اللعاب... لتشخيص الأمراض

محاولات علمية للاستفادة من تركيبته الفريدة وسهولة الحصول عليه

عينات من سوائل الجسم
عينات من سوائل الجسم
TT

اللعاب... لتشخيص الأمراض

عينات من سوائل الجسم
عينات من سوائل الجسم

قدمت مجموعة من الباحثين البولنديين نتائج مراجعتها العلمية لمدى استفادة الأوساط الطبية من سائل اللعاب في تشخيص الإصابات بأنواع مختلفة من الأمراض والاضطرابات الصحية. ووفق ما تم نشره ضمن عدد 9 مايو (أيار) الماضي من المجلة الدولية للبحوث الحيوية الطبية (BioMed Research International)، قام الباحثون من كلية الطب بجامعة بوميرانيا في مدينة شتشيتسين البولندية بمراجعة تحليلية لنتائج 77 دراسة طبية حول سائل اللعاب وكيفية تطور الاستفادة التشخيصية منه حتى اليوم في مجالات شتى.
- اهتمام إكلينيكي تطبيقي
وقال الباحثون في مقدمة الدراسة ما مفاده إن «اللعاب سائل بيولوجي فريد في الجسم، ويحتوي على كثير من المركبات الكيميائية والمواد العضوية والخلايا الحية والميكروبات». وأضافوا: «الميزة المهمة للعاب كمادة تشخيصية هي توفره، وسهولة طريقة جمعه دون الحاجة إلى تدخل»، بعكس الحصول على سائل الدم مثلاً. وقال الباحثون عن هدف إجرائهم هذه الدراسة العلمية: «الهدف من هذه المراجعة هو التأكيد على القيمة التشخيصية للعاب كمادة يُمكن أن يتغير تكوينها ويضطرب إفرازها»، في الحالات المرضية والاضطرابات الصحية المختلفة.
وتشير المصادر الطبية إلى أن هناك كثيراً من الطرق لاستخدام اللعاب سائلاً بيولوجياً، لأن اللعاب يمثل «مرآة الجسم» التي تعكس صورة الحالة الفسيولوجية والمرضية في تجويف الفم وفي أماكن أخرى من الجسم، ما يجعله، كما قال الباحثون، «بمثابة أداة تشخيص ومراقبة في كثير من المجالات، مثل الطب الباطني وطب الأسنان والعلاج الدوائي».
وتحت عنوان «جوهر الموضوع»، قال الباحثون: «يهدف تحليل الدم، وهو الأكثر حضوراً في التحاليل الكيميائية الإكلينيكية، إلى تحديد الأمراض ومراقبة تقدم العلاج. ومع ذلك، فإن العاملين في المجال الطبي يُقدّرون بشكل متزايد أن اللعاب يُمكن استخدامه مادة تشخيصية، لأنه غني بالمعلومات الإكلينيكية ويمكن استخدامه في التشخيص المختبري والتشخيص الإكلينيكي، وكذلك في مراقبة وعلاج المرضى المصابين، ليس فقط بأمراض الفم بل بأمراض بقية الجسم».
وأضافوا: «يمكن استخدام اللعاب لتشخيص الأمراض المعدية، وأمراض اضطرابات المناعة الذاتية، والسرطان، وكذلك اضطرابات الغدد الصماء وأمراض القلب. كما يمكن استخدام اللعاب لفحص مستويات عدد من الأدوية واختبارات وجود المخدرات».
واللعاب كمادة تشخيصية من السهل جمعها ونقلها وتخزينها. ومع ذلك، يجب التنبه إلى أنه يُفضّل جمع عينة اللعاب في الفترة بين التاسعة والحادية عشرة صباحاً، وذلك لأن الاستقرار الفيزيائي (Physicochemical Stability) للعاب في هذه الفترة هو الأعلى مقارنة ببقية ساعات اليوم. كما يجب امتناع المريض عن تناول أي شيء لفترة ساعة ونصف الساعة قبل تجميع عينة اللعاب، والتوقف أيضاً قبل يوم واحد عن تناول أي نوع من الأدوية التي تؤثر في نشاط إفراز اللعاب. وقبل أخذ العينة اللعابية، ينبغي شطف الفم بالماء الخالي من الأيونات، ويجب جمع اللعاب لمدة 10 دقائق.
- اضطرابات اللعاب
