أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

«سيناريو» التصعيد يخدم أهداف قادة الطرفين

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا
TT

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

أزمة مضيق كيرتش... مرحلة جديدة من المواجهة بين روسيا والغرب في أوكرانيا

على مدى الأسبوع الماضي، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي في كل من روسيا وأوكرانيا حملات واسعة جمعت ملايين من الطرفين تدعو إلى ضبط النفس وتحاشي الانزلاق إلى حرب واسعة ومفتوحة بين البلدين.
إلا أن رسم الكفين المتصافحتين اللتين حملتا ألوان علمي البلدين، وعلى خلفيتهما تبرز حمامة سلام بيضاء، لم يعكس طبيعة الحملات الإعلامية والسياسية القوية التي أججت الأزمة أكثر، ولا دقات «طبول الحرب» التي باتت تقرع بقوة في موسكو وكييف، عبر تصريحات المسؤولين التي عزّزتها الحشود العسكرية التي أرسلها الطرفان إلى منطقة بحر آزوف، المتصل بشمال البحر الأسود. وقد يكون عنصر الردع الوحيد الذي منع الانزلاق نحو مواجهة نتائجها كارثية، هو موقف أوروبا القلقة من تطور «السيناريو» العسكري، إذ دفع القلق دولها إلى توجيه رسائل واضحة إلى الطرفين برفضها منحى التصعيد.

منذ إقدام حرس الحدود الروس على احتجاز ثلاث سفن حربية أوكرانية، يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، تبادل الطرفان الروسي والأوكراني اتهامات حادة بالسعي إلى تأجيج الموقف.
كان الحادث لافتاً لأنها ليست المرة الأولى التي تعبر فيها سفن أوكرانية مضيق كيرتش، إذ سبق لأوكرانيا أن أرسلت سفينة إلى هناك قبل ثلاثة أسابيع ولم يعترضها أحد. لكن هذه المرة استخدم الجانب الروسي السلاح وفتح النار على السفن، وأجبرها على التوقف بعدما أصيب ثلاثة بحارة بجروح وجرى اعتقال طواقم السفن واحتجازها.
وفي حين أعلنت هيئة الأمن الفيدرالي الروسية، بعد الحادث، أن السفن الأوكرانية (وهي زورقان مصفّحان وقاطرة) دخلت مياه روسيا الإقليمية «بتوجيه من السلطات في كييف»، في خطوة وُصفت بأنها «استفزازية»، رفضت كييف الاتهامات، وردت بأن السفن كانت في طريقها من البحر الأسود إلى ميناء أوكراني في بحر آزوف، ما يعني أنها عبرت ممراً دولياً لا يخضع للسيطرة الروسية.
خلف هذا السجال، يقف التباين الرئيسي حول ملف ضم روسيا شبه جزيرة القرم إليها عام 2014، إذ حتى ذلك التاريخ كان مضيق كيرتش ممراً مشتركاً روسياً أوكرانياً، لكن روسيا باتت تعتبره تحت سيادتها منذ قرار الضم.
ومن ثم، دلّت التداعيات التي برزت لاحقاً، على سعي الطرفين لاستخدام «الاستفزاز المتعمد». ففي أوكرانيا التي تتحضّر لانتخابات رئاسية خلال الربيع المقبل، تدلّ استطلاعات الرأي على أن فرص التجديد للرئيس بيترو بوروشينكو تبدو ضئيلة، فهو يواجه مرشحين يتقدّمون عليه كثيراً. ولذا رأت الأوساط الروسية أن تحريك كييف السفن، مع علمها المُسبق بأن موسكو ستواجهها، هدَف إلى تحسين فرص بوروشينكو داخلياً، من بوابة مواجهة «العدوان الروسي». وهذا أمر تحقق جزئياً، إذ اصطفت القوى السياسية الأوكرانية خلف بوروشينكو مباشرة بعد الحادث، وغدا عنصر «المواجهة مع روسيا» الأبرز في الدعاية الانتخابية الداخلية.
في المقابل، سعت موسكو إلى التأثير في الحملة الانتخابية الأوكرانية من بوابة «تخويف» الشارع الأوكراني، من «الرئيس الذي بات يشكل خطراً على بلاده وعلى المنطقة كلها»، وفقاً لبيان الخارجية الروسية. ودخل الكرملين على هذا الخط من خلال إعلان الرئيس فلاديمير بوتين أنه لا يستجيب لمحاولات رئيس أوكرانيا، يبترو بوروشينكو، للتحدث معه عبر الهاتف، لأنه «لا يريد المشاركة في حملته الانتخابية».
ومقابل إعلان بوروشينكو أنه سعى لمحاصرة الموقف عبر الاتصال مع بوتين، لكن الأخير امتنع عن الحديث معه، قال بوتين: «الأمر ليس أني أتجنّب، أولاً أريد التحدث مع بيترو أليكسييفيتش (بوروشينكو)... الأمر ليس كذلك، بل يكمن في أنني لا أريد المشاركة في حملته الانتخابية. إنها خدعة، وأنا لا أرغب في المشاركة في هذا الخداع». ثم اتهم بوروشينكو بأنه «يتفنن في خلق الأزمات والاستفزازات وتحميل روسيا مسؤولية ذلك، ثم يحاول بعد ذلك إظهار أنه قادر على حل المشكلات».
لكن، في مقابل «الخداع الأوكراني» برزت إشارات عدة إلى أن بوتين أيضاً سعى إلى الإفادة من أزمة مضيق كيرتش. ووفقاً لمحللين روس، فإن الكرملين كان يتطلع إلى فرصة لتعزيز شعبية بوتين، التي تدهورت بقوة خلال الشهور الأخيرة على خلفية تردي الوضع المعيشي بسبب العقوبات الغربية والقرارات الداخلية للحكومة. وترافق التردي مع ارتفاع معدلات التذمر الشعبي من سياسات بوتين إلى درجة أن أحدث استطلاع للرأي، أجراه مركز «ليفادا» المرموق، بيّن أن ثلثي الروس لا يرون أن بوتين يفي بتعهداته الانتخابية ولا يوافقون تماماً على سياساته.
بالتالي، لا يوجد أفضل من إبراز «ورقة القرم» في هذه الظروف. ويكفي أن أعلى صعود لشعبية «سيد الكرملين» كان على خلفية ضمه القرم في 2014. ويرى خبراء أن دق طبول الحرب الإعلامية مجدداً حول القرم من شأنه استعادة حشد الرأي العام الروسي خلف بوتين في هذه المرحلة الصعبة سياسياً واقتصادياً.

