علي الشوك ... نموذجاً لثلاث حيوات

TT

علي الشوك ... نموذجاً لثلاث حيوات

يقول توماس مان إن حياة أي إنسان هي ليست حياته فقط بل حياة جيله وعصره. ولعلي أجد في الفقيد علي الشوك نموذجاً لثلاث حيوات تعاقبت وتزامنت مع بعضها بعضا: فحياته الشخصية التي أشار في مكان ما إلى محفزاتها الأربعة: الرياضيات والموسيقى والأدب والمرأة. وحياة جيله بأفكاره وقناعاته واهتماماته وحياة عصره بانتمائه السياسي وقناعاته الفلسفية العميقة.
ولعل الرياضيات هي ما يميزه عن أبناء جيله الذين رحل أغلبهم قبله: فؤاد التكرلي، نجيب ألمانع، غائب طعمة فرمان، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، وآخرون. وكل هؤلاء ولدوا بين عامي 1926 و1930. تلك الفترة التي بدأ العراق يخرج من معطف الإمبراطورية العثمانية المنتمي إلى القرون الوسطى، ويدخل في العصر الحديث.
جيل علي الشوك واجه هذا التحول المفاجئ: الدخول المتأخر في عصر الحداثة مع ظهور ملامح عصرية لبغداد من مطاعم وفنادق ومقاه وشوارع فسيحة ومحطات قطار وباصات وبيوت حديثة بشيء من القطيعة مع الأجيال التي سبقتهم، وفي الوقت نفسه مع النظام الذي صاغه المحتلون البريطانيون للعراق. وهذا العالم الجديد يمكن تلمسه في رواية غائب طعمة فرمان: خمسة أصوات: بغداد خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي.
ولعل انتماء علي الشوك لجيله وعصره تمثل في الارتباط المبكر بالحركة الشيوعية في العراق، رغم خلفيته الطبقية إذا جاز القول.
كان هذا الانتماء بالنسبة إليه رومانسياً أكثر منه عقائدياً محضاً. مع ذلك فقد دفع ثمناً باهظاً حين اعتقل بعد انقلاب 8 فبراير (شباط) الدموي عام 1963.
الاختلاف الأساسي مع أبناء جيله هو ولعه بالرياضيات الذي دفعه إلى ترك دراسة الهندسة المعمارية في جامعة بيروت والتحول إلى الرياضيات. مع ذلك كان الفقيد علي الشوك مشدوداً إلى ما هو نقيض الرياضيات: الأدب. فبالقدر الذي تطالب الرياضيات عاشقها التفرغ لها تماماً والدخول في عوالمها المجردة ومنطقها الصارم يطالب الأدب بالانجرار إلى الحياة اليومية للآخرين وللنفس والسعي إلى اكتشاف أسرارها: أي التورط الكامل في الحياة.
وكأن هذا الجمع كان على حساب الاثنين. فعلي الشوك لم يكمل دراسته في حقل الرياضيات ليصبح أكاديمياً جامعياً ومبدعاً فيها كما هو الحال مع عالم الرياضيات ريمون نجيب شكوري الذي هو الآخر ترك دراسة الهندسة المعمارية واتجه إلى الرياضيات في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ليصبح بعد عودته من الولايات المتحدة وإكمال دراسته للدكتوراه أستاذاً في كلية العلوم بجامعة بغداد ومؤسساً لمنهج الرياضيات المعاصرة التي تم اتباعها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي في العراق.
على العكس من ذلك، لم يكمل الراحل علي الشوك دراسة الرياضيات في الولايات المتحدة واكتفى بشهادة البكالوريوس، وعند عودته للعراق عمل مدرساً للرياضيات في الثانويات حتى اضطراره مغادرة العراق عام 1979. كذلك هو الحال مع الموسيقى الكلاسيكية، فالجيل الذي خرج من شرنقة مدينة قرون وسطى خربة كبغداد إلى نور الحداثة المفاجئ لم يواجه ذلك الإرث الموسيقي إلا بالقطيعة.
بدلاً من ذلك أصبح للموسيقى الكلاسيكية جمهور صغير يحضر في تلك البيوت الفخمة ببغداد جلسات استماع ونقاش للسيمفونيات الكبرى.
