قوى التغيير السودانية تدفع برؤيتها للحكم الانتقالي إلى منضدة المجلس العسكري

تتكون من سبعة محاور بينها مجلس سيادي بصلاحيات محدودة وحكومة انتقالية ومجلس تشريعي... ووساطة محايدة نزعت فتيل التوتر

محتجون سودانيون أمام المجلس العسكري في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون سودانيون أمام المجلس العسكري في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

قوى التغيير السودانية تدفع برؤيتها للحكم الانتقالي إلى منضدة المجلس العسكري

محتجون سودانيون أمام المجلس العسكري في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون سودانيون أمام المجلس العسكري في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من التوتر والشد والجذب، عادت الأجواء الإيجابية للمشهد السياسي السوداني، بإعلان «قوى الحرية والتغيير»، التي تقود الثورة السودانية، لوثيقة دستورية تمثل رؤيتها لحكم الفترة الانتقالية، تم تسليمها للمجلس العسكري السوداني، الذي عكف بدوره على دراستها، في وقت احتشد فيه أكثر من مليون شخص أمام مقر القيادة العامة، للضغط من أجل الإسراع بتشكيل الدولة المدنية.
وقال عضو لجنة التفاوض ساطع أحمد الحاج في مؤتمر صحافي عقد بالخرطوم أمس، إن الرؤية حددت هياكل الدولة من مجلس للسيادة «مشترك بين المدنيين والعسكريين»، بصلاحيات محدودة، وحكومة من 17 حقيبة، ومجلس تشريعي من 120 عضوا، بينهم 40 في المائة من النساء، وفترة انتقالية لا تتعدى 4 سنوات.
وأضاف الحاج أن «الوثيقة لا تعطي السيطرة على القرار للقوات المسلحة»، دون أن تنقص من صلاحيات الجيش والقوات النظامية ودورها في حفظ الأمن والاستقرار. وبحسب الحاج فإن الصلاحيات الأمنية هي من اختصاص القوات المسلحة، على أن تكون القضايا المدنية من صلاحيات المدنيين. وتابع القول إن المجلس التشريعي، سيملك صلاحية مواجهة أي إجراءات قد تؤدي لحل الحكومة، ويملك صلاحية تعيين مجلس الوزراء وترشيح الوزراء وتعيين مجلس السيادة، وشغل الشواغر في مجلس السيادة.
الوثيقة دعت لوقف العمل بالدستور الانتقالي لعام 2005 واعتبرت الحقوق الأساسية المجازة في دستور 2005 جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور.
وحددت مستويات الحكم في 3 مستويات اتحادي، وإقليمي، ومحلي.
كما حددت 3 مستويات لهياكل الحكم، من مجلس سيادي يكون رأسا للدولة ورمزا للسيادة الوطنية، ومجلس وزراء تكون له السلطة التنفيذية العليا في البلاد، وهيئة تشريعية تختص بسلطة التشريع وسلطة الرقابة على أداء الحكومة. كما وضعت أطرا لسلطات قضائية مستقلة، وإجراءات تنظم عمل القوات النظامية، والخدمة المدنية والمفوضيات التي ترك أمر إنشائها للحكومة المقبلة.
