في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سيحاول الرئيس البرازيلي لويس إيغناسيو لولا تجديد ولايته الرئاسية، لتكون الرابعة غير المتتالية، في مواجهة شبه مصيرية ضد منافسه اليميني المتطرف فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يمضي عقوبة بالسجن لفترة 27 سنة بعد إدانته بالمشاركة في محاولة انقلابية للإطاحة بلولا الذي كان فاز في الانتخابات السابقة. ومع انطلاق الحملة الانتخابية نهاية الأسبوع الفائت ظهر جليّاً أن هذا الاستحقاق الانتخابي يستقطب الاهتمام خارج البرازيل بقدر ما يستقطب من اهتمام في الداخل، أو أكثر، لا سيما أن سقوط «العملاق الأميركي اللاتيني» في قبضة اليمين المتطرف من شأنه أن يغيّر معالم المشهد السياسي في المنطقة بشكل جذري في أعقاب التحولات الأخيرة في تشيلي وكولومبيا، وانهيار نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا ودخول «الحصن الكوبي» مرحلة الاحتضار.
انطلاقة الحملة الانتخابية لرئاسيات البرازيل جاءت على وقع تصريحات متفجّرة أدلى بها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي كان «ضيف الشرف» في المهرجان الحاشد الذي نظمه الحزب الليبرالي اليميني لإعلان ترشيح فلافيو بولسونارو. وكعادته، لجأ ميلي إلى استخدام تعابير نابية في معرض تهجمه على لولا، ودعا إلى «تنظيف أميركا اللاتينية من حثالة اليسار»، واصفاً الرئيس البرازيلي اليساري المخضرم بأقذع النعوت.
لكن الرد البرازيلي لم يتأخر؛ إذ طردت البرازيل السفير الأرجنتيني في برازيليا، وطلبت من سفيرها - الذي سبق استدعاؤه - ألا يعود إلى بوينس آيرس، وقررت رسمياً خفضت مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.
كان ميلي وصل البرازيل برفقة وزير الخارجية وشقيقته - التي تتولى منصب مديرة مكتب الرئاسة - للمشاركة في حفل إعلان ترشيح بولسونارو، وأيضاً لزيارة صديقه الرئيس البرازيلي السابق الذي يمضي عقوبة السجن في منزله لأسباب صحية. ولكن عندما رفض القاضي المحلي منحه الإذن بالزيارة، وصفه بأنه «أصلع قذر»، ثم أضاف: «إن البرازيل لم تعرف بعد التداعيات الكارثية للنظام الاشتراكي، لكنها ستعرفها قطعاً إذا لم تغيّر وجهة هذه السفينة المترنحة. إننا نعوّل عليك يا فلافيو للتخلّص من هذه القمامة الاشتراكية».
لولا متقدم في الاستطلاعات الأولى
الاستطلاعات الأولى لمعركة الرئاسة البرازيلية ترجّح فوز لولا على منافسه اليميني، الذي لم يضمن بعد دعم كامل الطيف اليميني والمحافظ، علماً بأن الأوساط الاقتصادية والمالية الوازنة ما زالت تتردّد في دعمه.
هذا، في الواقع، ما دفع فلافيو بولسونارو للتوجه إلى واشنطن حيث استقبله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في «المكتب البيضاوي»، وأعرب له عن دعمه متوقّعاً فوزه في الانتخابات الرئاسية. إلا أن بولسونارو «الابن» لم يحصل على تعهّد من ترمب بعدم فرض رسوم جمركية على السلع والمنتوجات المستوردة من البرازيل؛ لأنه يعدُّها تصبّ في مصلحة لولا، كما تبيّن عندما فرض الرئيس الأميركي الرسوم التي ألغتها لاحقاً المحكمة العليا الأميركية، وارتفعت شعبية لولا بين مواطنيه، بينما كانت أسهم بولسونارو تتراجع.
في أي حال، يعوّل مرشح اليمين البرازيلي المتطرّف على دعم الرئيس الأميركي الذي لعب دوراً أساسياً في «الانعطاف الواسع» الذي شهدته أميركا اللاتينية نحو اليمين، خاصة في كولومبيا والأرجنتين وهندوراس، والذي أوصل تسع حكومات يمينية إلى السلطة خلال السنوات السبع المنصرمة.
