سباق على الجنوب السوري بين التسوية والتصعيد... وإيران «عقدة» الحل

واشنطن تنصح المعارضة بضبط النفس... وتعويل على قمة محتملة بين ترمب وبوتين

نازحون جنوب سوريا (نبأ)
نازحون جنوب سوريا (نبأ)
TT

سباق على الجنوب السوري بين التسوية والتصعيد... وإيران «عقدة» الحل

نازحون جنوب سوريا (نبأ)
نازحون جنوب سوريا (نبأ)

سباق محموم على الجنوب السوري بين التصعيد العسكري من جهة، وترتيبات دولية - إقليمية من جهة ثانية. قوات الحكومة استأنفت قصف ريف درعا بـ«البراميل المتفجرة» ما دفع آلاف المدنيين إلى التوجه إلى الحدود الأردنية، لكن الاتصالات الدبلوماسية لا تزال قائمةً على أمل الوصول إلى ترتيبات بناء على الاتفاق الأميركي - الروسي - الأردني.
اتجاه الاتصالات هو القمة المحتملة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال الجولة المرتقبة لترمب إلى أوروبا. هو سيشارك في قمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في بروكسيل في 10 و11 الشهر المقبل ثم يزور لندن. وهناك طرح عقد القمة في فيينا. ويقوم مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بزيارة إلى لندن الاثنين قبل التوجه إلى موسكو لاختبار مدى إمكانية عقد قمة ترمب - بوتين.
وسيكون اتفاق «خفض التصعيد» في الجنوب أحد المواضيع المطروحة على الأجندة الأميركية - الروسية خصوصاً أن الرئيسين كانا باركا كل خطوة من الاتفاق العام الماضي. وأمس، وجهت واشنطن رسالة نصية إلى قادة فصائل الجنوب فيها: «نحن في حكومة الولايات المتحدة الأميركية نعمل حالياً للحفاظ على وقف إطلاق النار من خلال القنوات الدبلوماسية، ونبذل جهوداً جبارة في سبيل تحقيق ذلك. نتوجه إليكم الآن لنؤكد على ضرورة عدم الرد على الاستفزازات، لأن القيام بذلك لا يؤدي سوى إلى تسريع السيناريو الأسوأ للجنوب السوري وتقويض جهودنا. فكروا بعائلاتكم وأبناء شعبكم وافعلوا كل ما في وسعكم من أجل حقن الدماء».

وتابعت الرسالة: «النظام من دون أدنى شك، يحاول استفزازكم بالأرتال والتصريحات لإيجاد ذريعة لمهاجمة الجنوب، ولا يمكن أن نعطيه هذا العذر. وفي حين أن فصائل الجنوب تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس، فإننا نشدد على أن عليها أن تحرص بشدة على منع أي هجمات استباقية عبر خط التماس بينما نعمل دبلوماسياً لإيجاد حل للوضع في الجنوب. وختاماً، نقدر عالياً صبركم وصمودكم وتعاونكم في هذا الوقت الصعب».
وعلى عكس التصريحات العلنية من الخارجية الأميركية التي تضمنت تحذير دمشق بـ«رد صارم» على الهجوم الجنوبي، تحض الرسالة العملياتية الآتية من الميدان قادة الفصائل على «ضبط النفس». إذ إن المسؤول السياسي في السفارة الأميركية في عمان، كان بعث في مارس (آذار) الماضي رسالة إلى «جبهة الجنوب»، فيها: «ما يحدث في الغوطة الشرقية مأساة ووصمة عار على مرتكبي هذه الهجومات البشعة كما أنه يثير للقلق الدولي الشديد. وللأسف، فإن النظام السوري وروسيا لا يتعاونان من أجل وقف العنف في الغوطة وتخفيف الألم عن المدنيين بل العكس».
وتابعت: «نتفهم شعوركم بالغضب الشديد لما يحدث، وأنكم تودون تخفيف معاناة أهلكم السوريين في الغوطة، لكن اتفاق الجنوب هو معاهدة شبه ثابتة بفضل تعاونكم وبفضل الإرادة الأميركية في الحفاظ عليها، ولو على منطقة واحدة للمعارضة المعتدلة لتكون ربما في المستقبل الطريق للحل الشامل في سوريا. إن إشعال حرب الآن ضد النظام في الجنوب سيعطي للنظام وروسيا الذريعة المطلوبة لأن يقتل المزيد من المدنيين واحتلال المزيد من الأراضي وكسر الهدنة التي من خلالها نستطيع أن نفاوض الروس من أجل الحل... نحضُّكم على ضبط النفس، والتفكير ملياً في أهلكم من المدنيين، وعدم إعطاء الذرائع للنظام لقصفكم والقضاء على آخر معقل للمعارضة المعتدلة في سوريا».

