مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية

بعد صدور الحكم بإعدامي

الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988
الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية

الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988
الجبالي وعائلته بعد عودته إلى تونس نهاية عام 1988

في هذه الحلقة يعرض رئيس الوزراء التونسي الأسبق حمادي الجبالي الفترة التي اضطر فيها للفرار من تونس تحت ضغط ملاحقة الأجهزة الأمنية. ويقول في هذا السياق {بالنسبة لي كانت هناك مقاربة سياسية ومقاربة أمنية، وهنا أعني أنني عندما غادرت من تونس كنت محكوما بالإعدام، فذهبت إلى إسبانيا حيث طلبت اللجوء. لقد قرّرت الخروج بعدما عرفت أن قوات زين العابدين بن علي الأمنية اقتربت من المكان الذي كنت أختبئ فيه، إذ اعتمدت يومذاك وزارة الداخلية سياسة التضييق ومسح المناطق بشكل تدريجي، وأخذوا يقتربون من الضاحية الشمالية من العاصمة حيث كنت أقيم في منطقة سكرة، وتحديدا في سيدي فرج».
فررت من مكان إقامتي متنكّرا، بهوية أخرى. يومذاك كان سهلا تغيير الجوازات إذ كان لا يحتاج إلا لإبدال الصورة الشخصية بأخرى. بن علي اكتشف الأمر وبحث مع الرئيس الحبيب بورقيبة فيه، ومنذ ذلك الوقت تقرّر الاستعاضة عن الجوازات العادية في تونس بالجوازات الإلكترونية. ويهمّني الإشارة هنا إلى أننا في تلك الفترة لم نكن نتعامل مع أطراف خارجية في هذا الموضوع.
الجهات الأمنية وقتها كانت تتوقع أن نهرب عبر مطار قرطاج الدولي، لكننا خرجنا عن طريق البحر في باخرة {الحبيب}، وسبقني صالح كركر بـ21 ساعة، ثم التحقت به إلى إسبانيا.
ذهبت أولا إلى مدينة مرسيليا الفرنسية، وكان كل همي الخروج من المياه الإقليمية التونسية لأنني كنت أعلم أنه سيكون من الصعوبة بمكان لفرنسا أن تعيدني، فأنا كنت معروفا لدى السلطات الفرنسية، وبالتالي كنت واثقا من أنها لن ترحلني. ثم إننا لم نكن مصنفين لديهم كـ«إرهابيين} بل كنا مجرّد حركة سياسية وكانت لنا لقاءات مع السفراء والإعلام، وسبق أن كانت لي شخصيا لقاءات مع صحف مثل {ليبراسيون} و{لو فيغارو}. وعند وصولي إلى إسبانيا وجدت ترحيبا كبيرا وتقبّلا.. بل ومساعدة لم أكن أتوقعها.
ولدى سؤال الجبالي عن سبب اختياره إسبانيا، بالذات، ملجأ له وليس فرنسا أو بلجيكا أو إيطاليا، أجاب بأنه كان هناك في ذلك الوقت {ما يكفي من الشباب الناشطين في تلك الدول}. وأضاف أن نيته أساسا لم تكن الهروب، بل خدمة الحركة سياسيا وفتح آفاق جديدة لها في إسبانيا.
أمن بن علي مارس أساليب الضغط على عائلتي
وتابع الجبالي قائلا {عندما كنت في حالة التحضير للفرار من تونس إلى إسبانيا عشت مع عائلتي مرحلة في غاية الصعوبة. لقد اقتحموا بيت والدتي، وكانت زوجتي وحيدة في حينه وحاملا في الشهر الثامن. حصل ذلك في شهر سبتمبر (أيلول) 1987، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 ولدت ابنتي سندس».
وعندما صدر علي الحكم بالإعدام كنت أسكن مع زوجتي في فيلا بجانب مدرسة الشرطة بمنطقة صالامبو في ضواحي العاصمة، وكان بيتنا قريبا من بيت وزير الدفاع.
يومذاك جاءت صديقة لزوجتي لمساعدتها، خصوصا أنها حامل، وكان معها زوجها، وكنا ننزل إلى الشاطئ للنزهة ونجلس في المقاهي مع أن حملة التفتيش علي كانت في أوجها.
