الوجود الصيني في أفريقيا يقلق المستعمرين القدامى

وصفوه بنمط الاستعمار الجديد للقارة السمراء

فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو
فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو
TT

الوجود الصيني في أفريقيا يقلق المستعمرين القدامى

فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو
فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو

لا تزال الكعكة الأفريقية تمثل مطمعاً للكثير من الدول العظمى التي استعمر معظمها القارة لعقود كثيرة، ويأخذ هذه المطمع شكل الحرب الخفية المستترة، وبخاصة بعد أن تكالبت على الطاولة السمراء قوى أخرى جديدة.
في إطار هذا التكالب اهتمت دوائر النشر الفرنسية برصد التحرك الدولي صوب القارة الأفريقية، وبخاصة جمهورية الصين الشعبية عبر صفحات كتاب «الصين وأفريقيا... هل يتعلق الأمر بحلم صيني أم كابوس أفريقي؟» للصحافي الفرنسي جوليان ونر، الصادر حديثاً عن دار النشر الفرنسية إيرول، مؤكداً عبر صفحاته البالغة 128 صفحة من القطع المتوسط على مساعي الصين الحثيثة منذ 20 عاماً نحو السيطرة على القارة الأفريقية وغزوها اقتصادياً، تارة باستغلال ما تتمتع به القارة السمراء من موارد طبيعية تفتقر إليها الصين، وتارة أخرى بأن تجعل منها سوقاً رائجة لبيع منتجاتها وبضائعها بثمن بخس، إضافة إلى الإشكالية الكبرى التي تكمن في تطويق القارة الأفريقية بالقروض الصينية الممولة من كبريات الشركات التابعة للدولة الصينية؛ الأمر الذي يقدم لنا نموذجاً استعمارياً في ثوب جديد يبدو أن بكين عازمة على تنفيذه حتى النهاية من خلال محاور كثيرة، منها: السيطرة على الموارد الطبيعية الأفريقية، وإقامة فروع لشركاتها في أفريقيا، والحفاظ على معدلات الفساد في القارة بما يخدم المصالح الصينية، كذلك السيطرة على وسائل الإعلام الأفريقية بما يحافظ من شأنه على الصورة الذهنية الإيجابية للصين في القارة.
يكتسب هذا الكتاب أهمية بالغة، ليس لأن مؤلفة جوليان ونر متخصص في الشأن الصيني ومتعمق في الملف الأفريقي بأدق تفاصيله وله مؤلفات وأبحاث كثيرة في هذا الملف، لكن أيضاً لأنه يكشف لنا النقاب عن الاستراتيجية الصينية وطموحات بكين الجيوسياسية «الحلم الصيني» الذي نادي به جين بينغ، سكرتير عام الحزب الشيوعي عام 2012، قائلاً: «إن طموحنا يكمن في أن نجعل من الصين القوة الأولى عالمياً، وأن أفريقيا هي الوسيلة الأساسية لبلوغ وتحقيق هذا الحلم».
في سياق متصل، يؤكد لنا المؤلف أن كل رئيس للصين يبدأ ولايته باتخاذ شعارات له يعمل على تحقيقها عبر المساندة الشعبية والحزبية، ومن أبرزها دعوتا «الإصلاح والانفتاح» اللتان ميزتا الانتقال نحو الرأسمالية المتوحشة، والتصالح المستحيل مع ورثة الرئيس دينج ماو و«المجتمع المتناسق» وسبل تلبية احتياجات التنمية بالحفاظ على أسس المجتمع الصيني وبخاصة الحزب الشيوعي.
من جانبه، وخلال تنصيبه لمنصب سكرتير عام للحزب الشيوعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، لم يشذ جين بينغ هو الآخر عن القاعدة المعمول بها بإطلاق ما سماه «الحلم الصيني»، معرّفاً إياه بأنه يعد بمثابة استكمال لرغبة الشعب الصيني في الحياة السعيدة وتحقيق نهضة الصين كأمة عظمى، وهو الشعار الذي تبناه كذلك جميع أعضاء الحزب ووسائل الإعلام الصينية وأيضاً بعض الفنانين، كما أن هذا التوجه لا يتعارض مع آليات اتخاذ القرار في قلب السلطة الصينية، بل على العكس فقد سعت جميع طوائف المجتمع الصيني نحو تحقيق هذا الحلم باعتباره «حلم الصين»، حسب تعبير بعض الخبراء، لبلوغ غايتها لتتبوأ ما تصبو إليه من مكانة كقوة دولية أولى.
يستهل جوليان ونر كتابه هذا بالتأكيد على أن الإشكالية لم تعد تكمن في معرفة ما إذا كانت الصين ستصبح قوة عظمى عالمياً أم لا، لكن تكمن في معرفة متى سيتحقق ذلك. وهنا يرى المؤلف أن جين بينغ، الرئيس الصيني الحالي يرغب في بلوغ هذه المكانة بحلول عام 2022؛ لذلك فقد ركز جهوده على القارة الأفريقية التي لم تعد منذ ذلك الحين قارة مهملة ومهمشة، وبالتالي لم تعد بمنأى عن العولمة، وبخاصة أنها تمثل منذ بداية القرن الحالي نسبة 5 في المائة من معدل النمو الاقتصادي السنوي العالمي، كما يرى بعض الخبراء أنها تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي؛ لأنها تجمع جوهر وأساس رهاناته المستقبلية: الرهانات الديموغرافية والاقتصادية والمواد الأولية وحماية البيئة ومكافحة الأوبئة. لذلك؛ نحن بصدد عهد التفاؤل الأفريقي الواعد وليس التشاؤم الأفريقي.