- اتفاق ثلاثي
جرى الإعلان عن وقف النار جنوب غربي البلاد في 7 يوليو (تموز) لعام 2017، بواسطة وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون في أعقاب الاجتماع الذي ضم الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في مدينة هامبورغ. ودخل الاتفاق حيز التنفيذ الفعلي بعد يومين من ذلك الاجتماع.
وجاء إعلان وقف النار بعد أشهر من المفاوضات ين الدبلوماسيين الأميركيين والروس والأردنيين، الذين واصلوا ضبط تفاصيل الاتفاق عبر اجتماعات لاحقة. وفي أغسطس (آب) الماضي، وافقت أميركا وروسيا والأردن على إنشاء مركز عمان للمراقبة بهدف الإشراف المشترك على وقف إطلاق النار في سوريا. وفي 8 نوفمبر (تشرين الثاني) وقعت الأطراف الثلاثة المذكورة على مذكرة مبادئ لإضفاء الطابع الرسمي على شروط الاتفاق المبرم. وتم التصديق على مذكرة المبادئ تلك عبر بيان لاحق صادر عن الرئيسين ترمب وبوتين اللذين اجتمعا على هامش مؤتمر التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي في نوفمبر في فيتنام.
وبحسب تقرير لـ«مجموعة حل الأزمات الدولية» أول من أمس، أسفر خفض التصعيد عن هدوء تام استمراراً للصمت المطبق منذ عام 2015، ذلك عندما أبرم الأردن اتفاقاً مع روسيا في أعقاب التدخل العسكري الروسي في سبتمبر (أيلول). وتخلل هذا الهدوء الجنوبي بعد أعمال العنف خلال الفترة السابقة على خفض التصعيد، إذ اندلع قتال عنيف لمدة شهور في عاصمة محافظة درعا التي تحمل الاسم ذاته قبل أن ينتهي إلى طريق مسدود ثم توقف أعمال العنف مجدداً. وفي تلك الأثناء، كان المعتقد أن هذه النتائج تؤكد على استحالة مواصلة التقدم العسكري لأي من الأطراف المتناحرة، ومن ثم إثبات مبرر آخر قوي لخفض التصعيد المخطط له.
عملياً، أدَّى خفض التصعيد إلى تجميد أعمال العنف على خطوط الجبهة الجنوبية الغربية، ثم إنشاء منطقة عازلة خالية من المقاتلين الأجانب المدعومين من قبل إيران. وعلى طول خط منطقة خفض التصعيد، من المفترض للمنطقة العازلة أن تمتد بطول 5 كيلومترات من خط الاتصال بين القوات الحكومية السورية وقوات المعارضة، وبطول 10 كيلومترات من الحدود الأردنية وحتى خط الهدنة الذي يلامس مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل. وناقشت الأطراف المعنية خفض التصعيد توسيع منطقة الـ5 كيلومترات إلى 20 كيلومتراً في المرحلة الثانية من المفاوضات، وغير أنها لم تضع اللمسات النهائية بالنسبة لذلك الترتيب، كما أن الأطراف المعنية التزمت أيضاً بالانسحاب النهائي للقوات الأجنبية من تلك المنطقة.