وفي حالات جفاف الفم (Xerostomia) يحصل انخفاض في إفراز اللعاب، إما نتيجة تناول أنواع مختلفة من الأدوية، مثل أدوية خفض ارتفاع ضغط الدم أو مضادات الاكتئاب أو مدرات البول أو مضادات الهيستامين للحساسية أو أنواع من مسكنات الألم، أو مع التقدم في العمر، أو كأحد الأعراض المرافقة لبعض أمراض اضطرابات المناعة الذاتية. وبالتالي تحصل عدة مضاعفات لنقص إفراز اللعاب، مثل تسويس الأسنان والتهاب الفم والغدد اللعابية، وفقدان الإحساس بالطعم، وصعوبة البلع، وألم الفم، وتشقق اللسان، والسوء في رائحة الفم، وغيرها.
وبالمقابل، هناك حالة زيادة اللعاب (Hypersalivation) المزعجة للمصابين بمرض باركنسون العصبي أو انفصام الشخصية أو حالات مرضية أخرى. وتشمل تحاليل اللعاب قياس درجة حمضيته. وخلال النوم، ومع تدني إفراز اللعاب، تزداد درجة حامضيته. وأثناء تناول الطعام، ومع زيادة إفراز اللعاب، تقل درجة حموضته ليصبح سائلاً قلوياً.
وقال الباحثون ما ملخصه: «عندما تزداد حمضية اللعاب، تحصل إزالة للمعادن Demineralization في تركيب طبقة مينا الأسنان، أي تآكل المينا Enamel Erosion، وقد يحصل الشيء نفسه عند تناول مواد حمضية أو وصول حامض المعدة إلى الفم. وما لم يعمل اللعاب على معادلة هذه الأحماض، يحصل التآكل في مينا الأسنان. ولذا فإن من المفيد قياس درجة حموضة اللعاب وقياس مدى القدرة المخففة للعاب Saliva Buffer Capacity، كتحاليل سهلة يمكن إجراؤها في عيادة الطبيب».
وتعتمد مرونة اللعاب (Saliva Elasticity) على وجود مركبات ميوسين (Mucins)، وهي مركبات غنية بالحمض الأميني برولين والبروتينات السكرية وعدد من المعادن، إضافة إلى الماء. ووظيفة ميوسين الأساسية هي حماية كل أنسجة بطانة الفم، ولذا يعتبر من أهم المركبات البروتينية في سائل اللعاب، ويشكل نسبة 30 في المائة من بروتينات سائل اللعاب، ومع زيادة وجوده في سائل اللعاب ترتفع كتلته ولزوجته. وثمة عدد من أنواع أجهزة قياس اللزوجة Viscosimeters، يمكن الاستفادة منها في تقييم مستوى لزوجة اللعاب. وقال الباحثون: «من جملة النتائج يُمكن استنتاج أن تسويس الأسنان يُمكن منعه بتحسين نوعية اللعاب وخصائصه بنيته»، والتي منها لزوجته.
- تحاليل هرمونية
وعرض الباحثون بتفصيل واسع نتائج الدراسات حول تطور قياس نسبة عدد من أنواع الهرمونات في سائل اللعاب، ودلالات ذلك الإكلينيكية التطبيقية. ومنها هرمون كورتيزول (Cortisol) الذي تنتجه الغدد فوق الكلوية. ويوفر قياس نسبة هذا الهرمون في اللعاب فرصة لإجراء عدة قياسات له، وفي الغالب 7 مرات في اليوم، دون الحاجة إلى أخذ عدة عينات من الدم. وكذلك قياس نسبة هرمون ليبتين (Leptin) في اللعاب، وهو الهرمون المرتبط بتنظيم تناول الطعام وتوازن الطاقة في الجسم. وترتفع نسبته في اللعاب، أو تنخفض، في حالات مرضية عدة، مثل أمراض وأورام الفم.
كما عرض الباحثون تفاصيل مجمل التطورات العلمية في قياس نسبة عدد من الإنزيمات في اللعاب، مثل إنزيم أميليز ذي الصلة بهضم السكريات وحماية الفم من الميكروبات، وهو الإنزيم الذي لا يزال الباحثون يحاولون معرفة دلالات تغيرات نسبته في اللعاب. وعلى سبيل المثال، ترتفع نسبته في اللعاب لدى الأمهات عند ضم الطفل المولود أثناء الولادة القيصرية، بخلاف ضم الطفل المولود بعد الانتهاء من تلك العملية الجراحية. وأيضاً تنخفض نسبته في اللعاب بعد إجراء عمليات المعدة لإنقاص الوزن. وكذلك الحال مع إنزيم ليسوزوم (Lysozyme)، ذي الصلة بنشاط عمل جهاز مناعة الجسم.
