نجوم ميشلان: نعمة أم نقمة؟

البعض يرفض أوسكار التميّز خوفاً من سلبياته

من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز
من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز
TT

نجوم ميشلان: نعمة أم نقمة؟

من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز
من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز

السؤال الذي يراود كل شيف في العالم هو كيفية حصوله على نجمة من ميشلان، فهي بمثابة أوسكار يحصل عليه الشيف تكريماً له على تقديم الأفضل في إعداد الوجبات. وتعد نجمة ميشلان هي المدخل إلى التميز في عالم المطاعم، حيث يمكن للمطعم أن يصل إلى قمة النجاح والتألق بتحقيق مستوى 3 نجوم. وفيما تسعى معظم المطاعم الفاخرة للحصول على نجمة أو أكثر من ميشلان، فإن البعض يعتذر عن قبولها، نظراً لما يفرضه هذا التكريم من قيود ومسؤوليات أمام الزبائن، وأحياناً لاعتقاد البعض بأن مطاعم ميشلان تكون باهظة الأسعار بالمقارنة مع غيرها.
وتسعى المطاعم الراقية إلى تقديم الأفضل في خدمة زبائنها على نحو يومي. ولكن من بين هؤلاء الزبائن يأتي أحيانا خبراء ومراقبون من مؤسسة ميشلان لتناول وجبة كاملة في المطعم بما في ذلك الحلوى والمشروبات، ويدفعون ثمن وجباتهم بالكامل. ثم يأتي بعد ذلك وقت التقييم لنوعية المأكولات وأسلوب تقديمها والمناخ العام في المطعم. وإذا توافقت كل هذه الشروط مع معايير ميشلان يحصل المطعم على نجمته الأولى.
وقد لا يعرف البعض أن ميشلان هي في الأصل شركة فرنسية لصناعة إطارات السيارات، وهي ثاني أكبر شركة في العالم في هذا المجال بعد شركة بريدجستون. وهي تمتلك العديد من علامات صناعة الإطارات. ولكنها في الوقت نفسه توفر خدمات أخرى منها خرائط الطريق ومواقع الفنادق والمطاعم في العالم، وتضيف إلى دليل سنوي تصدره حولها تصنيف هذه الفنادق والمطاعم بنجوم ميشلان للدلالة على الجودة.
وتقليديا يفسر تصنيف نجوم ميشلان بأن الحصول على نجمة واحدة يعني علامة الجودة والتميز للمطعم، أما الحصول على نجمتين فهو درجة أعلى من التميز تستحق أن يغير السائق اتجاهه من أجل المرور على المطعم وتجربته. أما فئة القمة للمطعم الذي يحصل على ثلاث نجوم فيعني أن المطعم يستحق رحلة خاصة إليه من أجل تناول وجبة فيه.
وتتعامل ميشلان مع الطهاة على أنهم فنانون وعلى درجة عالية من الاحتراف والتنافس فيما بينهم. ويخشى البعض فقدان نجمة ميشلان، ولذلك فهناك درجة من التردد في قبولها في المقام الأول. وعندما فقد الشيف غوردون رامسي نجمتي مطعمه في مانهاتن في عام 2013 بكي كالأطفال.
وهناك تصنيف عالمي لأكبر الطهاة الذين يملكون مجموعات من المطاعم بعدد نجوم ميشلان التي حصلوا عليها. وأكثرهم حظا في العالم هو الشيف الفرنسي جويل روبوشون ولديه حاليا 28 نجمة ميشلان موزعة على مطاعمه، ويتبعه الشيف ألن دوكاس بعدد 21 نجمة ثم غوردون رامسي في المركز الثالث بعدد 18 نجمة.
مما يذكر أن ميشلان ليست وحدها في تقييم المطاعم على رغم أن نشاطها عالمي، فهناك سبع مؤسسات أخرى أوروبية أو عالمية تعمل في المجال نفسه ويصدر كل منها دليل سنوي يشبه دليل ميشلان لأفضل المطاعم في مناطقها المختلفة.
- - المعايير
يحتفظ خبراء ميشلان بأسرار منح نجوم ميشلان وأيضا بأسلوب التقييم، ولكن هناك خمسة معايير متعارف عليها في منح نجوم ميشلان للمطاعم منها المعيار الخامس الذي يخيف أكبر الطهاة في العالم. هذه المعايير هي:
- نوعية الطعام واستخدام مكونات طازجة من أفضل المتاح. وقد عرف عن بعض مطاعم ميشلان أنها تحصل على الأسماك مباشرة من الصيادين بدلا من انتظار متعهد توريد من السوق. ولكن ليس من الضرورة أن يستخدم المطعم مكونات نادرة وباهظة الثمن مثل الكمأ والكافيار وكبد الإوز. ويمكن استخدام مكونات عادية ولكن أسلوب الطهي هو المهم.