كنت وقتها أتنقل بين مكانين. فيلا في منطقة سكرة وأخرى في منطقة صالامبو، وعلمت أن زوجتي عندما علمت بصدور حكم الإعدام علي أغمي عليها ولم أكن وقتها معها، لكنني عندما عزمت على التوجه إلى إسبانيا تحدثت إليها وطلبت منها أن تعود إلى مدينتنا سوسة. والحقيقة أن الجهات الأمنية لم تعلم بعودة وحيدة إلى سوسة إلا بعد الانقلاب (وصول بن علي إلى الحكم)، وكانت وقتها على وشك أن تضع ابنتنا الصغرى في مصحة الزياتين بسوسة. ولقد حاول أعوان الأمن اقتحام غرفتها لأخذ أقوالها، لكن الطبيب استنكر ذلك بشدة، ورفض دخولهم وكان صديقا شخصيا لحامد القروي (رئيس الوزراء آنذاك) فاتصل به، وبالفعل تحدث معهم القروي وطلب منهم التراجع.
في الوقت نفسه قبضوا على لطفي، أخو زوجتي، وأوقف لمدة شهرين، وهو الذي لم يكن له أي علاقة بالسياسة. وحقا تأثر كثيرا وخرج بمعنويات سيئة جدا، لأن القبض عليه جرى لمساومتي شخصيا حتى أظهر، ويجري اعتقالي.
عندما علمت بالأمر اتصلت بوزارة الداخلية من إسبانيا وأعلمتهم أنه لا مبرّر لإبقاء صهري قيد الاعتقال لأنني أساسا خارج البلاد، كما أذكر أني قلت لهم {من العيب عليكم أن تمسكوا رهينة}، فأجابني الطرف المسؤول في الوزارة بأنني هارب من عدالة بلادي ومن الأفضل أن أعود وأسلم نفسي، وعندها رددت عليه بما معناه دعك من هذه اللغة، وأوضحت له أنني إنما اتصلت فقط ليكفوا عن إزعاج عائلتي ويتأكّدوا أنني خارج البلاد.
هذا التطور أدى إلى نشري مقالة في صحيفة {لو موند} الفرنسية، أثرت فيها المسألة، وبعد الكشف عن قضيته (لطفي) في فرنسا انتقلت إلى إسبانيا. وهناك رحّب الإسبان بي بحرارة سواء من طرف وزارة الخارجية أو الداخلية، واستقبلتني الكثير من المنظمات، خصوصا الدولية منها، وكان ممثلوها يؤكدون لي في مختلف المناسبات بأنني طرف مرحّب به، ويذكرون عراقة العلاقات بيننا، وفي الحقيقة عدّوني إضافة للبلاد ولست مشكلة، ورأوا أنني - على العكس - سأخدم الحياة السياسية.
هنا أشير إلى أن صورة حركة {النهضة} في إسبانيا كانت صورة حركة سياسية منظمة. وكانت إسبانيا يومذاك تلاحظ أن فرنسا هي الدولة الأوروبية التي يقصدها المعارضون دون غيرها، في حين أنها كانت راغبة في استقطاب الحركات المعارضة واحتضانها بدورها.
في إسبانيا أسكنوني في فندق، ولم يضعوا علي أي حراسة، بل منحوني حرية الحركة في انتظار حصولي على منحة مادية للعيش، وكذلك حق اللجوء السياسي.
ولم تكن الخدمات التي تقدم في إسبانيا لي فقط، بل لعدد كبير من المعارضين السياسيين، وكان الذين يتواصلون معنا من المتطوّعين، خصوصا من منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر. وهنا أذكر منهم، على وجه الخصوص، طبيبا إسبانيا عرّفني عليه نائب رئيس تحرير {إل باييس}، وهي الصحيفة الأوسع انتشارا في إسبانيا، وعرّفني أيضا على مدير الصحيفة وعرضا علي فكرة كتابة عمود في الصحيفة. وفعلا بدأت كتابة مقالات، وكان يُنظر إلي على أنني مناضل. ولكن في أحد الأيام جاءني مدير التحرير غاضبا ومستاءً من عبارة وردت في إحدى خطب آية الله الخميني وقتها، ووردت فيها أن الأندلس {أرض عربية} يجب استرجاعها. وكان رد الفعل في إسبانيا سيئا. لقد جاء ليعرف رأيي في الموضوع وأنا أعربت له عن استيائي، لكنني كنت أعلم أنه ربما كان يرى من الأفضل لو أنني كتبت استنكاري لكلام الخميني. والواقع أن الإسبان كانوا متفهّمين أن {النهضة} التونسية مختلفة عن الحركات الإسلامية الأخرى في بقية العالم العربي والإسلامي، وأن قضيتنا الأساسية هي قضية حريّات.
