جاسم الصحيّح: ما زلت أسعى إلى «الانحراف عن الأسلاف» وليس إلى إكمالهم

الشاعر الفائز بجائزة «عكاظ» يقول إن هناك قسطاً من التجريب في شعره

جاسم الصحيح
جاسم الصحيح
TT

جاسم الصحيّح: ما زلت أسعى إلى «الانحراف عن الأسلاف» وليس إلى إكمالهم

جاسم الصحيح
جاسم الصحيح

يتوج بعد غدٍ (الأربعاء) الشاعر السعودي جاسم محمد الصحيّح بجائزة سوق «عكاظ» الدولية للشعر العربي الفصيح خلال الدورة الـ12 لعام 2018.
والشعار الصحيّح هو ابن المدينة التي كتب عنها غازي القصيبي قبل سنوات: «الأحساء تطلق صاروخاً شعرياً»، في عبارة اختارها ليعلن من خلالها «ولادة شاعر عابر لحدود المكان... شاعر (استثنائي) يشق طريقه نحو القمة».
وبمناسبة فوزه بهذه الجائزة، التقينا الشاعر جاسم الصحيّح في الأحساء حيث يقيم، وساهم في جانب من الحوار شعراء الأحساء: جاسم عساكر وعبد اللطيف المبارك وناجي حرابة.
> جاسم الصحيّح معروفٌ في المشهد الثقافي بأنه شاعر كلاسيكي قادمٌ من التراث، ما علاقتك بالتراث؟
- التراث بالنسبة لي يمثل فضاءً معرفياً مهماً جداً، يجب دائماً استقراؤه واستقصاؤه والعودة إليه، لكن لسنا مجبرين أن نعتمد طرائقَ تعبيره الشعرية. إننا بمقدار ما يجب أن ننصهر في الماضي عبر معرفته، يجب أن نكون ذاتنا في لحظة الكتابة وممارسة الحياة. الماضي طاولة نتكئ عليها حينما نريد أن نكتب المستقبل بقلم الحاضرِ وأوراقه.
شخصياً، أسعى دائماً إلى الانحراف عن الأسلاف، وليس إلى إكمالهم. بمعنى أنني أؤمن بالمغامرة فيما لم يغامروا همْ في مجاهيله خلال بحثهم عن الجمال، وهذا بالضبط ما قصده الشاعر الأميركي الشهير روبرت فروست حينما قال:
«هناك طريقان يتفرعان في الغابة، وأنا اخترتُ الطريقَ الأقل اختياراً»...
الخلاصة، أنني رغم اعتمادي للقالب الكلاسيكي في الكتابة، إلا أن هناك قسطاً من التجريب في عملي الشعري، حيث إن الشعر هو فن التطلع وليس فن التذكر، والشاعر إذْ يعود للماضي، فإنه يحاول معرفته كي يتجاوزه لا لكي يكرره. فإذا كان المثل العربي القديم يقول «من شابه أباه فما ظلم»، فإن الحقيقة الشعرية تقول «من شابه أباه في الشعر فقد ظلم»، وهذه ليست دعوة لقتل الأب، لكنها دعوة إلى تجاوزه.
> بعد ثلاثين عاماً ونيف من علاقتك مع الكتابة، هل يختلف إحساسك الآن عما كان عليه في السابق عندما تمسك القلم لكتابة قصيدة جديدة؟
- لا شك أنه يختلف اختلافاً كبيراً، وقد عبّرت عن ذلك في بعض اللقاءات حيث أكدت أن علاقتي بالكلمات كانت في السابق تشبه علاقة الطفل بالألعاب والدمى، لكنني كلما كسرت لعبة لاكتشاف أسرارها، فوجئت بالأسرار الكامنة في محركاتها الداخلية؛ الأمر الذي دفعني إلى التعامل مع المفردات بحذرٍ شديد إلى درجة أنني أصبحت الآن أتعامل معها بوصفها قنابل موقوتة وألغاماً مفخخة جاهزة للانفجار في أي لحظة.
إلا أن كل ما تقدم يفضي إلى أنني حاولت قدر الإمكان أن تكون لي حساسية شعرية خاصة في استخدام اللغة، نتج منها أسلوبٌ خاص في التعبير المعبأ بالإيحاء عن مكنونات تجربتي الذاتية.
> في ديوانك الجديد «قريبٌ من البحر... بعيدٌ عن الزرقة» تقول: «نَسَبَتْنِي إلى (اليسار) طباعي وإنِ اختارَني الطريقُ المُيَامِنْ - شاعرٌ كلما توهجتُ شعراً غزلياً أحرقتُ لحية كاهنْ»... ماذا تقصد بهذا النسب إلى (اليسار) الذي نمته إليك طباعك كما تقول؟
- الشعر يمثل صرخة احتجاج ضد القبح والاستعباد في الحياة. ولا أبالغ إذا قلت إن الشعر يولد «معارضاً يسارياً» إن صح التعبير... لكنْ بالمعنى الإنساني وليس الآيديولوجي، والشعراء يوجهونه كما يريدون لاحقاً. هو صرخة احتجاج ضد أي شكلٍ من أشكال التسلط، سواء كان اجتماعياً أم سياسياً أم دينياً أم تاريخياً، وغيرها من أشكال التسلط.
