5000 بحيرة نمساوية تتنوع جغرافياً وثقافياً وتتقاسم الجمال الطبيعي

«بودن سي» أو «كونستانس} أعذبها مناظر وروحاً

جانب من بودن سي في سويسرا
جانب من بودن سي في سويسرا
TT

5000 بحيرة نمساوية تتنوع جغرافياً وثقافياً وتتقاسم الجمال الطبيعي

جانب من بودن سي في سويسرا
جانب من بودن سي في سويسرا

رغم أن مساحة النمسا لا تتجاوز 83.879 كيلومتراً مربعاً، فإن عدد بُحيراتها يصل إلى 5 آلاف بحيرة، كل واحدة منها تختلف عن الثانية من ناحية الحجم والعمق واللون. بحيرة فوشل مثلاً تتمتع بلون زمردي غامق، بينما تتميز بحيرة شفارز بكونها الأكثر دفئاً، من دون أن ننسى بحيرة زيل إم سي، التي تحظى بإعجاب السياح الخليجيين تحديداّ وهلمّ جرّا، من البحيرات التي تزخر كلها بطبيعة تُغني عن زيارة أي مكان آخر؛ لأنها وبكل بساطة تمنح تجارب وتخلّف انطباعات لا تمحى من الذاكرة إلى الأبد. ولأن المساحة لا تتسع لكل هذه البحيرات سنركز على بحيرة «بودن سي – كونستانس»؛ لما تتمتع به من تنوع شديد. فهي ليست نمساوية مائة في المائة بحكم أن النمسا تحد شرقها فقط بينما تحدها ألمانيا شمالاً وسويسرا جنوباً؛ ما يجعلها تخضع لقوانين تتفق عليها الدول الثلاث. ولنا فقط أن نتخيل مدى رومانسيتها، عندما نعرف أنها محاطة بجبال الألب الشمالية، وبشواطئ تترامى على ثلاثة من أجمل بلاد أوروبا وأكثرها ثراءً. وكأن هذا لا يكفي؛ فهي لا تبعد عنها إمارة ليشتنتاين سوى مسافة نصف ساعة بالسيارة.
تعتبر بحيرة «بودن سي» كما يسميها النمساويون والألمان، و«كونستانس» كما يسميها السويسريون، ثالث أكبر بحيرة عذبة وسط وغرب أوروبا.
يبلغ طولها 63 كيلومتراً وعرضها 14 كيلومتراً، بينما يصل عمقها إلى 252 متراً. كما تقع على ارتفاع 395 متراً فوق سطح البحر محاطة بجبال الألب الشمالية. إضافة إلى ثلاثة روافد مائية تنبع منها، فإنها أيضاً تتغذى من نهر الراين. وتوجد بها نحو 10 جزر، أهمها جزيرة مايناو ذات الملكية الخاصة، وإن كانت تتبع للضفة الألمانية. وتكتسب مياه البحيرة ألوانها وفقاً لاختلاف العمق، علماً بأن مدى هذا العمق يؤثر في قابلية المياه للتجمد شتاءً. أما من الناحية التاريخية، فتتميز بكونها من أقدم المناطق المسكونة؛ وهو ما يشهد عليه متحف مفتوح يعرض نماذج أعيد بناؤها لأكواخ من القش شيدت بالطريقة نفسها التي شُيدت بها قبل 3 آلاف سنة.
بجانب كونها موقعاً سياحياً يمتاز ببنية سياحية من الدرجة الأولى وجمال طبيعي وآثار ومدن وقلاع وكنائس تاريخية، تحولت جوانب من ضفافها إلى مناطق رياضية موجهة لهواة المغامرات وخوض المخاطر. فالتغيرات الطقسية المفاجئة التي قد تداهمها، بما في ذلك عواصف رعدية صيفية، تجعلها مناسبة لمثل هذه الرياضات. وحتى لا تعرض حياة هؤلاء للخطر، فإن دول البحيرة توفر نظم إنذار حديثة للتنبيه، كما تضيئها بأضواء برتقالية اللون تومض بمعدل 90 ومضة في الدقيقة في حال الرياح الشديدة.

