الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث

رئيس وزراء مصر السابق يروي ذكرياته لـ {الشرق الأوسط} من ثورة 1952 إلى ثورة 2013 (2 - 2)

الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث
TT

الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث

الببلاوي يكشف تفاصيل فض اعتصام رابعة.. ويقول إن منصور كان يعطي فرصة للكل في الحديث

يواصل الدكتور حازم الببلاوي رئيس الوزراء المصري السابق، رواية ذكرياته مع الشأن المصري منذ ثورة 1952 حتى ثورة 2013 التي تولى المسؤولية في ظل الأحداث الكبرى لها، وفي القلب منها إجراءات فض اعتصامي الموالين للرئيس المعزول محمد مرسي في ميداني «رابعة العدوية» و«النهضة» بالقاهرة. ويكشف الببلاوي في هذه الحلقة عن ملابسات استقالة الدكتور محمد البرادعي الذي كان وقتها نائبا لرئيس الدولة المؤقت المستشار عدلي منصور، قائلا إن الأغلبية في المجلس الأعلى للدفاع، كانت مع فض الاعتصام، إلا البرادعي الذي كان يرفض ذلك، ويقول إنه يخشى أن يتكرر ما حدث في الجزائر من اقتتال في تسعينات القرن الماضي بين المتطرفين والجيش استمر لعدة سنوات، وأنه يخشى من وقوع حرب أهلية بمصر.
ويقول الببلاوي إن الدولة كانت تؤجل فض اعتصام «رابعة العدوية» مرة بعد أخرى، لكنها في الوقت نفسه كانت لا تريد أن تتحول الأمور إلى فوضى تهدد وجود الدولة نفسها، ولهذا عندما تطورت الأمور ووصلت إلى مرحلة معينة تنذر بالخطر، كان لا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة لفرض سلطة القانون على الجميع. ويضيف أنه قال في اجتماع مجلس الدفاع: «إذا لم تتخذ الوزارة أي إجراء يبين أن الدولة قادرة على فرض القانون على الشارع، فإنها ستفقد سلطتها بالكامل».
وتطرق الببلاوي إلى محطات خلال عمله وزيرا للمالية ونائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في حكومة الدكتور عصام شرف، خاصة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير حسين طنطاوي، الذي تولى إدارة البلاد عقب تخلي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن سلطاته في 2011. وقال إنه قدم استقالته وهو وزير للمالية احتجاجا على العنف مع متظاهري أحداث «ماسبيرو»، وقام بإغلاق هواتفه ومكث في بيته، إلا أن المشير طنطاوي بعث له برسالة مفادها أنه «إما أن تفتح الهاتف حتى أتصل بك، أو أنني سآتي لك في بيتك».
وإلى أهم ما جاء في الحلقة الأخيرة من الحوار:

* هل كنت تتوقع وأنت تراقب الأحداث في مصر أن تحدث فيها ثورة مثل تلك التي وقعت في تونس؟
- كنت أشعر أن الأوضاع في مصر سيئة جدا، وأن هناك تذمرا شديدا، وعدم قبول للأوضاع، لكن أيضا كنت أشعر أن البلد فيها «بلادة».. حين قامت الثورة في تونس، انبهرتُ لكن لم أكن أتصور أن هذا سيحدث في مصر بشكل سريع، وبتلك القوة التي جرت بها الأحداث. ورجعت إلى مصر في شهر يوليو (تموز) 2011. ودخلت الحكومة (حكومة الدكتور عصام شرف) يوم 22 أو 23 يوليو. وكنت أدرك وقتها أن البلد في حالة سيولة رغم أنها لم تكن قد بلغت السيولة والصعوبة التي وصلت إلهيا في المرحلة الثانية (أي مع ثورة المصريين ضد حكم «الإخوان» في يونيو/ حزيران 2013)، لكن كان الهم الذي نحن فيه، كوزراء، يتلخص في أننا في مرحلة ما بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وأن الوضع معقد، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي يدير (الحكم). وكانت المسألة هي كيف ننتقل إلى الوضع الطبيعي، الذي يقتضي وضع دستور وإجراء انتخابات. فكان الجوهر هو كيف نساعد على إعادة النظام السياسي. كانت الفكرة هي أننا في وضع قلق.. كنا نسعى لترتيب البيت من الداخل.
