خلاف بين الحكومة الهندية والبنك المركزي بسبب أموال الاحتياطي النقدي

هندي يمر بجوار مقر بنك الاحتياطي الهندي في نيودلهي (إ.ف.ب)
هندي يمر بجوار مقر بنك الاحتياطي الهندي في نيودلهي (إ.ف.ب)
TT

خلاف بين الحكومة الهندية والبنك المركزي بسبب أموال الاحتياطي النقدي

هندي يمر بجوار مقر بنك الاحتياطي الهندي في نيودلهي (إ.ف.ب)
هندي يمر بجوار مقر بنك الاحتياطي الهندي في نيودلهي (إ.ف.ب)

وقع خلاف بين الحكومة الهندية وبنك الاحتياطي الفيدرالي الهندي (البنك المركزي) حول أساليب تسريع النمو الاقتصادي. ودخل الطرفان في نزاع بشأن استقلالية الأخير وسعر الفائدة المصرفية وإقراض المشروعات الصغيرة، وكذلك مدفوعات النظام البيئي.
وكثيراً ما عارض بنك الاحتياطي الهندي مطالب الحكومة بمنحها المزيد من الأموال الاحتياطية في البنك للمساعدة في سد العجز في الموازنة العامة، وكثيراً ما وجّه البنك تحذيرات إلى الحكومة بعدم التدخل في شؤونه لتفادي عواقب وخيمة تتمثل في ردة فعل عنيفة قد تنعكس سلباً على اقتصاد البلاد.
وخرج الخلاف بين الطرفين إلى العلن عندما أدلى نائب محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي، فيرال أشاريا، بتصريح شديد اللهجة مؤخراً قال فيه إن الفشل في حماية استقلالية البنك المركزي من شأنه أن «يثير التوتر في أسواق المال». وبعد أيام من نشوب الخلاف غير المعهود، انتشرت تقارير تفيد بأن الحكومة تحاول ممارسة صلاحيات غير مسبوقة تخول لها إصدار «تعليمات» للبنك تصب في الصالح العام. وتسعى الحكومة إلى الحصول على استثناءات لشركات الكهرباء، وعلى صلاحيات بالنفاذ إلى احتياطي البنك للحصول على سيولة وكذلك تخفيف القيود المفروضة على إقراض الشركات والتي فرضها البنك المركزي على البنوك التابعة للدولة.
واختلف الطرفان كذلك بشأن خطط الحكومة لرسم سياسة مستقلة تحكم أساليب السداد الإلكترونية. وخلال الشهور القليلة الماضية عيّنت الحكومة محاسباً يمينياً مثيراً للجدل ضمن أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي، فيما أنهت عضوية عضو آخر بسبب ما اعتبرته تضارباً في المصالح.
وأفاد العديد من التقارير الإعلامية بأن أورجيت باتال، رئيس مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي (54 عاماً) وخبير الاقتصاد خريج جامعة «يال»، قد هدد بتقديم استقالته.
وتحقق الهند، ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، نمواً سنوياً بواقع 8.2%، وهو المعدل الأسرع من أي دولة كبيرة أخرى. وفي هذا الصدد، قال مسؤول حكومي بارز على دراية بالنقاشات الجارية: «نتمنى أن يقبل محافظ بنك الاحتياطي الهندي أولويات الاقتصاد وأن يناقش ذلك مع أعضاء مجلس الإدارة. لكن إذا أراد اتخاذ قرارات بصورة فردية، فمن الأفضل له أن يستقيل».
- ضغوط من أجل 49 مليار دولار
وتضغط الحكومة التي يرأسها ناريندرا مودي، بقوة على البنك المركزي للسماح لها بالاستفادة من الفائض الذي يقدر بنحو 3.6 تريليون روبية (49 مليار دولار) لسد العجز في الموازنة المالية وتمويل برنامج مشروعات تنموية. ورفض المتحدث باسم وزارة بنك الاحتياطي الفيدرالي، التعليق، فيما علّق وزير المالية الهندي أرون جاتيلي، بقوله: «دولة الهند أكبر من أي مؤسسة».
وأفاد خبراء ماليون بأن حدة الخلاف قد تتفاقم لتنعكس أصداؤه على اقتصاد الهند في وقت بالغ الحساسية تعاني فيه البلاد من تراجع قيمة الروبية، وارتقاع أسعار الوقود، والاستعدادات للانتخابات المرتقبة في الربيع القادم.
وفي سياق متصل، صرح سوجان هاجرا، الخبير الاقتصادي بمؤسسة «أناند راثي» المالية، بأن الشقاق بين بنك الاحتياطي الفيدرالي الهندي والحكومة «قد وصل إلى مرحلة خطيرة. نحن نمر بوقت لا نُحسد عليه إطلاقاً في ما يخص الأسواق والاقتصاد. فالعلاقة بين الجانبين في حاجة إلى الإصلاح في أقرب وقت ممكن. وهنا علينا أن نحذّر من أنه في حال تقدم باتال باستقالته من رئاسة البنك فسوف يتسبب ذلك في حدوث هزه كبيرة، مما سيلحق ضرراً كبيراً بأسواق الهند المالية المتدهورة بالفعل».
في السياق ذاته، أفاد صندوق النقد الدولي بأنه يراقب عن كثب الخلاف المتفاقم بين بنك الاحتياطي الفيدرالي والحكومة. وأكد مدير الاتصالات بالصندوق بأنه يراقب تطورات الخلاف الدائر في الهند وأنه يدعو إلى تحديد المسؤوليات والمحاسبة، وأن أفضل الحلول هو عدم تدخل الحكومة أو أي قطاع من قطاعات الدولة لكي لا تضعف من استقلالية البنك المركزي.
- الخلاف أمر معهود
