في الهند... مطاعم ومقاهٍ يديرها عاملون من ذوي الإعاقات

طواقم عملها مختلفة وربما تفوق العادية

بعض العاملين يرتدي قمصاناً كُتب عليها «لغة الإشارة هي لغتي المميزة؟ ما هي لغتك؟»
بعض العاملين يرتدي قمصاناً كُتب عليها «لغة الإشارة هي لغتي المميزة؟ ما هي لغتك؟»
TT

في الهند... مطاعم ومقاهٍ يديرها عاملون من ذوي الإعاقات

بعض العاملين يرتدي قمصاناً كُتب عليها «لغة الإشارة هي لغتي المميزة؟ ما هي لغتك؟»
بعض العاملين يرتدي قمصاناً كُتب عليها «لغة الإشارة هي لغتي المميزة؟ ما هي لغتك؟»

في مطعم «إيكوس» خارج جامعة دلهي، يقف نادل باسماً ليعطي المارة بطاقة مدوّن عليها عبارة «كُلْ، شارك وامتلئ بالطاقة في مقهى يديره طاقم بقدرات مختلفة».
وعلى كل طاولة يوجد عدد من البطاقات التي تحمل عبارات تقول «ماء من فضلك»، «املأ الكأس ثانية»، «الفاتورة». وبإمكان الزائر الإمساك بإحدى تلك البطاقات للحصول على خدمة سريعة. وإذا ما أراد الزائر استدعاء النادل، ما عليه إلا الضغط على زر على الطاولة متصل بعدد من المصابيح المدون على كل منها رقم الطاولة لتدل النادل على طالب الخدمة.
يتميز مطعم «إيكوس» بأن طاقم عمله مختلف عن غيره وفي أسلوب ترحيب العالمين بالزبائن وإيصالهم إلى الطاولة ومعرفة طلبهم بدقة متناهية ربما تفوق المطاعم العادية. فعند دخولك فندق «ليمون تري» بضاحية «غروغرام» بضواحي العاصمة الهندية دلهي، سيقابلك حمّال شاب بصينية تحمل أكواب الماء وعلى وجهه ابتسامة عريضة، وعندما تشكره، سيشير إلى الملاحظة المدونة حول رقبته التي تشير إلى أنه أبكم وأصم.
ولد أرناف غوش عام 1990 بمتلازمة داون وبعدما كبر قليلاً، ألحقه والداه بمدرسة خاصة في دلهي، لكن مستقبله بدا كئيباً بعد وصوله سن البلوغ. وفي لقاء جرى بالمصادفة، فتحت الأبواب أمام غوش للعمل مع طاقم عمل في تنظيف الأرضيات والغرف بفندق «ليمون تري». قالت والدته شاشي موتيلال «لقد بدأت في الكنس والمسح في البيت أيضا لكي أجعل أرناف يشعر بالارتياح تجاه واجباته».
واليوم، أصبح ذلك العمل أكثر من مجرد وظيفة له ولعائلته، فقد عزز من ثقته ومن اعتزازه بنفسه. فهي تشغل يومه في شيء إيجابي ومفيد، ومنحت العائلة شعوراً بأنه إنسان طبيعي.
وأفاد أردهانا لال، نائب الرئيس، بأن فندق «ليمون تري» سيقوم بتوظيف المزيد من الناس من ذوي الاحتياجات الخاصة وسيضاعف من نسبتهم لتتعدى 40 في المائة من إجمالي العاملين بحلول عام 2025. واستطردت، إن «لهذا الإجراء معنى كبيراً بالنسبة لنا. فأي عامل جديد بفندق (ليمون تري) يتعين عليه تعلم لغة الإشارة ليتمكن من التواصل مع الأشخاص من ذوي الإعاقات السمعية، وهي اللغة التي تتطور شهراً بعد آخر».
على المنوال نفسه، يعمل محمد كاشان في صناعة الجعة في صالة «إيتوبيا» بمركز «إنديا هابيتات سنتر» بمدينة دلهي. ويتولى الشاب كاشان الآن تدريب غيره من العمال، لكنه أكثرهم تميزاً على الإطلاق. وإذا بدأت محادثة معه، فإنه يشير إلى التعليمات المدونة على الطاولة لتعرف أنه يعانى من إعاقة سمعية وكلامية.
وقال سانديب كنتورا، عامل بصالة طعام إتوبيا، «لكي تتواصل مع الضيوف، يضع العاملون علامات توضح إعاقاتهم؛ ولذلك يجري التواصل عن طريق الإشارة. ولتسهيل ذلك؛ يحمل العامل أوراقاً وكومبيوتر لوحياً لتدوين أي سؤال، وفي حال طلب المزيد من المساعدة، فإنه يجرى استدعاء عامل قادر على السمع». لا يعيش هؤلاء الشباب في عزلة نظراً لأن الكثير من المطاعم والفنادق والمرافق الخدمية باتت توظف المعاقين على عكس الانطباع السائد بأنهم لن يشعروا بالراحة في مثل هذه الأعمال. في الحقيقة، لقد تخطى التوظيف هذه الفئة من ذوي الإعاقات الكلامية بعد أن عيّنت بعض الأماكن مستخدمي الكراسي المتحركة والأشخاص من ذوى الأطراف المبتورة وغيرهم من أصحاب الإعاقات، حتى في وظائف المكاتب الأمامية. وفي إطار ما يمكن اعتباره مشروعاً صغيراً، فقد وظفت المطاعم شباباً بـ«متلازمة داون» للعمل في المطابخ والمطاعم. على سبيل المثال، يدير 13 بالغاً من ذوي الإعاقات الإدراكية والعقلية، ومنها متلازمة داون، كافيتريا «أربان كيف» في مومباي. يتلقى العمال الطلبات ويصنعون البرغر والقهوة والبيتزا بأنفسهم. تتراوح أعمار العمال ما بين 20 و45، وكانوا يعانون من إعاقات متشابهة قبل الالتقاء للطبخ معاً.