الشعر هو محاولتنا الدائمة لاختطاف حريتنا من براثن العالم. بمقدار ما تشعر بحريتك أيها الإنسان حينما تقف أمام العالم، أنت شاعر. الحب والشعر والحرية توائم سيامية لا يمكن فصل الواحد عن الآخر. لكن وراء هذا السعي نحو الحرية تقبع مكابدات الشاعر... كما تتجلى فرادته عن الآخرين.
> بناءً على تجربتك مع القصيدة ومعرفتك بمعاناة الكتابة، نرجو أن تحدثنا عن معاناة الشاعر مع كتابة قصيدته؟
- هذا سؤال كبير جداً؛ أعتقد أن جميع الشعراء منذ العصر القديم تحدثوا عن معاناتهم مع الكتابة، وقد وردت هذه المعاناة في أشعارهم.
ولعل أهم من عبر عن هذا المعنى هو الشاعر سُويد بن كُراع، القائل:
أبيتُ بأبواب القوافي كأنما
أُصادي بها سرباً من الوحش نُزعا
إذا خِفتُ أن تُروَى علي رددتُها
وراء التراقي خشية أن تَطَلعا
هكذا يستشعر الشاعر القصيدة داخل نفسه قبل خروجها إلى الورق، فهو إذا خاف أن تكون القصيدة ضعيفة، ردها وراء التراقي ولم يسمح لها بالخروج.
فالشعر استجابة جمالية لوخزة داخل النفس قد تكون وخزة ألم أو وخزة شغف، أو أي وخزة من وخزات العاطفة. لذلك؛ قال الشاعر الكبير راينر ماريا ريلكه، صاحب «رسالة إلى شاعر شاب» (letters to young poet): «لا تكتب الشعر إلا حينما تشعر بأنك ستموت إذا لم تكتب».
إذنْ، فالكتابة الشعرية لدى ريلكه تجاوزت كونها مواجهة سرب من الوحوش، وأصبحت تمثل المعادل المعنوي للحياة في مجابهة الموت.
> كيف نستطيع أن نمد جسراً يربط بين آيديولوجية جاسم الصحيّح ببساطته في مجتمعه المتدين، وبين جاسم الصحيّح المنفلت في بعض أفكاره وشطحاته على الصعيد الإبداعي، كما يراه البعض... ألا يعد ذلك نفاقاً اجتماعياً؟
- النفاق؛ عموم النفاق تحكمه حالة من التستر، وأنت تقول إنني منفلت في بعض أفكاري وشطحاتي، أي أنني لا أتستر وإنما أصرح بما أراه دون مواربة. لا أرى تناقضاً بين حضوري الاجتماعي المتصالح مع الناس، وبين حضوري الشاطح على الورقة. نصي هو المربع الوحيد الذي تستدرجني إليه الفكرة لأخوض فيه معاركي لاستعادة ذاتي السبية من قبضة حاضرها وماضيها، أو بكلامٍ أدق، ليخوضها الشعر والفكر والحبرُ نيابة عني. أعترف بأنني لست مهيأً بطبيعتي للتمرد على بعض المألوفات والمسلمات ما دمت أقيم خارج مربع النص، لكن عندما ألج إلى داخل هذا المربع تولد داخلي شجاعة مفرطة حد التهور في بعض الأحيان، وربما كان السبب هو أن حيثية الرغبة في الكتابة لها «هرمون» خاص ينسرب في مساماتي بمجرد أن أقف على أعتاب النصوص، وربما كان الإيمان بمسؤولية الكتابة هو الذي يدفعني للمواجهة، لكن بأسلوبٍ جمالي يروض شراسة النزال.
> ليس على الشاعر أن يكون منظّراً أو فيلسوفاً؛ لأن الشعر في حقيقته هو خليط من العقل والروح، فهل توظيف الشعر والدفع به تجاه القضايا الآنية يُفقده معناه؟
- الشعر ليس ملتزماً بهدف اجتماعي أو منظومة أفكار آيديولوجية، وليس مُستَكتَباً في وظيفة دينية أو دنيوية. يقول الدكتور السريحي «بمقدار ما يخدم الشعر قضية ما، بمقدار ما يخسر من شعريته». ويعبر أدونيس عن الشعر فيقول «لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع». إن القضايا الدينية والسياسية والاجتماعي تتطلب إيصالاً مباشراً لها بالطرُقِ التقليدية، وهذا ما يتنافى مع جوهر الشعر.
لكن الشعر - في الوقت ذاته - ليس حيادياً في رؤيته للحياة ونظرته للعالم من حوله. إن الشعر كائنٌ متأمل له رسالته الجمالية، كما أن له وسيتله التعبيرية الإيحائية عن هذه الرسالة التي تقوم دائماً على هدم الحياة المعلبة الجاهزة وإعادة بنائها مجازياً على شكلٍ أجمل.
> بنى محمود درويش تجربته الشعرية في مجموعاته الأخيرة على فكرة «الديوان المشروع»، كـ«حالة حصار، وجدارية»، بحيث يعالج الديوان فكرة واحدة، فهل سيخطو جاسم الصحيّح هذه الخطوة؟ وهل سنرى صورة مختلفة لأسلوبك الشعري؟