* هل شعرت أن المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي كانت لديه رغبة في الاستمرار في حكم البلاد، أم كنت ترى أن المجلس جاد في السعي لتسليم السلطة سريعا؟
- أعتقد أنهم كانوا جادين.. كان هناك كثير من الدلائل التي تشير إلى أنهم كانوا يريدون فعلا، وبقدر الإمكان، أن تنتهي الفترة الانتقالية وتعود القوات المسلحة لثكناتها. وكانت هناك العديد من الاجتماعات المشتركة ما بين المجلس العسكري وعدد من وزراء الحكومة، وحضرت كل هذه الاجتماعات. وأرى أيضا، للإنصاف، أنه في كثير من الأحيان تجري مناقشة قضية، وتكون البداية فيها أن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو أحد أعضائه، له رأي حول موضوع مطروح للنقاش، ثم من خلال المناقشة يغير رأيه.. وأذكر هذا في كذا موقف.. مثلا أعتقد أنه كان هناك حديث في أحد هذه الاجتماعات حول ما إذا كان المصريون في الخارج يحق لهم المشاركة في التصويت في الانتخابات أم لا، وكانت الفكرة أنه من الصحيح أن من حقهم التصويت، لكن الوقت غير مناسب.. والوقت ضيق.. لكن كانت هناك آراء موجودة في الاجتماع المشترك، خاصة من جانب بعض الوزراء المدنيين، بأنه يجب أن نفعل كل شيء من أجل أن يتمكن المصريون في الخارج من المشاركة في التصويت في الانتخابات التي تجري في بلدهم. وتغير الرأي بعد المناقشات والحوار داخل اجتماع المجلس العسكري.
* يعني كان المشير طنطاوي مع تأجيل تصويت المصريين بالخارج؟
- في البداية.. في بداية الاجتماع كان رأيه أن الوقت قصير وليست لدينا إمكانات، ولا نريد أن تحدث مشاكل في هذه التجربة.. لكن، ومن خلال المناقشات التي جرت، غير رأيه بعد ذلك.. مثلا في بعض المسائل التي كنت طرفا فيها، كانت في البداية هناك معارضة لمسألة الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، وأنا كنت أرى أن القرض ليس فيه عيب.. وهذا حق.. فهذا الصندوق جرى إنشاؤه بينما كنا دولة من الدول المؤسسة له، لكي يساعد البلاد، ونحن أصبحنا الآن في أشد الحاجة لهذه المساعدة.. ومجرد أن تحصل على القرض تعطي شهادة أمام العالم أن هذا الاقتصاد قادر (على التعافي). وفي آخر الأمر، كنت مصرا على رأيي.. وحين ذلك قابلت الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي كان وقتها ما زال عضوا في المجلس العسكري (بصفته مديرا للمخابرات الحربية)، وقلت له إن رفض الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي ليس مفيدا للبلد، فقال لي: حسنا.. اذهب (للمشير طنطاوي) وابحث معه الأمر مجددا. وعليه توجهت للمشير طنطاوي، وقلت له: لن أذهب من هنا إلا بعد أن نتوافق حول موضوع قرض الصندوق، فطلب مني أن أكتب مذكرة وأوقع عليها أنا ومحافظ البنك المركزي، ورئيس الوزراء في ذلك الوقت. وبالفعل.. كتبت المذكرة وعرضتها على مجلس الوزراء، ولأول مرة.. أو المرة الوحيدة التي يتخذ فيها مجلس الوزراء قرارا بعد التصويت بتلك الطريقة. كان بعض الوزراء يرون أنه لا يجب أن يصوتوا بـ«نعم»، لكن القرار حصل على أغلبية معقولة، حيث رأى من صوتوا لصالح القرار أن القرض يصب في مصلحة مصر. ولهذا أقول إن مسألة أن أعضاء المجلس العسكري أو رئيسه كانوا يتمسكون بآرائهم، هي مسألة غير صحيحة، بل كانوا يتناقشون ويوافقون حين يقتنعون بأن الموضوع يخدم البلد.