- لحظة القرار... وخسائر
بعد سيطرة قوات الحكومة على غوطة دمشق وريف حمص، بقيت ثلاثة جيوب: (شمال شرق) حيث يوجد التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا، (شمال غرب) حيث تقيم قوات تركية بموجب اتفاق آستانة، (جنوب غرب) حيث ليس هناك وجود عسكري داعم للمعارضة. وبات توقع أن قوات الحكومة ستذهب إلى هذه المنطقة وقال الرئيس بشار الأسد إن دمشق أمامها خياران في التعامل مع الجنوب الغربي من البلاد: «إما المصالحة، أو التحرير بالقوة». وأرسل النظام بالفعل قوات إلى الجبهات الجنوبية، بما في ذلك الوحدات المعاونة. وكانت هذه التعزيزات كافية لدفع وزارة الخارجية الأميركية إلى الإعراب بتاريخ 25 مايو (أيار) عن قلقها من التقارير الواردة بشأن العمليات العسكرية الوشيكة لنظام الأسد في جنوب البلاد.
بحسب تقرير مجموعة «حل الأزمات الدولية»، لا يزال هناك وقت متاح من أجل التوصل إلى حل تفاوضي من شأنه تفادي وقوع هجوم عسكري مدمر ومفعم بالمخاطر الكبيرة. وقد تكون الظروف مواتية في هذه المرحلة: إذ أبدت روسيا حساسية واضحة إزاء المصالح الإسرائيلية والأردنية، كما أعربت عن الرغبة في جذب الولايات المتحدة نحو ترتيب سياسي يصب في صالح الأهداف الروسية في سوريا. إذ هددت إسرائيل بشن الهجمات العسكرية في حالة اقتراب العناصر الموالية لإيران من مرتفعات الجولان المحتلة، وهي الأعمال العسكرية التي قد تسبب تهديداً للنظام الحاكم السوري وتعصف ببعض المكاسب العسكرية المحققة لدى دمشق وموسكو من التدخل العسكري الروسي في سبتمبر العام 2015. كما يبقى احتمال قائم (وإن كان طفيفاً) بشأن التدخل العسكري الأميركي ردّاً على هجمات النظام السوري، استناداً على الأقل إلى بيانات وزارة الخارجية الأميركية في 25 مايو و15 يونيو (حزيران).
وفي غياب الاتفاق سيكون البديل المفتَرَض هو شن هجوم عسكري سوري واسع النطاق مدعوم من روسيا وستكون نتائجه هي الأسوأ بالنسبة لكل الأطراف المعنية بالصراع. وسيكون الهجوم كارثيّاً بالنسبة لسكان جنوب غربي البلاد.
وبصرف النظر عن سكان الجنوب السوري أنفسهم، فإن مؤيدي قوات المعارضة السورية هم الأكثر عرضة للخسارة. وتجازف إسرائيل بإهدار جميع الضمانات الدائمة والمنهجية بشأن الوجود والدور الإيراني الذي كان بوسعها التفاوض عليه مسبقاً، مهما كانت حالة عدم اليقين أو ضعف التأثير الذي تعتبره حيالها، بحسب التقرير. والأردن معرَّض بصور خاصة إلى التدفقات العارمة لجموع اللاجئين التي تسبب زعزعة استقرار البلاد والناجمة عن الهجوم العسكري السوري الوشيك في جنوب البلاد.
وعلاوة على ما تقدَّم، وبالنظر لما وراء خفض التصعيد المؤقت، يحتاج الاقتصاد الأردني إلى عقد الروابط السياسية والتجارية القوية والمنتظمة مع سوريا. ومن شأن المصالح الأردنية والإسرائيلية - وبالتالي مصالح الولايات المتحدة - أن تلقى أفضل استفادة ممكنة عبر الانتقال السلمي ومنظم للسلطة في جنوب غربي سوريا، وليس عن طريق المواجهات العسكرية المريعة التي قد تتيح للمتطرفين الفرصة بالعودة إلى واجهة الأحداث، وتشجيع النظام السوري الحاكم على الاعتماد على الميليشيات ذات الصلة بإيران، وجلب إسرائيل إلى آتون الصراع ناهيكم عن الولايات المتحدة كذلك.
وقال التقرير: «لدى النظام السوري وحلفاؤه ما يخسرونه أيضاً من الأعمال العسكرية في جنوب البلاد. سيتحقق النصر العسكري وفق تكاليف باهظة من الناحية المادية والبشرية وتدمير المزيد من البنية التحتية في البلاد، وإنهاك الآلة العسكرية والمدنية في الوقت الذي تحاول فيه سوريا إعادة البناء».
في المقابل، إن من شأن الاتفاق المسبق على نزع «عسكرة استيلاء النظام السوري على جنوب غربي البلاد أن يقلل، ولكن ليس بالكامل، من احتمال شعور إسرائيل بالقلق حيال ما تتصور أنه الدور الإيراني الذي يدفعها إلى التدخل ضد النظام السوري وحلفائه، الأمر الذي قد يشعل صراعاً إقليمياً موسَّعاً في المنطقة. للحرب المفتوحة ديناميتها غير الخاضعة للتحكم والسيطرة، لا سيما على طول خط الهدنة شديد الحساسية سياسيا في مرتفعات الجولان»، بحسب التقرير.
وفي الأثناء ذاتها، يُعتَبَر الأردن شريكاً سياسياً واقتصادياً ضرورياً بالنسبة إلى سوريا، وإن أسفرت أعمال العنف عن موجات جديدة من اللاجئين السوريين الذين يعملون على زعزعة استقرار الأردن، أو يثيرون القلاقل والاضطرابات في مدن وقرى شمال الأردن ذات الصلة بالروابط العائلية مع جنوب غربي سوريا. وأفاد التقرير: «وإن لم تحصل إسرائيل على ضمانات كافية قبل التفاوض من روسيا بشأن الدور الإيراني في إطار الدولة السورية المستعادة، فإن ذلك الأمر يثير مخاطر قيام إسرائيل بالأعمال العسكرية المدمرة في وقت لاحق. الأمر الذي يعني الجنوب الغربي السوري الأقل استقرار، وبالتالي سوريا الأقل استقراراً كذلك».