انتقلت بعد ذلك إلى جنوب إسبانيا للإقامة في مدينة بلنسية (فالنسيا). وقتها اتصل بي الأستاذ حسن الغضبان الذي كان قريبا من الحركة في السبعينات، وأخبرني أن الوزير الأول الهادي البكوش يريد التحدث إلى عبر الهاتف، وفعلا اتصل بي بعدها بوم وعرض علي العودة إلى تونس وطي صفحة الماضي.. فقلت له أنت تعلم أني محكوم بالإعدام والوضع لم يتغير، فليس هناك إلا الكلام والوعود، فما هي الضمانات لي ولغيري؟ قال إنهم مستعدون أن يعطوني كل الضمانات.
قرار العودة إلى تونس
يومذاك أفرج عن الغنوشي وعمل النظام على إعادة كل قيادات الحركة الناشطين في أوروبا، وفي الخارج عموما إلى البلاد. وكان عبد الفتاح مورو في سويسرا واستشارني قبل أن يعود. ومن جهتي، اتصلت بالشيخ راشد (الغنوشي) الذي شجعني حقا على العودة، بل رأيت أنه يشجع الجميع على العودة للتجمع في الداخل، لكنني عندما تشاورت مع جهات خارجية نبهتني إلى أن ما يحصل قد يكون فخّا ينصبه النظام.
أردت كذلك أن أتشاور مع الحكومة الإسبانية. وقابلتني إحدى المسؤولات وسألتني إذا كان وراء قرار عودتي أي تقصير منهم، أو هناك أسباب مادية أو أي نوع من الانزعاج؟ فأجبتها بأن كل الأمور على ما يُرام لكنني أرغب في العودة إلى بلادي لأنه مكاني الطبيعي مهما كلفني الأمر.
عندها سألتني: هل تثقون في الجنرال (بن علي)؟ فأجبت: بصراحة، لا، ونحتاج على الأقل إلى سنة لنرى نياته. فردت بجدية «بصراحة أنا لو كنت مكانك لما غامرت.. لكننا لا نستطيع إجبارك على البقاء هنا. ملف لجوئك السياسي (إلى إسبانيا) سيبقى مفتوحا، عند كل معبر إسباني، برا وبحرا وجوا، وإذا وجدت أي مضايقات في بلادك وقررت العودة».
هذه المسؤولة كانت حينذاك مُكلّفة الملف السياسي للاجئين في إسبانيا، وأعتقد أنها كانت المسؤولة عن العالم العربي في وزارة الخارجية.
أيضا جاءني في الفترة نفسها عرض بالذهاب إلى تركيا، لكن تشجيع الشيخ راشد لي بالرجوع، وأملنا في بداية العمل والبناء حالا دون قبولي العرض، مع أنه لم يغِب عنا الاحتراز.
وعلى الرغم من نصائح الكثير من الأصدقاء بضرورة بقاء أحد القيادات في الخارج لضمان تواصل العمل في الداخل والخارج، لكنني بعد استخارة واستشارة، قررت أن أخوض المغامرة وأن أعود إلى بلادي رغم حكم الإعدام المسلط علي، لأني أعد الوطن هو موقع النضال الأصلي وأن اللجوء والهجرة استثناء.
اتصل بي الوزير الأول (رئيس الحكومة) الهادي البكوش وقتها، بعدها بيوم وكأنه على عجلة من أمره مستفسرا عن ردي النهائي، فقلت له بأنني قررت العودة لكني أريد جواز سفر لزوجتي وبناتي في الداخل ليتمكن من الالتحاق بي في العطلة الصيفية، ثم سأعود بعدها.
سألني البكوش: هل هذا امتحان؟، أجبته: افهم الأمر كما شئت فإعادة الثقة تحتاج إلى وقت ودليل.
وفعلا تسلمت أنا من السفارة التونسية في مدريد جواز سفري، وعائلتي تسلمت جوازاتها في تونس خلال 24 ساعة وهو وقت قياسي لم نتعوده في مثل هذه المعاملات.