- التألق في الطعم وأساليب الطهي: وهي من الشروط الحيوية التي تعبر عن شخصية الشيف والمطعم معا. ولا بد من تحقيق التوازن بين المذاقات والتعامل مع الوجبات من جانب عملي مستدام. ولا بد أن يعبر كل طبق عن مذاقه الخاص وأن يهتم الشيف بالتفاصيل إلى درجة حساب الوقت الذي يستغرقه الطبق من المطبخ إلى المائدة بحيث يحافظ على درجة حرارته وطعمه. ويجب أن يشعر الزبون بأنه في مكان متميز يقدم له وجبات تفوق توقعاته.
- شخصية الشيف في مطبخه: ويعرف خبراء الطعام أن كل شيف يكتسب شخصية مغايرة لطبيعته في المطعم مثل المايسترو الذي يزن الإيقاع لكل ما يقدمه. ولا يخشى الشيف المجدد من ارتكاب أخطاء بين الحين والآخر، ولكنه يتبنى في كل الأحوال الابتكار في الوجبات التي يقدمها.
- وعلى خلاف المعهود أن مطاعم ميشلان باهظة الثمن، فإن أحد الشروط المهمة أن يقدم المطعم قيمة جيدة لما ينفقه الزبون فيها. ويصف أحد الخبراء ذلك بأن يخرج الزبون من المطعم وهو يشعر بأن تجربة الوجبة كانت متميزة إلى درجة لا تنسى. وهناك عوامل الدهشة والاستمتاع التي تشمل خدمة تقديم الطعام والمناخ العام في المطعم. ولا بد أن يسعد المطعم زبائنه ويعاملهم على قدم المساواة.
- أما الشرط الخامس المهم فهو دوام التميز بين الزيارات المختلفة. فالزيارة الخفية لخبراء ميشلان يمكنها أن تسحب نجمة التميز بسهولة إذا تراجع المستوى في زيارة لاحقة عما كان عليه عندما حصل المطعم على نجمة ميشلان الأولى. وهذا الجانب يخيف الطهاة أكثر من أي عامل آخر. وفي معظم الأحوال يكون منح نجمة ميشلان بعد العديد من الزيارات من خبراء مختلفين من ميشلان. وبعد الحصول على نجمة ميشلان تبذل المطاعم جهدا أكبر للحفاظ على مستوى خدمتها حتى لا تفقد هذا التميز.
-- ضغوط المحافظة على التألق لا تحتمل
-- لماذا ترفض بعض المطاعم نجوم ميشلان؟
> فاجأ الشيف الفرنسي سباستيان براس العالم قبل عدة شهور بالتصريح أنه يريد إعادة النجوم الثلاث التي حققها والده مايكل براس في مطعم «لو سوكيه» الفرنسي في عام 1999 وحافظ عليها الابن حتى عدة شهور مضت. وعندما سئل على السبب قال إن «ضغوط المحافظة على التألق لا تحتمل». وأضاف أنه يريد أن يستمتع بإعداد الوجبات في مطعمه والتجديد فيها من دون الضغط العصبي التي تفرضه هذه النجوم عليه.
ولم يكن براس هو الأول في رفض نجوم ميشلان، فقد سبقه في ذلك الشيف الشهير ماركو بيار وايت في لندن الذي كان أصغر شيف يحقق ثلاث نجوم من ميشلان ولكنه رفضها في عام 1999 وصرح بعدها بأنه لا يشعر بالفخر بهذه النجوم لأن مستوى معرفته أكبر من معرفة هؤلاء الذين منحوها له.
وفعلها أيضاً شيف فرنسي آخر اسمه فيليب غارتنر أعاد نجومه الثلاث على الرغم من أن عائلته تمتعت بالحصول عليها منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وهو أيضا يرفض إعادة التقييم السري للمحافظة على نجومه.
ويطالب عدد من الطهاة بتغيير هذا النظام السري البعيد عن المحاسبة وتبني نظام آخر يمنح ميداليات تفوق للطهاة يحصلون عليها وفقا لإنجازهم وتبقى معهم حتى لو عملوا في مطاعم أخرى، بحيث يكون الاختبار والتقييم لمرة واحدة.
وهناك العديد من الأسباب الأخرى التي أعيدت بسببها نجوم ميشلان من المطاعم، منها الانطباع العام لدى الزبائن بأن مطاعم ميشلان أغلى من غيرها، وشروط ألا يخدم الساقي أكثر من ستة زبائن بحد أقصى. وأحيانا تكون توقعات الزبائن أكثر مما يستطيع المطعم تقديمه.
كذلك يخشى الطهاة فقدان النجوم وتأثير ذلك على سمعتهم. واعتبرت طاهية هولندية أعادت نجمة ميشلان أن هذا التكريم هو بمثابة «لعنة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة».