- استقرار مؤقت
في ظلِّ الاتفاق المتفاوض عليه بشأن الجنوب الغربي السوري، يمكن لجميع الأطراف الوفاء بالحد الأدنى الممكن من احتياجاتها، أو على أدنى تقدير تفادي سيناريوهات أسوأ الحالات المعنية بكل منها. وفي هذا السياق، ينبغي على رعاة خفض التصعيد في الجنوب السوري إعادة المفاوضات الثلاثية إلى مرحلة ما وراء إطار عمل مركز عمان للمراقبة المشار إليه، ذلك باستخدام اتفاق خفض التصعيد القائم والعمليات ذات الصلة به باعتبارها وسيلة الوصول إلى اتفاق أكثر تطوراً واستدامة. وتبدو الخطوط العريضة للاتفاق واضحة بصورة نسبية، حتى وإن كانت التفاصيل، بما في ذلك التوقيت وآليات التنفيذ، لا تزال قيد التفاوض حتى الآن. أولاً، ورغم كل شيء، تحتاج كل الأطراف إلى إسناد مبدأ خفض التصعيد والمحافظة على وقف إطلاق النار.
يُمكن للحل المؤقت بشأن المحافظة على خفض التصعيد أن يكون بمثابة اقتراح من جانب الأردن: الانتقال لما بعد وقف إطلاق النار المبدئي بهدف التركيز على «الاستقرار». ويستلزم النموذج الأردني للاستقرار، والمعرف على نطاق واسع، وجود برمجة برعاية دولية تعيد الخدمات العامة والأداء الاقتصادي الاعتيادي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وتسهيل التجارة عبر خطوط التماس، وكذلك التجارة عبر الحدود مع الأردن، والارتباط التدريجي بين مؤسسات الخدمات المحلية وأجهزة الدولة السورية. ومن شأن ذلك أن يشمل أيضاً مجموعة موسعة من أصحاب المصالح الدوليين، بما في ذلك دور أكبر لروسيا، إن كان يهدف فقط إلى طمأنة موسكو بشأن منطقة الاستقرار، وأنه لا يُقصد من ورائها أن تكون مقدمة لترتيبات إقليمية أكثر ديمومة تماثل التقسيم.
وتكون النتيجة هي التكامل الإداري والاقتصادي التدريجي في هذه المناطق ضمن المناطق الأوسع التي يسيطر عليها النظام السوري. وقال التقرير: «ينبغي على الأطراف الثلاثة التفاوض بشأن شروط إعادة فتح معبر نصيب وتأمين الطريق الممتد لمسافة 18 كيلومتراً من المعبر الحدودي وحتى مدينة درعا تحت إشراف ورعاية النظام السوري. ومن شأن إعادة فتح نصيب أن يكون أوضح الأدلة على الالتزام المتجدد من جميع الأطراف بشأن خفض التصعيد الثلاثي».
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن «الاستقرار» على المدى القريب قد يكون بطيئاً وأقل إرضاء من الزحف العسكري المنتصر عبر مناطق الجنوب الغربي. ومع استمرار المفاوضات، رغم كل شيء، فإن أفضل الخيارات المتاحة بالنسبة لدمشق هو التحلي بالصبر والسماح للأردن بصياغة المنهج الأفضل دراسة والأوعى إدارة، بحسب «الأزمات الدولية».