واشنطن مهتمة بإضعاف لولا وتياره
وتدور الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية راهناً ضد لولا، حول نظام للدفع الفوري استحدثه المصرف المركزي البرازيلي لتمكين الفقراء مالياً وربطهم بالنظام المصرفي، يطلق عليه مسمى Pix. وهو نظام ترى واشنطن أنه يشكّل «منافسة غير متكافئة» لنظام بطاقات الائتمان الأميركية الواسعة الاستخدام.
ولكن، نظراً لشعبية هذا النظام بين البرازيليين، اضطر فلافيو بولسونارو للقول: «إنه الحل وليس المشكلة». وادّعى أنه إنما استحدث على عهد والده. وما يستحق الذكر هنا أن معظم الشركات البرازيلية العملاقة المنتجة للبن والسكر والمشروبات، كانت قد طلبت من الإدارة الأميركية الإحجام عن فرض المزيد من الرسوم الجمركية على سلعها.
ومن المقترحات التي يتضمنها برنامج بولسونارو الانتخابي، وتثير قدراً كبيراً من الجدل، مجموعة من «التدابير الأمنية» المُستلهَمة من سياسات رئيس السلفادور نجيب بو كيلة التي تتبنّاها وتقتدي بها اليوم القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة في أميركا اللاتينية، والتي حظيت بتنويه خاص وإعجاب من الرئيس ترمب.
وتحت عنوان «البرازيل من غير خوف»، قدّم بولسونارو في مدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل وعاصمتها المالية والاقتصادية، «خطة أمنية» يتعهد فيها بإنشاء خمسة سجون ضخمة على غرار تلك الموجودة في السلفادور، وإدراج منظمات الاتجار بالمخدِّرات والجماعات المسلحة على قائمة الإرهاب، وخفض السن الجنائية إلى 16 سنة، وإلى 14 سنة في حالات الجنايات الخطرة مثل الاغتيال والتعذيب والاغتصاب والاتجار بالمخدرات.
بولسونارو «الابن» يقترح أيضاً الإخصاء الكيميائي لمَن يرتكبون جرائم الاغتصاب المتفشية على نطاق واسع في البرازيل، ونشر القوات المسلحة على الحدود البرّية والبحرية لقطع طرق إمداد عصابات المخدرات، وتركيب مليون كاميرا للمراقبة في جميع أنحاء البلاد.
بجانب إرث الوالد... متاعب وفضائح خاصة
لكن متاعب بولسونارو «الابن» لم تعد مقصورة على إرث والده الثقيل، وحذر الأوساط المالية والاقتصادية الوازنة إزاءه؛ إذ كشفت إحدى وسائل الإعلام منذ أيام أنه كان على علاقة وثيقة بالرأس المدبّر لواحدة من أكبر الفضائح المالية التي هزّت البرازيل في السنوات الأخيرة، وهذا الأخير يمضي حالياً عقوبة طويلة في السجن. وحقاً، نزل هذا النبأ الموثّق بقرائن صوتية دامغة نزول الصاعقة على محيط المرشح اليميني المتطرف، وكانت له أيضاً ارتدادات أيضاً على العملة الوطنية وبورصة العاصمة الاقتصادية ساو باولو، وتسبّب في انخفاض شعبيته التي كانت أصلاً متراجعة.
في المقابل، الرئيس اليساري الحالي لولا، الطامح إلى ولاية رابعة، والذي يتصدّر استطلاعات الرأي، قرّر هو أيضاً أن يضع الملف الأمني في صدارة برنامجه الانتخابي. ذلك أنه يدرك جيداً أن 40 في المائة من سكان البرازيل؛ أي ما يناهز 70 مليون شخص، يعانون من تفشي أعمال العنف والإجرام المنظّم، وفقاً لإحدى الدراسات الحديثة. ولهذا الغرض كشف لولا بنهاية الأسبوع الماضي، ضمن برنامجه الانتخابي، عن خطة بقيمة ربع مليار دولار تهدف إلى تجفيف المنابع الاقتصادية للمنظمات الإجرامية، واستعادة السيطرة الكاملة على السجون التي سقط بعضها في قبضة هذه المنظمات، ومكافحة الاتجار بالسلاح.
