مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

«اختلال كبير» بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة ومعارضة ضعيفة ونخب مقسّمة

تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
TT

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)
تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة الاضطرابات الاجتماعية والشبابية في ديسمبر (كانون الأول) 2010 و يناير (كانون الثاني) 2011. إذ تحل الذكرى الخامسة عشرة «للانتفاضة الشبابية» وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاستقطاب السياسي. وفي الوقت نفسه، تعمّقت الاختلافات بين «جبهات سياسية» متقابلة: واحدة تساند السلطة القائمة باسم «التصحيح» و«إنقاذ الدولة» و«الدفاع عن السيادة الوطنية»، وأخرى معارضة تتهم الحكومة و«الأطراف» الموالية لها بـ«إجهاض الانتقال الديمقراطي والتعددية والإصلاحات» التي تقرّرت خلال العشرية الماضية وبخاصة في عهد حكومات «الوحدة الوطنية» بعد انتخابات 2014 و 2019.

تكشف التظاهرات الثقافية والسياسية التي نظّمت بمناسبة الذكرى الـ15 لاندلاع الثورة التونسية، بحسب الأكاديمي الحقوقي الحبيب بوعجيلة «اختلالاً كبيراً جداً في المشهد السياسي التونسي الجديد بين سلطة مركزية يقودها رئيس الدولة وفريقه ومعارضة ضعيفة ونخب مقسمة».

بوعجيلة، القيادي سابقاً في جبهة معارضة ترأسها الزعيم اليساري والوزير السابق أحمد نجيب الشابي، رأى في أحد التصريحات التي جمعتها «الشرق الأوسط» أن حصيلة السنوات الـ15 الماضية، ولا سيما منذ قرارات «يوليو (تموز) 2021» التي أدّت إلى حل البرلمان والحكومة المنتخبين، كانت تهميش الأحزاب والنقابات والعديد من قوى المجتمع المدني. وانعكس ذلك وفق تقديره في «انهيار المشهد السياسي والحزبي» الذي ساد ما بين 2011 و2021. وتسبّب بإضعاف تأثير كل الشخصيات والأطراف السياسية المحسوبة على قوى «الإسلام السياسي» وحلفائها السابقين في البرلمان والحكومة بمن فيهم «صنّاع القرار» داخل مؤسسات الدولة إبان عهدي الرئيسين الأسبقين المنصف المرزوقي (2011-2014) والباجي قائد السبسي (2014-2019 ) ورئيس حكومته الليبرالي يوسف الشاهد ( 2016-2020).

اختفوا من المشهد

في الوقت عينه، سجلت الإعلامية والأكاديمية منية العرفاوي في تصريح آخر لـ«الشرق الأوسط» من بين مظاهر اختلال موازين القوى في المشهد السياسي الحالي «تغييب» فاعلين سياسيين كبار لعبوا دوراً خلال العقد الماضي. إذ «اختفى من المشهد تقريباً معظم قيادات حزب النهضة الإسلامي وحزبي الرئيس المنصف المرزوقي (حزب المؤتمر) والرئيسين مصطفى بن جعفر وإلياس الفخفاخ (حزب التكتل) من جهة، وأحزاب «نداء تونس» (قايد السبسي) و«تحيا تونس» (الشاهد) و«قلب تونس» (بزعامة نبيل القروي صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية عام 2019) و«مشروع تونس» (الذي تزعمه الوزير المستشار السابق في قصر قرطاج محسن مرزوق).

أما عبد اللطيف الهرماسي، عالم الاجتماع والأمين العام للحزب الجمهوري المعارض، فقال إن «غلطات قيادات المعارضة السابقة بعد ثورة 2011 ساهمت في إجهاض مسار الانتقال الديمقراطي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية». وربط «مظاهر الخلل» في المشهد السياسي الحالي «بالمضايقات والمحاكمات السياسية، بجانب انسحاب قطاع كبير من المثقفين والسياسيين والحقوقيين من العمل السياسي والحقوقي لأسباب عديدة منها فشل محاولات تشكيل جبهة وطنية موحدة للمعارضة تناضل أساساً من أجل الحريات والإفراج عن المساجين السياسيين».

ملفات التآمر على أمن الدولة

بالتوازي، أدى فتح ملفات قضائية وأمنية ضد عشرات من السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الإعلامية إلى «إبعاد فاعلين من المشهد السياسي والإعلامي من كل الألوان السياسية والثقافية»، وفق الإعلامي والناشط النقابي خليل الحناشي، الذي سجّل أن برلمانيين ونشطاء حقوقيين ومحامين وزعماء سياسيين كباراً أحيلوا إلى القضاء بتهم «التآمر على أمن الدولة» و«قضايا إرهابية ومالية». وبالفعل، صدرت بحق بعضهم حضورياً أو غيابياً أحكام بالسجن وخطايا مالية تحرمهم من حقوقهم المدنية والسياسية. وشملت الأحكام الغيابية بالسجن وزراء ومستشارين سابقين في رئاسة الجمهورية والحكومة وفي المجلس الوطني التأسيسي الذي قام بصيغة دستور 2014 وشكل حكومات العشرية الماضية.

كذلك، حمّل زياد دبار، رئيس نقابة الصحافيين التونسيين، من جهته، الحكومة مسؤولية «إضعاف أدوار المجتمع المدني والنقابات والأحزاب والأجسام الوسيطة بين السلطة والرأي العام ووسائل الإعلام». واعتبر أن «تراجع هامش الحرّيات الإعلامية ساهم في تعقيد المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تراكمت خلال السنوات الـ15 الماضية»، على الرغم من الدور الكبير الذي ما زالت تلعبه «قوى ديمقراطية وشبابية مستقلة دفاعاً عن استقلالية القضاء والإعلام ومطلب الانفراج السياسي».