- ماذا عن الحل؟
أفاد تقرير «الأزمات الدولية» بأن الخطوط العريضة للاتفاق «واضحة بصورة نسبية: عودة الدولة السورية إلى كامل مناطق الجنوب الغربي، وعودة الجيش السوري إلى الحدود السورية، وإقامة منطقة عازلة موازية لخط الهدنة في الجولان وتكون منطقة خالية من القوات الموالية لإيران، وإعادة العمل باتفاقية الفصل بين القوات الإسرائيلية السورية لعام 1974، بما في ذلك إعادة نشر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. ومن حيث التفاصيل، فهناك مساحة جيدة للتفاوض. وتشتمل المفاوضات على توقيت وآليات الاتفاق، ولكن هناك أيضاً تساؤلات مثل: ما الذي تعنيه عبارة: عودة الدولة السورية؟».
كان الحد الأدنى لشروط دمشق بشأن «المصالحات» السابقة هي: عودة رموز الدولة السورية، عودة الشرطة المدنية السورية، التي يحتمل أن تضم مواطنين محليين، خروج المتطرفين وغيرهم ممن يرفضون الاتفاق، أو ممن تعترض دمشق على وجودهم، دمج قوات المعارضة المحلية في الوحدات العسكرية النظامية السورية، كمجموعات كاملة في بعض الأحيان، تسوية الأوضاع القانونية للسكان المحليين، بما في ذلك تسجيل التجنيد بفترة سماح قابلة للتفاوض، وعودة الحكم المحلي والإدارة البلدية، مع موظفين من الموالين للنظام، وفي بعض الحالات مع الأعضاء السابقين في المجلس المحلي المعارض، الذين يخدمون تحت إمرة حاكم المحافظة.
كانت هذه هي الشروط المستخدمة سابقاً في الجيوب المحاصرة في الداخل السوري، من دون وجود راعٍ حقيقي معاكس للتفاوض في مواجهة دمشق وحلفائها. وبالنظر إلى الالتزام المتواصل من قبل الرعاة الثلاثة لخفض التصعيد حيال الاتفاق والأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الجنوب الغربي السوري لكل من الأردن وإسرائيل، فإن مساحة التفاوض بشأن الشروط في الجنوب الغربي قد تكون أرحب.
من شأن الاتفاق المتفاوض عليه أن يكون مرضياً إلى حده الأدنى بالنسبة لدمشق وحلفائها إذا ما أراد النظام السوري الامتناع عن شنِّ الهجوم العسكري على جنوب غربي البلاد. ولكن ينبغي للاتفاق أن يكون مناسباً إلى أقصى درجة بالنسبة إلى قوات المعارضة وغيرهم من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وفي حدود ما هو معقول ومقبول. وقال: «من المتوقَّع ألا يرحب كثير من المواطنين السوريين داخل جنوب غربي البلاد، الخاضع لسيطرة المعارضة، بعودة الدولة السورية التي يقودها النظام الحاكم، تحت أي شروط كانت. ومع ذلك، فإن الاتفاق الذي لا يفي بتطلعاتهم ولكن يمكنه، إلى أقصى درجة ممكن، استيعاب وتهدئة مخاوفهم، من شأنه الحد من المقاومة المسلحة وإراقة المزيد من الدماء بلا طائل».