حشود عسكرية في البحر الأسود
لكن الاستخدام الداخلي للأزمة لدى الطرفين، ليس الوجه الوحيد للتصعيد الحاصل، بل تدل التحركات العسكرية الجارية في المنطقة إلى خطورة التطورات الجارية، وتحوّلها إلى وضع قابل للتفجر مجدداً. وبدا أن مسارعة حلف شمال الأطلسي (ناتو) - الذي كان أعلن قبل أقل من شهرين إطلاقه مسار ضم أوكرانيا إليه - إلى إعلانه تأييد مواقف كييف، جزءاً من مشهد جديد في المنطقة تجري بلوَرته بمشاركة أطراف عدة، ليس أقلها حضوراً الولايات المتحدة.
الأمين العام لـ«ناتو» ينس ستولتنبيرغ قال قبيل لقاء وزراء خارجية دول الحلف، إنه لا يرى مبرراً لاستخدام القوة ضد السفن الأوكرانية. وأشار إلى أن الحلف يدعو «إلى الهدوء وضبط النفس... وأن على روسيا الإفراج عن البحارة الأوكرانيين وسفنهم وضمان حرية الملاحة في مضيق كيرتش وبحر آزوف».
كانت هذه مقدمة للإعلان بعد ذلك في الاجتماع الوزاري لـ«ناتو»، الذي دُعي إليه «خصما» روسيا الأساسيان في «الفضاء السوفياتي السابق»، جورجيا وأوكرانيا، أن «الحلف سيعمل للحفاظ على وجوده العسكري في البحر الأسود، رداً على تصرّفات روسيا».
وأكد البيان: «رداً على تصرفات روسيا العدوانية، قام الحلف بتعزيز ملحوظ لوجوده في منطقة البحر الأسود، بحراً وجواً وبراً»، مضيفاً أن «لقاء اليوم مع الحلفاء أعطى رسالة واضحة بشأن مواصلة تقديم الدعم العملي لأوكرانيا، وكذلك بشأن الحفاظ على وجودنا في منطقة البحر الأسود». ودعا الأمين العام للحلف، موسكو، إلى سحب اعترافها بانفصال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا، الذي أعلنت روسيا عنه عام 2008. وتابع ستولتنبيرغ أن «على روسيا وقف الاعتراف باستقلال الإقليمين وسحب قواتها العسكرية من هذه الأراضي الجورجية»، مجدداً بذلك تمسك الحلف بمبدأ «سلامة جورجيا الإقليمية».
هذه اللهجة قُوبلت بترحيب أوكراني، إذ طالبت كييف بتعزيز وجود «ناتو» في المنطقة، بينما رأى الكرملين فيها تأجيجاً للتوتر.
في هذه الأثناء، بدا أن واشنطن بدأت تحركاً عملياً على خلفية أزمة مضيق كيرتش، لتضييق الخناق على روسيا. وبعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاجتماع مع الرئيس بوتين في الأرجنتين على خلفية الأزمة، برزت في موسكو اتهامات قوية لواشنطن بأنها تسعى لإشعال حرب روسية - أوكرانية. ورأت أوساط روسية أن تطبيق الأحكام العرفية في المناطق الأوكرانية المتاخمة لروسيا، وتركيز القوات الأوكرانية في حوض الدونباس (شرق البلاد)، وبداية استدعاء جنود الاحتياط، خطوات تشير بوضوح إلى بداية تحضير كييف للحرب.
