إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

ما إن يمر عام على رحيل علم من أعلامنا حتى تبدأ ذكراه بالبهوت

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي
TT

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

قد يكون النسيان أسهل طريقة للحياة، كما قال عبد الرحمن منيف. وقد يكون شكلاً ما للحرية، كما قال جبران خليل جبران، لكنه قد يكون جهلاً، كما سبق أفلاطون إلى القول. وفي مثل ما أنا بصدده من الحديث عن إلياس مرقص، قد يكون النكران هو النسيان، أو هو الوجه الآخر له، إذْ ما إن يحول الحَوْل على رحيل علم من أعلامنا، حتى تبدأ ذكراه بالبهوت، ثم سرعان ما نُصاب بالبَهْت إن أتى أحدهم على ذكر الراحل الذي قد نكون بلوناه أيضاً في حياته بالنكران، كما هو الحال مع إلياس مرقص.
فلأبدأ من برزخ الرحيل، مقلداً بعض أفانين الرواية، فبذلك أرى إلياس مرقص لآخر مرة في بيته مع أصدقاء، منهم الكاتبان الراحلان بوعلي ياسين ويوسف الجهماني.
كانت حرب الخليج الثانية تجلجل وتزلزل منذ أسبوع. وكان إلياس يغالب المرض، ويسأل عن وقائع الحرب. وما إنْ شرعنا نتسابق في استظهار آيات الحرب التلفزيونية حتى لخص إلياس لنا مقالاً للفيلسوف الفرنسي جان بودريار كان قد نشره عشية الحرب في الليبراسيون، وجزم فيه أن الحرب لن تقع. وفيما تابع إلياس من الحديث عن الحرب، بدا كمن قرأ ما سوف يكتبه بودريار بعد شهور، فإذا بالحرب التي وقعت كأنها لم تقع!
في اليوم التالي (26-1-1991) رحل إلياس مرقص عن أربعة وستين عاماً، وعن كنز من التأليف والترجمة، عنوانه الوحيد هو الفكر النقدي. وكان إلياس قد أُوفد في البعثة السورية الأولى عقب الاستقلال إلى جامعة «بروكسل الحرة»، حيث تعرف فيها على الشيوعية. وعاد عام 1952 يضيق بطموحاته التي سرعان ما ضاق بها الحزب الشيوعي السوري، فطرد هذا الذي يطالب بالديمقراطية وينتقد الماركسية السوفياتية.
ولم يكتف الحزب بالتشهير بإلياس مرقص عميلاً لـ«CIA»، بل اعتدى عليه بلطجية الحزب.
ومن المفاصل المهمة في حياة إلياس مرقص، لقاؤه بياسين الحافظ (1930 - 1978)، أثناء أدائهما الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا ما مضى بالحافظ إلى الماركسية، كما سيمضي بالرجلين إلى كثير؛ كثير منه المشروع الثقافي الكبير: «دار الحقيقة للنشر»، الذي سيتولاه إلياس بعد الرحيل المبكر للحافظ.
لقد عنون «النقد» عدداً من المؤلفات السجالية الكبرى لإلياس مرقص، كما شكّل النقد مضمون سائر مؤلفاته، سواء تعلق الأمر بالفكر أم بالسياسة، وبالشيوعية أم بالقومية أم بالفلسفة. وقد كان كتابه الضخم «الماركسية والشرق - 1968» أول ما قرأت له، فأسهم في تربيتي النقدية، بينما كنت أخرج من الوجودية وأطرق باب الماركسية على إيقاع هزيمة 1967. قبل ذلك التمع بخاصة كتاب إلياس «نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري - 1966»، ومثله كتاب «نقد الفكر المقاوم: عفوية النظرية في العمل الفدائي - 1970». وفي هذا السياق جاءت المعارك الفكرية التي خاضها إلياس مرقص مع صادق جلال العظم وناجي علوش وبسام طيبي وآخرين. كما تأتي في هذا السياق المخطوطات التي تركها. وأذكر أنه حدثني غير مرة عن خمسة دفاتر مخطوطة له في الموسيقى. وقد كانت الترجمة له صنواً لحقل التأليف، خصوصاً أن ما كان يكتب من مقدمات للكتاب المترجم ومن هوامش، كان يضاهي الكتاب نفسه بالحجم والأهمية.. ومن كثير أشير إلى «فلسفة عصر النهضة» لإرنست بلوخ، و«المؤلفات السياسية الكبرى» لجان جاك شيفاليه، و«تحطيم العقل» لجورج لوكاش في أربعة أجزاء، ومختارات من هيغل في جزأين، و«جاذبية الإسلام» لمكسيم رودنسون. ومما يضيئ تراث إلياس مرقص ما نُشِر بعد رحيله من دراسات عنه أو حوارات معه، ومن أشملها وأهمها ما كتبه عبد الله تركماني وعبد الله هوشه ونضال درويش، كذلك «حوار العمر: أحاديث مع إلياس مرقص» لجاد الكريم جباعي و«إلياس مرقص: حوارات غير منشورة» لطلال نعمة.
