وهم ديمقراطية المعرفة

عن الوجه المظلم لـ«الأخ الأكبر» غوغل

وهم ديمقراطية المعرفة
TT

وهم ديمقراطية المعرفة

وهم ديمقراطية المعرفة

من منّا لا يعرف «غوغل»؟ محرّك البحث الأشهر على الإنترنت، الذي أصبح عبر نافذته الصغيرة تلك التي تتوسط صفحته شديدة التواضع كما البوابة الأكبر والأقرب والأهم لولوج خُلاصة المعارف البشريّة المتراكمة بعد أن انتهت جلّها معلّقة في فضاء الشبكة العنكبوتية السيبيري الغامض. لقد أُسر مرتادو الإنترنت بكفاءة وسرعة وسهولة هذا «الغوغل»، كما قدرته الاستثنائية على التشبيك بين أنظمة معرفيّة متوازية ومن ثم تقديمه إجابات تبدو بشكل متزايد متفردة وشخصيّة ومتفهمة لطريقة تفكير مستخدمها واهتماماته، حتى أصبح اسم «غوغل» صنو كل بحث ممكن، وتحوّل في كثير من اللغات الدارجة بالعالم إلى صيغة «فعل» بديلة عن وصف تعامل الأشخاص مع محركات البحث على الإنترنت. بحضوره، فقدت الموسوعات قيمتها، وهُجرت القواميس ومسارد معاني الكلمات، ولم تعد هناك حاجة فعليّة للتعامل بالورق، أو تكديس الوثائق أو الكتب أو الاستعانة بالصحف والمجلات المطبوعة لتتبع الأحداث. بل وأصبحت بعده المفكرات الشخصيّة والتقاويم وحتى تلك الخربشات على قصاصات الورق والمكاتيب وأوراق الملاحظات اللاصقة والخرائط والآلات الحاسبة نوعاً من لزوم ما لا يلزم، إذ جمعها هذا الساحر كلّها في مكان واحد تظنّه ملكيتك الفردية وفضاءك الخاص بعد أن منحك وحدك مفتاحه السريّ، ومكّنك من تزيينه بألوان تختارها، وربما أيضاً بصورتك الشخصيّة أو صورة من تحب.
حتى سنة 1999 لم يكن «غوغل» شيئاً مذكوراً أقلّه لناحية قدرته على توريد عوائد مقنعة، نظير ما يستثمر به من أموال طائلة. بالتأكيد هو امتلك وقتها إمكانات تقنيّة متقدّمة ومحرك بحث فعالاً لركوب عباب الإنترنت المتسع باطراد، إلا أن منطق محرك البحث ذاته لم يسمح بتقاضي بدلات على خدماته التي كان من شأنها أن تفقده فرصة الانتشار العالمي حال فُرضت.
«غوغل» وقتها كان يحصد تغذية راجعة عن سلوكيّات مرتاديه ومعالم شخصياتهم الافتراضية كما هم على الشبكة في إطار منهجيته لتحسين خدمات البحث المقدّمة لهم وتسريعها وجعلها أكثر صلة بهم، وهي معلومات مجانيّة يتطوع المستخدمون بإعطائها لتفعيل الخدمة على أفضل مستوياتها بوعي أو من دون وعي، غافلين عن حقيقة أن أكبر منظومة ذكاء اصطناعي في العالم كانت تراكم تلك المعلومات بشكل هائل وتحللها وتصنفها وتتخذ قرارات بشأنها بأسرع من لمح البصر، ومكنّت «غوغل» من تطوير أدائه وإضافة خدماتٍ أخرى موازية بفضلها. لكن من دون التوفر على وسيلة ما لاستيفاء بدل مقابل تلك الخدمات، فإن المشروع العبقري كان يمشي بتسارع نحو المجهول.
مؤسسا «غوغل» سيرجي برين ولاري بيج، اللذان تبنيا شعار «لا تكن شريراً» أدركا أنّ عليهما إعادة صياغة نموذج العمل الكلّي الذي تقوم عليه شركتهما، إن هما أرادا لها تجاوزَ مرحلة انفجار فقاعة شركات الإنترنت التي تسببت بخروج الآلاف من الخدمة فترة عام 2000 لعجزها عن إيجاد منهجيّة فعالة تكفل تحصيل عوائد كافية مقابل خدماتها الذّكيّة المُكلفة. في تلك اللحظة التاريخيّة كان محيط المعلومات المتراكمة عن سلوكيات المستخدمين قد بدأ يؤتي ثماراً، إذ وجد «غوغل» أن مؤسسات رأسماليّة كثيرة تجد في معطيات خوارزمياته (وهي مجموعة من المعادلات الرياضية المترابطة لتنفيذ إجراء ما) منجم ذهب لا قرار له يمكنها تحقيق استهداف شديد الفعاليّة لقاعدة واسعة من المستهلكين المناسبين والتأثير عليهم لشراء منتجات تلك المؤسسات على اختلافها، ليتحول «غوغل» من وقتها إلى ما يشبه شركة إعلانات هائلة لخدمات الترويج المستهدف، تبيع محصولها من المواد الخام المجانيّة التي تحصل عليها من المستخدمين الغافلين بعد تعليبها وفق رغبات الزبائن مقابل مليارات الدّولارات. تلك الأموال الطائلة مكنت الشركة من إغراق موظفيها العباقرة بالرواتب والمنافع غير المسبوقة والاستثمار في تطوير القدرات التقنية وخوارزميّات المراقبة السلوكيّة إلى ما يفوق الخيال.