- القصيدة ثاكلٌ وليست ندابة؛ حيث الندابة ذاتُ طلاوة لفظية على هياكل عظمية فارغة من أي عاطفة. أما الثاكل فإن حزنها ينبع من أعماقها وعواطفها. والقصيدة مثكولة ومفجوعة في الإنسانية كلها، وفي كل شيءٍ حقيقي وجميل على هذه الأرض. بناءً على ذلك؛ فإن الكتابة الشعرية ليست كتابة قصدية يمكن التخطيط لها على أن تكون طويلة أو قصيرة، خصوصاً إذا ما تحدثنا عن كتابة القصيدة الشعرية الحديثة التي تتجه ناحية الومضة. رغم ذلك، تبقى كتابة القصيدة الطويلة ممكنة، إلا أنها تحتاج إلى جَلَد شعري كافٍ ولياقة إبداعية كي تسمو على احتمالية سقوطها في السائد والمتكرر والمبتذل.
> هل القصيدة هي حالة خلاص من صراع عنيف يعيشه الشاعر، أم هي شيء آخر؟
- أعتقد أنه فريدريك نيشه الذي دعانا إلى أن نسمو بأمراضنا إلى مستوى الأفكار. وربما كانت القصيدة أعظم من مجرد هذا السمو... ربما كانت ردة فعلنا الإنسانية باتجاه الموت، ومقاومته الأبدية باللغة العالية كما يتجلى ذلك في ملحمة جلجامش السومرية.
> هل يُتَوَقع من الشاعر المتميز أن يشهد قفزات مستمرة في منجزه الشعري؟ وما مدى التطور الممكن الذي يحدث للموهبة الشعرية؟
- نحن نؤمن بأن الجمال ليس له حدود، وهذا يقودنا إلى أن الموهبة الشعرية ليس لها حدود أيضاً، ما دامت قادرة على تجديد طاقتها وفاعليتها وحيويتها وقدرتها الإيحائية.
إن مسؤولية الموهبة كبيرة جداً؛ فهي تبلور الأسلوب التعبيري، وتبتكر الرؤى الجديدة، وتنسج أجنحة الخيال، وتخلق الحساسية اللغوية، وتعبر من الكلام إلى ما وراء الكلام. وكل ذلك لن يحدث إلا إذا اشتغل الشاعر باجتهادٍ كبير على صقل موهبته والعبور بها إلى مناطق جديدة من الحياة والأحلام واللغة والتجربة والقراءات التثقيفية. هكذا تبقى الموهبة متوقدة في روحها، ومتوثبة في طموحها فكلما بلغتْ ذروة في الشعر، تفتح لها مدارٌ جديد للانطلاق نحو الأعلى. لكن هذا التحدي الكبير لا ينجح فيه إلا القليل، ولا أراني منهم، وإنما أراني من الشعراء الذين لهم طاقة محدودة، أو عمرٌ افتراضي في الإبداع، وقد استهلكت غالبية هذا العمر.
> في السعودية ومع «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل، ماذا سيعكس ذلك على المشهد الثقافي والأدبي من حراك؟
- لا بد لي في البداية أن أتقدم بالشكر الجزيل لولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ على هذه الخطوة الشجاعة التي فتحت للمرأة بوابة الحياة على مصراعيها بعد أن بقيتْ هذه البوابة مغلقة طوال عقود من الزمن. وأنا واثقٌ كامل الثقة بأن المرأة في مجتمعنا تعلم جيداً أن ما قام به ولي العهد يحمل تكليفاً عليها بمقدار ما هو تشريف لها، وأنها سوف تتحمل مسؤوليات كبرى على كل صُعد الحياة، ومنها الصعيد الثقافي.
سابقاً، وعندما كانت المرأة مغيبة، كان «ثلاثة أرباع» المجتمع مغيباً، ولا أقول «نصف» المجتمع؛ فالمرأة تتجاوز النصف في أهميتها الاجتماعية وليست العددية؛ والرجل لا يمثل أكثر من «الربع» في أهميته.
وقد يقول قائل إن المرأة في المؤسسات الثقافية كانت حاضرة سابقاً؛ فهي عضو مشارك في إدارة الأندية الأدبية، وهي شاعرة وروائية وقاصة وكاتبة، ولها حضورها على المنابر الثقافية. أقول هذا كلام صحيح، لكن ذلك الحضور للمرأة كان دائماً مبتوراً بسبب غيابها عن الحضور في بقية ميادين الحياة؛ أما الآن فسوف يكون حضور المرأة حضوراً كاملاً في كل ميادين الحياة ميداناً يعضدُ ميداناً. وإذا ما أضفنا ذلك إلى وقوف المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل في كل تلك الميادين، فإننا على ثقة من صناعة مجتمعٍ حضاري متكامل في كل شؤون الحياة.



تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
TT

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

ويُعدّ الشقيقان، البالغان من العمر 33 عاماً، من بين 5 متهمين يُحاكمون قرب باريس، بتهمة ارتكاب جريمة قتل مزدوجة ومحاولات قتل عدة لاحقة في عام 2020، وفقاً لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية المرموقة.

وتشير الصحيفة إلى أن كليهما يُشتبه في تآمره لتدبير جريمة القتل المزدوجة، إلا أن الحمض النووي الموجود على بندقية هجومية استُخدمت في أحد الاشتباكات المسلحة اللاحقة لا يمكن أن يكون إلا لأحد التوأمين.

وأبلغ ضابط شرطة المحكمة أن خبراء الطب الشرعي لم يتمكنوا من تحديد أي من الشقيقين متورط بشكل قاطع.

ونُقل عن أحد المحققين قوله للمحكمة في بوبيني، شمال العاصمة الفرنسية: «أمهما فقط هي من تستطيع التمييز بينهما».

كما أفادت تقارير بوجود أجواء متوترة داخل قاعة المحكمة، حيث جرى إخراج التوأمين مؤقتاً بعد رفضهما الوقوف أثناء الجلسة.

وتعتقد الشرطة أنهما استغلا التشابه بينهما للتلاعب بسير التحقيق. ونقلت صحيفة «لو باريزيان» عن ضابط رفيع قوله إن التوأمين كانا يتبادلان الملابس والهواتف ووثائق الهوية بشكل متكرر.

وينشأ التوأم المتطابق من بويضة مخصبة واحدة تنقسم أثناء الحمل. ولأنهما ينشآن من البويضة والحيوان المنوي نفسيهما، فإنهما يتشاركان الحمض النووي نفسه تماماً؛ ما يجعل تحديد هويتهما جنائياً أمراً بالغ الصعوبة.

وبسبب عدم قدرة البيانات الجينية على التمييز بينهما، اعتمد المحققون على سجلات الهاتف، ولقطات المراقبة، والتنصت، وجهود التحقق من مكان وجودهما وتحركاتهما.

لكن السؤال المحوري حول هوية مطلق النار من السلاح الذي تم العثور عليه لا يزال مطروحاً.

وتستمر المحاكمة، ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكمها في أواخر فبراير (شباط).


جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
TT

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

قالها الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن: «أولادُكم ليسوا لَكُم، أولادُكم أبناءُ الحياة». هو لم يقصد حينَها الانفصال بين الأولاد وأهلِهم إلى حدّ القطيعة، غير أنّ الجيل «زد» أخذَ مقولة جبران إلى أقصاها، فبات يُسمّى «جيل اللا تواصل».