وكما كان مبرمجا عدت وعائلتي إلى تونس أواخر صيف 1988.
في مطار تونس قرطاج مرت الأمور بشكل عادي، وقد توقعت أن تحجز سلطات المطار جوازي لكنهم لم يفعلوا.. وكان عدد كبير من أبناء الحركة ومن عائلتي في انتظاري، وكذلك وجوه مريبة من البوليس السياسي خلتها انقرضت!
غادرت المطار في اتجاه المرسى (الضاحية الشمالية للعاصمة)، حيث يسكن أخي صلاح، لأخذ قسط من الراحة في انتظار الالتحاق بسوسة مقر إقامتي.
في طريق العودة من المطار نبهني أخي بأن سيارة {غريبة} تتبعنا منذ مغادرتنا المطار، التفت فإذا بذكريات الماضي البعيد والقريب تعاودني.. إنها المتابعة البوليسية التي كانت تضيق علي أنفاس حريتي..وفي لحظة كانت بين التأمل والندم.. استفقت على حقيقة ثابتة أن لا أمل في انقلابي (بن علي).. ثم رنت في أذني كلمات المسؤولة الإسبانية وهي تقنعني بالبقاء عندهم، ربما لخوف علي أكثر من نفسي، أو لخبرة طويلة مع الديكتاتورية والفاشية الإسبانية قبل انتصار الديمقراطية.
ومع وصولي لمنزل أخي، احتلت السيارة التي كانت تلاحقنا موقعا ملاصقا للبيت للمراقبة، توجهت نحوهم وسألتهم: تفضلوا لماذا تتبعونني؟ أجابوا: من أجل حمايتك سي حمادي. قلت لهم: ممن، من نفسي أم منكم؟ صمتوا ثم نطق زعيمهم: إنها تعليمات.
بعد ساعات عدت إلى بيتي في سوسة، ومعي تلك السيارة التي تتبعني، هي نفس السيارة التي لم تغادرني ليل نهار إلى أن زج بي بن علي في الركن الأخير من الفخ.. إلى السجن في رحلة دامت 16 سنة.
الهدنة بين بن علي وقيادة الاتجاه الإسلامي ما بين 1987 و1989
> كشفت تصريحات الهادي البكّوش، الصديق القديم لزين العابدين بن علي ورئيس أول حكومة بعد الإطاحة بالرئيس الحبيب بورقيبة يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، أن بن علي كان يعتزم تنفيذ {خطة الإطاحة ببورقيبة} فجر يوم الأحد 8 نوفمبر، لكنه استبقها بيوم واحد بعدما اكتشف أن عسكريين وأمنيين من {الجناح السري} لقيادة {حركة الاتجاه الإسلامي} كانوا يُعدّون لانقلاب ضد بورقيبة في اليوم نفسه. وأن مخطّطهم كان يتضمن محاكمة بورقيبة وغالبية كبار المسؤولين في الحكومة، وبينهم بن علي، ثم إعدامهم بعد الإفراج عن آلاف السجناء المعارضين، وغالبيتهم من الإسلاميين، ثم إصدار عفو عام يعود بموجبه رفاقهم من المنافي.
هذه الرواية، أكدتها تصريحات رشيد صفر، رئيس الحكومة عامي 1986 و1987 وعدد آخر من وزراء بورقيبة. كذلك دعمتها تصريحات قياديين بارزين من التيار الإسلامي بينهم الدكتور المنصف بن سالم، وزير التعليم العالي في حكومة حزب النهضة ما بين ديسمبر (كانون الأول) 2011 ويناير (كانون الثاني) 2014. وكان بن سالم من أبرز القياديين الذين اعتقلهم بن علي بعد الإطاحة ببورقيبة ضمن ما سمي بـ{المجموعة الأمنية} التي كلّفت بالانقلاب على بورقيبة، في خطوة فسّرتها عناصر هذه المجموعة (أو {الجناح العسكري}) بالرد على {القمع الشرس} الذي تعرّض له آلاف من نشطاء حزب حركة الاتجاه الإسلامي المحظور، وعلى الأحكام القاسية التي صدرت ضدهم وبينها أحكام بالإعدام والسجن المؤبد.