رؤية المؤسسين بأن يغدو «كل الإنترنت عبر (غوغل)» بدأت بالتحقق الفعلي شيئاً فشيئاً، مع سعي أكيد منهما دائماً للظهور بمظهر «العملاق» المحبوب والموثوق، أمين مكتبة المعارف البشريّة ونصير ديمقراطيّة الاطلاع والتواصل لجميع البشر وعبر الحدود، ومساعداً شخصياً لا يمكن الاستغناء عنه للعيش في المجتمع المعاصر، ومنصة توفر أدوات ثمينة لتطوير البرمجيّات المفتوحة مجاناً ودون مقابل. بل وحتى شرع بتوثيق التراث الفني والثقافي للعالم، كما عرض خرائط تفاعليّة ذكيّة وعالية الدّقة للاستخدامات المدنيّة وغيرها من الخدمات الأخرى الثمينة، مع تعمّد توفيرها دائماً دون مقابل لكل مريد. وهكذا مثلاً صار ممكناً بفضل «غوغل» مشاهدة صور عالية الجودة لأعمال الفنانين الكلاسيكيين الكبار المتوزعة على متاحف العالم كلّها من شاشة الكومبيوتر الشخصي، أو أخذ صورة جويّة لأي بقعة من بقاع الكوكب - تقريباً - أو الاستعانة باطلاعه الواسع ومعلوماته المحدّثة لاختيار دروب تنقلهم، وكل ذلك دون تكلفة تذكر.
لكن وراء هذي الصورة الحميدة والإيجابيّة التي يُشتغل عليها بعناية فائقة، ثمة وجه آخر داكن الظلمة لهذا «الغوغل»، تسكن فيه عند التدقيق أشباح كثيرة وتنانين لا ندري متى تنقلب - أو هي انقلبت بالفعل - على البشريّة التي بسذاجة المغفلين وبكل حسن النيّة سلّمته أسرارها، بينما أصبحت في الوقت ذاته رهينة له يبيعها لمن أراد أنّى شاء.
خذ مثلاً وهم ديمقراطية الوصول إلى المعرفة التي يدّعيها «غوغل»، بينما هو يدير خوارزميات متفوقة تُفلتر البحث على الإنترنت، وتُقدّم للمستخدم معلومات تقرر هي وحدها أنها ذات صلة وبترتيب معيّن تحسب أنه متناسق مع سلوكياته السابقة. المشكلة هنا بالطبع ليست فقط بشأن تقديم نتائج بحث أقرب للمستخدم، وهو ما يراه البعض مفيداً، بقدر ما هي أن يختار القائمون على تلك الخوارزميّات معايير عرقيّة أو دينية أو آيديولوجيّة أو عمريّة أو مكانيّة أو لغويّة معينة تحرف عرض النتائج بحيث تقدّم نوعاً من حقيقة مصنوعة - وفق إرادتهم حصراً عن - موضوع البحث وفق جداول أعمال مشبوهة وسريّة وربما غير قانونيّة من حيث المبدأ. خوارزميات «غوغل» لا توزع ديمقراطية المعرفة مجاناً، بقدر ما هي تمتص معلوماتنا مجاناً وتتربح من تقديمها لنا معارف مفلترة مقابلها.
حتى الآن، فإن هذا العملاق التزم دائماً بفصل شبه تام بين المستخدمين وزبائن المعلومات السلوكيّة عبر تشييد جدار عال من السريّة بينهما، سواء في نوعيّة المعلومات المتبادلة أو طريقة توظيفها للتأثير على سلوك هؤلاء المستخدمين وأفكارهم. لكن الأخطر دون أدنى شك يتأتى من حقيقة أن الانتشار المتشظّي للإلكترونيات الذكيّة في جميع مناحي الحياة المعاصرة، وتداخلها العضوي مع منظومة تواصل هائلة على الإنترنت تسمح تقنياً الآن لـ«غوغل» مثلاً، بالتحكّم بصفة فاعلة في تشكيل طبيعة سلوك المواطنين: التلفزيون يقرر أن هذا البرنامج لا يجب عرضه عليك، وربما إذا كنت يافعاً يتوقف عن العمل عند حلول موعد نومك، وبراد حفظ الأطعمة قد يقرر أنه من الأفضل امتناعك عن تناول الطعام بعد ساعة معينة فيغلق أجزاء منه، بينما يراقب «غوغل» ضغط دمك ويرسل إشارات لطبيبك عن تدهور وضعك، وهو قد يلجأ إلى إيقاف سيارتك عن العمل إن تأخرت عن دفع أقساط التأمين، أو هو يزيدها بناءً على أسلوبك في القيادة ومدى التزامك بقوانين السير وحدود السرعة على الطرقات.
صفة «الأخ الأكبر» - كما تنبأ بها الأديب البريطاني جورج أورويل قبل سبعين عاماً - ليست بالتأكيد مقتصرة على مسائل مدنيّة فحسب، مهما بلغت خطورتها على حريّة الأفراد، إذ لا بدّ أن من يبيع ملفك السلوكي لشركات المواد الاستهلاكية ويعمل معها لصياغة استجابتك لبضائعها، قادرٌ في أي لحظة على بيع الملف ذاته أيضاً لحكومات أو منظمات قد تتوخى مراقبة المستخدمين أو التأثير على أفكارهم وتصوراتهم لأغراض تتجاوز مجرد الربح التجاري المحض، لا سيما أن «غوغل» يخضع لقوانين دولة عظمى لها سياسات إمبراطوريّة جادة وتسعى للهيمنة على بقيّة العالم.
لقد تغيّر «غوغل» كثيراً في عشرين عاماً، وأصبح عملاقاً ذا كفاءة رهيبة، لكن وراء قناعه الرائق الجميل هذا، وجه مظلم لا يريدنا أن نعرف عن ملامحه شيئاً.



