قرارات ترمب التجارية تُفقد «داو جونز» مكاسبه

لو اكتفى بالتخفيضات الضريبية لكانت الأسواق أكثر ارتفاعاً

جانب من بورصة نيويورك (أ.ب)
جانب من بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

قرارات ترمب التجارية تُفقد «داو جونز» مكاسبه

جانب من بورصة نيويورك (أ.ب)
جانب من بورصة نيويورك (أ.ب)

تحولت التنبؤات الهادئة في سوق الأسهم لعام 2017 إلى الاضطرابات التي ميّزت النصف الأول من عام 2018، مع حالة الإحباط التي خيَّمت على المستثمرين إثر دق طبول الحرب التجارية التي اندلعت بين الولايات المتحدة والصين.
ولقد فقد مؤشر «داو جونز» الصناعي –دائم التباهي– مكاسبه المحققة في الشهور الأولى من عام 2018، وبات قريباً من منطقة التصحيح بنسبة 10% مقارنةً مع الارتفاع المسجل في 26 يناير (كانون الثاني) من العام ذاته.
وربما يعتبر البعض أن ذلك الانسحاب فرصة سانحة للشراء، ولا سيما مع اعتبار أن الاقتصاد في حالة قوية نسبياً. إذ يحوم الناتج المحلي الإجمالي مقترباً من ذروة 20 تريليون دولار حالياً. فما الذي ينبغي على المستثمر فعله؟ مواكبة المسار، ملازمة الخطة، النظر إلى مكاسب المدى البعيد.
غير أن المخاطر الكبرى تكمن في التغريدات الرئاسية الأميركية، وبيانات البيت الأبيض المفاجئة، وتسريبات السياسات اللاهثة للربع الثاني المتقلب من العام الجاري.
وارتفعت المؤشرات الرئيسية يوم الجمعة الأخير من شهر يونيو (حزيران)، وحققت مكاسب طفيفة مع إغلاق الربع الحالي. وحقق مؤشر «داو جونز» في نهاية أسبوع التداول المضطرب وارتفع بمقدار 55 نقطة عند إغلاق الجمعة.
واستقر مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ومؤشر «ناسداك للصناعات الثقيلة» عند نقاط إيجابية في تداول الجمعة قبل الماضية، مع إغلاق مؤشر «ناسداك» على أكثر من 6 نقاط مئوية في الربع الثاني.
وألقى أغلب مراقبي الأسواق باللوم في تلك التقلبات على الرئيس دونالد ترمب مباشرة، والذي يصعّد من وتيرة التهديدات الجمركية بصفة شبه يومية.
يقول إد يارديني من مؤسسة «يارديني» البحثية: «إنه السبب في كل شيء. لقد عززت التخفيضات الضريبية من الأرباح بشكل كبير. ولكن من ناحية أخرى، فإن سياساته الحمائية من التهديدات المحتملة لاقتصاد البلاد».
- مشاعر قلق لدى المستثمرين
وعلى الرغم من الأجواء الصافية نسبياً، فإن هناك العديد من التهديدات الاقتصادية الأخرى التي تغذّي مشاعر القلق العارمة لدى المستثمرين. ويأتي على رأس المباحثات التجارية أسعار النفط الحالية التي بلغت أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات، والدولار الأميركي الذي يزداد قوة، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الذي ينذر بزيادة متوقعة في أسعار الفائدة، مع التباطؤ الاقتصادي الأوروبي الملحوظ.
حتى إن الهالة التي تخيّم على أسهم التكنولوجيا باتت مهتزة للغاية خلال الأسبوع الأخير من يونيو، مع اتجاه مؤشر «ناسداك» صوب أحد أسوأ أسابيع التداول خلال الربع الحالي. وبالإضافة إلى الفوضى الوطنية المتعلقة بالمقعد الشاغر بين كبار قضاة المحكمة العليا الأميركية، فضلاً عن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقبلة، فلن تستطيع العثور على مستثمر هادئ بعد الآن.
وتداوُل الأسواق في نهاية يونيو من أبلغ الأمثلة على ذلك، إذ ارتفع مؤشر «داو جونز» بمقدار 441 نقطة إثر الرسائل والإشارات المختلطة المنبعثة من قلب البيت الأبيض مؤخراً.
وصرح بيتر نافارو المستشار التجاري للرئيس دونالد ترمب، لشبكة «سي إن بي سي» الإخبارية يوم الاثنين في نهاية يونيو، قائلاً: «ليست هناك خطط تتعلق بفرض القيود على الاستثمار على أي دولة تتداخل بأي شكل من الأشكال مع بلادنا». وعقّب وزير التجارة الأميركي ستيفن منوشين، بتصريح جاء فيه أن الإدارة الأميركية تسعى للحصول على الانتصاف التشريعي من خلال لجنة الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة، بدلاً من الأساليب المباشرة للغاية الرامية إلى الحد من سرقة التكنولوجيا الأميركية الحيوية عن طريق البلدان المنافسة (وهو ما يعني الصين في هذه الحالة).