"التعثر الاقتصادي الاجتماعي يربك «الاستثناء الديمقراطي»"

«إصلاحات»... رغم الأخطاء الفادحة

في المقابل، وأيضاً، خلال لقاءات مع «الشرق الأوسط»، رأى جامعيون وحقوقيون، مثل الأكاديمي والمؤرخ والحقوقي محمد ضيف الله، أن «المشهد السياسي المتعثّر حالياً لا ينبغي أن يقلّل من دور النخب التونسية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً».

إذ قال ضيف الله إنه «لا بد من استحضار التنويه الدولي منذ 2011 بالطبقة السياسية التونسية ونخب البلاد التي تعامل معها العالم في السنوات الماضية بعدّها تقود الاستثناء الديمقراطي الإيجابي في مسار الثورات العربية».

وأردف أن التوافقات السياسية السابقة ساهمت في إنجاز إصلاحات سياسية اقتصادية اجتماعية عديدة تحققت في العقد الأول لما بعد الثورة، «بما في ذلك نجاح تونس، نسبياً، في تنظيم انتخابات تعدّدية لم يطعن أحد في نزاهتها... وشملت تلك الانتخابات مؤسسات السلطات التنفيذية والبرلمان والقضاء والهيئات الدستورية».

ومن جانبه، نوّه القيادي النقابي رشيد النجار بإقرار البرلمان المؤقت عام 2014 «دستوراً توافقياً تقدّمياً» كرّس الحقوق والحريات والفصل بين السلطات وتمثيل الأقليات الانتخابية، واعتمد قوانين تضمّنت «إرساء مشهد حزبي متنوع» ضمّ إسلاميين معتدلين وليبراليين، ويساريين ينبذون الإقصاء ومستقلين، وقوى مدنية أخرى.

في المقابل، سجّلت جنات بن عبد الله، الخبيرة الاقتصادية والإعلامية، أن التجربة الديمقراطية الأولى (2011–2021) «لم تُفضِ إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المنشود». ولذا فإن الشباب والمهمّشين الذين خرجوا إلى الشوارع قبل 15 سنة، ثم بعد تنظيم عدة انتخابات تعدّدية، مطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية «وجدوا أنفسهم أمام بطالة مستفحلة وتفاوت جهوي صارخ وغلاء معيشة وتراجع القدرة الشرائية وصراع سياسي – آيديولوجي أنهك مؤسسات الدولة وأفقدها النجاعة».

وتابعت بن عبد الله: «وهكذا نشأ تناقض عميق بين اتساع هامش الحرية السياسية وتدهور الأوضاع المعيشية والمؤشرات الاقتصادية». وهنا يرى الخبيرالاقتصادي والسياسي الدولي، ماهر قلال، أن هذا التناقض «مهّد لتراجع الثقة الشعبية في الأحزاب والنقابات والنخب الحاكمة وفي الديمقراطية التمثيلية ذاتها».

منعرج 25 يوليو

لقد شكّل منعرج «25 يوليو 2021»، بلا شك، نقطة تحوّل حاسمة. إذ أعلن الرئيس قيس سعيّد سلسلة «إجراءات استثنائية» شملت تجميد البرلمان، والحكم بالمراسيم، وحلّ المجلس النيابي، ثم اعتماد دستور جديد سنة 2022 أعاد تركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية وقصر قرطاج.

ومن ثم، قدّم أنصار هذا المسار ما جرى بوصفه «تصحيحاً لمسار الثورة» وقطيعة مع منظومة حزبية فاشلة و«نخب فاسدة». لكن في المقابل، اعتبرت المعارضة أنّ ما حدث يمثّل «انقلاباً على الدستور وعلى مكتسبات الانتقال الديمقراطي» على حد تعبير الحقوقي أحمد الغيلوفي.

ثم إن الإعلامي والحقوقي زياد الهاني يرى أنه «بصرف النظر عن الأوصاف، فإنّ الواقع السياسي الجديد أفرز تهميشاً واسعاً للأحزاب وبرلماناً ضعيف الصلاحيات والتأثير وتضييقاً متزايداً على الإعلام والمعارضة، وتراجعاً ملحوظاً في استقلالية القضاء». وهذا ما قرأه شاكر الحوكي، الخبير الجامعي في القانون والعلوم السياسية بأن تونس انتقلت عملياً من «أزمة تجربة ديمقراطية متعثرة إلى نظام رئاسي شديد المركزية».

مشهد سياسي جديد

في هذا المناخ العام نظم أنصار الرئيس قيس سعيّد في الذكرى الـ15 للثورة الشبابية تجمّعات ومظاهرات مساندة لسياساته، عدّها سعيّد بحضور رئيسة حكومته سارة الزعفراني «تفويضاً شعبياً».

بيد أن المعارضة ومنظمات حقوقية وتنسيقيات عائلات المساجين السياسيين نظمت بدورها سلسلة من المسيرات والوقفات الاحتجاجية، شارك فيها آلاف الشباب والطلاب للمطالبة بـ«التغيير» و«الحوار الوطني و الحريات والإفراج عن كل المساجين في قضايا ذات صبغة سياسية...».