* هل أثرت الأغلبية البرلمانية التي تكونت من الإسلاميين (إخوان وسلفيون) على عملك وزيرا؟
- لا.. لكن لا جدال أن هؤلاء النواب الذين شكلوا الأغلبية في البرلمان في ذلك الوقت كان لديهم تأييد شعبي حقيقي.. ولم أشعر أن العملية (الثورة) سرقت، إلا أن ضعف الأحزاب السياسية بالكامل، وتفرقها، وعدم وضوح رؤيتها، هو السبب.. الساحة تقريبا كانت متروكة للإخوان.. الإخوان، أولا، كان لديهم تنظيم قوي وجبار، وليس لديهم ماض يقيس عليه الناس ما إذا كانوا يصلحون أم لا يصلحون للعمل السياسي.. كانوا أمام الناس صفحة بيضاء. ثانيا دعوة الإخوان تتحدث بطريقة تجد هوى لدى المصريين الذين لديهم تطلع ديني.. كانت الظروف بشكل عام تساعد الإخوان. ولذلك أنا قلت بالعكس، هذا مظهر ديمقراطي حقيقي. أنا لم أكن أعتقد أن هذا أفضل مجلس، لكن الديمقراطية هي التي أتت بهم. المشكلة أنه لم يكن لديهم ما يقدمونه أكثر من الخطاب والكلام.. ليس لديهم وضوح تام. وكنت أتوقع أن تواجههم مشاكل كثيرة، لكن في العمل اتضح أن أداءهم أسوأ من تقديري لهم، رغم أنه لم يكن لدي تقدير كبير بشأنهم.
* دار لغط حول أنك كنت تريد أن تقدم استقالتك احتجاجا على التعامل الأمني مع بعض المتظاهرين في الشوارع في ذلك الوقت، مثل مظاهرة «ماسبيرو».. هل تقدمت باستقالتك بالفعل، ولمن وجهتها؟
- وأنا في مجلس الوزراء، أثناء أحداث المظاهرات المعروفة بمظاهرات «ماسبيرو»، قلت رؤيتي لمن معي من المسؤولين، وهي أنه حين يسقط ضحايا أبرياء، فإن القانون يقول إنه لا بد من الالتزام بنتيجة.. وهي أن الدولة عليها أن توفر الأمن لأبنائها.. وإذا لم يتوفر الأمن، حتى لو كان دون حدوث خطأ، فعلى الأقل أن تقول الدولة: أنا آسفة.. ولا بد أن يكون هناك أي إجراء للتعبير عن الأسف، مثل تقديم الاستقالة. قلت هذا الرأي في مجلس الوزراء، وكانت هناك أغلبية في المجلس ميالة لهذا الرأي. ثم انقلبت الأوضاع (أي تغير رأي أغلبية أعضاء مجلس الوزراء).. وحين رجعت للمنزل، وجدت نفسي غير قادر على الاستمرار، فقلت خلاص.. المجلس حر.. لكن أنا غير قادر، فقررت تقديم استقالتي وأرسلتها لرئيس الوزراء، دون أن يعلم أحد.. وأغلقت هواتفي، ومكثت في البيت.