من الأفكار والأطروحات التي شغلت إلياس مرقص، وتتضاعف إليها الحاجة في زمن الزلزلة العربية الضاربة منذ عام 2011، ما قال في حاجة المثقف العربي إلى «كلمات - مخدات» يرتاح رأسه عليها، فينشئ قاموساً وثنياً شيئياً مانوياً، هو الأسوأ بين القواميس. فالمثقف يوثّن كلمات كبيرة ومتواترة في التداول، مثل: مادة، روح، قانون، شرع، ثورة، أصالة، حداثة، حزب، أمة، واقع، دين، تراث. ويمضي إلياس مرقص إلى أن «الأزمة» تكمن في المثقف العربي، وليس في الحزب الحاكم أو في النظام. وقد كان المجتمع المدني من شواغل إلياس مرقص الفكرية والسياسية، تأسيساً على أن تاريخ الإنسان، اليوم «يتخطى كثيراً مهمة تكوين وإتمام المجتمع المدني، أو بالأصح يتجاوزها بالمعنى الهيغيلي للكلمة: يبقيها ويحذفها ويتخطاها بآن». كما كتب في «المذهب الجدلي والمذهب الوضعي». وهو يذهب إلى أن المجتمع الغربي اليوم منتكس عن المجتمع المدني - اليورجوازي السابق. فالجانب التذرري والانخلاعي يغلب ويحمل توتاليتاريات جديدة وقديمة.
لهذا الحاضر الموّار ننادي من تراث إلياس مرقص ما قال في الثورة والحرية والليبرالية والديمقراطية والتقدم والتغيير والدين والجدل والمنطق واللغة: من قبله اشتقّ «ذوّت» من الذات، و«جوّن» من الجوّانية؟
من أسف أن علّتي النسيان والنكران تغيّبان صوته الذي طالما دوّى بسؤال الزلزلة الجوهري: «لماذا تخلّفتم بينما تقدم غيركم؟». ومن أسف أن هاتين العلتين تتعززان بافتقاد كتبه، فلا يبقى إلا مثل هذه اللحظة الشخصية، لكأني أمضي إلى حيث سُجّي في مقبرة الفاروس، في اللاذقية التي بلغ النكران بأوليائها أن بخلوا على إلياس مرقص بلوحة في رأس شارع أو واجهة مدرسة أو حديقة. ولكن ما همَّ، ما دامت اللحظة الشخصية تنبض في ذكرى الرحيل أو من دونها، بما يتجدد من حضور إلياس مرقص، وهو - مثلاً - يفتتح ليلة لا تنسى، كانت بصحبة الصديق حبيب عيسى في منزلي، فلا تفتر حماسة ولا ذاكرة، ولا دفقات إلياس مرقص حتى يصل السابعة مساءً بالسابعة صباحاً: اثنتا عشرة ساعة من نهر يتدفق في الفن والتربية - هو وأنا كنا نعمل مدرّسين - وما يعصف بسوريا آنئذٍ من الصراع المسلح بين «الإخوان المسلمين» والسلطة، وفي إفلاس التيارات - الأحزاب الشيوعية والماركسية والقومية والناصرية والبعثية والإخوانية وو.. وبعد تلك الليلة بقليل، أهلّ العام الدراسي الجديد (1-10-1979) بقانون «تبعيث» التربية، أي تنقية جحافل المعلمين والمدرسين من غير المنتسبين إلى حزب «البعث» الحاكم. وقد بدأ التطبيق بدور المعلمين والمعلمات، فَنُقِل إلياس مرقص من دار المعلمين في اللاذقية إلى التعليم الإعدادي في ثانوية جول جمال، ونُقِلْتُ من دار المعلمات إلى ثانوية للبنين، فقلت بعد أسبوع للمهنة التي أحببت وداعاً. وكابد إلياس مرقص إلى أن أشارت عليه زوجتي بالتقاعد الصحي، وهذا ما كان.
هذا ما كان من حياة ومن موت، أي مما لا يبلوه نسيان ولا نكران، ما دام المعني بالأمر هو المفكر النقدي إلياس مرقص.



يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
TT

يسرا اللوزي: المرأة تستحقّ حضوراً أكبر في أفلام الأكشن

يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)
يسرا اللوزي تحضر العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

قالت الممثلة المصرية يسرا اللوزي إنّ أكثر ما جذبها للمشاركة في فيلم «صقر وكناريا» هو اختلافه عن الأعمال التي قدَّمتها مؤخّراً، إلى جانب شخصية «ليلى» التي تراها «تحمل مزيجاً من الجانبين الإنساني والكوميدي». وأكدت أن السيناريو لفت انتباهها منذ القراءة الأولى، لكونه يعتمد على كوميديا المواقف، ويمنح كلّ شخصية مساحة واضحة داخل الأحداث.

وأضافت اللوزي، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنّ شخصية «ليلى» تطلَّبت منها تحقيق توازن بين الأداء الكوميدي والصدق الإنساني، موضحةً: «هذا ما استمتعتُ بالعمل عليه خلال مرحلة التحضير، لحرصي دائماً على البحث عن شخصيات تُبعدني من دائرة التكرار، لأنّ التنوع في الأدوار هو ما يُحافظ على شغفي ويضيف إلى مسيرتي الفنية».

يسرا اللوزي في العرض الخاص لـ«صقر وكناريا» بالقاهرة (الشركة المنتجة)

وعدَّت الفنانة المصرية أفلام الأكشن من أصعب التجارب بالنسبة إلى أيّ ممثل، نظراً إلى ما تتطلّبه من استعداد بدني كبير وتركيز مستمر، فضلاً عن التدريبات التي تسبق تنفيذ المشاهد، مشيرةً إلى أنّ ظروف التصوير لم تكن سهلة، «خصوصاً مع ساعات العمل الطويلة وارتفاع درجات الحرارة، ممّا جعل تنفيذ بعض المشاهد أكثر إرهاقاً مما بدا على الشاشة».

وترى أن «حضور المرأة في أفلام الأكشن لا يزال أقل مما ينبغي، رغم امتلاك كثير من الممثلات القدرة على تقديم هذه النوعية من الأدوار بكفاءة»، مُعربةً عن أملها في أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في كتابة شخصيات نسائية فاعلة داخل أفلام الحركة، لكون الجمهور أصبح أكثر تقبّلاً لرؤية البطلات في أدوار تعتمد على القوّة والمغامرة.

وكشفت أنّ أصعب أيام التصوير كانت خلال تنفيذ مشهد داخل حظيرة للحيوانات، موضحةً أنّ «طبيعة المكان والروائح القوية جعلت التجربة مُرهِقة للجميع، بينما حاول فريق العمل التعامُل مع الموقف بروح مرحة، وكانت لحظات الضحك المتبادل تخفف من ضغط التصوير، وهو ما ساعدنا على تجاوز صعوبة اليوم وتحويله لاحقاً إلى ذكرى طريفة».

وقالت يسرا اللوزي إنّ «التعاون مع محمد إمام وشيكو كان من أكثر عناصر الفيلم متعةً، لأن كليهما يمتلك حسّاً كوميدياً حاضراً باستمرار، سواء خلال التصوير أو في الكواليس، وهو ما خلق أجواء مريحة بين فريق العمل، وانعكس بصورة طبيعية على المشاهد التي جمعتنا أمام الكاميرا».

يسرا اللوزي تطمح إلى تقديم أدوار متنوّعة (حسابها في «فيسبوك»)

وأضافت أنّ معرفتها بمحمد إمام تعود إلى سنوات الدراسة، إذ جمعتهما الجامعة نفسها، كما شاركا في ورشات تمثيل آنذاك، لكنّ المفارقة في أن «صقر وكناريا» يُمثّل أول تعاون سينمائي يجمعهما، وهو ما منح التجربة طابعاً خاصاً، في ظلّ معرفة سابقة سهلت الانسجام بينهما خلال العمل.

وعن التحضير لشخصيتها، أوضحت أنها ناقشت جميع التفاصيل مع المخرج حسين المنباوي قبل بدء التصوير، مؤكدةً أنها كانت حريصة على فهم دوافع الشخصية وطريقة تفكيرها. وتابعت: «الاتفاق بيننا كان قائماً على تقديم الدور بصورة طبيعية وبعيدة عن المبالغة، حتى تبدو الشخصية قريبة من الجمهور وقابلة للتصديق».

