لولا يخوض الانتخابات في وجه «منظمات الإجرام» واليمين المدعوم أميركياً

الرئيس البرازيلي يسعى إلى ولاية جديدة رغم سنّه المتقدّمة ومتاعبه الصحية

لولا (إيبا)
لولا (إيبا)
TT

لولا يخوض الانتخابات في وجه «منظمات الإجرام» واليمين المدعوم أميركياً

لولا (إيبا)
لولا (إيبا)

في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سيحاول الرئيس البرازيلي لويس إيغناسيو لولا تجديد ولايته الرئاسية، لتكون الرابعة غير المتتالية، في مواجهة شبه مصيرية ضد منافسه اليميني المتطرف فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يمضي عقوبة بالسجن لفترة 27 سنة بعد إدانته بالمشاركة في محاولة انقلابية للإطاحة بلولا الذي كان فاز في الانتخابات السابقة. ومع انطلاق الحملة الانتخابية نهاية الأسبوع الفائت ظهر جليّاً أن هذا الاستحقاق الانتخابي يستقطب الاهتمام خارج البرازيل بقدر ما يستقطب من اهتمام في الداخل، أو أكثر، لا سيما أن سقوط «العملاق الأميركي اللاتيني» في قبضة اليمين المتطرف من شأنه أن يغيّر معالم المشهد السياسي في المنطقة بشكل جذري في أعقاب التحولات الأخيرة في تشيلي وكولومبيا، وانهيار نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا ودخول «الحصن الكوبي» مرحلة الاحتضار.

انطلاقة الحملة الانتخابية لرئاسيات البرازيل جاءت على وقع تصريحات متفجّرة أدلى بها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي كان «ضيف الشرف» في المهرجان الحاشد الذي نظمه الحزب الليبرالي اليميني لإعلان ترشيح فلافيو بولسونارو. وكعادته، لجأ ميلي إلى استخدام تعابير نابية في معرض تهجمه على لولا، ودعا إلى «تنظيف أميركا اللاتينية من حثالة اليسار»، واصفاً الرئيس البرازيلي اليساري المخضرم بأقذع النعوت.

لكن الرد البرازيلي لم يتأخر؛ إذ طردت البرازيل السفير الأرجنتيني في برازيليا، وطلبت من سفيرها - الذي سبق استدعاؤه - ألا يعود إلى بوينس آيرس، وقررت رسمياً خفضت مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين.

كان ميلي وصل البرازيل برفقة وزير الخارجية وشقيقته - التي تتولى منصب مديرة مكتب الرئاسة - للمشاركة في حفل إعلان ترشيح بولسونارو، وأيضاً لزيارة صديقه الرئيس البرازيلي السابق الذي يمضي عقوبة السجن في منزله لأسباب صحية. ولكن عندما رفض القاضي المحلي منحه الإذن بالزيارة، وصفه بأنه «أصلع قذر»، ثم أضاف: «إن البرازيل لم تعرف بعد التداعيات الكارثية للنظام الاشتراكي، لكنها ستعرفها قطعاً إذا لم تغيّر وجهة هذه السفينة المترنحة. إننا نعوّل عليك يا فلافيو للتخلّص من هذه القمامة الاشتراكية».

لولا متقدم في الاستطلاعات الأولى

الاستطلاعات الأولى لمعركة الرئاسة البرازيلية ترجّح فوز لولا على منافسه اليميني، الذي لم يضمن بعد دعم كامل الطيف اليميني والمحافظ، علماً بأن الأوساط الاقتصادية والمالية الوازنة ما زالت تتردّد في دعمه.

هذا، في الواقع، ما دفع فلافيو بولسونارو للتوجه إلى واشنطن حيث استقبله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في «المكتب البيضاوي»، وأعرب له عن دعمه متوقّعاً فوزه في الانتخابات الرئاسية. إلا أن بولسونارو «الابن» لم يحصل على تعهّد من ترمب بعدم فرض رسوم جمركية على السلع والمنتوجات المستوردة من البرازيل؛ لأنه يعدُّها تصبّ في مصلحة لولا، كما تبيّن عندما فرض الرئيس الأميركي الرسوم التي ألغتها لاحقاً المحكمة العليا الأميركية، وارتفعت شعبية لولا بين مواطنيه، بينما كانت أسهم بولسونارو تتراجع.