* كم من الوقت استغرق غلقك للهواتف، وماذا حدث بعد ذلك؟
- أغلقت هواتفي تقريبا لمدة يوم، حيث كانت الدنيا مقلوبة (في أوساط مسؤولي الدولة الكبار)، وتلقيت اتصالا على هاتف المنزل من الوزيرة فايزة أبو النجا، وأخطرتني أن المشير (طنطاوي) يبحث عني في كل مكان، وإذا لم أعد تشغيل هواتفي، فإنه سيأتي لي بنفسه في البيت. وقالت لي أيضا: نريد منك أن تفتح هاتفك المحمول حتى يتمكن المشير من الاتصال بك، وإذا لم تفتحه، فإن المشير مُصرّ على القدوم للبيت. ففتحت الهاتف وكلمني المشير طنطاوي، وقال لي: كيف أقابلك؟ فقلت له: سآتي لك أنا.. ذهبت له وشرحت له وجهة نظري من أحداث ماسبيرو، فقال لي: لا.. لا.. المسألة لا تتحمل. ومن جانبي قلت له: على أية حال.. هذا كان تعبيرا مني عن أنه ينبغي أن نقول للناس: أنا آسف على ما حدث، وليس لأنني مخطئ. أعني حتى لو لم يكن وقوع تلك الأحداث مقصودا، إلا أنه كان يتوجب الأسف. وقلت له أيضا إن ما جرى أصابني بالضيق، لكن إذا قلت لي أكمل عملك في الوزارة سأكمل، (وهو ما حدث).
* بعد تركك موقعك الوزاري، جاءت الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها في سنة 2012 الرئيس الأسبق محمد مرسي.. ما موقفك الشخصي من هذه الانتخابات؟
- كنت أفضل أن يفوز في الانتخابات شخص آخر. هذه مسألة ليس فيها مزاح. أنا لم أتعامل مع أي حملات انتخابية. بل تعاملت مع الأمر كأي مواطن عادي.
* وتوقعت فوز مرسي؟
- الحقيقة أنا فوجئت أساسا أن شفيق حصل (في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية) على أعلى أصوات، مع مرسي.. كنت أتوقع أن الإخوان سيحصلون على غالبية الأصوات، وأنه في حالة الإعادة سيعيد معهم أحد المرشحين المدنيين. الخيار بين شفيق ومرسي (في الجولة الأخيرة للانتخابات) كان خيارا مزعجا.. أحلاهما مر.. لا تشعر بأي راحة لو أعطيت صوتك لأي منهما.
* هل توقعت أن نظام الحكم الجديد بقيادة مرسي سيكون نظاما ضعيفا وسيتسبب في وقوع مشكلات، كما حدث بثورة المصريين على نظام الإخوان في يونيو 2013؟
- كنت أتوقع أنه لن يكون لديهم وضوح فكري بشأن ما ينبغي القيام به. لديهم شعارات، لكن ليس لديهم فهم كامل، إلا أنه أيضا لم أكن أتوقع أن عملية الحشد الشعبي ضد الإخوان ستكون بذلك النجاح وبتلك القوة التي رأيناها في 30 يونيو، سواء حركة «تمرد» أو غيرها. كنت أشعر أن الإخوان لا يديرون البلد إدارة جيدة، وأنهم يرتكبون أخطاء، ويدفعون برجالهم، ويقصون رجالا يتمتعون بكفاءة. لم يكن الإخوان يسيرون في طريق مريح، وكنت أرى أيضا أن هناك شعورا جماهيريا متزايدا بالقلق، كما كنت أرى، شخصيا، أنه من أخطر الأشياء الخلط بين السياسة والدين.. هذا أمر يضر الدين ويضر السياسة.
