صادرات الصين ترتبك قبل الحسم مع واشنطن

صورة أرشيفية من أحد الموانئ الصينية
صورة أرشيفية من أحد الموانئ الصينية
TT

صادرات الصين ترتبك قبل الحسم مع واشنطن

صورة أرشيفية من أحد الموانئ الصينية
صورة أرشيفية من أحد الموانئ الصينية

عشية استئناف مفاوضات تجارية شاقة مع واشنطن، كشفت بكين الأربعاء عن تراجع كبير لصادراتها التي تخضع أساساً لتهديد عقوبات أميركية إضافية، في أبريل (نيسان) الماضي.
وانكمشت صادرات الصين على غير المتوقع في أبريل الماضي، لكن الواردات شكلت مفاجأة بتسجيل أول زيادة في خمسة أشهر؛ مما يرسم صورة متباينة للاقتصاد، في الوقت الذي تكثف فيه واشنطن ضغوطها على بكين مع تهديدات بفرض مزيد من الرسوم التجارية العقابية.
وبعد أن كان محللون كثيرون يتوقعون قرب التوصل إلى حل، طغت المخاوف من تصاعد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة على أحدث بيانات تجارية والتي ستخضع كالعادة لقراءة متأنية بحثاً عن مؤشرات بشأن أداء ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وكان المستثمرون يأملون أن تعزز بيانات التجارة الصينية في أبريل المؤشرات على أن الاقتصاد بدأ يستقر بما يقلص المخاوف بشأن ضعف النمو العالمي. لكن البيانات الجمركية أظهرت الأربعاء أن الصادرات انخفضت 2.7 في المائة على أساس سنوي.
ويقدر «إيه إن زد» أن أكثر من 80 في المائة من الانخفاض في القراءة الرئيسية يرجع إلى هبوط حاد في الشحنات إلى الولايات المتحدة، التي تواصل صادرات قطاع التكنولوجيا الفائقة فيها التعرض لضغوط بسبب تباطؤ الطلب العالمي على الهواتف الذكية وإلكترونيات أخرى.
وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم توقعوا تباطؤ نمو الصادرات إلى 2.3 في المائة بعد قفزة مفاجئة سجلتها الصادرات في مارس (آذار) بنسبة 14.2 في المائة، وهو ما يشك بعض المحللين في أنه تضخم جاء بفعل عوامل موسمية وتشوهات مؤقتة ترتبط بخفض ضريبة القيمة المضافة من أول أبريل.
لكن الواردات فاقت التوقعات بتسجيل زيادة نسبتها أربعة في المائة على أساس سنوي، وكانت توقعات المحللين أن تسجل الواردات انخفاضاً نسبته 3.6 في المائة بعد تراجع نسبته 7.6 في المائة في مارس.
واتسع الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة، وهو مصدر إزعاج كبير لواشنطن، إلى 21.01 مليار دولار في أبريل، من 20.5 مليار في مارس. وانخفضت واردات الصين من الولايات المتحدة نحو 26 في المائة، بينما هبطت الصادرات إلى الولايات المتحدة أكثر من 13 في المائة. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يدين باستمرار الفائض في الميزان التجاري مع الصين لمصلحة بكين، فرض العام الماضي رسوماً جمركية عقابية على عدد من المنتجات الصينية.