وتطرَّقت إلى المَشاهد التي جمعتها بالطفل الذي يُجسّد دور ابنها، مؤكدةً أنها كانت من أكثر المَشاهد حساسية على المستوى الإنساني، واعتمدت في أدائها على استحضار المشاعر الحقيقية المرتبطة بالأمومة، مع مناقشة كل مشهد مع المخرج للوصول إلى أكبر قدر من الصدق، لقناعتها بأنّ هذه التفاصيل هي التي تمنح المشهد تأثيره الحقيقي.

وقالت يسرا اللوزي إنها لا تزال من المؤمنين بالبطولة الجماعية، لكنها ترى أنّ هذا النموذج أصبح أكثر نضجاً خلال السنوات الأخيرة، لأنّ كل شخصية باتت تمتلك مساحة واضحة داخل الأحداث، ممّا يمنح العمل ثراءً أكبر، ويجعل نجاح الفيلم قائماً على تكامل جميع عناصره، وليس على وجود بطل واحد فقط.

«صقر وكناريا» يمزج بين الأكشن والكوميديا (الشركة المنتجة)

وأعربت عن سعادتها بتصدُّر «صقر وكناريا» الإيرادات منذ الأيام الأولى لعرضه، معدَّةً أن النجاح الجماهيري يمثّل أكبر مكافأة لفريق العمل بعد أشهر طويلة من التحضير والتصوير، «لأنّ تفاعل الجمهور مع الفيلم يمنح الفنان إحساساً بأنّ الجهد وصل إلى المشاهد، وهو أهم من أيّ أرقام أو مؤشرات أخرى»، وفق قولها.

وتابعت أنها تقرأ في الوقت الحالي أكثر من مشروع جديد في السينما والدراما، لكنها تُفضّل عدم التسرُّع في اتخاذ قراراتها، مؤكدة أنها تبحث دائماً عن الشخصيات التي تُقدّم لها إضافة حقيقية.

وأكدت يسرا اللوزي أنّ المسرح سيظل جزءاً مهماً من طموحها الفني، مشيرة إلى أنّ مشاركتها الأخيرة ضيفةً في أحد العروض أعادت إليها متعة الوقوف أمام الجمهور مباشرة، ولا تستبعد العودة إلى المسرح قريباً إذا وجدت نصاً قوياً ودوراً يستحقّ خوض التجربة.


الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
TT

الجحيم والأحلام يلتقيان في بيروت

هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)
هذا فيلم يترك عمراً إضافياً في داخلنا (متروبوليس)

تضع السينما الإنسان أمام تناقضه الأكبر. الكائن الذي يبتكر الموسيقى هو نفسه الذي يبتكر الحرب. واليد التي ترسم لوحة تستطيع أن تبني معسكراً أو تضغط زناداً. لم يأتِ الفنّ يوماً ليُبرّئ البشرية من عنفها. جاء ليحفظ الدليل على أنها كانت تعرف الجمال في اللحظة نفسها التي كانت تُتقن فيها صناعة الموت. بين هذا الإدراك الفادح الذي يقود المخرج السويسري الفرنسي جان لوك غودار في «موسيقانا» (2004)، والإيمان الذي يملأ «سينما براديسو» للمخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري (1988)، بأنّ الصورة قادرة على إنقاذ شيء من الإنسان، افتتحت «متروبوليس» برنامجها بمرور 20 عاماً على تأسيسها، مُحتفيةً بالسينما التي تحتفظ بالإنسان بما فيه من رهافة ووحشية.

السينما لا تمنحنا عالماً آخر... تمنح العالم عمقاً آخر (متروبوليس)

يفصل بين الفيلمَين أكثر من عقد ونصف العقد، ويفترقان في كلّ شيء تقريباً، إلا في إيمانهما بأنّ السينما ليست صناعة للصور. كلاهما ينطلق من لحظة مُغادرة الإنسان المشهد، تاركاً الصورة وحدها في مواجهته. عند تورناتوري، ترث السينما ما عاشه الإنسان؛ طفولته، وحبّه الأول، ودهشته، والقبلات التي حاولت السلطة حذفها من الشريط والذاكرة. وعند غودار، ترث ما اقترفه أيضاً؛ الحروب، والمدن المُحترقة، والجثث التي أصبحت جزءاً من الأرشيف البصري للبشرية. تتغيَّر وظيفة الشاشة من مكان يَعرض الحياة إلى مكان يحتفظ بما تتركه الحياة وراءها. فالسينما في الحالتَين الوريث الأخير للإنسان، تحفظ أجمل ما استطاع أن يخلقه، كما تحفظ أكثر ما يُدينه.