انتهاء عهد التهميش

يؤكد المؤلف أن نهاية التنافس بين الكتلتين الشرقية والغربية قد صاحبه تراجع ملحوظ في قيمة ما تتمتع به القارة الأفريقية من أدوات فاعلة، ففي تسعينات القرن الماضي اختفى الاتحاد السوفياتي واستشعرت الولايات المتحدة الأميركية أنها غير مجبرة على التمسك بالقارة الأفريقية، وبالتالي تخلت عن وجودها في القارة الأفريقية، هذا إلى جانب اتهام الأوروبيين بالتخاذل والبعد عن القارة الأفريقية وإهمالها جراء انشغالهم بأهدافهم الخاصة التي تكمن في توحيد قارتهم العجوز.
ويرى المؤلف أن اليوم قد تبدل الوضع وتغير، فلم تعد أفريقيا هي القارة المهملة والمهمشة، ولكنها بدأت تمثل موضع جذب لجميع القوى الدولية لما لها من مصالح استراتيجية فيها، لكن يأتي النفوذ الكبير والجهد العظيم لصالح الصين التي تعتبر «أن أفريقيا ليست هدفاً في حد ذاتها، لكنها تمثل أداة مهمة وفاعلة في سبيل بلوغ حلمها وقوتها ورخائها».
ويذكر المؤلف أنه على خلفية حالة العجز الذي تعاني منه الصين بشأن تحقيق اكتفائها الذاتي من المواد الأولية، نجدها تسعى نحو تجاوز هذا العجز عن طريق القارة الأفريقية العامرة والزاخرة بالمواد الأولية؛ إذ تؤكد بعض التقديرات على أن «القارة الأفريقية تتمتع وحدها فيما بين ثلث ونصف الاحتياطي العالمي من الموارد الطبيعية»، الأمر الذي دفع الصين نحو الهرولة صوب القارة السمراء، وترتب على هذا التوجه إحداث قفزة كبيرة في التبادلات التجارية بين الصين والدول الأفريقية، من 12 مليار دولار عام 2000 إلى 200 مليار دولار عام 2012، ومن ثم، نجحت الصين في تعزيز سياستها في القارة الأفريقية أكثر من القوى الغربية وإعطاء دروس فيما يسمى بـ«الاستعمار الجديد والتدخل والاندماج». ويلفت المؤلف هنا إلى أن الأفارقة غير محظوظين أو مستهدفين بالانصياع والخضوع دائماً لتبعية الغير، فما لبثوا أن تخلصوا من تبعية الاحتلال الغربي لهم، حتى نجدهم يقعون في شباك وبراثن تبعية الصين التي أضحت تمثل رقماً مهماً في الاقتصاد الأفريقي ينعكس إيجاباً على وضع مفاوضها في مواجهة الجانب الأفريقي. ولعل النموذج الصارخ في هذا الشأن يتجسد في فوز إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو، وهو رقم ضخم للغاية بالنسبة لاقتصاد مدغشقر، يضعنا أمام واقع يعزز من وضع المفاوض الصيني الذي نجح في انتزاع مدة حق الانتفاع إلى 30 عاماً مبادلة لإقامة منطقة صناعية ساحلية ومركز هيدروليكي؛ لأن قيمة العقد تُصيب المفاوض الأفريقي بالدوار، ولا سيما أن صافي الناتج القومي لمدغشقر يقدر بـ10 مليارات يورو، وعلى ذلك فنحن أمام حالة من الهيمنة والسيطرة الصينية للقارة الأفريقية يمكن توصيفها بأنها تمثل «أحد أنماط الاستعمار الجديد للقارة الأفريقية».
يؤكد الكتاب على أن الأخطر من ذلك يكمن في أن الصين لا تحترم البيئة الأفريقية في تعاملها مع موارد القارة الأفريقية ومقدراتها، فشهوة بكين أمام المواد الأولية الأفريقية له تكلفة بيئية ضخمة لا يمكن أن تتحملها القارة الأفريقية على المدى الطويل، وبخاصة أن الصين تسعى في المقام الأول نحو تحقيق مصالحها بغض النظر عن الخطاب الرسمي الذي يتبناه الجانب الأفريقي.
ويخلص المؤلف بأنه على خلفية الفراغ الذي شهدته القارة الأفريقية جراء الإهمال والتجاهل الأميركي لها من جانب، وانشغال الأوروبيين بتقوية وتعزيز وضع قارتهم العجوز من جانب آخر، لم تجد الصين صعوبة في غزو القارة الأفريقية اقتصادياً، ومن ثم سياسياً لأن الأفارقة وجدوا في بكين ضالتهم؛ إذ خصصت الصين مبلغاً كبيراً للاستثمار في ربوع القارة الأفريقية يقدر بـ4000 مليار دولار وهو مبلغ ضخم للغاية وبخاصة لو علمنا أن إجمالي حجم الاحتياطي بالبنوك المركزية في منطقة اليورو يقدر بـ800 مليار دولار، وأن البنك الفيدرالي الأميركي لا يملك سوى 150 مليار دولار فقط، أي أننا أمام قوة اقتصادية صينية عاتية تسعى بجدية نحو تحقيق حلمها لأن تصبح القوة الاقتصادية الأولى عالمياً، وهو حلم قاب قوسين أو أدنى من الواقع، وأن القارة الأفريقية تمثل «كلمة السر» الحقيقية في سبيل تنفيذ هذا الحلم.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).