* توليت في يوليو 2013 العمل رئيسا للوزراء والقاهرة فيها اعتصامان كبيران لأنصار الرئيس المعزول.. هل كنت تتوقع أن فض هذين الاعتصامين بالقوة سيكون هو الخيار الوحيد؟
- لا تستطيع أن تقول «تتوقع».. لكن الشيء الوحيد الذي تضعه في الحسبان هو أن قوانين الدولة لا بد أن تُحترم، وأنه إذا بدأ الناس في الاستهانة بقوانين الدولة، فلن تستطيع الدولة القيام بأي عمل. ولذلك كان لا بد للأمن أن يعود، أي أن يطبق القانون على الجميع. إلا أنه في حالة ما إذا كان هناك من له مطالب ولديه استعداد أن تناقشه فيها وتتحاور معه حول الحلول، فهذا مقبول، لكن حين يصر على ألا يكون هناك أي نوع من الحلول الوسط، دون أي احترام للدولة.. فنفترض أنك قمت بمخالفة، وقمت بعرقلة المرور في الشارع، فأنا لن آتي لأضربك فورا، ولكن أترك لك فرصة لكي تُخلي الطريق. ولذلك كان لا بد أن تعود هيبة الدولة، مع الإقرار بأنه يمكنك أن تعترض وتعلن آراءك وتعمل اجتماعات، لكن من غير المقبول أن تتحدى الدولة، وتقول إنني لن أخلي الطريق، وتقوم بترويع المواطنين وتسئ للسكان الموجودين حولك، وتلقي خطبا تحريضية على مدى أسابيع. كما أن عملية التصدي لهذه العملية (اعتصام رابعة العدوية) لم يكن أمرا سهلا.. فيها ثمن وفيها إصابات، ولذلك كان لا بد من عدم التسرع، وأن تعطي فرصة إلى أقصى حد ممكن، لكن دون أن يمس ذلك هيبة الدولة أو يقلل من احترامها. هذا هو التوازن الذي جرى والذي كان مطلوبا. أعطينا فرصة للمعتصمين لفض الاعتصام سلميا أكثر من مرة.. وكانت هناك وساطات من الداخل ومن الخارج، لعلها تنجح، لكنها لم تنجح.. بل بالعكس.. ازدادت لهجة التحدي وازداد الإيذاء للمواطنين، وبدا أن الدولة غير موجودة. ومجلس الوزراء اتخذ قرارا بالإجماع في ثاني اجتماع له بتكليف وزير الداخلية بإعادة الأمن والاستقرار للشارع وفض الاعتصامات مع احترام القانون والدستور. كان هذا قرارا سياسيا. أما التنفيذ فيتم عن طريق خطة.. وفي الوقت نفسه كانت الوساطات مستمرة على أمل الحل دون مشاكل.
* لكن الدكتور البرادعي كان معترضا على فض الاعتصامين؟
- أولا وضع الخطة واتخاذ قرار بساعة البدء في الفض، استغرق وقتا، حيث كان المجلس الأعلى للدفاع يعقد أيضا اجتماعاته. وكان الدكتور البرادعي عضوا فيه (بصفته نائبا لرئيس الدولة)، وكان حاضرا رئيس الجمهورية، المستشار عدلي منصور، وأنا بصفتي رئيس الوزراء بالإضافة إلى مجموعة من الوزراء.. وكان موضوع الاعتصام يُناقش في المجلس، وكان الدكتور البرادعي يقول رأيه في الموضوع، وإنه لا بد من إعطاء مزيد من الفرصة للوصول إلى حل سلمي. والأغلبية التي كانت موجودة في المجلس الأعلى للدفاع، وأنا شخصيا بصفتي رئيس وزراء في ذلك الوقت، كنت أقول لهم، إنه بعد فترة قليلة، وإذا لم تتخذ الوزارة أي إجراء يبين أن الدولة قادرة على فرض القانون على الشارع، فإنها ستفقد سلطتها بالكامل. وقلت أيضا إنه لا يمكن السماح بتحدي الدولة علانية وبرفع السلاح.. هذا أمر غير مقبول. الدكتور البرادعي كان له رأي آخر يقول إنه يجب إعطاء مزيد من الوقت.. وأنا أرى أنه صاحب حق في إبداء رأيه، وهو كان يخشى أن يتكرر ما حدث في الجزائر (من اقتتال بين المتطرفين والجيش استمر لعدة سنوات)، ويخشى من وقوع حرب أهلية بمصر تمتد لسنوات. أعلن البرادعي رأيه بصراحة في اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع، وكان مصرا على رأيه حتى النهاية، لكن المجلس، في مجمله، كان يرى أن الأمور جاوزت (كل حد)، وعليه اتخذ القرار (بالفض).
