روائع آثار السعودية تحط الرحال في اللوفر بأبوظبي

في محطته الخامسة عشرة... معرض «طرق التجارة في الجزيرة العربية» يضيف 16 قطعة من الإمارات

أبواب خشبية من مناطق مختلفة من السعودية («الشرق الأوسط»)
أبواب خشبية من مناطق مختلفة من السعودية («الشرق الأوسط»)
TT

روائع آثار السعودية تحط الرحال في اللوفر بأبوظبي

أبواب خشبية من مناطق مختلفة من السعودية («الشرق الأوسط»)
أبواب خشبية من مناطق مختلفة من السعودية («الشرق الأوسط»)

مع وصوله لمحطته الـ15 في متحف اللوفر أبوظبي، يكتسب معرض «طرق التجارة في الجزيرة العربية» ألقاً خاصاً، مدفوعاً بجولة عالمية ناجحة استطاعت فتح نوافذ جديدة على المملكة العربية السعودية لجمهور لم يزرها، وأيضاً لجمهور زارها، لكنه لم يسبر أغوارها. التوصيف صحيح نسبياً حتى لمواطني المملكة العربية السعودية؛ فالمعرض الضخم يضم مكتشفات أثرية تعود لبداية التاريخ البشري ويستمر للزمن الحالي، وما بين القاعة الأولى والأخيرة قِطع شهدت على تاريخ وحضارة شبه الجزيرة العربية، وبفضل مجهود هيئة السياحة والتراث السعودية خرجت للعلن لتدهش وتبهر وتغيّر أفكاراً مسبقة.
خلال جولة أولية على المعرض، الذي يستحق - في رأيي - أكثر من جولة، صاحبنا فيها نائب رئيس قطاع الآثار والمتاحف بالهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بالسعودية، جمال بن سعد عمر، انطلقنا من قطعة مكتشفة حديثاً تعود إلى العصر الحجري القديم، هي قطعة متناهية الصغر، لكنها تحمل ثقلاً تاريخياً؛ فهي - حسب ما يذكر لنا عمر «الأحفورة الوحيدة للإنسان العاقل التي عثر عليها في الجزيرة العربية، وهي أيضاً أصغر قطعة في المتحف، وعمرها 90 ألف سنة».
ويشير جمال عمر إلى أن المعرض في محطته الحالية أضاف عدداً من القطع من دولة الإمارات العربية المتحدة «وهو دور لدولة الإمارات، التي تجمعنا بها علاقات الأخوة عبر التاريخ، وكانت هذه فرصة بأن نوضّح الوحدة الثقافية والتاريخية بينهما»، ويشير إلى أنها المرة الأولى التي يسمح فيها لمعرض متجول بإضافة قطع من الدول المضيف.
وخلال حديث مع «الشرق الأوسط»، ورداً على سؤال حول عدد القطع التي أضيفت للعرض مقارنة ببداية الجولة العالمية، يقول: «في هذا المعرض أضفنا 16 قطعة، لكن منذ أن بدأنا في العرض أضفنا نحو 140 قطعة».
يشير إلى أن ردة فعل الجمهور العالمي الذي شاهد المعرض من خلال جولته كان مشجعاً وقوياً، وأضاف: إن هناك المزيد من المعارض التي ستقدم جانباً من الكم الهائل من القطع التاريخية لدى المملكة «خلال الفترة القريبة المقبلة سيكون لدينا في الشارقة معرض عن (الحواضر العربية قبل الإسلام) سيضم قطعاً أثرية من المملكة العربية السعودية؛ فالزخم كثير». ويضيف: إن المعرض استمر في عروضه العالمية لسببين «الأول استمرار الطلب من المتاحف العالمية، والآخر هو ردة فعل الجمهور الذي حضر المعرض، هناك من لم يزر المملكة وكان له هذا المعرض بمثابة مفاجأة، وهناك من يعرف المملكة، لكن العرض أضاف الكثير».
- طرق التجارة في الجزيرة العربية
العرض يعتمد على إبراز الدور الذي لعبه الموقع الجغرافي لشبه الجزيرة العربية في العصور القديمة، وأيضاً تنوع الثقافات والحضارات التي استفادت من الموقع الجغرافي رغم قسة الظروف الطبيعية فربطت ضفاف المحيط الهندي وبلدان القرن الأفريقي بمصر وبلاد ما بين النهرين ودول حوض البحر المتوسط.
وكان من الطبيعي أن يكون لطرق التجارة والحج دور في ظهور مراكز حضرية وإلى ازدهار مدن القوافل وتغذية الثقافة المحلية بأساليب وأفكار جديدة ينقلها التجار والحجاج.
المعرض الممتع يتخذ تلك المدن أساساً لرواية تاريخ المنطقة كلها، وتنقسم قاعات العرض بالتالي لتبرز تلك المحطات والآثار التي وجدت بها، مدعماً بالصور الفوتوغرافية التاريخية إن وجدت في أزمان حديثة أو بعرض أفلام لمشاهد من حياة الصحراء وغيرها.
- العصر الحجري
في القاعة الأولى عدد من المكتشفات الأثرية، منها أحجار قاطعة استخدمها الإنسان البدائي، وأيضاً قطعة جمالية ربما؛ فهي جزء من تمثال لحيوان من فصيلة الخيل وتعود للعصر الحجري الحديث نحو عام 8100 قبل الميلاد وجدت في عام 2010 بوادي الدواسر.