في أي حال، يعوّل مرشح اليمين البرازيلي المتطرّف على دعم الرئيس الأميركي الذي لعب دوراً أساسياً في «الانعطاف الواسع» الذي شهدته أميركا اللاتينية نحو اليمين، خاصة في كولومبيا والأرجنتين وهندوراس، والذي أوصل تسع حكومات يمينية إلى السلطة خلال السنوات السبع المنصرمة.

واشنطن مهتمة بإضعاف لولا وتياره

وتدور الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية راهناً ضد لولا، حول نظام للدفع الفوري استحدثه المصرف المركزي البرازيلي لتمكين الفقراء مالياً وربطهم بالنظام المصرفي، يطلق عليه مسمى Pix. وهو نظام ترى واشنطن أنه يشكّل «منافسة غير متكافئة» لنظام بطاقات الائتمان الأميركية الواسعة الاستخدام.

ولكن، نظراً لشعبية هذا النظام بين البرازيليين، اضطر فلافيو بولسونارو للقول: «إنه الحل وليس المشكلة». وادّعى أنه إنما استحدث على عهد والده. وما يستحق الذكر هنا أن معظم الشركات البرازيلية العملاقة المنتجة للبن والسكر والمشروبات، كانت قد طلبت من الإدارة الأميركية الإحجام عن فرض المزيد من الرسوم الجمركية على سلعها.

ومن المقترحات التي يتضمنها برنامج بولسونارو الانتخابي، وتثير قدراً كبيراً من الجدل، مجموعة من «التدابير الأمنية» المُستلهَمة من سياسات رئيس السلفادور نجيب بو كيلة التي تتبنّاها وتقتدي بها اليوم القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة في أميركا اللاتينية، والتي حظيت بتنويه خاص وإعجاب من الرئيس ترمب.

وتحت عنوان «البرازيل من غير خوف»، قدّم بولسونارو في مدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل وعاصمتها المالية والاقتصادية، «خطة أمنية» يتعهد فيها بإنشاء خمسة سجون ضخمة على غرار تلك الموجودة في السلفادور، وإدراج منظمات الاتجار بالمخدِّرات والجماعات المسلحة على قائمة الإرهاب، وخفض السن الجنائية إلى 16 سنة، وإلى 14 سنة في حالات الجنايات الخطرة مثل الاغتيال والتعذيب والاغتصاب والاتجار بالمخدرات.

بولسونارو «الابن» يقترح أيضاً الإخصاء الكيميائي لمَن يرتكبون جرائم الاغتصاب المتفشية على نطاق واسع في البرازيل، ونشر القوات المسلحة على الحدود البرّية والبحرية لقطع طرق إمداد عصابات المخدرات، وتركيب مليون كاميرا للمراقبة في جميع أنحاء البلاد.

بجانب إرث الوالد... متاعب وفضائح خاصة

لكن متاعب بولسونارو «الابن» لم تعد مقصورة على إرث والده الثقيل، وحذر الأوساط المالية والاقتصادية الوازنة إزاءه؛ إذ كشفت إحدى وسائل الإعلام منذ أيام أنه كان على علاقة وثيقة بالرأس المدبّر لواحدة من أكبر الفضائح المالية التي هزّت البرازيل في السنوات الأخيرة، وهذا الأخير يمضي حالياً عقوبة طويلة في السجن. وحقاً، نزل هذا النبأ الموثّق بقرائن صوتية دامغة نزول الصاعقة على محيط المرشح اليميني المتطرف، وكانت له أيضاً ارتدادات أيضاً على العملة الوطنية وبورصة العاصمة الاقتصادية ساو باولو، وتسبّب في انخفاض شعبيته التي كانت أصلاً متراجعة.

في المقابل، الرئيس اليساري الحالي لولا، الطامح إلى ولاية رابعة، والذي يتصدّر استطلاعات الرأي، قرّر هو أيضاً أن يضع الملف الأمني في صدارة برنامجه الانتخابي. ذلك أنه يدرك جيداً أن 40 في المائة من سكان البرازيل؛ أي ما يناهز 70 مليون شخص، يعانون من تفشي أعمال العنف والإجرام المنظّم، وفقاً لإحدى الدراسات الحديثة. ولهذا الغرض كشف لولا بنهاية الأسبوع الماضي، ضمن برنامجه الانتخابي، عن خطة بقيمة ربع مليار دولار تهدف إلى تجفيف المنابع الاقتصادية للمنظمات الإجرامية، واستعادة السيطرة الكاملة على السجون التي سقط بعضها في قبضة هذه المنظمات، ومكافحة الاتجار بالسلاح.