* هل كانت هناك آراء في مجلس الدفاع مشابهة أو متقاربة مع آراء الدكتور البرادعي؟
- لا أذكر.. يعني ربما هناك من كان يلتزم بالصمت، فكيف أعرف رأيه؟
* هل السيسي، وزير الدفاع وقتها، كان له كلام خلال اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع أثناء مناقشة موضوع اعتصام رابعة العدوية.. هل كان له رأي محدد، أو لهجة تبين إن كان مع أو ضد فض الاعتصام؟
- لا.. كان مثل غالبية الحاضرين.. أعني أنه لم يكن يوجد تمايز من جانبه يختلف به عن التوجه العام في الاجتماع.
* وموقف الرئيس عدلي منصور؟
- الرئيس كان يستمع، ويعطي فرصة للكل في الحديث وإبداء وجهات النظر والآراء..
* بماذا شعرت حين قرر الدكتور البرادعي الاستقالة؟
- أولا هو استقال دون أن يخبر أي أحد. أنا أسفت طبعا.. لكن طالما أنه يرى أن هذا الأمر لا يتفق مع ما يعتقده، فمن حقه أن يستقيل. أنا قلت إن الرجل كان متسقا مع نفسه.. إذا الأغلبية رأت رأيا فمن الخطأ أن تحاول أن تفرض رأيك على الأغلبية، لكن إذا وجدت أن ضميرك لن يكون مرتاحا، فيمكنك أن تترك المكان.. أنا رأيت أنه أخذ الموقف المنطقي لواحد له رأي مخالف، أيا كانت مبرراته، فهذا حقه، واستقال. في الحقيقة أنا فوجئت.. فهو لم يقل لي إنه سيستقيل، إلا أنني كنت أفضل ألا يسافر خارج مصر بعد الاستقالة، لكن هذا قراره هو.
* في تلك الأيام وما تلاها، كانت الأوضاع في مصر تحت أنظار العالم، ووفود أجنبية تأتي ووفود تمضي.. ما أكثر شيء كان يشغل بالك وأنت رئيس للوزراء، هل الوفود الغربية؟
- كل ما كنت أتحسب منه هو موقف الشارع المصري.. كنت أقول إذا استمر هذا القلق واستمر هذا الاعتصام، فماذا يمكن أن يحدث في البلد؟ أولا لا بد أن تعطيه فرصة، وثانيا لا بد أيضا أن تعلم أن العملية ليست بتلك البساطة، وأن خطر استمرار الاعتصام كان أكبر كثيرا من خطر فضه، ولهذا كان لا بد من أن يتخذ القرار.
* هل كان لديك علم بالساعة التي سيبدأ فيها فض الاعتصام؟
- كان لدي خبر بالموعد الذي سيتم فيه ذلك، لكن كان من الممكن أن يتأخر يوما أو أن يبدأ التنفيذ قبل الموعد المحدد بساعات.
* ومن أين تابعت عملية الفض.. من التلفزيون أم من موقع الأحدث على الأرض؟
- بالهاتف.. مع وزير الداخلية.
* ما ملابسات إصدار الحكومة في عهدك قرارا يعد جماعة الإخوان جماعة إرهابية؟
- أولا نحن جاءنا حكم من المحكمة بحظر نشاط جماعة الإخوان، ووضعها وأموالها تحت التحفظ. وبالتالي كنا ننفذ حكما قضائيا. أما بعد ضرب وتفجير مقر مديرية أمن محافظة الدقهلية، الموجودة في مدينة المنصورة (نهاية العام الماضي، وخلف عشرات القتلى والجرحى)، فقد اتخذ مجلس الوزراء قرارا سياسيا باعتبار جماعة الإخوان جمعية إرهابية. والسبب في هذا مبني على أنه في مصر، على خلاف أميركا مثلا، لا يوجد نظام يقول متى تعلن هذه الجماعة أو تلك جماعة إرهابية. ولكن توجد جريمة إرهابية، وهي الجريمة المنصوص عليها في قانون العقوبات (المصري).. وجريمة الإرهاب يقوم بها شخص توجه إليه التهمة من النيابة العامة ويقدم للمحكمة. لكن لا يوجد إجراء بأن الدولة تقوم بإصدار قرار، ولكنها يمكن أن تتخذ موقفا سياسيا. ولو كانت الحكومة أصدرت قرارا قانونيا لأصبح قرارا إداريا، يمكن إبطاله من خلال رفع قضية أمام مجلس الدولة (المختص بالفصل في النزاعات بين الدولة والمواطنين). ورغم أنه لا يوجد نظام قانوني (للتصدي لمثل هذا النوع من الجرائم) فإنه يمكنك أن تتخذ موقفا سياسيا، تدين من خلاله. وبالتالي الدولة تصرفت كدولة قانون، وحين صدر حكم قضائي (ضد الإخوان) قامت بتنفيذه.