كما عرض الباحثون تفاصيل عن تحاليل لعدد من البروتينات في اللعاب، مثل بروتين «كروموغرانين إيه» (Chromogranin A) ذي الصلة بعمل الجهاز العصبي اللاإرادي. وأيضاً الجسم المضاد من نوع «إيه» (IgA)، ذي الصلة بعمليات جهاز مناعة الجسم في الأنسجة المخاطية.
- جوانب مبهمة حول إفراز اللعاب ومكوناته
> لدى الشخص البالغ، يتم في اليوم الواحد، عموماً، إنتاج كمية تقارب ما بين لتر ونصف اللتر إلى لترين من سائل اللعاب، تزيد في أوقات تناول الطعام، وتنخفض بشكل كبير أثناء فترات النوم. وبشكل أكثر دقة، فإن معدل إفراز اللعاب بالمتوسط نحو 0.5 مليلتر في الدقيقة، ويرتفع أثناء مضغ الطعام ليبلغ 10 مليلترات في الدقيقة، وينخفض أثناء النوم إلى أقل من 0.25 مليلتر في الدقيقة. ولذا قال الباحثون: «حجم اللعاب اليومي يعتمد على مدة ساعات النوم، وعلى نوعية وعدد وجبات الطعام في اليوم، وتأثيرات التفاعلات النفسية».
وثمة نوعان من أنواع الغدد اللعابية (Salivary Glands)؛ أحدها نوع كبير والآخر نوع صغير جداً. وبخلاف اللثة والجزء الأمامي من الحنك (Hard Palate)، تحتوي جميع الأغشية المخاطية في الفم على مجموعة كبيرة من الغدد اللعابية الدقيقة (Fine Salivary Glands)، التي يتراوح عددها من 200 إلى 400 غدة صغيرة، وهذه الغدد اللعابية الصغيرة تنتج نحو 10 في المائة من كمية اللعاب التي يتم إفرازها كل يوم. والكمية الباقية من اللعاب، أي 90 في المائة، يتم إفرازها من 3 أزواج من الغدد اللعابية الكبيرة؛ الأولى هي «الغدة تحت الفك السفلي» (Submandibular Gland)، التي تنتج نحو 65 في المائة من كمية اللعاب اليومي، والثانية هي «الغدة النكافية» (Parotid Gland)، التي تنتج نحو 20 في المائة من كمية اللعاب اليومي. والثالثة هي «الغدة تحت اللسان» (Sublingual Gland) التي تنتج نحو 5 في المائة من اللعاب اليومي.
ويشكل الماء نسبة 99 في المائة من مكونات سائل اللعاب. ويحتوي اللعاب على كثير من الشوارد (الأيونات) المعدنية للأملاح، مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والماغنيسيوم والكلوريد والبيكربونات والفسفور واليود. كما يحتوي اللعاب على مادة ميوسين المخاطية، التي تصنع حالة اللزوجة فيه. إضافة إلى عدة مركبات أخرى وأجسام مضادة ذات قدرات على مقاومة الميكروبات، وعلى مواد ذات قدرة على تسكين الألم (Opiorphin).
ومع ما تقدم، يحتوي اللعاب على مكونين آخرين؛ الخلايا والبكتيريا أولاً، والإنزيمات والهرمونات ثانياً. وبشيء من التفصيل، تفيد بعض المصادر العلمية بأن كل مل واحد من اللعاب يحتوي على نحو 8 ملايين خلية بشرية و500 مليون خلية بكتيرية، ليست بالضرورة ضارة. كما يحتوي اللعاب على إنزيم أميليز الذي يُسهم في بدء هضم السكريات النشوية عند مضغ الطعام في الفم، وإنزيم الليبيز الذي يُسهم في هضم الدهون عند وصولها إلى المعدة، وعدد آخر من الإنزيمات والهرمونات، ذات المهام المتعلقة بالمناعة والنمو النسيجي وتفتيت البروتينات وتسهيل ترطيب الفم ووقاية الأسنان وغيرها من المهام، التي لا يزال الباحثون العلميون يُحاولون معرفة أنواعها ووظائفها.
وما نعلمه حتى اليوم أن اللعاب يقوم بوظائف متعددة جداً في الفم وفي الجسم ككل، منها ترطيب مكونات الفم، وتسهيل عمليات مضغ وبلع وهضم الطعام، وتسهيل نطق الكلام، وتسهيل تذوق الطعم وبقية أنواع الإحساس العصبي في الفم، وحماية الأسطح الداخلية لتجويف الفم والتراكيب التي فيه كالأسنان واللثة واللسان والحلق وغيرها، كما لا تزال معرفة بقية وظائف اللعاب محل البحث العلمي المستمر.