وأيضاً، نظمت النقابات والمنظمات المهنية، يتقدمها «الاتحاد العام التونسي للشغل» ونقابات المحامين والصحافيين والأطباء والطلاب والقضاة، تظاهرات رفعت في الوقت نفسه مطالب مهنية وأخرى حقوقية وسياسية، بينها «تنظيم حوارات بين السلطات والمجتمع المدني وتحرير الإعلام وتوسيع هامش الحريات العامة في البلاد».

المناخ الإقليمي

مع هذا، فإن المناخ الدولي والإقليمي من جهة وانقسامات النخب من جهة ثانية، كانا من العوامل التي تداخلت لتكرّس واقعاً جديداً أبرز ملامحه أن «السلطة التنفيذية باتت اللاعب شبه الوحيد في الساحة السياسية، في حين تعاني بقية المؤسسات من التهميش»، وفق بلاغات رسمية أصدرتها رئاستا «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» و«الهيئة الوطنية للقضاة» وكذلك عمادة المحامين.

الأكاديمي والحقوقي الحبيب بوعجيلة يستبعد تغير هذا المشهد السياسي قريباً «بما في ذلك عبر تنظيم انتخابات عامة جديدة، وذلك لأن نسب المشاركة الضعيفة جداً في انتخابات السنوات الثلاث الماضية كشفت عن عمق أزمة الشرعية والتمثيل».

أما الصادق بلعيد، العميد السابق لكلية الحقوق بتونس، فيقول إن «العزوف الانتخابي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر سياسي خطير يعكس فقدان الثقة في السياسة، وشعوراً واسعاً بأنّ الانتخابات لا تغيّر الواقع المعيش... وهذا في مرحلة تبدو فيها قوى المجتمع المدني والمعارضة ضعيفة ومفككة، تعاني من انقسامات داخلية، ومن ملاحقات قضائية تطول بعض رموزها، ومن عجز واضح عن بلورة مشروع بديل جامع قادر على استقطاب غالبية الرأي العام وتحريك الشارع».

الاقتصاد... والتغيير السياسي

في مثل هذا المشهد، يتزايد تأثير الأزمة الاقتصادية «بوصفها العامل الحاسم».

وحقاً، عدّ الخبير الاقتصادي والمالي جمال الدين عويدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «التضخم المالي وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وأزمة المالية العمومية... عوامل جعلت المطلب الاجتماعي يتقدّم على المطالب الحقوقية والسياسية وعلى شعارات التعددية والانفتاح السياسي».

ومن جهتها، حذّرت ندوات اقتصادية وسياسية عقدت أخيراً بمشاركة خبراء تونسيين وأجانب من «سيناريوهات» استفحال الاختلال بين الطبقات والفئات والجهات. وأطلق نواب في البرلمان الجديد، بمناسبة مناقشة موازنة وقانون المالية، «صيحات فزع» بالجملة بسبب ملفات الأمن الاجتماعي وارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والنقل والكهرباء والمياه.

ولكن على الرغم من الاتهامات التي توجّهها قيادات معارضة ونقابية إلى البرلمان وتشكيكها في تمثيليته الشعبية، فوجئ المراقبون بالكم الهائل من الانتقادات التي وجهها نواب محسوبون على السلطة للحكومة وكبار المسؤولين.

وهذه الانتقادات دفعت بعض أنصار السلطة إلى الكلام مجدداً عن «تأسيس حزب سياسي رئاسي»، على الرغم من إعلان الرئيس ومقربين منه مراراً أنه لم ينتمِ قط إلى أي حزب سياسي ولن يؤسس أي حزب.

وللعلم، كانت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدة محافظات تونسية، وتسببت في خسائر مادية كبيرة وفي سقوط قتلى، مناسبة لنزول الرئيس سعيّد بنفسه للمناطق المتضررة وانتقاده مجدداً مَن اتهمهم «بالتقصير والفساد» معلناً تمسكه بمنهجه السياسي والإعلامي والاجتماعي ذاته، أي «الانحياز للفقراء والمهمشين وضحايا الفساد دون الانتماء إلى أي حزب».

حقائق

3 اتجاهات للمشهد السياسي التونسي

> تبرز في تونس راهناً ثلاثة سيناريوهات محتملة:

1- ترسيخ «النظام الرئاسي المركز» مع استقرار هشّ، إذا نجحت السلطة في تجنّب انهيار اقتصادي شامل، واضطرابات اجتماعية نقابية.

2- انفجار اجتماعي واضطراب نقابي سياسي إذا تفاقمت الأزمة المعيشية. وهذا سيناريو له جذور عميقة في تاريخ تونس منذ سبعين سنة بحكم التأثير القوي للنقابات، وبخاصة «الاتحاد العام التونسي للشغل».

3- انفراج سياسي تدريجي يقوم على حوار وطني جديد وإعادة الاعتبار للتعددية والحريات. وهذا احتمال قائم، قد يجري التمهيد له بإصدار قرارات عفو رئاسي، وسراح شرطي لفائدة عشرات من المساجين السياسيين والنقابيين، وذلك بعدما أصدرت المحاكم ضدهم أحكاماً نهائية، بما يسمح قانونياً لرئاسة الجمهورية ووزارة العدل بالتدخل وتخفيف العقوبات أو تغيير صبغتها، خاصة أن نسبة من المعتقلين من بين مَن تجاوزت أعمارهم السبعين.

استطراداً، يرى مراقبون أنه إذا لم تتحسن أوضاع الشعب المعيشية ومؤشرات الاقتصاد الوطني فلن تصمد الإصلاحات السياسية، مهما حسنت النيات والشعارات.