وصرح وزير التجارة الأميركي، لشبكة (سي إن بي سي)، رداً على سؤال من المذيع المشارك في الحوار أندرو روس سوركين بشأن التناقضات: «إن كانت هناك رسائل وإشارات مختلطة، أقول مرة أخرى، فهذا من دواعي الأسف الشديد». وسجل مؤشر «داو جونز» استجابة إيجابية لتصريحات السيد منوشين أول الأمر، حيث سجل 285 نقطة ارتفاعاً.
لكن بحلول نهاية ذلك اليوم، كان المؤشر القياسي قد توقف عن كل ذلك وربما المزيد، إذ أغلق على 165 نقطة في المنطقة الحمراء.
وقال مايكل فار، مدير الاستثمار من واشنطن: «لا أعتقد أن هناك أحداً يعرف مدى جدية الرئيس ترمب من عدمها بشأن التجارة. ولقد سمعت أحدهم يقول إن أكثر الناس يتجمدون في أماكنهم عند إطلاق النار على أقدامهم. ويبدو أن الرئيس يريد إعادة تذخير أسلحته».
ويظل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» طافياً على سطح الأحداث عند نقطتين مئويتين تقريباً خلال العام الحالي حتى الجمعة الأخيرة من شهر يونيو، غير أنه سجل هبوطاً بواقع 5 نقاط مئوية منذ 26 يناير الماضي. وكانت أكثر القطاعات تضرراً هي قطاعات الصناعات والمواد، والتي سوف تشهد المزيد من الخسائر بسبب الحرب الجمركية القائمة. وانخفض قطاع الصناعات بنسبة 3.6% خلال يونيو الماضي وسجل مزيداً من الهبوط بواقع 5.8 نقطة مئوية على أساس سنوي حتى إغلاق تداول الخميس الأخير من يونيو.
- أوجاع الصينيين
كما يشعر الصينيون بالأوجاع كذلك، إذ سجل مؤشر «شنغهاي» القياسي هبوطاً بمقدار 0.9 نقطة مئوية وصولاً إلى مستوى 2.786.90 يوم الخميس الأخير من يونيو، وهو أدنى مستوى يبلغه المؤشر الصيني خلال أكثر من عامين متتاليين.
ويملك الرئيس ما يكفي من الأموال في المصارف قيد تصرفه إذا ما أراد مواصلة مضايقة الصينيين في شأن التجارة. ولقد ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 26.96% منذ الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2016، ولقد سجل هذا الرقم ارتفاعاً بواقع 31.18% إنُ أضيفت إليه أرباح الأسهم المالية.
يقول المحللون إن الرئيس الأميركي يهتم للغاية بشأن دفع أسواق الأسهم للانفجار، ولا سيما مع اقتراب موسم انتخابات التجديد النصفي للكونغرس خلال 4 أشهر على الأكثر.
ويقول جون لينش خبير استراتيجيات الاستثمار لدى «إل بي إل فاينانشيال» في تقرير بعنوان «قواعد الاضطرابات التجارية»: «للرئيس ترمب سجل حافل في بدء المفاوضات من موقف متطرف ثم التحرك نحو الحلول الوسط. ونحن نتوقع تسوية الأمور مع الصين بشأن التجارة، مع القليل من الأضرار الاقتصادية الطفيفة في الولايات المتحدة وفي الخارج».
وظل الحديث عن التعريفات الجمركية يختمر عبر شهور، بيد أن التهديدات تصاعدت فجأة في أعقاب مغادرة الرئيس ترمب قمة مجموعة السبع في مدينة كيبيك الكندية أوائل يونيو الماضي. ولقد غادر الأراضي الكندية رافضاً التوقيع على البيان المشترك الصادر عن القمة، ثم تبع ذلك بالإشارة إلى رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بأنه «مخادع وضعيف للغاية».
- توسيع رقعة الصراع التجاري
وفي 14 يونيو، عمد الرئيس ترمب إلى توسيع رقعة الصراع التجاري بإعلانه أنه سوف يفرض تعريفة جمركية جديدة بنسبة 25% على المنتجات الصينية البالغة قيمتها 50 مليار دولار. وجاء رد الفعل الصيني مماثلاً، الأمر الذي أسفر عن مزيد من انخفاض الأسواق.
وتفاقمت الأمور إثر موجة الـ200 مليار دولار الموجهة ضد الصين، والتي استتبعت فرض التعريفات الانتقامية من جانب الهند، مع تحذير بشأن الأرباح صادر عن شركات صناعة السيارات الأوروبية، ودعوة من الرئيس ترمب إلى فرض تعريفة بنسبة 20% على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبي.