شلالات الراين
من أشهر المواقع على الضفة السويسرية منطقة شلالات نهر الراين «Rehin Fall» أكبر الشلالات الأوروبية. تشكلت في العصر الجليدي الأخير، أي منذ ما يقرب من 17 ألف سنة مضت كما تشير المعلومات المنشورة عنها. تعتبر حالياً مصدر جذب سياحي لا يضاهى، وبخاصة أن رحلات منتظمة تأخذ الراغبين فيها. ما يجعلها مطلب السياح أنهم يقتربون فيها لمسافات تصل حد الصخور التي تشق المياه المنهمرة بقوة تدفق تقرب من 700 متر مكعب في الثانية، وقد تقل تلك القوة شتاءً، لكنها لا تنقطع رغم البرودة. يبلغ عرض الشلالات 150 متراً وارتفاع 23 متراً.
يمكن الوصول لمنطقة الشلالات من مختلف أنحاء البحيرة بكل وسائل المواصلات، كما تزخر بالمطاعم ووسائل الراحة.

مدينة كونستانس
تطل مدينة كونستانس على البحيرة من أقصى جنوب ألمانيا على نقطة تلامس مع الحدود السويسرية غرب ضفاف نهر الراين، وتتميز بكونها أكبر مدن البحيرة وأقدمها؛ إذ يعود تاريخها للعصر الحجري.
على عكس الكثير من المدن الألمانية، نجت كونستانس من التدمير أثناء الحرب العالمية الثانية؛ إذ ظنها الحلفاء مدينة سويسرية. حديثاً، أمست مدينة جامعية تضج بالشباب والحفلات الموسيقية والمهرجانات والمعارض.

مدينة سانت غالن
من مدن الضفة السويسرية القديمة. لم تتخلف عن ركب الحداثة رغم أن كاتدرائيتها تعود لعام 612.
الآن أصبحت موقعاً لأكبر مصانع الأقمشة، التي تعتمد عليها أكبر بيوت الأزياء، مثل «شانيل» و«كريستيان ديور». وللمدينة شهرة واسعة بين السودانيات بسبب ما تنتجه من أقمشة التوب السوداني المميز، سواء موسلين أو حرير أو قطن. هذا، ولا تخلو مدن سويسرية ونمساوية أخرى حول البحيرة من مصانع لمختلف أنواع الأقمشة مثل البرودريه والقطن المطبوع وغيره.

متاحفها
من جانبها الألماني، توجد ولاية بافاريا الثرية بتقاليدها الجرمانية العريقة وطبيعتها الخضراء وغابتها السوداء.
ومن مدنها مدينة فريدريشهافن، التي تتميز بمتاحفها المتعددة، كمتحف دورنير لتاريخ الطائرات، ومتحف Zeppeln للمناطيد والرحلات الجوية منذ القرن الـ18 وحتى عصرنا الحديث. يحتضن المتحف لوحات وأعمالاً فنية من العصور الوسطى حتى الفن الحديث. كما يضم أكبر مجموعة من الطائرات الفضائية في العالم مع غرف تعرض أفلاماً تعتمد على براعة التصوير ثلاثي الأبعاد.
ومن متاحف الأخرى، نذكر متحف «زيبلين» ويتتبع تاريخ المدارس النظامية من 1850 وكيف تغيرت في عام 1900، وما لحقها من تطور في عام 1930.
بريغنز
نمساوياً، يحتفي إقليم فورالبورغ بالبحيرة أيما احتفاء، ولا سيما عاصمته بريغنز. فقد نصبت فوق مياه البحيرة أفخم مسرح عائم، يستضيف كل سنة مهرجان بريغنز الصيفي، الذي انطلقت فعالياته بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. كان ثمرة جهود مثقفين لاستعادة روح السلام وإشاعة فنون الأوبرا والمسرح والموسيقى. الآن أصبح المهرجان عالمياً.
يستمتع أهل بريغنز وسياحها بمنظر جبل «فاندر» المنعكس على مياه البحيرة، كما يطيب لهم الجلوس عصراً حول البحيرة لمشاهدة غروب الشمس في حين لا تتوقف حركة المدينة، وكأن كل يوم هو يوم عيد فيها، بما توفره المطاعم الشعبية البسيطة ذات الجنسيات المختلفة من أطعمة ومشروبات وحلويات.
وسط البحيرة ومن قلب مائها تبرز قطعة يابسة عطرة، تعرف باسم جزيرة مايناو «Mainau»... سبب رائحتها أنها تزدان بأكثر من مليون وردة ونبتة من 400 صنف تنتشر على مرمى البصر، وتتخللها تماثيل ومجسمات تغطيها الزهور. تعود ملكية الجزيرة لأسرة برناديت، وهي فصيل من العائلة السويدية المالكة ممن يقومون على رعايتها والعناية بها بصفتها موقعاً سياحياً يقصده الملايين سنوياً. الجميل هنا، أن التنقل فيها، سهل وسلس بفضل التخطيط الهندسي العالي الذي يربط مدن وقرى البحيرة بالبلدان الثلاثة. فهي تتوفر على مواصلات مائية وطرق برية سريعة وجسور ومطارات. لكن يبقى التنقل بالسيارات الأفضل؛ لما يوفره من حرية، خصوصاً أن العبّارات تنقل السيارات؛ الأمر الذي يوفر الكثير من الوقت، ويسمح بمزيد من الاستمتاع بالبحيرة ومناظرها البانورامية. ولا شك أن تأشيرة الدخول (شينغن) كان لها دور كبير في تسهيل حرية الحركة أوروبياً.
فرغم أن سويسرا ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإنها تدخل ضمن دول «شينغن». أضف إلى ذلك وسائل المواصلات من قطارات سريعة مريحة ودقيقة، وحافلات برية وعبارات مائية منضبطة تأخذك من بحيرة إلى أخرى. هذه البنية التحتية، إضافة إلى الاهتمام السياحي، يجعل المنطقة وجهة سياحية وتجارية وثقافية رائعة. فالسائح هنا لا يحتاج إلى أكثر من هاتف ذكي متصل بالشبكة العنكبوتية لمساعدته على حجز بطاقة سفر ومكان للإقامة، ويعرفه بموعد وسائل النقل وأين يأكل، وأين يتجه، بل وحتى أين يتسوق ويتنزه.