في «سينما براديسو»، يتأمّل تورناتوري الكيفية التي يتكوَّن بها الإنسان داخل الصور. سالفاتوري يدخل قاعة العرض قبل أن يعرف العالم أصلاً. يتعلّم الحب قبل أن يُحِبّ، يشهد الفَقْد قبل أن يخسره، ويتعرَّف إلى اتّساع الحياة من خلال مستطيل مُضاء في قرية لا تكاد ترى ما وراء حدودها.

تتحوَّل علاقته بعامل العرض ألفريدو إلى أكثر من صداقة بين طفل ورجل أكبر منه. أحدهما يُورّث الآخر مهنة، ويُورّثه معها طريقة في النظر. فكلّ بَكَرَة تدور تُضيف إلى الطفل احتمالاً جديداً للحياة، حتى يصبح الضوء الخارج من نافذة صغيرة أكثر تأثيراً في مصيره من الجغرافيا التي وُلد فيها.

لكنَّ تورناتوري لا يكتب مرثية رومانسية لزمن القاعات. فالفيلم يعرف أن الصورة التي تمنح الإنسان جناحَيْن، تنتزعه أيضاً من المكان الذي أنجب هذين الجناحَيْن. لذلك لا تُنقذ السينما سالفاتوري من الفَقْد، لكنّها تمنحه قدرة مختلفة على حَمْله. تجمع الشظايا وتُعيد إلى الإنسان ما انتُزع منه.

غودار يرى العالم كما ترى الصورة جرحها (متروبوليس)

ينتقل غودار في «موسيقانا» إلى منطقة أكثر وعورة. كان أحد أبرز وجوه الموجة الفرنسية الجديدة، ومن المُخرجين الذين غيَّروا علاقة السينما بالسرد والمونتاج والصورة. في مرحلته المتأخِّرة، تحرَّرت الصورة عنده من واجب الحكي وصارت تبحث عن معنى وجودها. يُقسِّم الفيلم إلى الجحيم والمَطْهر والفردوس، مستلهماً «الكوميديا الإلهية» لدانتي، لكنه يجعل هذه العوالم جزءاً من التاريخ الإنساني وليس من عالم ما بعد الموت.

يفتتح غودار «الجحيم» بصُور تتدافع كأنّ قروناً من العنف تَضيق داخل دقائق معدودة. مجازر وإبادات ومعسكرات موت ومدن تُمحى وجيوش لا تكفُّ عن كتابة التاريخ بالدم. تعبُر الموسيقى هذه المَشاهد من دون أن تنتشلها من مصيرها، فتظهر المُفارقة التي يبني عليها الفيلم رؤيته للعالم. التاريخ أثبت أنّ الإنسان قد يعزف مساءً ويقتل صباحاً، والثقافة لا تمنحه حصانة أخلاقية. كأنه احتاج إلى الموسيقى ليحتمل معرفته بما اقترفت يداه، وإلى الصورة ليظلَّ قادراً على مواجهة ما عجز عن مَنْعه. يتحوَّل «الجحيم» إلى سجلّ لعبقرية انقسمت على نفسها. العقل الذي عرف كيف ينسج انسجاماً بين النغمات، عرف أيضاً كيف يُهندس الإبادة. واليد التي ارتفعت يوماً فوق أوتار الكمان، عرفت الطريق نفسها إلى الزناد.

في «المَطْهر»، يتخلَّى غودار عن فيضان الصور ويمنح الكلمة دورها. فبعد أرشيف طويل من المجازر، تبدو الصورة وقد بلغت حدّها الأقصى. لقد رأت كلَّ شيء ولم تعُد قادرة على الإضافة. هنا، يدخل محمود درويش إلى الفيلم. حضوره يُغيّر اللغة التي يُنظر بها إلى الخراب. يتحوّل الحوار من سؤال عمّا جرى إلى سؤال عمّا تستطيع القصيدة أن تفعله بعدما يفرغ التاريخ من فعلته. بذلك، لا يعود الشِّعر يبحث عن الجمال، وإنما عن كلمة تمنع العالم من الاستقرار داخل رواية المُنتصر وحده.