خلفيات غير مواتية
وتأتي هذه الأرقام بينما هدد ترمب بفرض زيادة جديدة في الرسوم الجمركية على ما قيمته مائتي مليار دولار من المنتجات الصينية اعتباراً من الجمعة. ولمحاولة ردعه، يفترض أن يبدأ المفاوض الصيني ليو هي الذي يعتبر قريباً من الرئيس شي جينبينغ الخميس والجمعة في واشنطن، مفاوضات تعتبر حاسمة لتحديد ما إذا كان من الممكن أو غير الممكن إبرام اتفاق بين القوتين الكبريين. وكتب ستيف كوشران، الخبير الاقتصادي في وكالة «موديز»: «إذا نفذ ترمب تهديداته، فهذا سيغير المعطيات في الاقتصاد العالمي». وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، الثلاثاء: إن «التوتر بين الولايات المتحدة والصين يشكل تهديداً للاقتصاد» العالمي. وفي أجواء القلق من نتيجة المفاوضات، تسجل البورصات الصينية التي انخفضت الاثنين غداة تهديدات الرئيس الأميركي، تراجعاً ظهر الأربعاء نسبته 0.11 في المائة لشنغهاي، و0.70 في المائة لهونغ كونغ. وفي خضم هذه المواجهة التجارية، تراجع الفائض التجاري للصين بمقدار النصف تقريباً، حيث بلغ في أبريل 13.8 مليار دولار، هبوطاً من مارس حين بلغ 32.64 مليار دولار.
وقال لو تينغ، الخبير الاقتصادي في مصرف «نومورا»: «نتوقع تحسناً طفيفاً في الصادرات في مايو (أيار) الحالي، لكنها ستبقى ضعيفة في الأشهر المقبلة». وفي الوقت نفسه، بقي الفائض التجاري مع الولايات المتحدة الذي يشكل صلب الخلاف بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، مستقراً في أبريل وبلغ 21 مليار دولار، مقابل 20.5 مليار في الشهر الذي سبقه.
في الواقع، استأنفت واردات الصين ارتفاعها بشكل عام في أبريل (+4 في المائة)، مقابل تراجع واضح في مارس (- 7.6 في المائة)؛ ما يشير إلى مقاومة جيدة للطلب الداخلي. لكن الولايات المتحدة ليست من يستفيد من ذلك. فقد انخفضت الواردات من هذا البلد بنسبة 25.7 في المائة، ما يثير قلق المزارعين والصناعيين الأميركيين.
ولدعم الاقتصاد، تعهدت بكين في مارس الماضي خفض الضغط الضريبي والاجتماعي على الشركات هذه السنة بمقدار نحو ألفي مليار يوان (265 مليار يورو). وتم تشجيع المصارف على زيادة قروضها للشركات الصغيرة التي كانت مهملة حتى الآن، لمصلحة المجموعات العامة الكبرى.
من جهة أخرى، سيقوم البنك المركزي الصيني اعتباراً من الأربعاء المقبل بتخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف الصغيرة، أي حجم الودائع الملزمة الاحتفاظ بها في خزائنها. ويأمل البنك المركزي الصيني بذلك في ضخ 280 مليار يوان (37 مليار يورو) في الاقتصاد.

آثار الحرب
وتضررت التجارة الخارجية للصين بالحرب التجارية مع الولايات المتحدة، حيث تراجع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 15.7 في المائة خلال الشهر الماضي على خلفية تراجع الواردات الصينية من الولايات المتحدة بنسبة 30.4 في المائة، وتراجع صادرات الصين إلى السوق الأميركية بنسبة 9.7 في المائة.
يأتي ذلك في الوقت الذي يبدو فيه أن أكبر اقتصادين في العالم على وشك استئناف الحرب التجارية بينهما بعد شهور من الهدنة التي لم تتمكن خلالها الدولتان من الوصول إلى اتفاق ينهي هذه الحرب كما كان مأمولاً.
وكان ترمب هدد يوم الأحد الماضي في رسالة عبر موقع «تويتر» بزيادة الرسوم المفروضة على كمية قيمتها 200 مليار دولار من السلع الصينية التي تستوردها الولايات المتحدة من 10 في المائة حالياً إلى 25 في المائة غداً الجمعة بسبب التحرك «بالغ البطء» للمفاوضات التجارية.
وفي المقابل، أعلنت وزارة التجارة الصينية الثلاثاء اعتزام نائب رئيس وزراء الصين «ليو هي» السفر إلى واشنطن لعقد جولة جديدة من المحادثات التجارية مع الجانب الأميركي تبدأ اليوم الخميس وتستمر يومين، رغم التهديدات التي أطلقها ترمب بفرض رسوم إضافية على السلع الصينية.
ويتهم كبار المستشارين الاقتصاديين للرئيس ترمب الصين بالتراجع عن تعهداتها بمحاولة تسوية الخلافات التجارية القائمة بين أكبر اقتصادين في العالم. وقال روبرت لايتهايزر، الممثل التجاري الأميركي في تصريحات لصحيفة «وول ستريت جورنال» إنه على مدى الأسبوع الماضي «رأينا تآكل التعهدات الصينية، ويمكنني القول إننا نرى تراجعاً عن هذه التعهدات».
يذكر أنه إذا قرر الرئيس الأميركي زيادة الرسوم على السلع الصينية غداً، ستكون هذه الخطوة الأولى من نوعها من جانب واشنطن منذ إعلان ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ عن هدنة تجارية بين البلدين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
TT