وتكشف وثائق استنطاق قيادة {المجموعة الأمنية} أن مخططها كان بالتنسيق مع القيادة السياسية المعتقلة بزعامة راشد الغنوشي، ورئاسة الحركة التي فرّت إلى أوروبا بقيادة صالح كركر. وكان من بين فصول هذه المحاولة الانقلابية تنظيم {مظاهرات شعبية شاملة} للترحيب بنجاح {الثورة على بورقيبة}، مع التعهد بتنظيم انتخابات ديمقراطية، وتشكيل {قيادة جديدة لإنقاذ البلاد} يرأسها رئيس جمهورية مدني هو الوزير السابق أحمد المستيري، زعيم المعارضة العلمانية.
بيد أن نجاح خطة بن علي قبل يوم واحد من موعد تحرك {المجموعة الأمنية} الإسلامية دفع قيادات الحركة في المَهجر إلى إصدار قرار بوقف تنفيذها ودعم النظام الجديد. وعلى الرغم من مواصلة بن علي توقيف عدد من الإسلاميين الفارين، فإنه أصدر يوم إطاحته ببورقيبة قرارا بإلغاء جلسة محكمة أمن الدولة، التي كانت قررها بورقيبة ليوم 9 نوفمبر 1987 بهدف تشديد الأحكام ضد الغنوشي ورفاقه في اتجاه الإعدام.
كان بن علي والمقرّبون منه، وبينهم رفيقه العسكري رئيس مؤسسة الحرس الوطني الجنرال الحبيب عمّار، قد فسّروا توقيت الإطاحة ببورقيبة - الذي أنهكه المرض والشيخوخة - ببروز خلاف بينه وبين رئيس حكومته ووزير داخليته القوي بن علي بسبب إصرار بورقيبة على إعدام قياديين بارزين من {الاتجاه الإسلامي}، بينهم الغنوشي وعلي العريّض (الذي ترأس الحكومة في بعد الجبالي) ومسؤولو {أعمال العنف} ضد مؤسسات الدولة والحزب الحاكم.
لكن بن علي الذي وظّف على امتداد سنوات الصراع الدائر بين بورقيبة وقيادات الإسلاميين للارتقاء في المسؤوليات - من مجرّد مدير عام للأمن إلى وزير قوي للداخلية ثم رئيس للحكومة - ما كان يريد أن يفقد القدرة على التحكم بذلك الصراع عبر تنفيذ أحكام الإعدام التي كان يمكن أن تتسبّب في انفلات الأمور من يديه، وهو يخوض معارك أخرى مع بعض {الصقور في الدولة} من أجل وراثة بورقيبة في قصر قرطاج الرئاسي.
في تلك الحقبة استفحلت الصراعات على خلافة بورقيبة بين جناح يتحلّق حول بن علي، وأجنحة أخرى في القصر بزعامة ساسة من مدينة المنستير السياحية الساحلية - مسقط رأس بورقيبة - مثل ابنة أخت الرئيس سعيدة ساسي والوزراء محمد الصيّاح ومنصور السخيري والهادي مبروك.
وبمجرد استقرار الأوضاع لمصلحة بن علي دخل في مفاوضات مع الغنوشي في سجنه ثم أفرج عنه، وتابع معه مفاوضات غير مباشرة أسفرت عن خطة لإعادة القيادات الموجودة في المنفى بزعامة مورو والجبالي ومحمد الهاشمي الحامدي، ومن ثم الإفراج عبر مراحل عن آلاف السجناء، وبينهم قادة {المجموعة الأمنية} من مدنيين وعسكريين. كذلك بادر إلى إشراكهم في المحادثات السياسية الرسمية وشبه الرسمية، واستقبل الغنوشي في قصر قرطاج في نوفمبر 1988 بمناسبة الذكرى الأولى لتسلّمه الحكم.
أيضا شاركت الحركة في التوقيع على الميثاق الوطني بزعامة القيادي البارز فيها المحامي نور الدين البحيري (وزير العدل في حكومة ما بعد الثور). كما مُكِّنت من تقديم مطلب حزب قانوني جديد بعد تغيير اسمها إلى {حركة النهضة} في فبراير (شباط) 1989. ثم من المشاركة في ظروف عادية - عبر {قوائم مستقلة} في الانتخابات البرلمانية العامة التي نظمت في الثاني من أبريل (نيسان) 1989 بالتزامن مع انتخابات رئاسية.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.