وبالفعل، تزايدت المخاوف من انفجار الأوضاع الاجتماعية والأمنية بعد «تأزم» أوضاع سكان بعض الجهات «المهمّشة» في المحافظات الجنوبية والغربية، بينها محافظة قابس، حيث نُظّمت مظاهرات شارك فيها عشرات آلاف الشباب والمواطنين احتجاجاً على التلوث والبطالة. وحذر الناطق الرسمي باسم «اتحاد الشغل»، سامي الطاهري، من مضاعفات توتر علاقات السلطات بالنقابات في مرحلة كشفت فيها موازنة الدولة لعام 2026 استفحال التضخم المالي والتداين والضرائب وظواهر الفقر والبطالة.

كذلك، كشفت كارثة الفيضانات الأخيرة مدى تدهور البنية الأساسية والخدمات العمومية، بما في ذلك في المحافظات السياحية الساحلية والعاصمة تونس.



مقالات ذات صلة

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

حصاد الأسبوع من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد

أحمد يونس (كمبالا (أوغندا))
حصاد الأسبوع إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل

ثائر عباس ( بيروت)
حصاد الأسبوع ديفيد ساترفيلد (آ ب)

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع إسبريلاً، مرشح اليمين المتطرف يخطب خلف زجاج واقٍ (آ ب)

كولومبيا: استقطاب رئاسي خطير بين اليسار واليمين

منذ عقود لم تسقط كولومبيا من مراكز الصدارة في قائمة البلدان الأكثر عنفاً في العالم: أولاً، بسبب الحركات الثورية المسلحة التي كانت تسيطر على مناطق شاسعة من

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع السناتور الشاب الراحل ميغيل أوريبي طربيه (آ ف ب/غيتي)

الأصول العربية في السياسة الكولومبية

على غرار بقية البلدان الأميركية اللاتينية، لعب عدد كبير من الكولومبيين المتحدرين من أصول عربية -خصوصاً اللبنانية والسورية والفلسطينية- أدواراً بارزة في المشهد


الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
TT

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملاً في أن يتعرّف عليه أحد. وفي مجموعة (غروب) للصحافيين، يتبادل الصحافيون والمراسلون أرقام المسؤولين والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها في الواقع أجزاء من قصة واحدة، بدأت منذ اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معها المنصات الرقمية من أدوات للتواصل الاجتماعي، إلى فضاء بديل تدار عبره تفاصيل الحياة اليومية.

أعادت الحرب المتطاولة التي دخلت عامها الرابع في السودان، تشكيل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعادت مجموعات على منصّات التواصل، كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«تلغرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات، وكيف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخبار، ويواجهون آثار النزوح والغياب والخوف.

أبقت الأسر متصلة

لم تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والولايات فحسب، بل وزّعتهم أيضاً على عشرات الدول، واضطرتهم للعيش في بيئات جديدة. وهكذا فقد كثيرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المنصات الرقمية الرابط اليومي الذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية.

بالنسبة للعديد من الأسر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف...

صباح أحمد، مثلاً، وهي نازحة من ولاية الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فائتة من أفراد أسرتها، لأن الحرب - كما تصفها - جعلت الناس يتوقعون الأخبار السيئة في كل لحظة، وأصبح الاطمئنان على الأقارب جزءاً من الروتين اليومي.

ولكن لا يقتصر هذا الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية على تبادل الأخبار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك» إلى نافذة يومية يطلون من خلالها على ما يجري داخل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ السوداني في أوغندا، إن هذه المجموعات أصبحت «الوسيلة الرئيسة لمعرفة أحوال الأهل والأصدقاء، وتحولت أيضاً إلى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح».

أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيرى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الحرب أفرزت ما يشبه «الأسرة الإلكترونية»، حيث «بات أفراد العائلة الممتدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بين السودان ودول اللجوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح».

قرارات مصيرية عن بعد

أكثر من هذا، في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري، بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت، فعندما بدأت المخاوف تتزايد في ولاية الجزيرة، لم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخبار العامة وحدها، بل لجأت إلى شبكاتها الاجتماعية للحصول على تقديرات مباشرة من الأصدقاء والمعارف الموجودين في مناطق مختلفة.

وبحسب صباح أحمد فإن أسرتها شعرت بخطر متزايد يهدد سلامتها في مدينة الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في أثناء سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وبناء عليه بدأت التشاور مع أصدقاء وزملاء للحصول على صورة أوضح للأوضاع، مضيفة: «بعد سلسلة من الاتصالات والنقاشات، اتخذت الأسرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة.

وتعكس هذه التجربة واقعاً أوسع، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى شبكة إنذار غير رسمية يعتمد عليها كثرة من السودانيين في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات النزوح أو البقاء أو التنقل بين المناطق.

شبكات استجابة وتكافل

في الواقع، لم تنتظر المجتمعات المحلية وصول المنظمات الدولية حتى تبدأ الاستجابة لآثار الحرب. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت جهود المساعدة على شبكات اجتماعية قائمة أصلاً على روابط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت ما عرفت بـ«التكايا»، وهي مجموعات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والشراب وأحياناً الدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط.

ويرى مدني عباس، خبير العمل الإنساني ووزير التجارة السابق، أن «مجموعات الواتساب لعبت دور الحلقة التي ربطت بين المحتاجين والداعمين، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخل المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المنصات أيضاً مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني».

وأردف عباس لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى في توثيق الأوضاع الإنسانية ونقل احتياجات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الدعم لمشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والطاقة الشمسية، بل وحتى في توفير التمويل لبعض أنشطة الاستجابة الإنسانية».