ودفعت قوى إعلان الحرية والتغيير للمجلس العسكري الانتقالي بالسودان بوثيقة للهياكل الدستورية للفترة الانتقالية التي حددتها بأربع سنوات؛ واعتبرتها جزءاً من الدستور الانتقالي الذي يحكم البلاد خلال الفترة الانتقالية. ووضع الإعلان الدستوري سقفا أعلى لعدد الوزراء في الحكومة على أن لا يتجاوز 20 وزيرا يتم اختيارهم بواسطة قوى الحرية والتغيير؛ ولعضوية المجلس التشريعي 120 إلى 150 عضوا يتم التوافق عليهم بواسطة قوى الحرية والتغيير ويراعى تمثيل المرأة. الوثيقة نصت على تكوين مجلس السيادة الانتقالي بالتوافق بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي؛ على أن تصدر قرارات المجلس بأغلبية ثلثي الأعضاء. وحددت سلطات المجلس أن يكون لرأس الدولة ورمز وحدتها؛ القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ اعتماد تعيين رئيس القضاء بعد اختياره بواسطة مجلس القضاء الأعلى؛ إعلان الحرب. ومن سلطات المجلس السيادي؛ التصديق على القوانين الصادرة من الهيئة التشريعية وعلى الأحكام النهائية الصادرة بالإعدام من السلطة القضائية؛ تعيين حكام الأقاليم بالتشاور مع مجلس الوزراء؛ يؤدي رئيس مجلس الوزراء القسم أمام مجلس السيادة؛ تصدر قرارات المجلس بأغلبية ثلثي الأعضاء. وأشارت الوثيقة إلى أن يكون مجلس الوزراء الانتقالي من رئيس ونائب له وعدد من الوزراء لا يتجاوز العشرين وزيرا يتم اختيارهم بواسطة قوى الحرية والتغيير. وشددت على أن يكون لمجلس الوزراء السلطة التنفيذية العليا في البلاد؛ هيئة تشريعية تختص بسلطة التشريع وسلطة الرقابة على أداء الحكومة؛ سلطة قضائية مستقلة؛ القوات النظامية: القوات المسلحة مؤسسة قومية حامية للوطن ولسيادته، وخاضعة لقرارات السلطة السيادية والتنفيذية المختصة وفقاً للقانون. بالإضافة إلى قوات الشرطة والأجهزة الأمنية لحفظ الأمن وسلامة المجتمع وتخضع لسياسات وقرارات السلطة السيادية والتنفيذية وفق القانون؛ الخدمة المدنية العامة القومية التي تتولي إدارة جهاز الدولة ووظائفه بتطبيق وتنفيذ خطط وبرامج السلطة التنفيذية وفق القانون؛ مفوضيات مستقلة مختصة توكل إليها المهام وفق قانون إنشاء كل منها. وتتكون السلطة التشريعية والرقابية خلال الفترة الانتقالية من مجلس يتكون من 120 إلى 150 عضواً يتم التوافق عليهم بواسطة القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير؛ على أن يراعى في عضويته تمثيل كافة القوى المشاركة في التغيير ولا يقل تمثيل المرأة عن 40 في المائة من عضوية المجلس. ونصت على أن المجلس التشريعي الانتقالي سلطة تشريعية مستقلة لا يجوز حلها ولا يفقد أي من أعضائها عضويته إلا بالوفاة أو الاستقالة أو المرض المقعد أو إذا صدر في حقه حكم قضائي بعقوبة سالبة للحرية. وأعطت الوثيقة مجلس الوزراء الحق في إعلان حالة الطوارئ وعرضها على الهيئة التشريعية خلال خمسة عشر يوماً من إصداره، وإذا لم تكن الهيئة التشريعية منعقدة فيجب عقد دورة طارئة؛ وعند مصادقة الهيئة التشريعية على إعلان حالة الطوارئ تظل كل القوانين والأوامر الاستثنائية والإجراءات التي صدرت سارية المفعول. وأجازت الوثيقة لمجلس الوزراء، أثناء سريان حالة الطوارئ أن يتخذ أي تدابير لا تقيد، أو تلغي جزئياً، أو تحد من آثار مفعول أحكام هذا الإعلان ومع ذلك في حالة وصول الحالة الاستثنائية درجة تهدد حياة الأمة يجوز للمجلس تعليق جزء من وثيقة الحقوق. وأكدت أنه لا يجوز انتقاص الحق في الحياة أو الحرمة من الاسترقاق أو الحرمة من التعذيب أو عدم التمييز على أساس العرق أو الجنس أو المعتقد الديني أو حق التقاضي أو الحق في المحاكمة العادلة. وأشارت إلى أنه يتوجب على رئيس مجلس الوزراء إخطار الدول الأطراف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فورا، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي تم تعليقها وبالأسباب التي دفعت إلى ذلك. وعليه في التاريخ الذي ينتهي فيه عدم التقيد، أن يخطر الأطراف المذكورة بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته.
من جهة ثانية، أغلقت قوات مسلحة طرقاً رئيسية محيطة بالقصر الرئاسي في الخرطوم، وشوهد جنود مدجّجون بعتاد خفيف ومتوسط ومركبات «هاوزر»، وهم يسدّون طريقي الجامعة والجمهورية، لمواجهة سيل من البشر، زحفوا إلى وسط العاصمة، استجابة لنداء وجّهته قوى «الحرية والتغيير»، لتسيير مليونية، لتحقيق الدولة المدنية.