- استشارية في الباطنية


مقالات ذات صلة

هل تناول الكربوهيدرات باردة يُساعد فعلاً على إنقاص الوزن؟

صحتك الكربوهيدرات تُعتبر أحد المغذيات الكبرى الثلاثة إلى جانب البروتين والدهون (بيكسلز)

هل تناول الكربوهيدرات باردة يُساعد فعلاً على إنقاص الوزن؟

انتشرت في الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي فكرة مفادها بأن تناول الكربوهيدرات بعد تبريدها قد يُسهم في تقليل السعرات الحرارية، وتسهيل فقدان الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تنبع التأثيرات الوقائية للقهوة من مركباتها الطبيعية (رويترز)

فوائد صحية جمة... ماذا يحدث للكبد عند شرب القهوة كل يوم؟

قد تكون القهوة واحدة من أكثر المشروبات الصديقة للكبد وفقاً للبيانات، حيث تشير دراسات واسعة النطاق إلى أن شرب القهوة بانتظام يرتبط بانخفاض مشاكل الكبد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك شحم البقر يُستخرج من الدهون الصلبة التي تتكون حول أعضاء الأبقار (بيكسباي)

ما تأثير تناول شحم البقر على مستويات الكوليسترول بالدم؟

شحم البقر هو نوع من الدهون المستخدمة في الطهي التقليدي، ورغم أن له قيمة غذائية في بعض طرق الطهي، لكنه قد يؤثر سلباً على الصحة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك إدخال زيت الأفوكادو في النظام الغذائي قد يكون خطوة مفيدة للأشخاص الساعين إلى فقدان الوزن (بيكسلز)

4 أسباب تدفعك لاستخدام زيت الأفوكادو في مطبخك

يبرز زيت الأفوكادو كأحد الخيارات التي تزداد شعبيتها حول العالم، بفضل تركيبته الغنية بالعناصر الغذائية وفوائده المتعددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تناول الكربوهيدرات باردة يُساعد فعلاً على إنقاص الوزن؟

الكربوهيدرات تُعتبر أحد المغذيات الكبرى الثلاثة إلى جانب البروتين والدهون (بيكسلز)
الكربوهيدرات تُعتبر أحد المغذيات الكبرى الثلاثة إلى جانب البروتين والدهون (بيكسلز)
TT

هل تناول الكربوهيدرات باردة يُساعد فعلاً على إنقاص الوزن؟

الكربوهيدرات تُعتبر أحد المغذيات الكبرى الثلاثة إلى جانب البروتين والدهون (بيكسلز)
الكربوهيدرات تُعتبر أحد المغذيات الكبرى الثلاثة إلى جانب البروتين والدهون (بيكسلز)

انتشرت في الآونة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي فكرة مفادها بأن تناول الكربوهيدرات بعد تبريدها قد يُسهم في تقليل السعرات الحرارية، وتسهيل فقدان الوزن. وقد دفعت هذه المزاعم كثيرين إلى إعادة النظر في طريقة تحضير أطعمتهم، خاصة الأرز، والبطاطس، والمعكرونة. لكن إلى أي مدى يستند هذا الاتجاه إلى أسس علمية؟

تشير بعض الدراسات إلى أن تبريد الكربوهيدرات قد يُغيّر تركيبها، مما يؤدي إلى زيادة محتواها من «النشا المقاوم»، وهو نوع من النشا يُهضم ببطء، ويحتوي على سعرات حرارية أقل من النشا العادي. ومع ذلك، لا يزال العلماء غير متأكدين من مدى تأثير هذه العملية فعلياً في إنقاص الوزن، وفقاً لما أورده موقع «فيري ويل هيلث».