- عودة رقيقة
وتحدث التقرير عن نماذج عدة لـ«عودة الدولة» خلال السنوات السبع الماضية بين «الدولة الرقيقة» أو «العميقة». إذ هناك بعض السوابق لـ«المصالحات» التي تنصُّ على انتشار الشرطة العسكرية الروسية، واستبعاد أجهزة النظام الحاكم الأمنية، لفترة مؤقتة على الأقل. وضمن ترتيبات «الدولة الرقيقة»، فإن الفصائل المحلية المسلحة، والشرطة المدنية السورية، وفرقة من الشرطة العسكرية الروسية، يمكنها المشاركة في المحافظة على الأمن والنظام. والوجود الروسي مهم نسبيّاً من أجل تسهيل عودة أجهزة الدولة السورية، وردع محاولات الاعتداء والانتقام، وطمأنة كل من السكان المحليين والبلدان المجاورة. وسوف تكون النتيجة شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية تحت السيطرة الرسمية للدولة السورية، والبناء نحو مزيد من اندماج وتكامل الجنوب في ظل الدولة.
وعلى الاتفاق أن يشمل فرض الحد الأدنى من القيود على الحركة المدنية والوصول التجاري إلى هذه المناطق، الأمر الذي من شأنه تنشيط الاقتصاد المحلي ويُسهِم في التعافي الاقتصادي الوطني السوري وإعادة بناء البلاد. وينبغي إتاحة الخيار أمام المعارضة والرجال في سن الخدمة العسكرية لتلبية متطلبات الخدمة الإلزامية في مناطقهم، سواء في الجيش الوطني السوري، أو القوات المعاونة، أو الشرطة المدنية المحلية، أو الأدوار الاقتصادية المدنية الحيوية في الزراعة أو التعمير، وليس في الوحدات العسكرية المنتشرة في ميادين بعيدة لقتال قوات المعارضة الأخرى.
وقال التقرير: «في سيناريو المصالحة، سوف تستفيد المصالح الأردنية وكثيراً في حالة دمج الشركاء السابقين إداريّاً ضمن الدولة والوحدات المسلحة المحلية الخاضعة لسيطرة الحكومة في دمشق، بدلاً من مواجهة القوة العسكرية الغاشمة، أو (الإخلاء) القسري الذي يدمر التركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي في هذه المناطق. وسوف يستفيد الأمن الأردني من الجنوب الذي يعيش سكانه ضمن عائلاتهم وعشائرهم في مجتمع جنوبي سلمي وصحي نسبيّاً، وبالتالي يكونون أقل عرضة للاستمالة من قبل المجرمين، والمتطرفين، أو الجماعات الموالية لإيران. وبالنسبة إلى المعارضة والمدنيين المعارضين أيضا، من المهم ألا يتم اقتلاعهم من منازلهم ومجتمعاتهم للعثور على مأوى في إحدى المناطق السورية الأخرى الفقيرة والنائية والخاضعة لسيطرة المعارضة».
لكن التحدي هو «مدى رغبة روسيا والقيادة السورية، أو مقدرتهما، على إبعاد العناصر الموالية لإيران من الجنوب الغربي للبلاد المتاخم لخط الهدنة في مرتفعات الجولان تحت أي ترتيب يمكن التوصل إليه. من شأن التهديد بشن الهجمات الإسرائيلية الجديدة أن يُثني إيران وحلفاءها المحليين عن دخول مناطق الجنوب الغربي السوري، لا سيما في الوقت الذي تتعرض فيه إيران للضغوط السياسية والاقتصادية الجديدة والمكثفة على الصعيد الإقليمي».
وخلص التقرير إلى أن «الصراع منخفض الكثافة بين إسرائيل وإيران سيستمر لبعض الوقت، في سوريا وعلى صعيد المنطقة بأسرها، لكن القتال لأجل الجنوب الغربي السوري يجب ألا يكون الشرارة التي تشعل أتون الصراع والحرب المفتوحة. هناك أساس واضح لاتخاذ القرار بشأن الحل التفاوضي غير العنيف في الجنوب السوري. ولكن مثل هذه التسوية تتطلب دفعة دبلوماسية قوية من جميع الأطراف. بدلاً من السماح للوضع بالانحراف عن مساره، ينبغي عليهم استغلال الفرصة السانحة واستخدام الوقت المتبقي في الوصول إلى اتفاق مشترك».