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في ظلّ تجدد الهجمات على إيران.

وارتفع سعر خام برنت بحر الشمال، المعيار الدولي، بأكثر من 5 في المائة ليصل إلى 90.25 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2024. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، بنسبة 8.1 في المائة ليصل إلى 87.56 دولار للبرميل.


الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)

شهد الاقتصاد الأميركي انخفاضاً غير متوقع في عدد الوظائف خلال شهر فبراير (شباط)، نتيجة إضراب العاملين في قطاع الرعاية الصحية والظروف الشتوية القاسية، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة.

وذكر مكتب إحصاءات العمل الأميركي في تقريره السنوي الذي يحظى بمتابعة دقيقة، أن الوظائف غير الزراعية انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يناير (كانون الثاني) نزولاً من زيادة قدرها 126 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة في الوظائف بمقدار 59 ألف وظيفة، بعد زيادة بلغت 130 ألف وظيفة في يناير وفقاً للإعلانات السابقة.

وتراوحت توقعات الخبراء بين خسارة 9 آلاف وظيفة وزيادة 125 ألف وظيفة. إلى جانب إضراب 31 ألف عامل في مؤسسة «كايزر بيرماننت» في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية، جاء الانخفاض الأخير في التوظيف بمثابة تصحيح بعد المكاسب الكبيرة المسجلة في يناير.

وأشار الخبراء إلى أن مكاسب يناير كانت مدعومة بتحديث نموذج المواليد والوفيات الذي يستخدمه مكتب الإحصاءات لتقدير عدد الوظائف المكتسبة أو المفقودة نتيجة فتح أو إغلاق الشركات. وقد انتهى الإضراب في ولايتي كاليفورنيا وهاواي منذ ذلك الحين.

واستقر سوق العمل بعد تعثره في عام 2025 في ظل حالة من عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون للطوارئ الوطنية. وعلى الرغم من إلغاء المحكمة العليا الأميركية لهذه الرسوم، رد ترمب بفرض رسوم استيراد عالمية بنسبة 10 في المائة، ثم أعلن لاحقاً رفعها إلى 15 في المائة.

وأدرج مكتب إحصاءات العمل ضوابط جديدة للنمو السكاني، تأخرت بسبب إغلاق الحكومة الأميركية لمدة 43 يوماً العام الماضي. كما ساهمت تشديدات إدارة ترمب على الهجرة في انخفاض المعروض من العمالة، مما أبطأ من حركة سوق العمل.

وقدّر المكتب أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بمقدار 1.8 مليون نسمة فقط، أي بنسبة 0.5 في المائة، ليصل إلى 341.8 مليون نسمة في السنة المنتهية يونيو (حزيران) 2025. وقد أثّرت ضوابط النمو السكاني على بيانات مسح الأسر لشهر يناير فقط، ما يعني أن مستويات التوظيف والبطالة والقوى العاملة الشهرية لا يمكن مقارنتها مباشرة. وبلغ معدل البطالة 4.3 في المائة في يناير. ورغم ارتفاعه في فبراير، يبقى المعدل منخفضاً تاريخياً، حيث أشار الاقتصاديون إلى أنهم لن يشعروا بالقلق إلا إذا تجاوز 4.5 في المائة.