عضّة سلحفاة تفتح نقاشاً حول تحويل الحياة البرية إلى محتوى

السلحفاة البحرية تسبح في حوض إعادة التأهيل بمركز «لوغرهيد» للحياة البحرية (أ.ب)
السلحفاة البحرية تسبح في حوض إعادة التأهيل بمركز «لوغرهيد» للحياة البحرية (أ.ب)
TT

عضّة سلحفاة تفتح نقاشاً حول تحويل الحياة البرية إلى محتوى

السلحفاة البحرية تسبح في حوض إعادة التأهيل بمركز «لوغرهيد» للحياة البحرية (أ.ب)
السلحفاة البحرية تسبح في حوض إعادة التأهيل بمركز «لوغرهيد» للحياة البحرية (أ.ب)

تحولت رحلة سباحة هادئة مع السلاحف البحرية في زنجبار بتنزانيا إلى موقف طريف ومثير للجدل، بعدما اقتربت إحدى السلاحف من عارضة الأزياء وصانعة المحتوى سينثيا بينيتيز فرنانديز وعضّتها، في واقعةٍ سرعان ما انتشر مقطعها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ووفقاً لموقع «إنترناشيونال بيزنس تايمز»، ظهرت بينيتيز في الفيديو وهي تسبح بالقرب من عدد من السلاحف، في مشهدٍ بدا مثالياً لتصوير محتوى عن الحياة البحرية. لكن إحدى السلاحف اقتربت منها من الخلف، ووجّهت إليها عضة مفاجئة دفعتها إلى الابتعاد سريعاً عن الحيوان.