باعتراف علي الشوك كان للراحل نجيب المانع أثر بارز في خلق هذا الولع والدخول إلى عالم الموسيقى. وفي كتابه «عمر أكلته الحروف» يشير ألمانع أيضاً إلى عاملين لعبا دوراً في خلق ولعه بالموسيقى الكلاسيكية: شرح توفيق الحكيم للسيمفونية الخامسة لبتهوفن في روايته «عصفور من الشرق» حين حضر البطل حفلة موسيقية في باريس، والثاني هو تلك الأسطوانات التي كان يتخلص الجنود البريطانيون في قاعدة الشعيبة بالبصرة منها فتصل إلى السوق الشعبية وتباع بأسعار بخسة ومنها تعرف خلال الأربعينات على بيتهوفن وموتزارت وشوبان وغيرهم.
الفارق الآخر هو اهتمام علي الشوك بالميثولوجيا واستغراقه المعمق في قراءة الكثير من كتبه ولا أتذكر اسم الكتاب الذي أصدره عنها وأظنه ينتمي إلى الإعداد أكثر منه إلى التأليف. ومن فضائله على المكتبة العربية أنه ترجم الكثير من المصطلحات والمفاهيم في هذا الحقل إضافة إلى تعريفه بأحد العلماء في هذا الحقل: روبرت غريفز.
في الموسيقى قدم علي الشوك وبشكل معمق كل ما يحتاج إليه القارئ لمقاربة هذا الحقل الرفيع وهو مسلح بالمعرفة.
وفي مجال الرياضيات وعلاقته بالفنون الأخرى كان كتاب «الأطروحة الفنطازية» الذي اعتبر ولحد اليوم رائعته المتفردة، للكثير من القراء.
وقد ساعدته الرياضيات على الغور في الفيزياء الحديثة بحقولها المختلفة من علم الكون وفيزياء الكم وعلم الوراثة وغيرها. ولعل كتابه «الثورة العلمية الحديثة وما بعدها» (الصادر عن دار المدى عام 2004) معلماً فارقاً. وهو خليط ما بين التأليف والإعداد. والحقول التي تضمنها تشير بشكل مثير للإعجاب مدى اطلاع الفقيد الشوك بهذه الحقول المعقدة والمختلفة وقدرته على المحاججة مع هذا الرأي أو ذاك.
في هذا الكتاب وجدت علي الشوك ابن جيله الذي تربى على الفكر المادي فكانت محاججته ضد بعض أفكار أحد مكتشفي وصائغي علم فيزياء الكم الدنماركي نيلز بوهر استنادا إلى كتاب لينين «المادية والنقد التجريبي» دليلاً على أن الفرد يبقى منتمياً إلى عصره وجيله حتى لو تغيرت قناعاته السياسية لاحقاً.
في هذا الكتاب يقدم علي الشوك مساهمة مهمة في تعريب عدد كبير من المصطلحات العلمية المعقدة بصيغة معبرة ودقيقة.
تأتي المرحلة الرابعة الأخيرة من حياة علي الشوك وهو يقترب من الثمانين: إنه الأدب الذي ظل قارئاً ملماً له أكثر منه مبدعاً. وفي رواياته الثلاث الأولى التي قرأتها وجدت أنها أقرب لرواية السيرة الذاتية منها إلى الرواية التقليدية. والشخصيات هي أصدقاء وزملاء ورفاق التقى بهم في رحلة الحياة.
كأن علي الشوك في اندفاعه الأخير يكتشف أنه كان عليه التفرغ للأدب منذ البداية حتى بوجود نوازع قوية تجره بعيداً عنها: كأن وجود أكثر من معشوق بالنسبة إلى العاشق تفقده القدرة على سكب العاطفة كاملة في آنية واحدة فتتوزع هذه العاطفة بشكل غير متساوٍ على عكس قانون الأواني المستطرقة الذي يجعل السائل يأخذ نفس المستوى في جميعها.
مفاجأة أخرى في رواياته: معرفة علي الشوك بالمحيط البريطاني وتغلغله فيه مدهشة وهو الذي قدم إلى لندن في أوائل التسعينيات لاجئا أي بعد تخطيه سن الستين، وهذا بالذات إنجاز فريد يحسب له.
الشيء الآخر وكما قال هو: ولعه بالمرأة الذي ظل مخفياً بسبب طبيعته الخجولة الحيية تجلى بشكل مثير للاهتمام (والجدل) في هذه الروايات.
سيظل الإرث الفكري الذي تركه علي الشوك محض اهتمام أجيال تعقبنا من عراقيين وعرب بشكل عام. ففيها من الغنى الذي لا يقدم معرفة بهذه الحقول الأربعة فقط: الرياضيات والعلوم، الموسيقى، الميثولوجيا والأدب بل هي تمنحهم فرصة التعرف على الإنسان نفسه: الإنسان سواء كان علي الشوك أو الإنسان ابن جيله أو الإنسان بشكل عام، أي أنفسهم.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».