بل في المنافي والملاجئ أخذ هذا التكافل أشكالاً أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغندية كمبالا، مثلاً، توجد مجموعة «واتساب» أخذت اسم «وفيات كمبالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويتشاركون الفقر في جمع المال لتغطية تكاليف دفن الموتى ومساندة أسرهم. إذ يجمع الأعضاء المساهمات المالية عبر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة ترتيبات التجهيز والدفن والتشييع، في نموذج يعكس كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية.

سيدة سودانية تتلقى آخر الأخبار عبر وسائل التواصل (رويترز)

في أثر الغائبين

ولكن، لعل من أكثر الاستخدامات الإنسانية تأثيراً للمنصات الرقمية خلال الحرب، تحوّلها إلى وسيلة للبحث عن المفقودين والمختفين، ففي مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك»، تتكرّر يومياً منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفي كثير من الأحيان تتضمّن هذه المنشورات صور الأشخاص المفقودين ومعلومات عن آخر مكان شوهدوا فيه، أملاً في أن تقودها المصادفة إلى شاهد أو معلومة أو خيط جديد.

هذه المناشدات ما عادت تقتصر على الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم، بل امتدت أيضاً إلى مجهولي الهوية والأشخاص الذين يعثر عليهم في ظروف إنسانية صعبة. وفي إحدى الحالات المتداولة، نشر مواطنون صورة رجل عثر عليه في إحدى المدن السودانية وهو عاجز عن التعريف بنفسه، دعوا المتابعين والأعضاء إلى مشاركة المنشور حتى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته.

وفي حالة أخرى، ساعد انتشار المناشدات عبر «واتساب» و«فيسبوك» في الوصول إلى معلومات عن رجل اختفى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الرجل، الذي طلب إغفال اسمه خشية الانتقام والرمز إليه بـ«م. ن»، إن أسرته لجأت إلى نشر بياناته وصوره على نطاق واسع بعد فقدان الأمل في العثور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره.

وإلى جانب الأشخاص، ظهرت مجموعات وصفحات متخصّصة في تتبّع السيارات المفقودة أو المنهوبة، إذ ينشر أصحابها الصور وأرقام اللوحات ومعلومات الفقدان أملاً في العثور عليها عبر الشبكات الاجتماعية.

في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات

على معرفة ما يجري بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ

قرارات تتعلق بالحياة والموت

إعلام موازٍ

من ناحية ثانية، في بلد تعطلت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة، وجدت الأخبار طريقها إلى الجمهور عبر المجموعات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويرى الصحافي والباحث في الإعلام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المؤسسات الإعلامية من الخدمة في الأيام الأولى للحرب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما ملأته المنصات الرقمية، وعلى رأسها تطبيق «واتساب». وساعدت عدة عوامل في ذلك، من بينها قدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وهنا يذكر الدكتور عصام عباس، خبير تقنية المعلومات، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الخصائص جعلت واتساب منصة مثالية للعمل في بيئة مضطربة مثل السودان». وبالفعل، تجلت أهمية التطبيق أكثر عندما توقفت خدمة المكالمات الصوتية عبر «واتساب» داخل السودان إبان الحرب. وبينما لم تقدم تفسيرات رسمية مفصلة للقرار، رجّح مراقبون ارتباطه باعتبارات أمنية واستخدام التطبيق في الاتصالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من المستخدمين إلى الرسائل الصوتية والمكتوبة، التي غدت وسيلة رئيسية للتواصل اليومي.

وفي الوقت نفسه، نشأت مجموعات مهنية متخصصة للصحافيين، أبرزها مجموعة «ممكن رقم»، الذي يستخدم للحصول على أرقام المسؤولين والخبراء والمصادر المختلفة. وظهرت مجموعات أخرى لتبادل الأخبار ومتابعة تطورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة.

مع هذا، لا يتعامل الصحافيون المحترفون مع هذه المنصات بوصفها مصدراً نهائياً للمعلومات. وهذا ما يقوله عبد المنعم أبو إدريس، مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» (AFP) ونقيب الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خيطاً أولياً أو يقود إلى مصدر محتمل، لكنه يحتاج دائماً إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة».

في مرمى الحرب

لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفرت أيضاً مساحة واسعة للتضليل. فبجانب المجموعات الشعبية والمهنية، ظهرت إبان الحرب مجموعات وقنوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الرئاسية، كما أنشأت أطراف الصراع قنواتها الخاصة لنشر رواياتها للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام».

وتعكس هذه المنصات في الغالب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جزءاً من معركة السرديات المصاحبة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الشبكات المغلقة وصعوبة معرفة المصدر الأول للمعلومة سهلتا انتشار الأخبار المفبركة والمقاطع المجتزأة والتسجيلات المضللة». بينما يشير الدكتور عصام عباس إلى أن «غياب آليات فعالة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعادة توجيه الرسائل والمقاطع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمحتوى التحريضي، وبذا تحوّلت المنصات إلى ساحة تتداخل فيها الأخبار الصحيحة مع الإشاعات، والمعلومات الموثقة مع الروايات الموجّهة».

خارج الصفوف والعيادات

من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الرقمي عند حدود الأخبار والتواصل والإغاثة، فمع تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الأطباء والمشافي في بعض المناطق، انتقلت استشارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المألوف أن يتلقى الأطباء صوراً للتحاليل أو الأعراض عبر الهاتف، ثم يرسلون الإرشادات العلاجية عن بعد.