حسب ما تشير لوحة إرشادية تحت عنوان «الخطوات الأولى على دروب الجزيرة العربية»، فالإنسان الأول ترك آثاراً في الجزيرة العربية، ومنها الكثير من الأدوات الحجرية والأدوات المصقولة والفؤوس الحجرية.
- الجزيرة العربية الخضراء
تشير اللوحة إلى ما خلصت له الدراسات من أن الجزيرة العربية مرّت بمراحل من تغير المناخ شهدت وجود البحيرات والأنهار والطبيعة الخضراء، حيث ارتادتها أجناس من الحيوانات مثل الفيل أو وحيد القرن. منذ أكثر من مائة ألف عام وفرّت الجزيرة العربية الخضراء بيئة للإنسان العاقل الذي غادر أفريقيا الشرقية ليسلك طرقاً برية أو بحرية متجهاً نحو وادي النيل أو مجتازاً البحر الأحمر. وبدءاً من عام 7000 قبل الميلاد حلت محل هؤلاء السكان مجموعات من الرعاة الرحل الذين استقروا في أرجاء شبه الجزيرة العربية.
مع هذه المعلومة المدهشة لا يمكن أن يتجول الزائر في المعرض بالفكرة المسبقة نفسها عن المنطقة؛ فهناك طبقات متتالية من التاريخ تكشف لنا عن جوانب مدهشة من الحياة على الجزيرة العربية. وهو ما تفعله ببراعة وبساطة في آن واحد المعروضات هنا، فهي غير متوقعة، وأيضاً محمّلة بالكثير من المعاني والإشارات.
- الطرق البحرية الأولى في الخليج
المساحة التالية من العرض تركز على الطرق البحرية في الخليج العربي وما نتج منها من مهن، كالصيد أو تجارة اللآلئ، وتشير اللوحة الإرشادية إلى بداية مخيمات الصيادين على شواطئ الخليج منذ الألف السادسة قبل الميلاد، وهنا تدلنا كشوف أثرية في مواقع بدولة الإمارات العربية المتحدة، مثل أم القوين ومروح، على نمط عيش هذه المجتمعات القديمة واستفادتها من الموارد البحرية. ويستدل الباحثون على نشاط سكان هذه المجتمعات بأنواع الأسماك التي كانوا يستهلكونها والتي توجد بأعماق البحار؛ وهو ما يعبر عن مجازفة للصيادين بالذهاب لأعالي البحار. أيضاً، تعكس تجارة المزهريات والأواني الملونة المصنوعة في بلاد ما وراء النهرين وجود الطرق الملاحية الأولى في الخليج. وتثبت المعروضات الموجود الكثير من المعلومات التاريخية فنجد في خزائن العرض قِطعاً مكتشفة من مروح وأم القوين والأكعاب، مثل الأواني الفخارية، وحبات اللؤلؤ التي كانت سلعاً للتبادل وأوعية تعود لأكثر من ألفين عام قبل الميلاد من الإمارات العربية المتحدة.
من القطع النادرة أيضاً، هناك حجر مزيّن بنقش نافر على هيئة جمل يعود لـ1800 إلى 2300 عام قبل الميلاد عثر عليه فريق من علماء الآثار الدنماركيين في منطقة أم النار بالإمارات عام 1959، إضافة إلى قطع أخرى وجدت في مناطق إماراتية أخرى مثل أم القوين تعود لحضارة أم النار (2000 - 2500 قبل الميلاد)، منها إناء جلب من وادي السند ومشط من آسيا الوسطى؛ وهو ما يدل على الحركة التجارية والملاحة وقتها.
- طرق البخور
القاعة التالية تأخذنا لتجارة البخور وطرقها التي تضم واحداً من جنوب شبه الجزيرة العربية وحتى غزة بفلسطين وطرق أخرى تربط الجنوب ببلاد ما وراء النهرين مروراً بالسواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية. وغني عن القول، أن السيطرة على تلك الطرق التجارية كانت تعد تفوقاً سياسياً؛ فهي من أكثر الوسائل المربحة في ذلك الزمن وكانت الممالك العربية في جنوب شبه الجزيرة العربية تسيطر على هذه الطرق التي تقلص حجم التبادل التجاري عبرها بعد بسط الرومان سيطرتهم ونفوذهم على الطرق البحرية في البحر الأحمر ما كان أثره قاسيا على المبادلات البرية.
ومن محطات القوافل التي كانت تحمل البخور نجد عدداً من القطع الأثرية، منها شاهد قبر يحمل نقوشاً بالآرامية، ويحمل اسم «النصب ذو العينين»، ويعود إلى تيماء بالمملكة العربية السعودية من عام 400 - 600 قبل الميلاد.
وهنا تبدو أهمية مدينة تيماء التي تقع عند تقاطع طريق البخور وتربط بين الخليج العربي بالبحر الأحمر، ولازدهارها أثارت تيماء أطماع جيرانها الأقوياء فخضعت لسيطرة المملكة الآشورية، ثم المملكة البابلية، ونرى هنا عدداً من القطع التي تحمل نقوشاً تدل على تلك الممالك.