فهم الكربوهيدرات والنشا والسعرات الحرارية

تُعد الكربوهيدرات أحد المغذيات الكبرى الثلاثة، إلى جانب البروتين، والدهون، وهي تتكون أساساً من جزيئات سكر. وتنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة: الألياف، والسكريات، والنشا.

تشمل الأطعمة الغنية بالنشا:

- الخضراوات مثل الذرة، والبطاطس، والكوسا.

- البقوليات مثل البازلاء، والفاصوليا، والعدس.

- الحبوب مثل الأرز، والشعير، والشوفان، والقمح.

عند تناول هذه الأطعمة، يُحلل الجسم النشا إلى غلوكوز، مما قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم. غير أن بعض أنواع النشا تُهضم بسهولة أكبر من غيرها، وهو ما ينعكس على سرعة وتأثير هذا الارتفاع.

أما «النشا المقاوم»، فيُعد أكثر صعوبة في الهضم، لذلك لا يرفع مستويات السكر في الدم بنفس الدرجة، كما يعمل كمصدر غذائي للبكتيريا النافعة في الأمعاء. وتحتوي العديد من الأطعمة النيئة على هذا النوع من النشا، لكن عند طهيها يتحول إلى شكل أسهل هضماً.

ماذا يحدث عند تبريد الكربوهيدرات؟

عند طهي الأطعمة النشوية، يصبح النشا فيها سهل الهضم. لكن عند تبريدها، تحدث عملية تُعرف بـ«تراجع النشا»، حيث يتحول جزء من هذا النشا إلى نشا مقاوم يُعرف بـ«النشا المتراجع».

هذا النوع يُهضم ببطء أكبر، ما يعني تأثيراً أقل على مستويات السكر في الدم. وتشير الأدلة إلى أن هذه الفائدة قد تستمر حتى بعد إعادة تسخين الطعام، مثل الأرز، أو المعكرونة. يحتوي النشا المقاوم على سعرات حرارية أقل من النشا العادي، إذ يوفر نحو 2.5 سعرة حرارية لكل غرام، مقارنةً بـ4 سعرات حرارية للنشا التقليدي، وذلك بسبب صعوبة هضمه.

ويرى بعض الباحثين أن استبدال النشا العادي بالنشا المقاوم قد يُقلل من كثافة السعرات الحرارية في الوجبة. ويمكن تحقيق ذلك عبر تناول النشويات بعد تبريدها، مثل الأرز، أو البطاطس المُحضّرة مسبقاً، والمُعاد تسخينها.

هل يساعد ذلك في فقدان الوزن؟

على الرغم من هذه المعطيات، لم تُثبت الأبحاث الحالية وجود علاقة مباشرة بين تبريد الكربوهيدرات، وفقدان الوزن. إذ تركز معظم الدراسات على تأثير النشا المقاوم في تنظيم سكر الدم، خاصة لدى مرضى السكري، وليس على إنقاص الوزن بشكل مباشر.

كما أن تطبيق هذه الطريقة -أي طهي النشويات ثم تبريدها وإعادة تسخينها- قد لا يكون عملياً لكثير من الأشخاص، فضلاً عن أن تأثيرها المحتمل في فقدان الوزن يبدو محدوداً.

ما البديل الأكثر فعالية؟

إذا كان هدفك هو إنقاص الوزن، فقد يكون من الأفضل التركيز على استراتيجيات مثبتة علمياً، مثل:

- اختيار الأطعمة الكاملة، والمتوازنة.

- التحكم في كميات الطعام بما يتناسب مع احتياجات الجسم.

- ممارسة النشاط البدني بانتظام.

ففي النهاية، يبقى نمط الحياة الصحي المتكامل هو العامل الأكثر تأثيراً في إدارة الوزن، وليس مجرد تعديل بسيط في طريقة تناول الكربوهيدرات.