وتعليقاً على البرنامج، قال الرئيس اليساري: «هذا ليس مجرد برنامج انتخابي. إنه رسالة موجهة إلى المنظمات الإجرامية بأن شوارع البرازيل وساحاتها ومدنها ستعود إلى المواطنين، ولن تكون مرتعاً لأعمال العنف». والمعروف أن الحكومات اليسارية التي تعاقبت على البرازيل، وترأس لولا ثلاثاً منها، كانت تواجه دائماً صعوبة في اعتماد وصفة خاصة بها لمعالجة الأزمات الأمنية، وهذا، بينما كانت القوى والحكومات اليمينية تذهب بعيداً في تدابير القمع... بل حتى القتل الجماعي على يد الأجهزة الأمنية، التي تؤيدها شرائح واسعة من السكان.
حرب مالية – اقتصادية على منظمات الإجرام
وفي هذا الإطار، جدير بالإشارة أن لولا كان قد بحث هذا الموضوع مع الرئيس الأميركي ترمب الذي أبدى تجاوباً مع فكرة «محاصرة المنظمات الإجرامية مالياً واقتصادياً»، خاصة أن معظم زعماء المافيات البرازيلية الفارين من العدالة يعيشون في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأميركية. أضف إلى ذلك، أن هذه المنظمات تبيّض أموالها في عدد من ولايات الجنوب الأميركي، فضلاً عن أن الأسلحة التي تستخدمها وتتاجر بها... مصدرها الولايات المتحدة.
من ثم، تشكّل هذه الخطة «رأس حربة» المنافسة مع فلافيو بولسونارو الذي يكرّر في خطبه دعمه لإطلاق يد الأجهزة الأمنية في ملاحقة الفارين من وجه العدالة والمشتبه بضلوعهم في أعمال إجرامية، علماً بأن 14 في المائة من جرائم القتل في البرازيل يرتكبها أفراد في الشرطة والقوات المسلحة. وكانت مدينة ريو دي جانيرو، العاصمة السابقة للبلاد، قد شهدت خلال العام الماضي أبشع المجازر التي تقع في الأحياء الشعبية الفقيرة المكتظة المعروفة بالـ«فافيلاس»؛ إذ سقط 121 قتيلاً في ليلة واحدة خلال مداهمة معقل إحدى العصابات.
غير أن الهاجس الذي يقلق فريق حملة لولا الانتخابية ليس الخوف من التدخل المتوقع للإدارة الأميركية لصالح بولسونارو، أو الحملة المُستعِرة التي يتعرّض لها من القوى اليمينية المتطرفة المحلية والإقليمية، بل هو الوضع الصحي للرئيس البرازيلي الذي تجاوز الثمانين من العمر والانتكاسات التي مرّ بها في السنوات الثلاث المنصرمة. وكان آخر المشاكل الصحية الجراحة التي خضع لها في مايو (أيار) الفائت لاستئصال ورم سرطاني... وما تبعها من علاج.
يضاف إلى ذلك، أن لولا أصيب أواخر عام 2024 بنزيف حاد في الدماغ استدعى نقله على وجه السرعة من العاصمة برازيليا إلى ساو باولو فجراً كي يخضع لجراحة طارئة، أطلقت «صفارات الإنذار» حول حالته الصحية وقدرته على ممارسة مهامه. وبالمناسبة سبق للولا أن خضع لاستئصال ورم في حنجرته عام 2022، وعملية تبديل لوركه في العام التالي، ثم أجريت له عملية جراحية في العين مطلع هذه السنة.
لهذا، يركّز معسكر بولسونارو في حملته على الوضع الصحي للرئيس الحالي، ويقارنه بما كان وصل إليه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي اضطر في النهاية للانسحاب منها. وهنا نشير إلى أن لولا كان قد صرّح بعد خروجه من السجن إثر تبرئته من التهم التي كانت موجّهة إليه وخوضه الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها، بأنه سيكتفي بهذه الولاية الثالثة ولن يترشح مجدّداً للرئاسة.