وتعاملت العارضة مع الواقعة بروحٍ فكاهية، قبل أن تشارك متابعيها تفاصيلها، مازحة بشأن تعرضها للعض، رغم إبلاغها بأن السلاحف «غير مؤذية». لكن ما أثار الاهتمام لم يكن العضة وحدها، بل الجدل الذي أعقب الفيديو حول حدود تفاعل السياح وصنّاع المحتوى مع الحيوانات البرية.

ورأى بعض المتابعين أن الواقعة مجرد لحظة طريفة، في حين انتقد آخرون الاقتراب الشديد من الحيوانات، وعدُّوا أن تحويلها إلى جزء من محتوى ترفيهي قد يشجع الآخرين على تكرار التجربة دون إدراك مخاطرها أو تأثيرها في الحيوانات.

ولا توجد، وفق المعلومات المتاحة، أدلة على أن بينيتيز تعمدت إيذاء السلاحف أو أن اللقاء جرى ترتيبه مسبقاً. ويبدو أن جانباً كبيراً من الانتقادات يتصل بممارسة أوسع تتمثل في التعامل مع الحيوانات البرية كأنها «إكسسوارات» لصور ومقاطع تحصد المشاهدات.

ورغم أن السلاحف البحرية معروفة بطبيعتها الهادئة، فإنها تظل حيوانات برية، وقد تتصرف دفاعياً عندما تشعر بالتهديد أو الإزعاج، لهذا تُشدد إرشادات التعامل مع الحياة البحرية عادةً على عدم لمس الحيوانات أو مطاردتها أو إطعامها، وترك مسافة مناسبة بينها وبين البشر.

وبينما أضحكت العضة كثيرين على الإنترنت، أعادت الواقعة سؤالاً أكثر جدية إلى الواجهة: أين ينتهي الاستمتاع بالطبيعة ويبدأ تحويل الحياة البرية إلى مادة للترفيه؟ وربما كانت السلحفاة، هذه المرة، صاحبة الإجابة الأكثر وضوحاً.


«سقوط حر»... وثائقي يزيح الستار عن خبايا «بوينغ» وصراع الأرباح ضد الأرواح

الهيكل المُعاد بناؤه لحطام طائرة الرحلة 800 التابعة لشركة  «TWA»  والتي تحطمت عام 1996، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها والبالغ عددهم 230 شخصاً (نتفليكس)
الهيكل المُعاد بناؤه لحطام طائرة الرحلة 800 التابعة لشركة «TWA» والتي تحطمت عام 1996، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها والبالغ عددهم 230 شخصاً (نتفليكس)
TT

«سقوط حر»... وثائقي يزيح الستار عن خبايا «بوينغ» وصراع الأرباح ضد الأرواح

الهيكل المُعاد بناؤه لحطام طائرة الرحلة 800 التابعة لشركة  «TWA»  والتي تحطمت عام 1996، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها والبالغ عددهم 230 شخصاً (نتفليكس)
الهيكل المُعاد بناؤه لحطام طائرة الرحلة 800 التابعة لشركة «TWA» والتي تحطمت عام 1996، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها والبالغ عددهم 230 شخصاً (نتفليكس)

لم تكن حادثة تحطم طائرة «ليون إير» في بحر جاوة الإندونيسي، ولا سقوط طائرة الخطوط الإثيوبية بعدها بأشهر قليلة، مجرد حوادث عابرة في تاريخ الطيران المعاصر، بل كانتا بداية تهاوي عرش عملاق صناعة الطائرات الأميركي «بوينغ» واهتزاز ثقة العالم في سلامة أجوائه.

ورغم أن فيلم Downfall الصادر عام 2022 وثّق جشع الشركة الذي تسبب في مقتل مئات الأبرياء، إلا أن المخرجة روري كينيدي تعود لتنبش في الجرح ذاته بوثائقي جديد يحمل اسم Freefall: A Reckoning for Boeing («سقوط حر: حساب بوينغ»)، لتكشف عبر فصوله المثيرة أن الكارثة لم تنتهِ، وأن الوعود البراقة بالإصلاح الهيكلي لم تكن سوى حبر على ورق تساقطت أجزاؤه مع أول اختبار حقيقي في الجو.