وأوردت وزارة الدفاع الروسية تقارير عن «مراقبة» الأميركيين بدقة لتطورات الموقف في مضيق كيرتش. وذكرت أن طائرة استراتيجية بلا طيار قامتا الأسبوع الماضي برحلات طويلة هناك. ومنذ اندلاع أزمة مضيق كيرتش، نفذ سلاح الجو الأميركي هذه العمليات الاستطلاعية سبع مرات. وتزامن ذلك مع تبني الرئيس الأوكراني دعوات انطلقت أولاً في واشنطن لإغلاق مضايق البحر الأسود ومنع السفن الروسية من دخول الموانئ الأوروبية. وكانت مقترحات بهذا الشأن نُشرت على الموقع الإلكتروني للمجلس الأميركي الأطلسي في 21 نوفمبر الفائت، أي قبل أربعة أيام من الحادث الذي وقع في كيرتش. وفي وقت سابق، أعلن وزير الداخلية الأميركي ريان زينكي عن أفكار مماثلة، إذ قال في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) إن الولايات المتحدة يمكن أن تنظم حصاراً بحرياً على روسيا «لمنع سيطرتها على إمدادات الطاقة من دول الشرق الأوسط، على غرار السيطرة الروسية على الإمدادات إلى أوروبا حالياً».
وفقاً للعقيد إدوارد روديوكوف، عضو أكاديمية العلوم العسكرية الروسية، فإن «نوايا الولايات المتحدة في أوكرانيا لا تتجه بالدرجة الأولى لحل مشكلات كييف في بحر آزوف، بل تتعلق بخطط واشنطن الطموحة لعزل النشاط العسكري للاتحاد الروسي في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم. وبالتالي، منع روسيا من تنفيذ مشروعاتها الخاصة بنقل إمدادات الطاقة إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب قيد الإنشاء حالياً». وتابع: «تعمل واشنطن على تنفيذ توجهاتها عبر تعزيز رُزَم العقوبات على روسيا، وهذا واحد من أسباب دفع الأميركيين كييف لإطلاق حرب في شرق أوكرانيا رداً على ما يوصف بأنه عدوان روسي... هذا سيوفر آلية جديدة لفرض مزيد من القيود والعقوبات على روسيا وصولاً إلى محاولة عزلها بالكامل».
في المقابل، اتهم بوروشينكو أخيراً روسيا بالتخطيط للاستيلاء على مدينتي بيرديانسك وماريوبول الأوكرانيتين. ويبدو هذا التخويف جزءاً من التحضير لـ«سيناريو» تفجير الموقف. وهنا، كما لاحظ روديوكوف، فإنه «منذ 3 ديسمبر (كانون الأول)، عندما أعلن بوروشينكو حالة التأهب في أوكرانيا وأرسل قوات النخبة إلى جبهة الدونباس، تتغاضى الولايات المتحدة ودول (ناتو) عن حقيقة أن القوات المسلحة الأوكرانية تعمل على تعزيز الحشود على طول خط المواجهة في الدونباس، ونُقل الجيش الأوكراني إلى أعلى درجة من الاستعداد القتالي».
في المقابل، أعلنت روسيا عن دفع قوات إضافية إلى شبه جزيرة القرم. ونشرت منظومة رابعة من صواريخ «إس 400» موجهة نحو الأراضي الأوكرانية، كما زادت بقوة من وجود سفنها الحربية ومجموعات التدخل السريع في المنطقة.
أيضاً يخطط الجيش الروسي لبناء محطة رادار عالية التطور في شبه جزيرة القرم، لكي تكون بديلاً عن سابقتها القديمة سوفياتية الصنع، وستصبح أيضاً محطة رئيسة للإنذار المُبكر. وتهدف روسيا من خلال المشروع الجديد لتعزيز إمكاناتها في مراقبة المجال الجوي في جنوب البلاد وغربها، وكذلك في رصد وملاحقة الأجسام المعادية. ويبدأ الجيش الروسي تشييد المحطة الجديدة خارج مدينة سيفاستوبول مع بداية عام 2019، في حين ستكون قدراتها العسكرية مشابهة لرادار «فورونيج» للإنذار المُبكر.