وترد إدارة ميشلان على هذه الموجة من رفض نجومها بالقول إن النجوم ليست موجهة إلى الطهاة أو أصحاب المطاعم وإنما هي موجهة أساسا للزبائن. ويتفق مع هذا العديد من النقاد في أن المطاعم لا يمكنها إعادة النجوم لأنها تقييم مستقل قد تتفق أو تختلف معه ولكنها لا تستطيع أن تغيره.
وتحاول ميشلان أن تغير من صورتها العتيقة المرتبطة بالمطبخ الفرنسي التقليدي، وأن تخفف من حدة شروطها. وبلغ من تطورها أنها منحت مؤخرا نجمة ميشلان لكافتيريا تقدم أطباق النودل في سنغافورة.
- لائحة مطاعم ميشلان 2018:
أربعة مطاعم تحتفظ بثلاث نجوم في بريطانيا
> حافظت أربعة مطاعم في بريطانيا على تميزها بثلاثة نجوم من ميشلان في تصنيف عام 2018. المطاعم الأربعة هي: «فات داك» الذي يملكه الشيف هيستون بلومنثال، و«ووترسايد إن» للشيف ألن روس في مقاطعة باركشير، ومطعم فندق دورشستر في بارك لين، لندن، الذي يديره الشيف ألن دوكاس ثم مطعم «غوردون رامسي» في حي تشيلسي.
ودخل إلى اللائحة البريطانية هذا العام مطعم خامس جديد اسمه «أراكي» وهو يقدم وجبات سوشي في موقع صغير به تسعة مقاعد فقط.
ويبلغ عدد مطاعم بريطانيا التي حققت مستوى نجمتين من ميشلان 20 مطعما، وانضم إليها مطعم جديد في حي تشيلسي اسمه «كلود بوسي». أما المطاعم التي حققت نجمة واحدة من ميشلان فبلغ عددها 150 مطعما، منها 17 دخلت اللائحة للمرة الأولى هذا العام. منها مطعم في مقاطعة ديفون اسمه «ليمبستون مانور» يملكه الممثل الشهير مايكل كين.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

التراث حين يؤكل... تجربة عمر السيف

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاته (إنستغرام)
مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاته (إنستغرام)
TT

التراث حين يؤكل... تجربة عمر السيف

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاته (إنستغرام)
مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاته (إنستغرام)

في كل مرة تُعرَض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدِّمه عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأنَّ ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيَّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمَر بالشكل الذي يستحقه».

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل

في إحدى تجاربه، لم يقدِّم طبقاً تقليدياً، بل قدَّم مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: مَن نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميها «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحوَّل إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

أرز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدِّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوَّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنَّه جميل فقط، بل لأنَّه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة».

في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ شيئاً سريعاً وعابراً... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أنَّ التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشروعات معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحوَّل إلى تجربة أو منتَج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطِّط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدِّمه عمر السيف لا يتوقَّف عند حدود الطبخ، بل طرح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟


من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)