ومنذ الصباح الباكر، توافد المحتجون إلى مقر الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش السوداني، لممارسة مزيد من الضغوط على المجلس العسكري الانتقالي لتسليم السلطة لحكومة مدنية، وتجمعوا في مختلف مناطق العاصمة، الخرطوم، وتوجهوا إلى مكان الاعتصام في مواكب متعددة، وهم يرددون هتافات تطالب بمدنية الدولة، ويتوعدون بعدم فضّ الاعتصام حتى تحقيق أهداف ثورتهم، ومن ضمنها: «حكومة مدنية، أو اعتصامات أبدية».
ودعت قوى «إعلان الحرية والتغيير» لمسيرة مليونية، وهددت بتنظيم إضراب سياسي شامل، وذلك على خلفية ما أسمته تعنت المجلس العسكري الانتقالي، وتصريحاته المستفزة التي صدرت عن نائب رئيسه ومتحدثه الرسمي أول من أمس، ولممارسة مزيد من الضغوط على المجلس.
ويواصل عشرات الآلاف الاعتصام أمام مقر الجيش منذ 6 أبريل (نيسان) الماضي، ويشلّ وجودهم حركة السير في وسط الخرطوم، ومداخلها الشمالية، بسبب إغلاق 4 طرق حيوية وجسرين رئيسين، وهو ما يثير غضب المجلس العسكري الانتقالي.
من جهة أخرى، نقل شهود عيان أن قوات كبيرة، مسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة، وعلى عربات مدرعة من طراز «هاوزر» نشرت في محيط القصر الرئاسي على الضفة الشرقية لنهر «النيل الأزرق».
وقال الشهود إن القوة المسلحة التي انتشرت بصورة لافتة وغير معهودة حتى إبان فترة الإطاحة بالرئيس البشير، سدت شارع الجامعة المارّ أمام القصر الجمهوري، وشارع الجمهورية الموازي له، ما أدى إلى تكدس آلاف السيارات في الشوارع الرئيسة المتبقية وسط الخرطوم وكذلك الفرعية.
ونقل شهود من أم درمان، أن قوات مثيلة حشدت على ضفة نهر النيل الغربية، وحول مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، أمس، وذلك بعد أيام من سحب القوة التي كانت تحرس المكان الاستراتيجي.
ولم تقدم السلطات العسكرية أي تفسيرات حول دواعي الحشد العسكري، ما أثار موجة من التكهنات بين المراقبين، بأن «ثمة شيئاً يحدث» داخل القصر الرئاسي، ولا سيما أن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان قد نقل مكان عمله من القيادة العامة إلى قصر الرئاسة.
وأوضح الشهود أن القوات التي سدت الطريقين الحيويين لم تتعرض للحشود الراجلة، لكنها منعت مرور السيارات والمركبات.
من جهتها، نقلت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» أن نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي» أبدى تفاؤله بوساطة الشخصيات القومية، وقال: «نحن متفائلون وسنصل إلى حلول». وذكرت «سونا» أن حميدتي قال في حوار مع «سكاي نيوز عربية» أمس، إن مجلسه مصرّ على تسليم السلطة في أسرع فرصة، وأضاف: «طرحنا واضح في هذا الخصوص».
وجدّد حميدتي التأكيد على أن مجلسه «جاء لحماية الشباب والثورة، ويهدف إلى الوصول لحكومة كفاءات مدنية، ترضي طموحات الشباب، وتوصل البلاد لحكومة ديمقراطية منتخبة».
وأوضح أن المجلس العسكري يعتبر نفسه «جزءاً من الشباب» بقوله: «نحن جزء منهم، وقضيتنا واحدة، وقفنا معهم لنصرة الثورة»، وتابع: «موقفنا أصيل لا يتغير، ولا مجال للتراجع عنه، وظهر ذلك جلياً منذ اليوم الأول للثورة».
وقال حميدتي: «الشباب صادقون، ونحن جئنا لحماية الثورة من الانزلاق نحو الفوضى»، وتابع: «حريصون على سلمية الثورة، والعالم كله شهد على سلمية الثورة السودانية، نحن شعب معلم»، موجهاً دعوته للثوار بمزيد من الحكمة الصبر، وإزالة ما قد يترتب على سوء الفهم للوصول للحقائق.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.