 

 

يُعرض الوثائقي عبر منصة نتفليكس الرقمية وهو متاح لجمهور واسع من المشتركين حول العالم الذين يتابعون عن كثب تطورات قضية السلامة الجوية لشركة «بوينغ».

معركة يائسة في مقصورة بحر جاوة

 

في التاسع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2018، كانت طائرة «بوينغ 737 ماكس 8» التابعة لشركة «ليون إير» تشق طريقها فوق مياه بحر جاوة قبالة السواحل الإندونيسية، قبل أن يدخل قائدها ومساعده في معركة ضارية مع المقود دامت ثلاث عشرة دقيقة فقط بعد الإقلاع.

تلقى نظام الطائرة إشارات خاطئة من مستشعر خارجي، ليتدخل تلقائياً نظام برمجي سري استحدثته «بوينغ» ويُدعى «MCAS» لدفع مقدمة الطائرة نحو الأسفل بعنف دون علم الطاقم.

تكررت المحاولات الآلية لإجبار الطائرة على الهبوط وسط ذهول الطيارين، حتى انتهى الصراع بارتطام عنيف بالبحر حصد أرواح 189 شخصاً، معلناً بداية فخ تكنولوجي قاتل معلق بين السماء والأرض.

 

المأساة الاستنساخية فوق هضاب إثيوبيا

ولم يكد قطاع الطيران يستفيق من صدمة بحر جاوة، حتى تكرر السيناريو المرعب بدقة هندسية مفجعة في العاشر من مارس (آذار) لعام 2019.

فبعد ست دقائق فقط من إقلاع رحلة «الخطوط الإثيوبية 302» من أديس أبابا، انطلقت برمجية «MCAS» الخفية لتباشر عملها القاتل في توجيه ذيل الطائرة نحو الأرض إثر تلف فوري في المستشعر.

بذل الطاقم جهداً جباراً لتعطيل الأنظمة الكهربائية والاعتماد على التحكم اليدوي، إلا أن السرعة الهائلة جعلت تعديل المسار مستحيلاً، لتهوي الطائرة رأسياً في حقل زراعي ببلدة بيشوفتو مخلّفة 157 قتيلاً من 35 جنسية، ومثيرة موجة غضب دولي عارمة أدت إلى قرار تاريخي بوقف تحليق الطراز عالمياً لسنوات.

 

صيحات تحذير من داخل القلعة

تروي كينيدي لصحيفة تايم الأميركية أن دافعها لإنتاج هذا الجزء الثاني وهو الأول في مسيرتها المهنية كصانعة أفلام وثائقية، جاء بعد أن تواصل معها «مبلغون عن المخالفات» من داخل الشركة ليزيحوا الستار عن خبايا مصانع التجميع. هؤلاء أكدوا لها أن الأوضاع المهنية داخل مصانع «بوينغ» لم تتحسن بل تدهورت بشكل مخيف بفعل سياسات تعظيم الأرباح.

ولم يتأخر الوقت حتى تجلت هذه التحذيرات للعلن في مطلع عام 2024، حين عاش ركاب طائرة تابعة لشركة «ألاسكا إيرلاينز» دقائق من الرعب المحض بعد انفصال سدادة مخرج طوارئ الطائرة في منتصف الرحلة نتيجة عيوب تصنيعية ناجمة عن تقليص النفقات وضغط جدول الإنتاج.

 

لغز الموت الغامض لجون بارنيت

يحتل الراحل جون بارنيت، مدير مراقبة الجودة السابق في «بوينغ»، قلباً ناقداً وخيطاً درامياً حزيناً في سياق هذا الوثائقي الجديد.

بارنيت الذي قضى أكثر من ثلاثة عقود في رصد إهمال الشركة وتوثيقه، وُجد ميتاً بطلق ناري داخل شاحنته في مارس (آذار) لعام 2024، تزامناً مع إدلائه بشهادة قانونية مطولة ومواجهته لضغوط هائلة من محامي الدفاع التابعين للمؤسسة.

ورغم أن التحقيقات الرسمية اعتبرت الحادثة انتحاراً، إلا أن رسالته الأخيرة التي خط فيها جملة «آمل أن تدفع بوينغ الثمن» تركت تساؤلات معلقة في الفضاء العام حول المسؤولية المعنوية للشركة عن تصفيته النفسية.