- مدائن صالح (الحجر)
المدينة الثانية في مملكة الأنباط بعد عاصمتها بتراء بالأردن، وكانت محطة رئيسية على طرق القوافل المتجهة من جنوب الجزيرة العربية وحتى الأردن وسواحل البحر المتوسط،. وتعرض القاعة عدداً من القطع المكتشفة في موقع مدائن صالح، منها عدد من الجرار ولوح من الحجر الرملي يحمل نقوشاً باللغة اللاتينية تصف عملية إصلاح سور المدينة يعود إلى الفترة (175 - 177 قبل الميلاد) هناك أيضا تاج عمود نبطي.
ومن الماضي البعيد للماضي القريب يربط المعرض بين آثار المواقع الأثرية في مدائن صالح بصور فوتوغرافية نادرة وممتعة سجلت عمليات البعثة الأثرية في الجزيرة العربية في مارس (آذار) - مايو (أيار) من عام 1907 إلى الحجاز، الحجر (مدائن صالح) وهي مستعارة من المكتبة الوطنية الفرنسية بباريس.
يستمر المعرض في إلقاء الضوء على محطات قوافل البخور، مثل الفاو ونجران، ويدعم السرد بقطع متنوعة ما بين التماثيل الضخمة والقطع الخزفية إلى القطع البرونزية، مثل قطعة تمثل رأس ومخالب أسد من نجران تعود إلى 100 - 200 ميلادي.
- طرق الحج والتبادل التجاري
تحولت الطرق التجارية التي تجتاز شبه الجزيرة العربية منذ العصور القديمة إلى مسارات يسلكها الحجاج الذين يتوافدون على مكة والمدينة، وتمتد من الشام والعراق ومصر واليمن، وكانت تحظى بالصيانة وزودت بمحطات للتموين والاستراحات، والشيء نفسه حدث مع موانئ البحر الأحمر، حيث تمر سفن الحجاج. ومن تلك المدن على طرق الحج نجد مدينة الربذة، التي تقع على بعد 200 كلم إلى الشرق من المدينة المنورة، وكانت محطة رئيسية على طريق الحج العراقية. وازدهرت المدينة في القرن التاسع الميلادي وكشفت الحفريات الأثرية فيها عن أسواق ومناطق سكنية وخزانات مياه وآبار. نرى هنا عدداً من القطع التي عثر عليها في الربذة منها إناء ملون ووعاء يحمل رسم أرنب.
- مبخرة ومفتاح لباب الكعبة وقطع أثرية من المسجد النبوي
يقدم المعرض عدداً من القطع الأثرية المهمة التي أهديت للمسجد النبوي والحرم المكي، منها مبخرة تحمل اسم والدة السلطان العثماني مراد الرابع وجدت في حجرة الحرم النبوي بالمدينة المنورة. هناك أيضاً قفل ومزلاج نقش عليهما اسم السلطان العثماني أحمد الأول (1603 - 1617) أيضاً من حجرة الحرم النبوي. ويبرز في العرض باب الكعبة المشرفة مكسواً بأوراق من الفضة المذهبة، وظل باباً للكعبة على مدى ثلاثة قرون (القرن الـ17 - القرن الـ20).
هناك أيضاً مفتاح للكعبة يرجح أن يكون تاريخه 804 هجرية (1402م)، وهو عبارة عن سبيكة نحاسية منحوتة ومطعّمة بالذهب، وهي من ممتلكات متحف اللوفر بباريس.
- دروب الحداثة الوحدة والاستقلال
في نهاية المعرض، نصل إلى مرحلة تاريخية جدية في تاريخ الجزيرة العربية شهدت توحيدها وتأسيس المملكة العربية السعودية، وتعرض القاعة عدداً من المتعلقات الشخصية بالملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، منها عباءته وقفاز لصيد الصقور.


مقالات ذات صلة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من العصر الفايكنجي وقد أُزيل جزء منها.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
يوميات الشرق الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)

7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

تسعى مصر لحصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، من خلال الملتقى الإقليمي الذي تنظمه وزارتا الثقافة والتعليم العالي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق طريق الكباش من أشهر المعالم الأثرية بالأقصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر: جرائم التنقيب عن الآثار تقترب من طريق الكباش

جاءت واقعة ضبط رجل وامرأة ينقبان عن الآثار أسفل مقهى بمدينة الأقصر، جنوب مصر، بالقرب من طريق الكباش، لتعيد إلى الأذهان جرائم سابقة.

حمدي عابدين (القاهرة )

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».