ليست هذه المرة الأولى التي ينشأ فيها خلاف بين البنك المركزي والحكومة بشأن سياسة تحديد سعر الفائدة. في الحقيقة، واستناداً إلى النزاع الدائر، كثيراً ما عبّر محافظو البنك السابقون عن شكوكهم بشأن استقلالية قوانين البنك.
الجدير بالذكر أن راغرام راجان، الذي تقلد منصب محافظ البنك المركزي خلال الفترة من 2013 – 2016، لم يلتقِ وجهاً لوجه مع حكومة مودي للنقاش بشأن هذه القضية، غير أنه كثيراً ما واجه انتقادات بإبطاء وتيرة النمو الاقتصادي برفعه لسعر الفائدة على الودائع المصرفية، وتحتم على راجان ترك منصبه بعدما رفضت الحكومة تجديد مدة خدمته. ويرى أحد أنصار رئيس الوزراء أن «عقلية محافظ البنك السابق ليست هندية»، وذلك لأن راجان وخليفته باتال كليهما قد تلقيا تعليمهما في علم الاقتصاد في الولايات المتحدة. ويرى بعض القوميين باتال كتكنوقراطي ذي فكر غربي، وأنه يعمل عل إضعاف فرصهم في الفوز في الانتخابات المقررة العام القادم.
والشهر الماضي، هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي قائلاً إنه يشكّل أكبر خطر على الاقتصاد الأميركي برفعه معدلات الفائدة «بسرعة كبيرة». وفي عام 2017، استقالت رئيسة البنك المركزي الأوكراني من منصبها إثر ضغوط كبيرة من أباطرة رأس المال بعد أن قامت بإغلاق بنوكهم نتيجة لتعاملات وتحويلات بنكية غير مشروعة. كذلك استقال محافظ البنك المركزي الأرجنتيني من منصبه بعد أقل من عام من تعيينه إثر تفاقم مشكلات اقتصادية كبيرة منها ارتفاع التضخم الذي تخطى 40%، ونشوب خلاف مع الدائنين الأميركيين تسبب في تأخرهم في السداد.
- السبب في تطفل الحكومة على بنك الاحتياطي
يهدد الخلاف الذي تفاقم خلف الستار لشهور بإلحاق ضرر بالغ بأحد قطاعات الاقتصاد المهمة. فالعديد من المؤشرات الاقتصادية تتحرك في الاتجاه الخطأ، وها قد ارتفع العجز في موازنة الحكومة مؤخراً، مع زيادة الواردات، مما أدى إلى زيادة العجز في الحساب الجاري. ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي هبطت قيمة الروبية بواقع 15% أمام الدولار، وبالفعل بدأ احتياطي النقد الأجنبي للبنك في التراجع بعد أن ارتفع في أوقات سابقة.
وبدأت الأرصدة في الانكماش أيضاً، والسبب الرئيسي هو قوانين البنوك. فالبنوك المملوكة للدولة التي تمتلك نحو 70% من إجمالي الودائع تعرضت لخسائر كبيرة نتيجة لعجز الدائنين عن السداد. ويخضع 11 بنكاً من هذه البنوك لإجراءات تصحيحية، ويعني ذلك أنها ستعجز عن منح القروض. وفي هذا الصدد، أفاد أشتوش داتار، خبير اقتصادي بالعاصمة المالية مومباي، بأن «حكومة مودي تشعر بالقلق من أن السياسات المالية العدائية للبنك المركزي والتعليمات الصارمة بشأن القروض التي تقدمها البنوك الحكومية يمكن أن تدفع معدلات النمو إلى مستويات تقل عن 7% خلال الربع الأخير من العام، وهي الفترة الأخيرة التي تتوافر فيها بيانات قبل الانتخابات العامة المقررة العام القادم. ولذلك تسعى الحكومة لتحفيز الاقتصاد بزيادة الإنفاق الحكومي لإصابة الناخبين بحالة من الذهول والاندهاش. الوضع الحالي فوضوي لأبعد الحدود، فإذا استقال محافظ البنك المركزي من عمله فسوف تهتزّ الثقة بالأسواق، وستتراجع الروبية أكثر من ذي قبل وسيسحب المستثمرون أموالهم لتحويلها إلى خارج البلاد. باختصار لن تعود استقالة المحافظ بالخير علينا».
وأكد مصدر مسؤول في البنك المركزي أن هناك إمكانية أن تقوم الحكومة خلال الاجتماع القادم لمجلس إدارة بنك الاحتياطي الهندي بطرح حلول ملموسة لقضايا كبيرة، وذلك من خلال مرشحيها في مجلس الإدارة. ويعني هذا أن الحكومة ربما تجعل مرشحيها يفرضون جدول أعمال معيناً وينحّون كبار مسؤولي بنك الاحتياطي جانباً.
ووسط حالة الاحتقان المتزايدة بين البنك والوزارة المالية، أفاد المحافظ السابق راغرام راجان، بأن البنك المركزي أشبه بحزام الأمان في السيارة، من دونه يمكن أن يقع حادث. وتأكيداً لضرورة احترام استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي، قال المحافظ السابق إن للبنك المركزي حرية رفض طلبات الحكومة إن أصرّت على دفع البنك إلى التساهل.
وأضاف المحافظ السابق أنه قبيل الاجتماع المقرر في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، فإن مجلس الإدارة يهدف إلى حماية المؤسسة وألا يخدم مصالح الغير. غير أن تقارير أشارت إلى أن باتال ربما يستقيل من منصبه لدواعٍ صحية، وإن كان السبب الحقيقي هو الاعتراض على تصرفات الحكومة خلال اجتماع مجلس الإدارة.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».