وهنا يقول الدكتور بدر الدين أجبر، أستاذ كلية الطب بجامعة كردفان والمدير العام السابق لوزارة الصحة بالولاية، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شمل مرضى الأمراض المزمنة أيضاً، في ظل الصعوبات التي تواجه الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق».

وفي قطاع التعليم، لعبت المنصات الرقمية دوراً مماثلاً. فبعد توقف الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات والمدارس، لجأت مؤسسات التعليم العام والعالي إلى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المحاضرات والمواد التعليمية والتواصل مع الطلاب. وتقول جهاد عباس، الطالبة المتخرجة في «جامعة بحري» في أثناء الحرب، إن هذه التجربة مكنتها من استكمال دراستها الجامعية رغم ظروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جزءاً من غياب الحياة الجامعية التقليدية.

مجتمع يعيد تنظيم نفسه

وهكذا، بعد أكثر من سنتين من الحرب، ما عادت المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة للتعليم والعلاج، ومصدر للأخبار، وساحة للصراع على الروايات.

ولم تكن هذه التحولات نتاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارها التقليدية، فاندفع السودانيون لإعادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق.

وطوال سنوات الحرب الأربع، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الرسائل بين الناس، بل صارت جزءاً من البنية الاجتماعية التي يعتمد عليها السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المساعدات والبحث عن المفقودين ومتابعة الأخبار.

بل، ومع أن السودانيين قد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمرٌ واحدٌ محل اتفاق هو «أن جانباً مهماً من الحياة السودانية انتقل خلال الحرب إلى الفضاء الرقمي، وأعاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنسانية على الشاشات الصغيرة التي حملوها معهم في رحلة النزوح واللجوء والبقاء».


ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
TT

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل الدبلوماسي الذي جاءه من تقاعد قصير من عالم الأعمال والسيارات. إذ إنَّ السفير ميشال عيسى يعرف بيروت، وبقية مناطق لبنان، أكثر مما يعرف أروقة وزارة الخارجية التي لم تكن له بها أي علاقة قبل تعيينه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لقد كان عيسى يعود إلى المدينة التي وُلد فيها، وإلى بلد حمله معه في رحلة امتدت من لبنان إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة، قبل أن يعود إليه ممثِّلاً للدولة الأقوى في العالم خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية.

منذ اللحظة الأولى لتعيين ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة لدى لبنان، بدا واضحاً أنَّ اختيار عيسى لم يكن قراراً روتينياً داخل الإدارة الأميركية. فواشنطن لم ترسل إلى بيروت دبلوماسياً مهنياً تقليدياً أو مسؤولاً أمنياً سابقاً، بل اختارت رجل أعمال ومصرفيّاً مخضرماً يحمل جذوراً لبنانية عميقة، ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقة مباشرة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن الأهم، أن تعيين عيسى جاء إبّان مرور لبنان بمنعطف تاريخي. فالبلاد كانت تحاول الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بينما كانت تداعيات الحرب على الجبهة الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، تتصدَّر أجندة النقاشات الدولية والإقليمية.

أكثر من رسالة

وحقاً، رأى كثيرون أن اختيار عيسى يحمل أكثر من رسالة. إذ يقول صديقه النائب اللبناني فؤاد مخزومي: «من جهة أرادت واشنطن إرسال شخصية تعرف لبنان من الداخل وتفهم تركيبته المعقّدة، ومن جهة أخرى أرادت الاعتماد على رجل يتمتّع بثقة الرئيس الأميركي شخصياً ويستطيع نقل توجّهات البيت الأبيض مباشرة إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط».

ولقد كانت من بين الخطوات اللافتة التي رافقت انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، تخلّيه عن الجنسية اللبنانية قبل تسلّمه مهامه سفيراً للولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إزالة أي التباس قانوني أو سياسي محتمل يتعلّق بازدواجية الانتماء.

من بسوس إلى «وول ستريت»

وُلد ميشال عيسى عام 1955 في العاصمة اللبنانية، بيروت، إلا أنه يتحدّر من بلدة بسوس في قضاء عاليه بمحافظة جبل لبنان.

عيسى نشأ في لبنان خلال فترة كانت البلاد فيها لا تزال تعيش سنوات الاستقرار النسبي التي سبقت الحرب الأهلية، وتلقَّى تعليمه المدرسي في بيروت قبل أن تغادر عائلته لبنان في إطار موجة الهجرة اللبنانية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

فرنسا كانت محطته الأولى. وهناك تابع دراسته في الاقتصاد والمالية، وبدأت تتشكَّل شخصيته المهنية. إذ حصل على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (DEUG) في الاقتصاد من جامعة باريس العاشرة - نانتير. وكذلك درس في كلية الدراسات العليا للبنوك في باريس. وفي أواخر السبعينات انتقل إلى الولايات المتحدة، البلد الذي سيبني فيه مستقبله المهني ويحقق فيه نجاحاته الكبرى.

قطاعا المال والمصارف

على مدى عقود، عمل ميشال عيسى في القطاعين المالي والمصرفي، متنقلاً بين مؤسسات دولية بارزة. فشغل مناصب تنفيذية في مصارف وشركات استثمارية معروفة، واكتسب خبرةً واسعةً في إدارة الديون وإعادة هيكلة الشركات والاستثمارات والأسواق المالية.

وفي عالم المال الأميركي، بنى سمعته كرجل يتمتّع بقدرة على معالجة الملفات المعقّدة، وإدارة المخاطر، وإيجاد الحلول للأزمات المالية. ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في نيويورك، حيث استقرَّ وأسَّس شبكةً واسعةً من العلاقات المهنية.