ليسَ خلاف بروكلين بيكهام مع والدَيه ديفيد وفيكتوريا، سوى نموذج عن تحوّل اللا تواصل No Contact، من مجرّد «ترند» رائج على «السوشيال ميديا»، إلى واقعٍ يهزّ العلاقات العائلية. فما خفيَ تحت الضجيج الذي أحدَثَته قصة آل بيكهام، قضيةٌ اجتماعية مستجدّة هي قطعُ بعض الجيل «زد» وجيل الألفيّة علاقاتهم بذويهم لأسباب متعددة، على رأسها تلك النفسية.

وإذا كان ابنُ بيكهام قد ذكر معاناته مع القلق والتوتّر بسبب تحكّم ذويه بحياته وزواجه، فإنّ لائحة الأسباب التي يبرّر بها أبناء جيله القطيعة مع أهلهم طويلة.

القطيعة بين بروكلين بيكهام وذَويه نموذج عن موضة اللا تواصل المنتشرة بين الجيل «زد» وأهاليهم (إ.ب.أ)

«تيك توك»... المنصّة الشاهد

على «تيك توك»، تُحصى أعداد مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ #ToxicFamily أي «عائلة سامّة» و#NoContact (لا تواصل) بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين، والتي تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات على المنصة الأحَبّ إلى قلب الجيل «زد».

وتَشهد «تيك توك» انقساماً حادّاً في الآراء حول الموضوع. ففي وقتٍ تُبدي غالبية روّاد المنصة دعمَها لمَن قرروا قطع التواصل مع أهاليهم، يعبّر قسمٌ آخر عن ذهوله أمام هذه الظاهرة. وفيما يبرّر الأولاد القطيعة بالقول إنها تحصل انطلاقاً من الحفاظ على الصحة النفسية واحترام الذات والحَدّ من القلق، يصرّون على أنّ رابط الدم لا يبرّر تقبّل سوء المعاملة. أما الأهالي ومَن ينتمون إلى جيلهم، فيُبدون ذهولهم غير مصدّقين ما يجري، وغير مستوعبين العبارات التي يستخدمها الأبناء تبريراً للهَجر، مثل «التربية النرجسية» أو «التلاعب بالعقول».

تتركّز غالبية حالات اللا تواصل في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث ذهبت مقولاتٌ على غرار «العائلة أوّلاً»، و«العائلة إلى الأبد»، و«الدم لا ينقلب ماءً» أدراج الرياح.

@katherinechoiii

Even though I’m no longer living with them and am currently no contact, their reactions have still affected me. Every time I post, there’s a quiet awareness that they’re watching. And while that’s difficult, I don’t want them to continue silencing me after I’ve already left their home.

♬ autumn - Gede Yudis

مبرّرات القطيعة معظمها نفسيّ

في زمن فَورة الحديث عن الصحة النفسية وسقوط المحرّمات ووصمة العار التي كانت تُحيط بها سابقاً، ينطلق الجيل الجديد في قرار القطيعة مع ذويه من مسبّباتٍ معظمها نفسيّ.

يقولون إنهم حريصون على صَون سلامهم الداخلي واتّزانهم العقلي، حتى وإن كلّف ذلك بَترُ علاقاتٍ يعتبرونها سامّة مع أحد الوالدَين أو مع الاثنَين معاً. يستَقون كلماتٍ من قاموس علم النفس للتعبير عن المسبّبات التي دفعتهم إلى هذا القرار. يتحدّثون عن تصرّفاتٍ مؤذية صادرة عن الأهل، مثل «النرجسيّة»، و«التلاعب النفسي»، و«السلوك الصِدامي»، و«اضطراب الشخصية الحدّيّة»، و«التحكّم المفرط».

يَحدثُ كذلك أن يأتي قرار اللا تواصل كردّ فعلٍ على صدماتٍ وتجارب صعبة حصلت خلال الطفولة، ولم يتمكّن الولد التعامل معها وهو في سنٍ صغيرة. ومع تراكم السنوات والسكوتِ طويلاً عن جرحٍ تسبّبَ به الأهل، يقررون قطعَ الخيط ما إن تسنح لهم الظروف بذلك.