حرب بين «شقيقين»
الجدير بالذكر، أنه منذ اندلاع المواجهة الروسية الأوكرانية إثر ضم القرم في 2014، عمل الطرفان على هدم روابط تاريخية كانت تجمع الشعبين اللذين تربطهما أصول سلافية مشتركة، بجانب تداخل ثقافي وحضاري يمتد إلى قرون طويلة. ومن رُزَم القرارات في هذا الاتجاه حظر الكتب والأفلام السينمائية، والتضييق على اللغة والعمالة الوافدة في البلدين، وإغلاق الطرق البرية وتعطيل رحلات سكك الحديد، إلى جملة من الإجراءات التي ألغي بعضها لاحقاً بعدما ثبت أنها غير عملية. لكن في المحصّلة بدا أن الشعبين يدفعان ثمن الخلاف السياسي، وأكثر من هذا، تحوّل «هاجس العدوان الروسي» إلى عنصر داخلي مهم في أوكرانيا لدفع السياسات واتخاذ القرارات، حتى أن أوكرانيا قررت أخيراً إلغاء «معاهدة الصداقة والتعاون» الموقعة منذ سنوات طويلة مع روسيا، في خطوة تبدو أنها المسمار الأخير في نعش العلاقات التاريخية بين البلدين.
ومع أن «الشقيق الأكبر» (أي روسيا) كان أكثر تحفّظاً في التعامل مع هذه القرارات، لجأ الكرملين بعد أزمة كيرتش إلى اتخاذ قرارات جديدة تصبّ في الاتجاه ذاته. إذ وقع الرئيس بوتين مرسوماً لاتخاذ تدابير اقتصادية خاصة ضد إجراءات أوكرانيا «غير الودية». ويوعز المرسوم للحكومة الروسية بتحديد الأفراد والهيئات الاعتبارية الأوكرانية التي ستشملها التدابير الاقتصادية الخاصة، إضافة إلى تحديد نوع التدابير. ووفقاً للمرسوم، ستلغي موسكو تدابيرها الاقتصادية الخاصة بحق أوكرانيا، في حال ألغت كييف قيودها، التي فرضتها منذ 2014 على مواطنين وشركات روسية.
وتضمّنت الإجراءات الأوكرانية وقف شراء الغاز الروسي بشكل مباشر، وحظر رحلات الطيران بين روسيا وأوكرانيا. وفي سبتمبر (أيلول) 2015 فرضت أوكرانيا عقوبات على 388 شخصية و105 شركات روسية، كما فرضت عام 2017 قيوداً على 5 مصارف روسية لها فروع فيها، بجانب فرضها عقوبات على وسائل إعلام روسية.
وتزامن هذا مع عودة الحديث عن «حروب الغاز» إلى الواجهة، وهذا أمر مقلق جداً لأوروبا التي تعمل على توفير حد أدنى من استقرار صادرات الغاز الروسي إليها. وللعلم، فإن نحو 34 في المائة من الغاز الطبيعي الروسي المرسل إلى أوروبا يمر عبر الأراضي الأوكرانية. ودعا الاتحاد الأوروبي، الروس والأوكرانيين أخيراً، لمناقشة مستقبل إمدادات الغاز الروسية لأوروبا عبر أوكرانيا، قبل انتهاء مدة الاتفاق الحالي في نهاية 2019.
لكن المهمة الأوروبية تبدو صعبة، لأن مجموعتي الغاز الروسية «غاز بروم» والأوكرانية «نافتو غاز» تخوضان صراعاً قضائياً أمام المحاكم الأوروبية منذ سنوات. وتعتزم «غاز بروم»، التي خفضت كثيراً كميات الغاز التي تصدرها عبر أوكرانيا التوجه نحو خفض إضافي بعد إتمام مشروعي أنابيب الغاز اللذين سيلتفان على أوكرانيا، وهما «التيار التركي» الذي أطلقه الجانبان الروسي والتركي أخيراً، و«نورد ستريم 2» الذي تأمل «غاز بروم» بدء عمله بنهاية 2019. وهو خط ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق.
ونذكر هنا، أن خط الإمداد الجاري تطويره «نورد ستريم 1» غدا في الفصل الأول من العام 2018 الخط الرئيسي لنقل الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي (36 في المائة من مجمل صادرات الغاز مقابل 34 في المائة عبر أوكرانيا)، وفق المفوضية الأوروبية. لكن «حروب الغاز» لا تبدو مرشحة للتسوية، ذاك أنه على الرغم من تأكيدات برلين لفترة طويلة أن هذا الخط «تجاري»، سدّدت المستشارة أنجيلا ميركل ضربة مفاجئة إلى المشروع في أبريل (نيسان) الماضي، عندما طالبت بتكريس دور أوكرانيا في نقل الغاز الروسي إلى أوروبا.
في المقابل، طالب الرئيس الأوكراني، أوروبا، بألا تتعامل مع الغاز الروسي، بحجة أن «روسيا تشن سياسة عدوانية يجري تمويلها من عائدات الغاز». وهو الموقف نفسه الذي ينادي به الرئيس ترمب.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.