 

وهم البورصة وتلاشي ثقافة السلامة

 

يأخذ الفيلم المشاهد في رحلة تاريخية توضح كيف تحولت «بوينغ» من صرح هندسي عظيم يعتمد على الدقة وحق الفيتو للمفتشين الفنيين، إلى شركة مهووسة بإرضاء وول ستريت والمساهمين بعد اندماجها مع «ماكدونيل دوغلاس» عام 1997.

وتجلى هذا التحول الصادم في مصنع ولاية كارولاينا الجنوبية المخصص لإنتاج طائرات «787 دريملاينر»، حيث جرى الاعتماد على مصادر خارجية رخيصة، مما أسفر عن كوارث هندسية مخفية داخل قمرة التصنيع وتجاوزات متعمدة لأعطال الأنابيب والأسلاك الكهربائية، لدرجة أن عمال المصنع أنفسهم كانوا يمزحون في تسجيلات سرية بأنهم لن يجرؤوا يوماً على ركوب الطائرات التي يصنعونها بأيديهم.

عامل في شركة «بوينغ» يمر بجانب طائرة من طراز 737 ماكس (737 MAX) على خط الإنتاج والتجميع النهائي في مصنع رينتون، واشنطن، الولايات المتحدة، 15 أبريل 2026. (رويترز)

 

معركة إنسانية ضد غول الشركات

لا يكتفي الوثائقي برصد الجوانب التقنية الباردة، بل يسلط الضوء على البعد الإنساني المتمثل في أهالي الضحايا الذين رفضوا التسويات المالية وحملوا صور ذويهم إلى قاعات مجلس الشيوخ للمطالبة بمحاسبة جنائية تحمي ركاب المستقبل.

أقارب ضحايا حوادث طائرات «بوينغ» يرفعون صور ذويهم الراحلين خلال جلسة استماع في الكونغرس الأميركي، بينما تظهر المخرجة روري كينيدي (إلى اليسار وهي ترتدي نظارة) وهي تتابع الشهادات (نتفليكس)

تبرز في هذا الصدد شخصية ناعومي كونولي رايان، أرملة أحد موظفي الأمم المتحدة في الحادث الإثيوبي، والتي قادت حراكاً قانونياً شرساً ضد إخفاء نظام الطيران الموجه، حتى نالت حكماً قضائياً بتعويض مدني ضخم.

تختتم كينيدي وثائقيّها بصرخة تحذيرية حول واقع مرير تشهده الرأسمالية المعاصرة، حيث تنهار المؤسسات الصناعية العريقة وتتعرض حياة البشر للتهديد، لمجرد صعود ثلة من المديرين التنفيذيين إلى قائمة أثرياء العالم على حساب النزاهة وحرمة الأرواح.


الذكاء الاصطناعي والطرق التقليدية... أيهما أفضل في تعلم اللغات؟

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة لتعلم اللغة (جامعة ووريك)
يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة لتعلم اللغة (جامعة ووريك)
TT

الذكاء الاصطناعي والطرق التقليدية... أيهما أفضل في تعلم اللغات؟

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة لتعلم اللغة (جامعة ووريك)
يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة لتعلم اللغة (جامعة ووريك)

أظهرت دراسة من كلية «ساودر» للأعمال بجامعة كولومبيا البريطانية، أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل «تشات جي بي تي»، يمكن أن تساعد طلاب الجامعات على تعلم اللغة الإنجليزية بصورة أسرع، لكنها لا تزال غير قادرة على أن تحل محل الأساليب التقليدية القائمة على تحليل استخدام اللغة.

وأوضح الباحثون أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي في تعليم اللغات لا يمكن اعتباره بديلاً كاملاً للمعلم، وإنما أداة مساندة تعمل إلى جانب المصادر اللغوية الموثوقة، ونشرت النتائج، الثلاثاء، بدورية «New perspectives in social sciences». وتوضح الدراسة أن التعلم القائم على البيانات أصبح من الأساليب المهمة في تعليم اللغة، ويعتمد على مجموعات ضخمة ومنظمة من النصوص، تُعرف باسم «المتون اللغوية» أو «قواعد البيانات اللغوية»، لمساعدة المتعلمين على اكتشاف أنماط الاستخدام الحقيقي للكلمات.