* في ذلك الوقت، أي مع اقتراب منتصف عام 2014، كان السيسي مترددا في الترشح لانتخابات الرئاسة.. ما انطباعك حيال تلك الأيام؟
- الشيء الأكيد هو أنني كنت أرى أنه في مصلحة مصر أن يأتي رئيس للدولة يتمتع بشعبية، وأن السيسي هو الوحيد الذي يتمتع بشعبية في هذه المرحلة، وأنه على دراية كبيرة بمشاكل البلد، وله رؤية كبيرة، وكنت أرى أنه أصلح من يمكن أن يتولى قيادة الدولة. حتى لو لم يكن راغبا في ذلك الوقت، إلا أنني كنت أرى أن هذا واجب وطني عليه أن يستجيب له.
* وما ظروف تقديم استقالتك من رئاسة الحكومة للرئيس عدلي منصور، خاصة أنه ظهر كثير من اللغط في ذلك الوقت بشأنها.. فما السبب؟
- أنا حين تقدمت بالاستقالة للمرة الأولى لرئيس الدولة، قال لي إن الوقت غير مناسب.. وسبب تقديمها، في رأيي، أنه هناك مرحلة هامة جرى الانتهاء منها، وهي دقيقة، وهي تلك التي جاءت بعد إقرار الدستور الجديد.. ورأيت أنه ينبغي أن تكون هناك مرحلة ثانية تحتاج لوجوه جديدة.. مثلا الجندي على الجبهة يحارب، لكن ليس مطلوبا منه أن يظل يحارب طوال الوقت. وبعد ذلك تحدثت مع رئيس الدولة في فترة لاحقة. وقلت إن الوقت الذي لم يكن مناسبا لتقديم الاستقالة من قبل، أعتقد أنه أصبح مناسبا الآن، وذلك بالاتفاق معه.
* البعض يرى أن الأوضاع بمصر يمكن أن تستقر بالطريقة التي تمضي فيها الدولة وتوجد أصوات تقول إنه ينبغي أن تكون هناك مصالحة بين الدولة وجماعة الإخوان.. ما رأيك؟
- لا بد أن تكون هناك مبادئ واضحة.. وهو أن مصر لكل المصريين، ولا يُدان أي شخص إلا إذا ارتكب إثما، وفقا للقانون. كيف تحرم شخصا لم يرتكب جريمة ولم يشترك في عمل جريمة، ولكن رأيه يختلف معك؟
* هل تعول على الجدوى الاقتصادية للمشروعات التي أعلنها الرئيس السيسي وبدأ العمل فيها بالفعل؟
- مشروع قناة السويس مشروع هام جدا وضروري وسيساعد مصر.. لكن أنا لست من أنصار أن هناك حلا سحريا. كل الحلول لا بد أن تكون موجودة. ولا بد أن تقيم مشروعات كبيرة وصغيرة مع فتح المجال للمستثمرين في الداخل. أقصد أنها ليست عملية يمكن أن تحل بمشروع واحد.. ومصر ستخرج من أزمتها الاقتصادية حتى لو تطلب ذلك مزيدا من الوقت. وأريد أن أؤكد أنني متفائل، لكن الأمر ليس سهلا، ويتطلب عملا.. مصر أفضل مما كانت عليه منذ 6 أشهر. وكل يوم الوضع يتحسن أكثر من السابق.



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.