ثم ظهرت تقارير إخبارية تفيد برغبة الرئيس ترمب في حظر الاستثمارات الصينية في التكنولوجيا الأميركية باعتبارها وسيلة من وسائل حماية التقدم الأميركي في هذا المجال. وجاء تقرير آخر على موقع «أكسيوس» يقول إن الرئيس ترمب يريد الانسحاب من منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي قد يحقق الفوضى العارمة في النظام التجاري العالمي. ووصف وزير التجارة الأميركي ذلك التقرير بأنه «مبالغة كبيرة».
وبدأ المستثمرون في التفاعل حتى مع مساعي فريق ترمب الاقتصادي، في محاولة لتهدئة المخاوف وتلطيف الأجواء.
وقال مايكل فار، مدير الاستثمار من واشنطن: «بقدر ما تريد الحكومة توصيف الوضع الراهن بالخلاف التجاري نجد (وول ستريت) يواصلون التشديد على أنها حرب تجارية ضروس».
وبدا قطاع التكنولوجيا –مع الشركات العملاقة الصامدة: فيسبوك، وأمازون، وآبل، ونتفليكس، وألفابيت (المؤسسة الأم لشركة «غوغل»)- هشاً على الرغم من ارتفاعه المسجل بأكثر من 500% منذ انخفاض الأسواق الأخير في 9 مارس (آذار) لعام 2009، (يملك جيف بيزوس، صاحب موقع «أمازون»، جريدة «واشنطن بوست» حالياً).
وكانت الأحاديث الدائرة خلال الأسابيع الماضية بشأن الاضطرابات والبيع ترجع إلى مجموعة من الأسباب، بما في ذلك سحب المستثمرين للأرباح الفصلية، والضعف النموذجي لموسم التداول الحالي مع اقتراب فصل الصيف.
يقول واين ويكر، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «آي سي إم إيه ريتايرمنت»: «في حين يواصل الرئيس ترمب مباحثاته بشأن التعريفات الجمركية والتي تسبب مزيداً من الانخفاض في أسواق الأسهم، لا ينبغي على المستثمرين الاستغراب الشديد في أن تشهد الأسواق بعض الضعف الراهن، بالنظر إلى الاعتبارات الموسمية الحالية. فهذا هو عام الانتخابات، الأمر الذي يضيف المزيد من التحديات على كاهل الأسواق. ومن الناحية التاريخية، فإن الربع الأخير يوفر قدراً من الارتفاع الخفيف الذي يضعه المستثمرون دوماً في الاعتبار».
وقال جيمي كوكس من مجموعة «هاريس» المالية، إن الأسواق شرعت في البيع بسبب أن بعض الشركات كانت تحذر من أن التعريفات الجمركية سوف تُلحق الأضرار بالأرباح الفصلية المستحقة في يوليو (تموز) الجاري.
وأضاف السيد كوكس: «إن كانت الأرباح أقل من توقعات الناس فسوف تشهد الأسواق إعادةً لتسعير الأسهم». الأمر الذي ينبئ بتفاقم الأوضاع أكثر مما هي عليه قبل أن تشهد بعض التحسن. ومهما يحدث، فعلينا أن ننتظر المزيد من التقلبات في الفترة المقبلة. واختتم السيد إد يارديني حديثه قائلاً: «إذا كان الرئيس ترمب اكتفى بالتخفيضات الضريبية واستمر في مشاهدة قناة (فوكس) الإخبارية حتى نهاية انتخابات التجديد النصفي المقبلة لكانت الأسواق أكثر ارتفاعاً مما هي عليه اليوم».
- خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ «الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى قاعدة «أندروز» الجوية المشتركة في العاصمة واشنطن 11 أبريل 2026 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أول اتصال بين ترمب وعون

أعلنت رئاسة الجمهورية اللبنانية، اليوم الخميس، أن اتصالاً هاتفياً جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ أناس متأثرون بالفيضانات يتلقون مساعدات في قندهار بأفغانستان (إ.ب.أ)

«أميركا أولاً» تفضل العلاقات التجارية على سياسة المساعدات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعم دول العالم لإعلان يدعو إلى تبنّي مبدأ «التجارة بدلاً من المساعدات»، خدمة لمبدأ «أميركا أولاً».

علي بردى (واشنطن)
أميركا اللاتينية رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)

رئيس البرازيل منتقداً تهديدات ترمب: على القادة كسب الاحترام

وجّه رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي، اليوم، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب.

«الشرق الأوسط» (مدريد )
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.