بولسونارو «الابن» يراهن على دعم ترمب الذي لعب دوراً أساسياً
في «الانعطاف الواسع» الذي شهدته أميركا اللاتينية
نحو اليمين خاصة في كولومبيا والأرجنتين وهندوراس

لولا وبولسونارو... ومسلسل فضائح لا ينتهي
أواخر الشهر الماضي، فجّرت ميشيل بولسونارو، عقيلة الرئيس البرازيلي السابق، قنبلة من العيار الثقيل عندما حمّلت شريط فيديو مسجلاً على تطبيق «إنستغرام» يتضمّن هجوماً قاسياً ضد ابن زوجها المرشح الرئاسي فلافيو بولسونارو، واتهمته بالتصرف المشين وسوء المعاملة ومحاولة إذلالها سياسياً. ميشيل قالت في هجومها، بعد أشهر كرّستها للعناية بزوجها الذي يمضي عقوبة السجن المنزلي لأسباب صحية، بعد إدانته بجرم القيام بمحاولة انقلابية إثر هزيمته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة: «إنهم يعاملونني كما لو كنت حمقاء أو حديثة العهد في السياسة. لكنني أعرف أكثر مما يعتقدون». وللعلم، زوجة الرئيس السابق كانت بوصفها رئيسة الفرع النسائي للحزب الليبرالي (يمين متشدد) - الذي ينتمي إليه المرشح وأفراد عائلة بولسونارو - كانت المسؤولة عن تنظيم المناصرين واختيار النساء المرشحات لعضوية مجلسي الشيوخ والنواب وحاكميات الولايات. واليوم، تدرك ميشيل بولسونارو جيداً أن دورها أساسي في احتواء رفض الناخبات البرازيليات للصورة الذكورية المُفرطة التي تشكّل إحدى العلامات الفارقة لرجال العائلة منذ صعود زوجها إلى سدة الرئاسة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنها تتمتع باحترام شديد بين النساء في الأوساط الانجيلية المحافظة التي تشكل الرافعة الأساسية لمرشح الحزب. في مطلق الأحوال، بعد ساعات قليلة من انتشار الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، سارع فلافيو بولسونارو إلى محاولة إخماد الحريق الذي اشتعل في معسكره، وغرّد على حسابه: «لم يكن في نيتي أبداً إهانة ميشيل أو الإساءة إليها، وإن حصل ذلك عن غير قصد، فإنني أطلب منها المعذرة». لكن زوجة بولسونارو «الأب» لم تبادر إلى تخفيف التوتر الذي أثاره شريط الفيديو بين أنصار المرشح اليميني الذي كانت شعبيته تتراجع بسرعة في الاستطلاعات، بل هدّدت بكشف «الكثير من خبايا الحملة الانتخابية، وما سبقها من مناورات وصفقات». وهذا بينما كان القضاء يرفض طلب بولسونارو «الابن» زيارة والده بهدف الاطمئنان على صحته، وربما اللجوء إليه لتهدئة الأجواء. في المقابل، فإن الرئيس اليساري لولا من ناحيته يتلقى هو أيضاً ضربات من داخل معسكره؛ إذ كشفت وسائل الإعلام عن عدة فضائح مالية تطال عدداً من مساعديه والمقربين، خاصة رئيس كتلة حزب العمال في مجلس الشيوخ، وصديقه الشخصي جاك فاغنير، الضالع في عملية فساد واسعة النطاق شارك فيها عدد من قيادات الحزب المقربين من الرئيس. وبعد التحقيقات الأولية والأدلّة الدامغة التي عثرت عليها الأجهزة القضائية، قدّم فاغنير استقالته من منصبه، وسط مخاوف من أن تظهر معلومات أخرى تطال شخصيات وازنة في حزب العمال الحاكم ومقربة من لولا. وبالتالي، لا تستبعد أوساط إعلامية مطلعة أن تكون الفترة المتبقية حتى موعد الاستحقاق الانتخابي مطالع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حافلة بمزيد من فضائح الفساد المالي التي تطال المعسكرين اليميني واليساري، فضلاً عن الأجهزة القضائية العليا التي تحوم شبهات حول بعض كبار المسؤولين فيها.