وتعود جذور هذا النهج إلى عام 1961، عندما طورت جامعة براون «مدونة براون» (Brown Corpus)، التي ضمت نحو مليون كلمة من نصوص حقيقية باللغة الإنجليزية الأميركية في مجالات مختلفة، بينها الإعلام والدين والأدب والعلوم. وفي ثمانينيات القرن الماضي، ومع تطور الحوسبة، ظهر مفهوم التعلم القائم على البيانات، ما أتاح للمتعلمين دراسة أنماط استخدام اللغة من قواعد بيانات ضخمة بدلاً من الاكتفاء بحفظ العبارات الواردة في الكتب الدراسية.

وشهد المجال تطوراً أكبر مع إطلاق مدونة اللغة الإنجليزية الأميركية المعاصرة عام 2008، وهي قاعدة بيانات تضم نحو مليار كلمة وما يقرب من 500 ألف نص يعود تاريخها إلى الفترة بين 1990 و2019، وأتاحت للطلاب البحث عن الكلمات ودراسة استخدامها في سياقات ومجالات أكاديمية مختلفة.

لكن هذه الأدوات واجهت تحديات، أبرزها طول عمليات البحث وعدم معرفة كثير من مدرسي اللغات بوجودها أو بكيفية استخدامها، بينما تعامل بعضهم معها باعتبارها نشاطاً إضافياً وليس جزءاً أساسياً من التدريس. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت عملية البحث عن «المتلازمات اللفظية» (Collocations) أسرع وأسهل؛ إذ تستطيع أدوات مثل «تشات جي بي تي» تحديد التركيبات الشائعة وتوليد أمثلة عليها خلال ثوانٍ. والمتلازمات اللفظية هي الكلمات التي تُستخدم معاً بصورة طبيعية، مثل «strong wind» لوصف رياح قوية، بدلاً من تركيب غير مألوف مثل «muscular wind».

تحذير من الاعتماد الكامل

وتكتسب هذه التركيبات أهمية خاصة لدى الطلاب الذين يدرسون تخصصات أكاديمية ومهنية تعتمد على مصطلحات متخصصة، مثل الاقتصاد والهندسة. لكن الدراسة تحذر من الاعتماد الكامل على أدوات الذكاء الاصطناعي؛ لأن مصدر الأمثلة التي تنتجها قد لا يكون واضحاً، كما أنها قد لا تكون دقيقة دائماً أو تمثل الاستخدام الأكثر شيوعاً للغة.

وقال الباحثون إن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي «ليست دقيقة مثل الأدوات التقليدية»، ولذلك فإن الحل الأفضل لا يتمثل في استبدال قواعد البيانات اللغوية بالذكاء الاصطناعي، وإنما في الجمع بين الاثنين. وراجع الباحثون الأدلة التجريبية المتاحة، بما في ذلك التحليلات التلوية والمراجعات المنهجية التي تناولت فاعلية التعلم القائم على البيانات في تعليم «المتلازمات اللفظية» لطلاب التعليم العالي. وأظهرت الأدلة أن النهج الهجين الذي يجمع بين المتون اللغوية والذكاء الاصطناعي التوليدي هو الأكثر فاعلية.

ويقترح الباحثون أن يختار مدرس اللغة مجموعة من المفردات المتخصصة، مثل الكلمات الأكاديمية في الاقتصاد، ثم يحدد التركيبات الشائعة المرتبطة بها، قبل استخدام أدوات ذكاء اصطناعي تستند إلى بيانات لغوية موثوقة لتوليد أمثلة وتمارين. ويحل الطالب التمرين أولاً اعتماداً على معرفته وتحليله، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي للتحقق من إجابته وتحسينها، بدلاً من الحصول على الإجابة مباشرة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا الأسلوب يساعد الطلاب على تعلم الكلمات والتراكيب، وزيادة وعيهم بكيفية استخدام اللغة، وتحسين دقة إجاباتهم، كما يشجعهم على التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية. وبذلك، لا يتعلق الأمر باستبدال طرق تعلم اللغة التقليدية، وإنما بدمج الذكاء الاصطناعي معها للاستفادة من سرعته ومرونته، مع الحفاظ على دقة المصادر اللغوية الموثوقة.