معلومات جانبية

> تكثر حول البحيرة وفي كل ضفة مطاعم وفنادق بمختلف المستويات. ويتضاعف السعر كلما اقترب المرء من واحدة من هذه البحيرات.
وفي حين توفر معظم المطابخ أطعمة البحر بمختلف طرق الطهي بما في ذلك الأسماك المدخنة والسالمون، تتميز كل ضفة بأطعمتها الشعبية. فستجد «الشنتزل» وهو اللحم المدقوق المحمر في النمسا، بينما ستجد الفوندو، وهو «الجبن الذائب» في سويسرا، والسجق في ألمانيا.
> كل من النمسا وألمانيا تعتمد اليورو عملةً موحدةً، في حين تستخدم سويسرا الفرنك السويسري. ورغم قبولها التعامل باليورو داخل سويسرا، فإنك ستحصل على الباقي بالفرنك.
> نظراً لأهميتها، أضافت منظمة «اليونيسكو» خمسة مواقع حول البحيرة لقائمتها الخاصة بالمواقع الأثرية المحمية، نذكر منها قصر وقلعة ماركسز بورغ Marksburg بمدينة براوباخ الألمانية الذي شيد في عام 1117، وجزيرة رايشناو Reichenau حفاظاً على ديرها الذي يعود للقرن العاشر الميلادي ويعتبرونه أثراً ثقافياً ودينياً وفنياً.
كذلك، متحف بحيرة دوليلنق فاهلباوتن Lake Dwelling Museum Pfahlbauten، وهو متحف مفتوح يضم مجموعة أكواخ من القش أعيد تشييدها على أعمدة خشبية ترفعها فوق سطح مياه البحيرة بالطريقة ذاتها التي شيدت بها في العصر البرونزي.


مقالات ذات صلة

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة 3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة،

عادل عبد الرحمن (لندن)
يوميات الشرق تتمتع المدينة بتاريخ عريق يعود إلى أكثر من 2000 عام (غيتي)

ليتشي الإيطالية… «فلورنسا الجنوب» من دون زحام السياح

«أفضل طريقة لاكتشاف ليتشي هي أن تتجول فيها بينما ترفع رأسك إلى الأعلى»... كانت هذه النصيحة الأولى التي تتلقاها بعد وصولك إلى ثاني أكبر مدن إقليم بوليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق دير سيمونوبيترا من أديرة جبل آثوس (ويكيبيديا)

لماذا يُحظر على النساء دخول جبل آثوس المستقل منذ ألف عام؟

يُعد جبل آثوس شبه جزيرة يونانية بحكم ذاتي يمنع دخول النساء منذ ألف عام، حيث يعيش الرهبان بتوقيت بيزنطي خاص مرتبط بغروب الشمس.

كوثر وكيل (لندن)

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.