وحين صدر حكم قضائي (ضد الإخوان) قامت بتنفيذه.
* في ذلك الوقت، أي مع اقتراب منتصف عام 2014، كان السيسي مترددا في الترشح لانتخابات الرئاسة.. ما انطباعك حيال تلك الأيام؟
- الشيء الأكيد هو أنني كنت أرى أنه في مصلحة مصر أن يأتي رئيس للدولة يتمتع بشعبية، وأن السيسي هو الوحيد الذي يتمتع بشعبية في هذه المرحلة، وأنه على دراية كبيرة بمشاكل البلد، وله رؤية كبيرة، وكنت أرى أنه أصلح من يمكن أن يتولى قيادة الدولة. حتى لو لم يكن راغبا في ذلك الوقت، إلا أنني كنت أرى أن هذا واجب وطني عليه أن يستجيب له.
* وما ظروف تقديم استقالتك من رئاسة الحكومة للرئيس عدلي منصور، خاصة أنه ظهر كثير من اللغط في ذلك الوقت بشأنها.. فما السبب؟
- أنا حين تقدمت بالاستقالة للمرة الأولى لرئيس الدولة، قال لي إن الوقت غير مناسب.. وسبب تقديمها، في رأيي، أنه هناك مرحلة هامة جرى الانتهاء منها، وهي دقيقة، وهي تلك التي جاءت بعد إقرار الدستور الجديد.. ورأيت أنه ينبغي أن تكون هناك مرحلة ثانية تحتاج لوجوه جديدة.. مثلا الجندي على الجبهة يحارب، لكن ليس مطلوبا منه أن يظل يحارب طوال الوقت. وبعد ذلك تحدثت مع رئيس الدولة في فترة لاحقة. وقلت إن الوقت الذي لم يكن مناسبا لتقديم الاستقالة من قبل، أعتقد أنه أصبح مناسبا الآن، وذلك بالاتفاق معه.
* البعض يرى أن الأوضاع بمصر يمكن أن تستقر بالطريقة التي تمضي فيها الدولة وتوجد أصوات تقول إنه ينبغي أن تكون هناك مصالحة بين الدولة وجماعة الإخوان.. ما رأيك؟
- لا بد أن تكون هناك مبادئ واضحة.. وهو أن مصر لكل المصريين، ولا يُدان أي شخص إلا إذا ارتكب إثما، وفقا للقانون. كيف تحرم شخصا لم يرتكب جريمة ولم يشترك في عمل جريمة، ولكن رأيه يختلف معك؟
* هل تعول على الجدوى الاقتصادية للمشروعات التي أعلنها الرئيس السيسي وبدأ العمل فيها بالفعل؟
- مشروع قناة السويس مشروع هام جدا وضروري وسيساعد مصر.. لكن أنا لست من أنصار أن هناك حلا سحريا. كل الحلول لا بد أن تكون موجودة. ولا بد أن تقيم مشروعات كبيرة وصغيرة مع فتح المجال للمستثمرين في الداخل. أقصد أنها ليست عملية يمكن أن تحل بمشروع واحد.. ومصر ستخرج من أزمتها الاقتصادية حتى لو تطلب ذلك مزيدا من الوقت. وأريد أن أؤكد أنني متفائل، لكن الأمر ليس سهلا، ويتطلب عملا.. مصر أفضل مما كانت عليه منذ 6 أشهر. وكل يوم الوضع يتحسن أكثر من السابق.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.