إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

ما إن يمر عام على رحيل علم من أعلامنا حتى تبدأ ذكراه بالبهوت

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي
TT

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

قد يكون النسيان أسهل طريقة للحياة، كما قال عبد الرحمن منيف. وقد يكون شكلاً ما للحرية، كما قال جبران خليل جبران، لكنه قد يكون جهلاً، كما سبق أفلاطون إلى القول. وفي مثل ما أنا بصدده من الحديث عن إلياس مرقص، قد يكون النكران هو النسيان، أو هو الوجه الآخر له، إذْ ما إن يحول الحَوْل على رحيل علم من أعلامنا، حتى تبدأ ذكراه بالبهوت، ثم سرعان ما نُصاب بالبَهْت إن أتى أحدهم على ذكر الراحل الذي قد نكون بلوناه أيضاً في حياته بالنكران، كما هو الحال مع إلياس مرقص.
فلأبدأ من برزخ الرحيل، مقلداً بعض أفانين الرواية، فبذلك أرى إلياس مرقص لآخر مرة في بيته مع أصدقاء، منهم الكاتبان الراحلان بوعلي ياسين ويوسف الجهماني.
كانت حرب الخليج الثانية تجلجل وتزلزل منذ أسبوع. وكان إلياس يغالب المرض، ويسأل عن وقائع الحرب. وما إنْ شرعنا نتسابق في استظهار آيات الحرب التلفزيونية حتى لخص إلياس لنا مقالاً للفيلسوف الفرنسي جان بودريار كان قد نشره عشية الحرب في الليبراسيون، وجزم فيه أن الحرب لن تقع. وفيما تابع إلياس من الحديث عن الحرب، بدا كمن قرأ ما سوف يكتبه بودريار بعد شهور، فإذا بالحرب التي وقعت كأنها لم تقع!
في اليوم التالي (26-1-1991) رحل إلياس مرقص عن أربعة وستين عاماً، وعن كنز من التأليف والترجمة، عنوانه الوحيد هو الفكر النقدي. وكان إلياس قد أُوفد في البعثة السورية الأولى عقب الاستقلال إلى جامعة «بروكسل الحرة»، حيث تعرف فيها على الشيوعية. وعاد عام 1952 يضيق بطموحاته التي سرعان ما ضاق بها الحزب الشيوعي السوري، فطرد هذا الذي يطالب بالديمقراطية وينتقد الماركسية السوفياتية.
ولم يكتف الحزب بالتشهير بإلياس مرقص عميلاً لـ«CIA»، بل اعتدى عليه بلطجية الحزب.
ومن المفاصل المهمة في حياة إلياس مرقص، لقاؤه بياسين الحافظ (1930 - 1978)، أثناء أدائهما الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا ما مضى بالحافظ إلى الماركسية، كما سيمضي بالرجلين إلى كثير؛ كثير منه المشروع الثقافي الكبير: «دار الحقيقة للنشر»، الذي سيتولاه إلياس بعد الرحيل المبكر للحافظ.
لقد عنون «النقد» عدداً من المؤلفات السجالية الكبرى لإلياس مرقص، كما شكّل النقد مضمون سائر مؤلفاته، سواء تعلق الأمر بالفكر أم بالسياسة، وبالشيوعية أم بالقومية أم بالفلسفة. وقد كان كتابه الضخم «الماركسية والشرق - 1968» أول ما قرأت له، فأسهم في تربيتي النقدية، بينما كنت أخرج من الوجودية وأطرق باب الماركسية على إيقاع هزيمة 1967. قبل ذلك التمع بخاصة كتاب إلياس «نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري - 1966»، ومثله كتاب «نقد الفكر المقاوم: عفوية النظرية في العمل الفدائي - 1970». وفي هذا السياق جاءت المعارك الفكرية التي خاضها إلياس مرقص مع صادق جلال العظم وناجي علوش وبسام طيبي وآخرين. كما تأتي في هذا السياق المخطوطات التي تركها. وأذكر أنه حدثني غير مرة عن خمسة دفاتر مخطوطة له في الموسيقى. وقد كانت الترجمة له صنواً لحقل التأليف، خصوصاً أن ما كان يكتب من مقدمات للكتاب المترجم ومن هوامش، كان يضاهي الكتاب نفسه بالحجم والأهمية.. ومن كثير أشير إلى «فلسفة عصر النهضة» لإرنست بلوخ، و«المؤلفات السياسية الكبرى» لجان جاك شيفاليه، و«تحطيم العقل» لجورج لوكاش في أربعة أجزاء، ومختارات من هيغل في جزأين، و«جاذبية الإسلام» لمكسيم رودنسون. ومما يضيئ تراث إلياس مرقص ما نُشِر بعد رحيله من دراسات عنه أو حوارات معه، ومن أشملها وأهمها ما كتبه عبد الله تركماني وعبد الله هوشه ونضال درويش، كذلك «حوار العمر: أحاديث مع إلياس مرقص» لجاد الكريم جباعي و«إلياس مرقص: حوارات غير منشورة» لطلال نعمة.