دراسة جديدة: تناول «السناك» بشكل منتظم يقلل أعراض القولون العصبي

تناول كميات صغيرة من الطعام قد يقلل الضغط على الجهاز الهضمي مقارنة بالوجبات الكبيرة (بكسلز)
تناول كميات صغيرة من الطعام قد يقلل الضغط على الجهاز الهضمي مقارنة بالوجبات الكبيرة (بكسلز)
TT

دراسة جديدة: تناول «السناك» بشكل منتظم يقلل أعراض القولون العصبي

تناول كميات صغيرة من الطعام قد يقلل الضغط على الجهاز الهضمي مقارنة بالوجبات الكبيرة (بكسلز)
تناول كميات صغيرة من الطعام قد يقلل الضغط على الجهاز الهضمي مقارنة بالوجبات الكبيرة (بكسلز)

تشير دراسة جديدة إلى أن طريقة تناول الطعام خلال اليوم قد تؤثر بشكل كبير على شدة أعراض متلازمة القولون العصبي (IBS). النتائج توضح أن تناول وجبات صغيرة (Snack)، والالتزام بجدول غذائي منتظم يمكن أن يقللا الانتفاخ، والتشنجات، والإسهال، ويساعدان على تحسين صحة الجهاز الهضمي، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أعراض شديدة.

نتائج الدراسة

في الدراسة التي نقلتها مجلة «هيلث»، أجرى 204 مشاركين من السعودية يعانون من متلازمة القولون العصبي استبانة حول تشخيصهم للمتلازمة، وعاداتهم الغذائية اليومية، وخلفياتهم الاجتماعية، والديموغرافية، وشدة أعراضهم. نحو نصف المشاركين شخصوا أنفسهم بأن لديهم متلازمة القولون العصبي، ونحو 86 في المائة منهم من النساء اللواتي يتعرضن لهذه المتلازمة بمعدل ضعف الرجال.

بعد تحليل الاستجابات، وجد الباحثون أن تناول وجبات خفيفة بشكل متكرر خلال اليوم مرتبط بانخفاض شدة أعراض متلازمة القولون العصبي. وأفاد العديد من المشاركين أيضاً بعادات تناول غير منتظمة للطعام؛ حيث قال نحو 20 في المائة إنهم لا يتناولون وجبات منتظمة، وأفاد 30 في المائة بأنهم غالباً ما يتخطون وجبة الإفطار.

في هذا المجال، أكدت الدكتورة أدريانّا جيريك، أخصائية الجهاز الهضمي في كليفلاند كلينك، أن هذه الدراسة هي الأولى التي تشير إلى أن تناول الطعام بشكل منتظم، والوجبات الخفيفة المتكررة «يمكن أن يخففا من شدة أعراض القولون العصبي».

لماذا قد تساعد الوجبات الخفيفة في تخفيف الأعراض؟

تناول كميات صغيرة من الطعام قد يقلل الضغط على الجهاز الهضمي مقارنة بالوجبات الكبيرة، بحسب الدكتورة سوبرية راو، أخصائية الجهاز الهضمي، ومديرة برنامج خسارة الوزن الطبي في Lowell General Hospital. وذكرت: «الوجبات الكبيرة يمكن أن تحفز تقلصات معوية أقوى، وحساسية أعلى لدى الأشخاص المصابين بالقولون العصبي. تناول وجبات صغيرة ومتكررة يمكن أن يهدئ هذه الاستجابات، ويقلل الانتفاخ، ويوازن حركة الأمعاء».

وأضافت أخصائية التغذية يي مين تيو أن حجم الطعام وتكراره قد يؤثران على محور المخ والأمعاء، وهو الاتصال المستمر بين الدماغ والجهاز الهضمي، وهو المسؤول عن شعورنا بالجوع، واضطرابات المعدة عند التوتر. الأشخاص المصابون بالقولون العصبي لديهم محور أكثر حساسية، ما يجعلهم يشعرون بعمليات الهضم الطبيعية بشكل أقوى. وأوضحت: «الوجبات الصغيرة والمتكررة قد تقلل من التمدد والضغط الذي يسبب الألم، والإلحاح».