وتعليقاً على البرنامج، قال الرئيس اليساري: «هذا ليس مجرد برنامج انتخابي. إنه رسالة موجهة إلى المنظمات الإجرامية بأن شوارع البرازيل وساحاتها ومدنها ستعود إلى المواطنين، ولن تكون مرتعاً لأعمال العنف». والمعروف أن الحكومات اليسارية التي تعاقبت على البرازيل، وترأس لولا ثلاثاً منها، كانت تواجه دائماً صعوبة في اعتماد وصفة خاصة بها لمعالجة الأزمات الأمنية، وهذا، بينما كانت القوى والحكومات اليمينية تذهب بعيداً في تدابير القمع... بل حتى القتل الجماعي على يد الأجهزة الأمنية، التي تؤيدها شرائح واسعة من السكان.

حرب مالية – اقتصادية على منظمات الإجرام

وفي هذا الإطار، جدير بالإشارة أن لولا كان قد بحث هذا الموضوع مع الرئيس الأميركي ترمب الذي أبدى تجاوباً مع فكرة «محاصرة المنظمات الإجرامية مالياً واقتصادياً»، خاصة أن معظم زعماء المافيات البرازيلية الفارين من العدالة يعيشون في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأميركية. أضف إلى ذلك، أن هذه المنظمات تبيّض أموالها في عدد من ولايات الجنوب الأميركي، فضلاً عن أن الأسلحة التي تستخدمها وتتاجر بها... مصدرها الولايات المتحدة.

من ثم، تشكّل هذه الخطة «رأس حربة» المنافسة مع فلافيو بولسونارو الذي يكرّر في خطبه دعمه لإطلاق يد الأجهزة الأمنية في ملاحقة الفارين من وجه العدالة والمشتبه بضلوعهم في أعمال إجرامية، علماً بأن 14 في المائة من جرائم القتل في البرازيل يرتكبها أفراد في الشرطة والقوات المسلحة. وكانت مدينة ريو دي جانيرو، العاصمة السابقة للبلاد، قد شهدت خلال العام الماضي أبشع المجازر التي تقع في الأحياء الشعبية الفقيرة المكتظة المعروفة بالـ«فافيلاس»؛ إذ سقط 121 قتيلاً في ليلة واحدة خلال مداهمة معقل إحدى العصابات.

غير أن الهاجس الذي يقلق فريق حملة لولا الانتخابية ليس الخوف من التدخل المتوقع للإدارة الأميركية لصالح بولسونارو، أو الحملة المُستعِرة التي يتعرّض لها من القوى اليمينية المتطرفة المحلية والإقليمية، بل هو الوضع الصحي للرئيس البرازيلي الذي تجاوز الثمانين من العمر والانتكاسات التي مرّ بها في السنوات الثلاث المنصرمة. وكان آخر المشاكل الصحية الجراحة التي خضع لها في مايو (أيار) الفائت لاستئصال ورم سرطاني... وما تبعها من علاج.

يضاف إلى ذلك، أن لولا أصيب أواخر عام 2024 بنزيف حاد في الدماغ استدعى نقله على وجه السرعة من العاصمة برازيليا إلى ساو باولو فجراً كي يخضع لجراحة طارئة، أطلقت «صفارات الإنذار» حول حالته الصحية وقدرته على ممارسة مهامه. وبالمناسبة سبق للولا أن خضع لاستئصال ورم في حنجرته عام 2022، وعملية تبديل لوركه في العام التالي، ثم أجريت له عملية جراحية في العين مطلع هذه السنة.

لهذا، يركّز معسكر بولسونارو في حملته على الوضع الصحي للرئيس الحالي، ويقارنه بما كان وصل إليه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي اضطر في النهاية للانسحاب منها. وهنا نشير إلى أن لولا كان قد صرّح بعد خروجه من السجن إثر تبرئته من التهم التي كانت موجّهة إليه وخوضه الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها، بأنه سيكتفي بهذه الولاية الثالثة ولن يترشح مجدّداً للرئاسة.