دخول دائرة ترمب

من جهة ثانية، لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سيرة ميشال عيسى هو علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل لم يكن مجرّد داعم سياسي للرئيس الأميركي، بل تصفه تقارير إعلامية أميركية بأنه من المقرّبين إليه، ومن شركائه في لعبة الغولف. وتعود العلاقة بينهما إلى سنوات سبقت دخولهما معاً دائرة العمل السياسي المباشر.

وعندما أعلن ترمب ترشيحه لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، اختار كلمات لافتة في وصفه، مشيداً بخبرته المالية الواسعة، ومسيرته في الأعمال والتجارة الدولية.

وفي بيروت، كما واشنطن، لا يُنظَر إلى هذه العلاقة على أنها تفصيل ثانوي. وهنا يقول مخزومي: «إن السفير الذي يتمتع بقناة مباشرة إلى البيت الأبيض يمتلك هامش حركة أوسع من ذلك الذي يتوافر عادة للدبلوماسيين التقليديين. ولهذا السبب اكتسب تعيين عيسى أهمية إضافية في بيروت»، معتبراً أن الرجل «لا يمثل الخارجية الأميركية فحسب، بل يحمل أيضاً ثقة الرئيس الأميركي نفسه».

وبالنسبة إلى لبنان، فإنَّ هذه العلاقة تمنح منصبه بُعداً مختلفاً. إذ إن كل رسالة ينقلها أو موقف يعلنه يُنظَر إليه بوصفه أقرب إلى «المزاج السياسي» للبيت الأبيض من كونه مجرّد رأي دبلوماسي تقليدي.

سفير تحت المجهر

منذ أسابيعه الأولى في لبنان، وجد عيسى نفسه منخرطاً في ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. إذ شارك في لقاءات تناولت مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وملفات الإصلاح الاقتصادي، والجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي، رسم عيسى ملامح سياسته، فوضع مجموعة من العناوين التي تحوَّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه. فلقد تكلَّم عن أهمية دعم المؤسسات «الشرعية» اللبنانية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، و«تمكين الدولة من بسط سلطتها» على كامل أراضيها. وطبعاً، لاقت هذه المواقف ترحيباً لدى بعض القوى اللبنانية، في حين أثارت تحفّظات وانتقادات لدى أطراف أخرى رأت فيها امتداداً للمقاربة الأميركية التقليدية تجاه لبنان.

لكن ما جعلت حضوره مختلفاً عن كثير من أسلافه هي خلفيته اللبنانية.

فالرجل يتكلّم العربية بطلاقة، ويفهم تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ويعرف الفوارق الدقيقة بين القوى والأحزاب والطوائف، وهذه عناصر تمنحه قدرة أكبر على فهم المشهد المحلي.

ولكن في المقابل، جعلته هذه الخلفية أيضاً عُرضةً لتدقيق أكبر. فكل تصريح يصدر عنه يُقرَأ أحياناً من زاويتين: زاوية السفير الأميركي، وزاوية اللبناني الذي يعرف تفاصيل البلد الذي يعمل فيه.

حياة خاصة... جداً

بعيداً عن السياسة والدبلوماسية، تبدو شخصية ميشال عيسى مختلفة عن الصورة النمطية لكثيرين من رجال المال. فالرياضة تُشكِّل جزءاً مهماً من سيرته الشخصية. وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه كان منافساً دولياً في ألعاب القوى خلال شبابه، قبل أن يتحوَّل اهتمامه لاحقاً إلى رياضات أخرى أبرزها كرة المضرب والغولف.

أيضاً، تكشف هذه الخلفية الرياضية جانباً مهماً من شخصيته. فالانضباط والمنافسة والسعي إلى تحقيق النتائج هي صفات يربطها كثيرون بمسيرته المهنية الطويلة في القطاع المالي. ثم إن رياضة الغولف لعبت دوراً يتجاوز الهواية الشخصية، إذ تحوَّلت إلى أحد «الجسور» التي جمعته بالرئيس ترمب، المعروف بشغفه بهذه الرياضة.

أما عائلياً، فعلى عكس كثير من الشخصيات العامة، يحرص عيسى على إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. والمعلومات المتوافرة عن زوجته وولديه محدودة للغاية، الأمر الذي يعكس رغبةً واضحةً في الفصل بين حياته الخاصة وعمله العام.

بين الجذور اللبنانية والمصالح الأميركية

في الواقع، يقف ميشال عيسى عند تقاطع مسارين متوازيين. الأول شخصي بدأ في أحياء بيروت وبلدة بسوس قبل أكثر من نصف قرن، والثاني سياسي ومهني قاده إلى قلب الإدارة الأميركية. وربما تكمن فرادة تجربته في الجمع بين هذين المسارين. فهو يعرف لبنان بعيون ابن البلد، لكنه يتحرَّك فيه بصفته ممثلاً للمصالح الأميركية. يفهم تعقيدات النظام اللبناني، لكنه مُكلَّف بتنفيذ سياسات تحددها واشنطن، لا بيروت.

وهنا يقول فؤاد مخزومي إن الرجل «واضح وجريء وشفاف. هو يريد لبنان، ونحن نراهن على أصوله اللبنانية وعلى ما يحاول أن يقوم به لأنَّه يؤدي بنا إلى لبنان أفضل. هو يبني علاقات جيدة مع الجميع، وهذا هو السبب في قوة السفير».