هل يجب البدء بتناول وجبات خفيفة لإدارة القولون العصبي؟

يمكن تجربة تناول وجبات صغيرة ومتكررة خلال اليوم للمساعدة في إدارة الأعراض، خاصة إذا كنت تعاني من أعراض شديدة مع تناول ثلاث وجبات كبيرة يومياً. ومن المهم أيضاً الحفاظ على جدول غذائي منتظم، وتجنب تخطي الوجبات، لأن الدراسة أظهرت أن عدم انتظام الوجبات وتخطي الإفطار كانا شائعين بين من يعانون من أعراض أشد.

كما يُنصح بمضغ الطعام ببطء، وبشكل جيد، أو اختيار أطعمة ناعمة القوام، حيث ارتبطت صعوبة المضغ بزيادة شدة أعراض القولون العصبي. أما بالنسبة لنوع الطعام، فتختلف الحساسية من شخص لآخر، لكن يُنصح عادة بتجنب الأطعمة المصنعة، والأطعمة المسببة للغازات مثل الملفوف، والفاصولياء، والأطعمة الدهنية، والمقلية، وكميات كبيرة من الألياف غير القابلة للذوبان، أو الخضروات النيئة، والأطعمة عالية اللاكتوز مثل القشدة، والحليب، والآيس كريم.

وبشكل عام، لا يوجد جدول غذائي مثالي يناسب الجميع، لكن اتباع مواعيد منتظمة للطعام، وتجنب الوجبات الكبيرة، وتدوين الأطعمة اليومية، والحفاظ على وجبات خفيفة عند الحاجة، يمكن أن يكون نهجاً عملياً لإدارة القولون العصبي.


هل تمارس الرياضة لكنك لا تزال تتألم؟ قد يكون السبب في «التعويض العضلي»

تشترك العضلات والمفاصل والأنسجة الضامة جميعها في مسؤولية الحركة والتحكم بها (أرشيفية - رويترز)
تشترك العضلات والمفاصل والأنسجة الضامة جميعها في مسؤولية الحركة والتحكم بها (أرشيفية - رويترز)
TT

هل تمارس الرياضة لكنك لا تزال تتألم؟ قد يكون السبب في «التعويض العضلي»

تشترك العضلات والمفاصل والأنسجة الضامة جميعها في مسؤولية الحركة والتحكم بها (أرشيفية - رويترز)
تشترك العضلات والمفاصل والأنسجة الضامة جميعها في مسؤولية الحركة والتحكم بها (أرشيفية - رويترز)

إذا كنت تمارس التمارين الرياضية بانتظام، لكنك لا تزال تعاني من آلام متكررة أو تيبّس، أو تشعر بأن حركتك ليست مستقرة وسلسة كما ينبغي، فقد لا يكون الحل في مزيد من تمارين التمدد، ولكن غالباً ما تكون المشكلة فيما يُعرف بـ«نمط التعويض العضلي»، حيث يعمل بعض العضلات بجهد أكبر لتعويض ضعف أو خلل حركي في مناطق أخرى من الجسم.

في الحياة اليومية، يمكن للجلوس لفترات طويلة، وسوء وضعية الجسم، والحركات المتكررة، أن تخلق نقاط ضعف في الجهاز العضلي، ما يدفع عضلات معينة إلى القيام بوظائف لم تُصمَّم لها أساساً. ومع مرور الوقت، يبدأ الجسم بالاعتماد على هذه العضلات لتحمل عبء أكبر من طاقتها.

لكن مع الوقت، تتحول أنماط التعويض التي تساعدك في الحركة بالبداية، إلى سبب للألم المزمن والتوتر وزيادة خطر الإصابة.

والطريقة الوحيدة للتخلص من هذه المشكلة ليست بملاحقة الأعراض؛ بل بالتعرّف إلى أنماط التعويض واستعادة الحركة الوظيفية السليمة، حسبما أفاد تقرير لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

من أين تبدأ التعويضات العضلية؟

الجسم مصمم بوصفه نظاماً متكاملاً، تعمل فيه العضلات ضمن سلاسل حركية متناسقة لإنتاج الحركة. وتشترك العضلات والمفاصل والأنسجة الضامة جميعها في مسؤولية الحركة والتحكم بها. وعندما يفشل جزء من هذا النظام في أداء دوره، تتدخل أجزاء أخرى لتعويض النقص.