بولسونارو «الابن» يراهن على دعم ترمب الذي لعب دوراً أساسياً

في «الانعطاف الواسع» الذي شهدته أميركا اللاتينية

نحو اليمين خاصة في كولومبيا والأرجنتين وهندوراس

بولسونارو "الإبن" (رويترز)

لولا وبولسونارو... ومسلسل فضائح لا ينتهي

أواخر الشهر الماضي، فجّرت ميشيل بولسونارو، عقيلة الرئيس البرازيلي السابق، قنبلة من العيار الثقيل عندما حمّلت شريط فيديو مسجلاً على تطبيق «إنستغرام» يتضمّن هجوماً قاسياً ضد ابن زوجها المرشح الرئاسي فلافيو بولسونارو، واتهمته بالتصرف المشين وسوء المعاملة ومحاولة إذلالها سياسياً. ميشيل قالت في هجومها، بعد أشهر كرّستها للعناية بزوجها الذي يمضي عقوبة السجن المنزلي لأسباب صحية، بعد إدانته بجرم القيام بمحاولة انقلابية إثر هزيمته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة: «إنهم يعاملونني كما لو كنت حمقاء أو حديثة العهد في السياسة. لكنني أعرف أكثر مما يعتقدون». وللعلم، زوجة الرئيس السابق كانت بوصفها رئيسة الفرع النسائي للحزب الليبرالي (يمين متشدد) - الذي ينتمي إليه المرشح وأفراد عائلة بولسونارو - كانت المسؤولة عن تنظيم المناصرين واختيار النساء المرشحات لعضوية مجلسي الشيوخ والنواب وحاكميات الولايات. واليوم، تدرك ميشيل بولسونارو جيداً أن دورها أساسي في احتواء رفض الناخبات البرازيليات للصورة الذكورية المُفرطة التي تشكّل إحدى العلامات الفارقة لرجال العائلة منذ صعود زوجها إلى سدة الرئاسة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنها تتمتع باحترام شديد بين النساء في الأوساط الانجيلية المحافظة التي تشكل الرافعة الأساسية لمرشح الحزب. في مطلق الأحوال، بعد ساعات قليلة من انتشار الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، سارع فلافيو بولسونارو إلى محاولة إخماد الحريق الذي اشتعل في معسكره، وغرّد على حسابه: «لم يكن في نيتي أبداً إهانة ميشيل أو الإساءة إليها، وإن حصل ذلك عن غير قصد، فإنني أطلب منها المعذرة». لكن زوجة بولسونارو «الأب» لم تبادر إلى تخفيف التوتر الذي أثاره شريط الفيديو بين أنصار المرشح اليميني الذي كانت شعبيته تتراجع بسرعة في الاستطلاعات، بل هدّدت بكشف «الكثير من خبايا الحملة الانتخابية، وما سبقها من مناورات وصفقات». وهذا بينما كان القضاء يرفض طلب بولسونارو «الابن» زيارة والده بهدف الاطمئنان على صحته، وربما اللجوء إليه لتهدئة الأجواء. في المقابل، فإن الرئيس اليساري لولا من ناحيته يتلقى هو أيضاً ضربات من داخل معسكره؛ إذ كشفت وسائل الإعلام عن عدة فضائح مالية تطال عدداً من مساعديه والمقربين، خاصة رئيس كتلة حزب العمال في مجلس الشيوخ، وصديقه الشخصي جاك فاغنير، الضالع في عملية فساد واسعة النطاق شارك فيها عدد من قيادات الحزب المقربين من الرئيس. وبعد التحقيقات الأولية والأدلّة الدامغة التي عثرت عليها الأجهزة القضائية، قدّم فاغنير استقالته من منصبه، وسط مخاوف من أن تظهر معلومات أخرى تطال شخصيات وازنة في حزب العمال الحاكم ومقربة من لولا. وبالتالي، لا تستبعد أوساط إعلامية مطلعة أن تكون الفترة المتبقية حتى موعد الاستحقاق الانتخابي مطالع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حافلة بمزيد من فضائح الفساد المالي التي تطال المعسكرين اليميني واليساري، فضلاً عن الأجهزة القضائية العليا التي تحوم شبهات حول بعض كبار المسؤولين فيها.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.