ويضيف: «لبنان موجود في مناطق توجد فيها إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى، ولديه الملف الفلسطيني. وهنا الوجود المسيحي المميز في المنطقة. هذه كلها تُشكِّل حالةً فريدةً، لكن إذا لم يكن هناك شخص ينقل الصورة إلى البيت الأبيض كما هو السفير عيسى فلن يتحقَّق ذلك. السفير عيسى يستطيع أن يتحدث مباشرة مع مَن يتخذون القرار في الولايات المتحدة، وهذا يعطينا نقطة قوة. ونستطيع أن نبني عليه من أجل الحصول على فهم أفضل في الولايات المتحدة للموقف اللبناني».


سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)
TT

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي عاش الاضطراب كما الرخاء والاستقرار، وعاش الصراعات الخارجية على أرضه، ما اضطر الولايات المتحدة لإعادة التوازن في الاصطفافات الإقليمية التي كانت تفرض إيقاعها على الداخل.

العديد من السفراء تركوا بصمة واضحة في لبنان، بدءاً من مرحلة بعد الاستقلال، إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وهنا نستعرض بعض السفراء في مراحل حساسة:

1- جورج وادسوورث

يُعد من أوائل رؤساء البعثة الأميركية في لبنان إبّان مرحلة الاستقلال، وكان شاهداً على ولادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ولبنان المستقل.

2- روبرت ماكلينتوك

وصل إلى بيروت في أعقاب «أزمة 1958» وإنزال قوات «المارينز» الأميركية في لبنان لدعم عهد الرئيس كميل شمعون. وهو يُعتبر من أبرز السفراء خلال مرحلة الحرب الباردة.

3- آرمن ماير

كان من أكثر السفراء الأميركيين نفوذاً خلال الستينات، وارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع الرئيس فؤاد شهاب إبّان مرحلة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.

4- فرانسيس إدوارد ميلوي

عُيّن سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في مايو (أيار) 1976، وأثناء توجهه في موكب غير محمي أمنياً لمقابلة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس وتقديم أوراق الاعتماد له، تعرّض موكبه للاختطاف في منطقة «الخط الأخضر» في بيروت. وعُثر على جثته مقتولاً بالرصاص مع المستشار الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. واتهمت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالضلوع في اغتيالهم.

5- جون غنتر دين

شغل موقعه في الفترة بين عامي «1978 - 1981» في أخطر المراحل من الحرب الأهلية. وفي أغسطس (آب) 1980 نجا السفير دين من محاولة اغتيال في الحازمية (إحدى ضواحي بيروت). وسعى لفتح قنوات اتصال مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تمهيداً لإنهاء أزمة لبنان قبل الغزو الإسرائيلي في عام 1982.

6- روبرت ديلون

تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان في الفترة ما بين 1981 و1983، وذلك في حقبة «التغييرات»، إذ شهدت حقبته الغزو الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت، وإبعاد «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان إلى تونس، وانتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، وتوقيع «اتفاقية 17 أيار» بين لبنان وإسرائيل. في تلك الحقبة، لعبت واشنطن دور الوسيط لإخراج «منظمة التحرير»، وأرسلت قوات «المارينز» ضمن قوة متعددة الجنسيات. لكن عام 1983 كان مفصلياً، فيوم 18 أبريل (نيسان) فجّر انتحاري شاحنة مفخّخة في مقر السفارة الأميركية بحي عين المريسة في بيروت، فقتل 63 شخصاً بينهم 17 أميركياً. وبعدها في أكتوبر (تشرين الأول) قتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكنة «المارينز» قرب مطار بيروت، واتهم «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني» بالضلوع في التفجيرين.

7- جون توماس ماكارثي

تولّى مهامه في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية خلال الصراع بين حكومتي العماد ميشال عون العسكرية، ورئيس الحكومة في بيروت الغربية سليم الحص. وكان من أبرز الوجوه الأميركية في مرحلة «اتفاق الطائف».

في عهده، غادر وطاقمه بيروت، ولم يستأنف العمل إلا يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، عندما قدّم السفير رايان كروكر أوراق اعتماده، إيذاناً بمرحلة إعادة بناء العلاقة بعد «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب اللبنانية.

8- ديفيد ساترفيلد

لعب دوراً بارزاً في ملفات الجنوب اللبناني والعلاقة الأميركية - السورية في نهاية عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي عهده انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

جيفري فيلتمان (آ ف ب)

9- جيفري فيلتمان

ربما يكون فيلتمان الأكثر شهرة في الذاكرة السياسية اللبنانية الحديثة. تولّى منصبه خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، واندلاع «انتفاضة 14 آذار»، وخروج الجيش السوري من لبنان، و«حرب يوليو (تموز)» 2006. كان لاعباً أساسياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى.

10- ميشيل سيسون

تابعت مرحلة ما بعد «اتفاق الدوحة» وصعود الانقسام السياسي بين فريقي «8 و14 آذار»، وتميّزت بعلاقات واسعة مع مختلف القوى اللبنانية.

11- مورا كونيللي

وصلت مع اندلاع الحرب السورية وتزايد انعكاساتها على لبنان، وشهدت بدايات الانخراط الأميركي المكثّف في دعم الجيش اللبناني.

12- دوروثي شيا

أصبحت من أكثر السفراء الأميركيين حضوراً في الإعلام اللبناني خلال مرحلة الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت والصراع السياسي الداخلي.

13- ليزا جونسون

أدارت مرحلة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بعد أحداث 2023، وكانت من أبرز الوجوه الأميركية في جهود التهدئة والاتصالات السياسية والعسكرية.