في المقابل، تبدو بعض أسباب ومبرّرات القطيعة غير منطقية أحياناً. يذكر الشبّان والشابات المنفصلون عن أهلهم من بينها الاختلاف في أسلوب العيش والقِيَم، والملل من القواعد التي تفرضها العائلة. يتحدّثون كذلك عن تخطّي ذويهم الحدود التي رسمَها الأولاد لهم. من بين الأسباب التي يبرّر بها الجيل الجديد كذلك الانقطاع عن العائلة، الاختلافات في الآراء السياسية، وكلام الأهل بطريقة سلبيّة عن شركائهم العاطفيين.

معظم الأسباب التي يبرر الأولاد القطيعة مع أهلهم هي نفسية (بكساباي)

«جائحة» اللا تواصل

وسط غياب الأرقام والإحصائيات الموثوقة، يلفت خبراء علم النفس إلى أنّ الظاهرة إلى تزايد، وهم يشبّهون قطع التواصل مع الأهل بـ«جائحة تصيب الأبناء البالغين». ووفق مجلّة «سيكولوجي توداي»، فإنّ الهَجرَ غالباً ما يحصل من دون سابق إنذار أو تفسير، فيُترَك الأهل في حالٍ من الألم العميق والتساؤل.

وكلّما كان الدافع النفسيّ جدّياً، كأن يكون الولد قد تعرّض لصدمة في الطفولة بسبب الوالدَين أو أحدهما، كلّما وجد لنفسه تبريراً للانسحاب وأسباباً تخفيفيّة لعدم الشعور بالذنب.

تشهد على ذلك فيديوهات «تيك توك» والمنتديات الإلكترونية المخصصة لظاهرة اللا تواصل، حيث يقدّم مَن اختبروا الأمر الدعم لبعضهم البعض. ويستند روّاد تلك المنتديات إلى نظرية تقول إنه إذا كان الخروج من علاقة زوجيّة سامّة مبرراً، فيجب أن ينطبق الأمر كذلك على العلاقات العائلية السامّة.

في حوار مع مجلّة «نيويوركر»، يقول المعالج النفسي جوشوا كولمان إنّ «القطيعة أصبحت أكثر شيوعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى تغير المفاهيم حول ما يُعتبر سلوكاً ضاراَ أو مسيئاً أو صادماً»؛ بمعنى أنّ ما كان يُعَدّ إساءة عابرة في الماضي، بات يُرفع اليوم إلى مرتبة الصدمة النفسية. ويضيف كولمان إن مفهوم «أكرِم أباك وأمّك قد سقط على حساب مفاهيم كالسعادة الشخصية وحب الذات والصحة النفسية».

صراع الأجيال

ما بدأ كظاهرة اجتماعية بات يهدد بأن يتحول إلى عدوى نابعة من التأثّر بموجة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن يكفي النظر بمنطقٍ إلى القضية المستجدّة، للاستنتاج أنها مرآةٌ لصراع الأجيال.

أساليب التربية المختلفة بين الأجيال هي أحد أسباب ظاهرة اللا تواصل مع الأهل (بكسلز)

نشأ جيل «طفرة المواليد» (1946 - 1964) على يد آباء من «الجيل الأعظم» (حتى 1927)، الذين كبروا خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، فتبنّوا أساليب تربية صارمة وسلطوية. كان يُتوقّع من الأطفال الطاعة والصمت. وكان الخوف، بما في ذلك العقاب الجسدي، وسيلة لضبط السلوك وبناء الشخصية.

رداً على ذلك، سعى كثير من أبناء طفرة المواليد إلى تربية مختلفة عن تلك التي عاشوها. فأصبحوا أكثر انخراطاً في حياة أبنائهم، وبرز مفهوم «الأبوّة المفرِطة». كما سعى «الجيل إكس» (1965 - 1980) وجيل الألفيّة (1981 - 1996) إلى بناء علاقات أكثر مساواةً مع أطفالهم، رافضين استخدام الخوف كأداة تربوية.

بدلاً من العقاب، اعتمدت هذه الأجيال على الحوار والتبرير، وأحياناً تجنّبت الصراع خشية الإضرار بالعلاقة. ومع نضوج الأبناء، أدَّى ضعف الخبرة في إدارة الغضب والخلافات الأسريّة إلى صعوبة تحمّل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. وفي بعض الحالات، تحوَّلت القطيعة مع الوالدين إلى وسيلة للتعامل مع هذه المشاعر، عبر إلقاء اللوم عليهم بدلاً من معالجة الصراع داخل الأسرة.


بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.