جاء التحول في حياتهم كبيراً، وما ساعدهم على ذلك هو العون الذي يبديه ضيوف المكان. وفي هذا السياق، قالت فاندانا أندفاني وعائلتها، أحد زبائن المكان «لقد أدهشتنا المعاملة الدافئة التي تلقيناها، وسأكون سعيدة لو أنني عدت إلى هنا مرة أخرى للاحتفال بعيد ميلادي الأسبوع المقبل».
في السياق ذاته، قالت أشيتا ماهجان، مديرة «جمعية ياش الخيرية» التي افتتحت كافيتريا «أربان» من أموال التبرعات دعماً لذوي الإعاقات، «أحد الأولاد لم يتكلم من قبل، لكنه أصبح أكثر المجموعة ثرثرةً الآن، وإحدى السيدات لم تعمل من قبل، لكنها الآن تحمل بفخر حقيبة إلى المطبخ كل صباح شأن غيرها من النساء العاملات».
وشأن غيره من المطاعم والكافيتريات التي تقدم خدمات شاملة في الهند، والتي غيرت بالفعل من صورة البلاد، فإن الزائر لمطعم «ميرشاي أند ميمي» الذي يتسع لنحو 80 شخصاً سيلحظ أن العمال الأكْفاء البالغ عددهم 27 شخصاً جميعهم من ذوي الإعاقات السمعية والكلامية الذي يتطلب الحديث معهم الاستعانة بقائمة المصطلحات الموجودة مع كل قائمة طعام. وعلى قميص كل نادل في المطعم ستجد عبارة تقول «لغة الإشارة هي لغتي المميزة؟ ما هي لغتك؟».
يستطيع رواد المطعم ببساطة الإشارة إلى اختيارهم وعدد الأطباق عن طريق قائمة الإشارة الملحقة بقائمة الطعام التي تشمل الكثير غير الطعام، ومنها التوابل والملح وغيرها.
وبعد الانتظار قرابة 15 – 20 دقيقة، تظهر الأطباق على الطاولة إلى جوار قائمة الطعام، وفيما عدا ذلك تسير الأمور في المطعم كغيرها من المطاعم العادية.
وبحسب بارشانت إيسار، أحد شركاء مطعم «ميرشي وميمي»، فإن «الكثيرين منهم لم يعمل بوظيفة طيلة حياته نظراً لأن أبويهم تقبلوا فكرة بقائهما من دون عمل. لكن هناك آخرين يمثلون مصدر الدخل الوحيد لعائلاتهم».
وقال بارشانت إيسار، الشريك في ملكية المطعم، «عليّ أن أعترف بأن مفهوم المطعم مستوحى من فكرة ما. فقد جاءت الفكرة عندما كنت أتناول العشاء بمطعم سينغ بمدينة تورونتو الكندية». أضاف إيسار الذي تعلم لغة الإشارة «طاقم عملنا متفانٍ في عمله أكثر من غيرهم، وعلينا أن نستفيد من ذلك في 21 مطعماً يدار بالطريقة نفسها الصامتة. هناك مطعمان آخران في مومباي، والرابع في بنغلارو واخر في دبي وسنغافورة ولندن، بالإضافة إلى بعض المدن الهندية».
ولدى سؤالها عن خبرتها في العمل بالمطعم، قالت بريانكا سينغ، «نجوم التلفزيون والسينما يقدروننا كثيراً، ويحيوننا على الثقة التي نؤدي بها عملنا ونجلب لهم بها السعادة».
وبحسب تعداد السكان لعام 2011، تضم الهند 268 مليون شخص بإعاقات جسدية، غير أن تقديرات البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية قدرت الرقم بنحو 700 مليون. لكن للأسف، لا تحظى سوى بالتعاطف والشفقة وتعيش على هامش المجتمع.
وقد أقر حكم صدر عن المحكمة العليا بالحقيقة المقلقة، بأن المعاقين لا يزالون عاطلين عن العمل على الرغم من توقيع الهند «اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة». لكن الآن فإن قانوناً جديداً سنّته وزارة العدالة الاجتماعية والتمكين في 19 أبريل (نيسان) 2017، ألزم الدولة بتوفير فرص العمل لتلك الفئة المهمشة.
والآن، فقد تضافرت الكثير من العوامل لتغيير الوضع الراهن بأن أُجبر أصحاب رؤوس الأموال على توسيع نظرتهم للمجتمع وإعلاء القيم الأخلاقية. وبالفعل، بدأت ثمار ذلك المنحى تتجلى في أماكن مثل مطعم «نوكاد تيفي إن رابور» بشرق الهند، الذي يقتصر العمل فيه على الأشخاص ذوي الإعاقات السمعية والكلامية للقيام بأعمال مثل معرفة الطلبات من الزوار وسداد قيم الفاتورة وتقديم الأطباق.
الأغرب من كل ما سبق يتجلى في مطعم «ديالوغ إن ذا دارك»، وتعني «تحدث في الظلام»، بمدينة حيدر آباد، الذي يديره طاقم عمل من المكفوفين لزبائن يتحتم عليهم تناول الطعام معصوبي العينين.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».