ومع تهديد الحرب في الشرق الأوسط بإذكاء التضخم، يرى الاقتصاديون أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في عجلة لاستئناف خفض أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات جمعية السيارات الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بالتجزئة بأكثر من 20 سنتاً للغالون منذ الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران الأسبوع الماضي، وردت طهران، مما وسّع نطاق النزاع نحو صراع إقليمي أوسع وفق المحللين.

ويحذر الخبراء من المخاطر السلبية على سوق العمل جراء استمرار الحرب؛ إذ تتسبب التقلبات في سوق الأسهم في دفع الأسر ذات الدخل المرتفع، المحرك الرئيسي للاقتصاد عبر الإنفاق الاستهلاكي، لتقليص نفقاتها.

ومن المتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل يومي 17 و18 مارس (آذار) سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.


الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)

أحدثت موجة خروج الأموال من الأصول عالية المخاطر اضطراباً في الأسواق الناشئة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، غير أن بعض المستثمرين يراهنون على أن قوة الأسس الاقتصادية وتغير التوازنات الجيوسياسية قد يسمحان باستئناف موجة الصعود التي استمرت نحو عام.

وقد دفع القصف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عملات وأسهم الأسواق الناشئة نحو تسجيل أكبر خسائر أسبوعية لها منذ جائحة كوفيد-19، في حين تعرضت السندات أيضاً لتراجعات حادة، وفق «رويترز».

وقام بنك «جي بي مورغان» بخفض توصيته بزيادة الوزن النسبي لاستثمارات العملات الأجنبية والسندات المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة إلى مستوى «محايد للسوق»، مشيراً إلى حالة عدم اليقين. كما قلّص بنك «سيتي» انكشافه على عملات الأسواق الناشئة إلى النصف.

لكن مستثمرين مخضرمين يرون أن اقتصادات الأسواق الناشئة، ما لم تتعرض لصدمات كبيرة إضافية أو لفترة مطوّلة من ارتفاع أسعار الطاقة، قادرة على التعافي، مع بروز مؤشرات أولية على ذلك بالفعل.

وقالت كاثي هيبورث، رئيسة فريق ديون الأسواق الناشئة في «بي جي آي إم» للدخل الثابت: «لا أعتقد أننا شهدنا بعد ما يمكن وصفه بخروج الأموال الاستثمارية الحقيقية أو الأموال العابرة بين الأسواق. لا يزال هناك مستثمرون على الهامش كانوا ينتظرون تصحيحاً في الأسواق للدخول أو لزيادة مستوى انكشافهم».

متداول يراقب الأسهم في بورصة باكستان بكراتشي (إ.ب.أ)

نهاية الاتجاه أم مجرد توقف مؤقت؟

فمن الأسهم إلى السندات والعملات، كانت الأسواق الناشئة قد فاقت التوقعات جميعها حتى هذا الأسبوع.

وقد تضخمت التدفقات إلى هذه الأصول منذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025. وأصدرت الدول الناشئة حجماً قياسياً من الديون في يناير، في وقت ارتفعت فيه الأسهم بقوة، بينما ضخ المستثمرون الباحثون عن العوائد أموالاً في ديون الأسواق الحدودية المقومة بالعملات المحلية.

ومع ذلك، كان المستثمرون قد حذروا مسبقاً من أن بعض «الأموال الساخنة» المقبلة من صناديق التحوط ومستثمرين غير متخصصين قد تغادر الأسواق سريعاً إذا تغير اتجاهها.

وقد أدى القصف الأميركي–الإسرائيلي لإيران إلى حدوث ذلك بالفعل، مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ إذ ارتفع الدولار إلى جانب الذهب، بينما تزايدت التدفقات نحو السيولة النقدية.

وقال جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجيات العملات والأسواق الناشئة في «مورغان ستانلي»: «لقد شهدنا صدمة كبيرة في الأسواق... وقد نشهد المزيد إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر».

وأظهرت البيانات أن مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم الأسواق الناشئة فقد أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية منذ بلوغه الذروة يوم الخميس الماضي وحتى إغلاق الأربعاء.