كان محمود درويش يعرف أن المعركة الأخيرة تُخاض على المعنى (متروبوليس)

بين الفيلمَين، تنتقل السينما من اختراع الحياة إلى حَمْل التاريخ. ففي «سينما براديسو» تحفظ الشاشة أحلام البشر. وفي «موسيقانا» تحمل كوابيسهم أيضاً. تمنحهم مكاناً للهروب، ثم تُعيدهم إلى ما ينبغي ألّا يهربوا منه. تصنع ذاكرة فردية لطفل في صقلية، وتحفظ ذاكرة شعوب مهدَّدة بالمحو في فلسطين وسراييفو وسواهما.

تستعيد هذه الأفلام مجالها الطبيعي حين تُشاهد على شاشة كبيرة. يتّسع وجه الطفل، وتملأ آثار العنف مجال الرؤية، وترفع الموسيقى الصورة من مشهد إلى تجربة. على امتداد 20 عاماً، أسهمت «متروبوليس» في حماية هذا المعنى داخل بيروت. سينما منحت احتمالاً آخر لرؤية العالم، وربما احتمالاً أكثر إنسانية للإقامة فيه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
TT

فيديو: كاميرات متجر مجوهرات تفضح حيلة غريبة لسرقة خاتم ألماس ثمين

لقطة من فيديو كاميرات المراقبة
لقطة من فيديو كاميرات المراقبة

في واقعة غير مألوفة داخل أحد أشهر أحياء المجوهرات في لندن، كشفت كاميرات المراقبة محاولة سرقة غريبة، بعدما أظهرت رجلاً وهو يبتلع خاتم خطوبة مرصّعاً بالألماس تبلغ قيمته نحو 35 ألف جنيه إسترليني (47 ألف دولار)، في منطقة هاتون غاردن. وفقاً لصحيفة «مترو».

وقال العاملون في المتجر إنهم فوجئوا باختفاء أحد ثلاثة خواتم خطوبة كانوا يعرضونها على الزبون، من دون أن يلاحظوا لحظة اختفائه. وبعد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، اكتشفوا أن الرجل التقط الخاتم بسرعة ووضعه في فمه، قبل أن يُعتقد أنه ابتلعه.

وأوضح جنايد حسن، البالغ من العمر 28 عاماً، والذي يدير المتجر العائلي، أن الحادثة كانت صادمة، قائلاً: «كان الأمر جنونياً للغاية. ما زلت لا أصدق أنه حدث فعلاً. أنت لا تعرف أبداً من هو الشخص الذي يجلس أمامك».

وأضاف أن المتجر، الذي تعمل فيه ثلاثة أجيال من العائلة منذ أكثر من 30 عاماً، لم يشهد من قبل محاولة سرقة بهذه الطريقة، مشيراً إلى أن اكتشاف الواقعة جاء بفضل كاميرات المراقبة التي حالت دون ضياع الخاتم.

وحسب العاملين، بدا الرجل هادئاً وطبيعياً أثناء وجوده في المتجر، بل إنه طلب كوباً من الماء؛ ما أثار شكوك الموظفين الذين رفضوا طلبه. وعندما واجهوه باختفاء الخاتم، بدأ بالصراخ وطالب بتفتيش جيوبه، قبل أن يعيد الخاتم بعدما وضع أصابعه في حلقه.

وقال سيد حسين، والد جنايد، الذي تعامل مع الرجل يوم الحادثة في يونيو (حزيران) 2025، إن الزبون أمضى نحو ساعتين في مشاهدة مجموعة من الخواتم قبل أن يحاول المغادرة بحجة أنه سيعود في اليوم التالي.

ويحتوي الخاتم على ألماسة كبيرة مقطوعة بأسلوب «الأميرة» (Princess Cut)، إضافة إلى ألماسات صغيرة مثبتة على إطار من البلاتين.

وأثارت الواقعة قلق أصحاب محال المجوهرات في هاتون غاردن، حيث بدأت المتاجر في مراجعة إجراءات الأمن وتحديث أنظمة المراقبة، مؤكدين أن أساليب السرقة أصبحت أكثر ابتكاراً، وأن الحذر والتعاون بين أصحاب المحال باتا أمراً ضرورياً.

وقال جنايد إنه نشر مقطع الفيديو لاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف التوعية، مضيفاً: «لم أتوقع أن ينتشر بهذا الشكل. أردنا فقط أن نوضح أن مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وأن الأمن والمراقبة أمران لا غنى عنهما».