من الأفكار والأطروحات التي شغلت إلياس مرقص، وتتضاعف إليها الحاجة في زمن الزلزلة العربية الضاربة منذ عام 2011، ما قال في حاجة المثقف العربي إلى «كلمات - مخدات» يرتاح رأسه عليها، فينشئ قاموساً وثنياً شيئياً مانوياً، هو الأسوأ بين القواميس. فالمثقف يوثّن كلمات كبيرة ومتواترة في التداول، مثل: مادة، روح، قانون، شرع، ثورة، أصالة، حداثة، حزب، أمة، واقع، دين، تراث. ويمضي إلياس مرقص إلى أن «الأزمة» تكمن في المثقف العربي، وليس في الحزب الحاكم أو في النظام. وقد كان المجتمع المدني من شواغل إلياس مرقص الفكرية والسياسية، تأسيساً على أن تاريخ الإنسان، اليوم «يتخطى كثيراً مهمة تكوين وإتمام المجتمع المدني، أو بالأصح يتجاوزها بالمعنى الهيغيلي للكلمة: يبقيها ويحذفها ويتخطاها بآن». كما كتب في «المذهب الجدلي والمذهب الوضعي». وهو يذهب إلى أن المجتمع الغربي اليوم منتكس عن المجتمع المدني - اليورجوازي السابق. فالجانب التذرري والانخلاعي يغلب ويحمل توتاليتاريات جديدة وقديمة.
لهذا الحاضر الموّار ننادي من تراث إلياس مرقص ما قال في الثورة والحرية والليبرالية والديمقراطية والتقدم والتغيير والدين والجدل والمنطق واللغة: من قبله اشتقّ «ذوّت» من الذات، و«جوّن» من الجوّانية؟
من أسف أن علّتي النسيان والنكران تغيّبان صوته الذي طالما دوّى بسؤال الزلزلة الجوهري: «لماذا تخلّفتم بينما تقدم غيركم؟». ومن أسف أن هاتين العلتين تتعززان بافتقاد كتبه، فلا يبقى إلا مثل هذه اللحظة الشخصية، لكأني أمضي إلى حيث سُجّي في مقبرة الفاروس، في اللاذقية التي بلغ النكران بأوليائها أن بخلوا على إلياس مرقص بلوحة في رأس شارع أو واجهة مدرسة أو حديقة. ولكن ما همَّ، ما دامت اللحظة الشخصية تنبض في ذكرى الرحيل أو من دونها، بما يتجدد من حضور إلياس مرقص، وهو - مثلاً - يفتتح ليلة لا تنسى، كانت بصحبة الصديق حبيب عيسى في منزلي، فلا تفتر حماسة ولا ذاكرة، ولا دفقات إلياس مرقص حتى يصل السابعة مساءً بالسابعة صباحاً: اثنتا عشرة ساعة من نهر يتدفق في الفن والتربية - هو وأنا كنا نعمل مدرّسين - وما يعصف بسوريا آنئذٍ من الصراع المسلح بين «الإخوان المسلمين» والسلطة، وفي إفلاس التيارات - الأحزاب الشيوعية والماركسية والقومية والناصرية والبعثية والإخوانية وو.. وبعد تلك الليلة بقليل، أهلّ العام الدراسي الجديد (1-10-1979) بقانون «تبعيث» التربية، أي تنقية جحافل المعلمين والمدرسين من غير المنتسبين إلى حزب «البعث» الحاكم. وقد بدأ التطبيق بدور المعلمين والمعلمات، فَنُقِل إلياس مرقص من دار المعلمين في اللاذقية إلى التعليم الإعدادي في ثانوية جول جمال، ونُقِلْتُ من دار المعلمات إلى ثانوية للبنين، فقلت بعد أسبوع للمهنة التي أحببت وداعاً. وكابد إلياس مرقص إلى أن أشارت عليه زوجتي بالتقاعد الصحي، وهذا ما كان.
هذا ما كان من حياة ومن موت، أي مما لا يبلوه نسيان ولا نكران، ما دام المعني بالأمر هو المفكر النقدي إلياس مرقص.



دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».