العليمي يأمر بغلق السجون غير الشرعية في جنوب اليمن


رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني مستقبلاً في الرياض مسؤولَين ألمانيين (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني مستقبلاً في الرياض مسؤولَين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي يأمر بغلق السجون غير الشرعية في جنوب اليمن


رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني مستقبلاً في الرياض مسؤولَين ألمانيين (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني مستقبلاً في الرياض مسؤولَين ألمانيين (سبأ)

أمر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، بغلق جميع السجون غير الشرعية في محافظات عدن ولحج والضالع، مع تحذيره من دعم التشكيلات المسلحة خارج سلطة الدولة.

وتضمنت توجيهات العليمي إغلاق جميع السجون ومراكز الاحتجاز غير الشرعية، والإفراج الفوري عن المحتجزين خارج إطار القانون بشكل عاجل. وكلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، التنسيق مع النيابة العامة ووزارة العدل، لإنجاز هذه المهمة.

وتأتي هذه الخطوة وسط اتهامات حقوقية لقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل بإدارة سجون خارج سلطة الدولة.

كما حذّر العليمي من أن دعم التشكيلات المسلحة غير الخاضعة للدولة لا يسهم في مكافحة الإرهاب، بل يعيد إنتاجه ويوسّع بيئته، مؤكداً أن الفوضى الأمنية وشرعنة السلاح خارج مؤسسات الدولة تمثلان التهديد الأكبر لأمن اليمن والمنطقة والممرات المائية الدولية.


الصومال يلغي جميع الاتفاقيات مع الإمارات

Somali Bakanlar Kurulu Toplantısı (Somali Haber Ajansı)
Somali Bakanlar Kurulu Toplantısı (Somali Haber Ajansı)
TT

الصومال يلغي جميع الاتفاقيات مع الإمارات

Somali Bakanlar Kurulu Toplantısı (Somali Haber Ajansı)
Somali Bakanlar Kurulu Toplantısı (Somali Haber Ajansı)

ألغى الصومال جميع الاتفاقيات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك الوكالات الحكومية والكيانات ذات الصلة والإدارات الإقليمية.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية (صونا)، نقلاً عن بيان لمجلس الوزراء الصومالي، بأن «قرار الإلغاء يسري على جميع الاتفاقيات والتعاون في موانئ بربرة وبوصاصو وكسمايو». كما ألغى مجلس الوزراء جميع الاتفاقيات القائمة بين حكومة الصومال الفيدرالية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك اتفاقيات التعاون الأمني والدفاعي الثنائية.

وقالت الحكومة الصومالية إن القرار «جاء استجابة لتقارير وأدلة قوية على اتخاذ خطوات خبيثة تقوض سيادة البلاد ووحدتها الوطنية واستقلالها السياسي». وأضافت أن جميع «هذه الخطوات الخبيثة تتعارض مع مبادئ السيادة وعدم التدخل واحترام النظام الدستوري للبلاد، كما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة وميثاق الاتحاد الأفريقي وميثاق منظمة التعاون الإسلامي وميثاق جامعة الدول العربية؛ حيث يعد الصومال طرفاً فيها»، بحسب البيان.


آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر منذ أكثر من عام؛ بسبب تمسكه بوجود بلاده، الحبيسة دون ميناء، على منفذ بحري بالبحر الأحمر، في ظل رفض مصر والدول المشاطئة.

إثيوبيا، التي عُرضت عليها قبل نحو عامين صفقة للوصول إلى منفذ بحري من جيبوتي، تعيد الجدل بشأن تمسكها بالمنفذ البحري واحتمال أن تبرم صفقة لبلوغ هدفها، وفق تقديرات خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «المنفذ البحري سيكون حاضراً في مشاورات آبي أحمد، ولن يتنازل عنه؛ مما يزيد التوترات في المنطقة».

«حفاوة بالغة»

وإثيوبيا باتت دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود؛ مما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، وتعتمد بشكل أساسي على ميناء جيبوتي منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وتدفع رسوماً سنوية كبيرة مقابل هذه الخدمات اللوجيستية التي تُدرّ دخلاً ضخماً على جيبوتي.

وأفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الاثنين، بأن رئيس الوزراء، آبي أحمد، وصل إلى جيبوتي، حيث استقبله الرئيس إسماعيل عمر غيلة بـ«حفاوة بالغة»، وبأن الزعيمين أجريا مباحثات معمقة.

وأكد آبي أحمد، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه جرى «التركيز بشكل خاص على تعزيز التعاون في مجالات التجارة والخدمات اللوجيستية والتنمية، مؤكدين التزامنا المشترك بالاستقرار والتكامل الاقتصادي والازدهار المتبادل»، وفق ما ذكرته «الوكالة» دون مزيد تفاصيل.

غيلة مستقبلاً آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وتأتي الزيارة بعد حديث وزير الخارجية الإثيوبي، غيديون طيموتيوس، أمام برلمان بلاده في 30 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن أن مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري «انتقلت من مرحلة الطرح والاعتراف الدبلوماسي، إلى مرحلة التركيز على الجوانب التنفيذية»، لافتاً إلى أن «الجهود الدبلوماسية الجارية تسجل تطورات إيجابية».

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي لإجراء محادثات في ملف التعاون بمجالات التجارة والخدمات اللوجيستية، «لها علاقة مباشرة ومهمة بموضوع الجدل بشأن وصول إثيوبيا إلى البحر أو تأمين منفذ بحري بديل. ويمكن فهم هذا الجدل في إطار أوسع من الاستراتيجيات والتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي».

ويقول بري إن «إثيوبيا دولة حبيسة، وهذا خلق تبعات كبيرة وتكلفة لوجيستية عالية على الاقتصاد الإثيوبي، خصوصاً مع الازدحام والتكاليف المرتفعة والتقلبات في حركة التجارة». ويرى أن زيارة آبي أحمد جيبوتي وتأكيده خلالها على توسيع التعاون في التجارة والخدمات اللوجيستية، «يُنظر إليها بوصفها جزءاً من بحث مستمر عن حلول بديلة أو إضافية للوصول البحري».

حلم المنفذ البحري

وسعت إثيوبيا إلى الحصول على منافذ بديلة، مثل ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو والقاهرة والجامعة العربية، وتتدخل تركيا في عام 2025 بوساطة لتهدئة الأزمة والدعوة إلى مباحثات بين مقديشو وأديس أبابا بهذا الشأن.

وسبق أن كشفت حكومة جيبوتي عن تقديم عرض الوصول الحصري لإثيوبيا إلى ميناء جديد لنزع فتيل التوترات، وفق ما أفاد به وزير الخارجية الجيبوتي آنذاك، محمد علي يوسف، في مقابلة مع إذاعة «بي بي سي» خلال أغسطس (آب) 2024، مضيفاً: «إننا على وشك تقديم عرض لإثيوبيا يشمل طريقاً بديلة إلى خليج عدن، ويتضمن إدارة الميناء الواقع في الشمال بنسبة 100 في المائة»، وهو ممر جديد أنشئ بالفعل في تاجورة على ساحل الدولة الواقعة في القرن الأفريقي.

وبينما لم يعلَن رسمياً عن اتفاق بشأن ميناء جديد أو امتلاك منفذ بحري، فإن زيارة آبي أحمد، وفق بري، تأتي في إطار «تعزيز العلاقات الثنائية بجيبوتي، في ظل تعاون اقتصادي عميق بين البلدين، واحتمال تقديم خيارات جديدة في الشراكات البحرية دون خلق توترات إقليمية جديدة».

وينبه بري إلى أن «الزيارة قد لا تكون إعلاناً عن صفقة مباشرة، لكنها بالتأكيد تدفع بملف الوصول البحري وتنوع الممرات اللوجيستية، مرة أخرى، إلى واجهة الحوار الإقليمي».

ويعتقد بري أن آبي أحمد سيصر على حصول إثيوبيا على منفذ بحري؛ «بهدفين: اقتصادي، يتمثل في تقليل تكلفة النقل لزيادة تنافسية الصادرات الإثيوبية مثل القهوة والمنتجات الزراعية. واستراتيجي: يتمثل في إنهاء عقدة الاعتماد الكلي على ميناء واحد في جيبوتي، وتحسين قدرة البلاد على مواجهة أي تعطل بالبنية التحتية أو التغيير في السياسات من قبل بلد آخر».