وكان أحد أبرز التراجعات في مؤشر «كوسبي» الكوري للأسهم، الذي خسر نحو 20 في المائة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء في أكبر هبوط بتاريخ المؤشر. وكان هذا المؤشر، المتأثر بشدة بالاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق، قد سجل أفضل أداء بين أسهم الأسواق الناشئة.

وقال جوناس غولترمان، نائب كبير اقتصاديي الأسواق في «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا بيع بدافع الذعر إلى حد ما»، مضيفاً أن ذلك يعكس سيطرة آلة السوق على العوامل الأساسية للاقتصاد.

لكن المؤشر استعاد جزءاً من خسائره يوم الخميس، مرتفعاً بنحو 10 في المائة، ولا يزال مرتفعاً بأكثر من 30 في المائة منذ بداية العام.

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام الشاشات في بنك «هانا» بسيول (إ.ب.أ)

أسس قوية... ودرع في مواجهة الاضطرابات

ويرى مستثمرون أن السنوات التي قضتها العديد من الأسواق الناشئة والحدودية في تعزيز أوضاعها المالية وترسيخ الثقة في بنوكها المركزية قد تزيد أيضاً من جاذبيتها خلال أزمة مطوّلة.

وأشار لورد إلى أن العديد من البنوك المركزية اتبعت «نهجاً حذراً وموثوقاً للغاية في دورات التيسير النقدي»، ما ساعد على كبح التضخم ودعم العملات المحلية أمام الدولار.

كما أجرت دول مثل مصر ونيجيريا، حيث كان من الصعب سابقاً إعادة تحويل الأموال إلى الخارج، إصلاحات لتحسين وصول المستثمرين إلى أسواقها. ويرى بعض المحللين أن التدفقات الخارجية في الأيام الأخيرة تُظهر أنها أصبحت وجهة استثمارية موثوقة.

وقالت إيفيت باب، مديرة المحافظ الاستثمارية في «ويليام بلير»: «الأسواق الحدودية التي تلقت تدفقات كبيرة تُظهر الآن قدرتها على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، كما تُظهر مرونة في أسعار الصرف، وهو ما نراه عنصراً إيجابياً في مثل هذه الظروف لإدارة الصدمات الخارجية من هذا النوع».

وأضافت: «نعتقد أن الأسس الاقتصادية في الأسواق الناشئة قوية بما يكفي لتحمّل صدمة خارجية، طالما أن التطورات الحالية لا تعرقل مسار النمو العالمي».

ووفقاً لبنك «باركليز»، سجلت صناديق السندات والأسهم في الأسواق الناشئة تدفقات داخلة خلال الأسبوع المنتهي في 4 مارس (آذار)، رغم الاضطرابات.

تهديد النفط

ويظل ارتفاع أسعار النفط أكبر مصدر تهديد. فاستمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة قد يؤدي إلى تسارع التضخم العالمي، وإضعاف النمو، كما قد يحد من قدرة بعض البنوك المركزية في الأسواق الناشئة على مواصلة خفض أسعار الفائدة.

وقالت ليلى فوري، الرئيسة التنفيذية لبورصة «جوهانسبرغ»، في تصريح لـ«رويترز»: «إن مدة وشدة الأزمة الجيوسياسية في إيران ستحددان إلى أي مدى سيستمر التحول بعيداً عن الأسواق الناشئة».

في المقابل، قال إلياس أ. إلياس، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة «تمبلتون للاستثمارات العالمية»، إن مُصدِّري السلع الأولية في أميركا اللاتينية قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار، في حين أن التقييمات المنخفضة لأسهم الأسواق الناشئة تعزز جاذبيتها رغم الاضطرابات الحالية.

وأضاف: «نحن متفائلون للغاية بأسهم الأسواق الناشئة كفئة أصول»، مشيراً إلى أن هذه الأسهم لا تزال تُتداول بخصم يقارب 28 في المائة مقارنة بالأسواق المتقدمة، مع توقعات بنمو أرباح أعلى.