وبالنسبة لمعظم الناس، تتطور نقاط الضعف هذه تدريجياً خلال الأنشطة اليومية من دون أن يلاحظوها، إلى أن يظهر الألم أو التوتر المزمن. على سبيل المثال، يؤدي الجلوس لفترات طويلة إلى ضعف عضلات الأرداف والعضلات العميقة في البطن، في حين تصبح عضلات ثني الورك مشدودة بشكل غير طبيعي. ونتيجة لذلك، يتولى أسفل الظهر وأوتار الركبة العمل أثناء حركات أساسية مثل القرفصاء أو الاندفاع أو حتى المشي.

كما أن الانحناء المستمر فوق الكمبيوتر يؤدي إلى شدّ عضلات الصدر ومنتصف الظهر، ومع ضعف حركة منتصف الظهر وتيبّس القفص الصدري، تضطر عضلات الرقبة وأعلى الظهر إلى العمل بجهد إضافي أثناء رفع الذراعين، بينما يعوّض أسفل الظهر في حركات الدوران. حتى الإصابات القديمة التي لم تلتئم تماماً، يمكن أن تُطلق سلسلة من التعويضات في الجسم.

في البداية، يُعدّ التعويض تكيفاً مفيداً يسمح لك بالحركة عندما لا يعمل جزء من الجسم بشكل مثالي. لكن المشكلة تظهر عندما يستمر هذا التعويض لفترة طويلة من دون علاج، إذ تتعب العضلات التي تقوم بالعمل الإضافي بسرعة وتتعرض لإجهاد مزمن، بينما تزداد العضلات الضعيفة ضعفاً. والنتيجة هي توتر وعدم استقرار وألم مزمن وزيادة خطر الإصابة.

هل يعوّض جسمك عضلياً؟

يمكنك اكتشاف أنماط التعويض من خلال ملاحظة إحساسك أثناء التمرين:

- هل تشعر بالجهد في أسفل الظهر أو أوتار الركبة أكثر من الأرداف والفخذين عند القرفصاء؟ قد لا يعمل الورك وعضلات البطن كما يجب.

- عند رفع الذراعين، هل ترتفع الكتفين أو تتشنج الرقبة؟ قد تكون حركة منتصف الظهر والقفص الصدري محدودة.

- أثناء تمارين البطن، هل تشعر بالجهد في عضلات ثني الورك أكثر من عضلات البطن؟ هذا يعني أن العضلات العميقة لا تعمل بشكل صحيح.

- هل تستخدم جانباً من جسمك أكثر من الآخر أثناء التمرين؟ هذا قد يشير إلى نمط تعويض بسبب إصابة قديمة أو الاعتماد على جانب واحد.

- هل تشعر بتعب شديد في عضلات معينة بعد التمرين؟ العضلات التي تقوم بالتعويض تتعب أسرع من غيرها.

حلول لعلاج ألم العضلات:

لا يتطلب تصحيح التعويضات تمارين معقدة؛ بل تحسين جودة الحركة أولاً قبل زيادة الشدة أو السرعة.

1. أبطئ الحركة:

أداء التمارين ببطء يساعدك في ملاحظة متى تتدخل العضلات الخاطئة، ويمنح العضلات الصحيحة فرصة للعمل. ابدأ بالحركات الأساسية؛ مثل القرفصاء، والانحناء، والدفع، والسحب، والدوران، وتمارين تثبيت الجذع.

2. حسّن طريقة التنفس:

يعمل الحجاب الحاجز مع عضلات البطن العميقة لتثبيت العمود الفقري، لكن عندما يصبح التنفس سطحياً أو من الصدر فقط، تتدخل عضلات الرقبة والكتفين والظهر، ما يعزز أنماط التعويض. لذلك، فإن التنفس الصحيح يكون بتوسيع الأضلاع إلى الجانبين عند الشهيق، ثم سحبها إلى الداخل والخلف والأسفل عند الزفير، ما يعيد الحجاب الحاجز إلى وضعه الطبيعي.

3. حسّن الحركة في المناطق المتيبّسة:

أكثر المناطق المرتبطة بالتعويض هي: عضلات ثني الورك، والقفص الصدري، ومنتصف الظهر.

فشدّ عضلات الورك يضغط على أسفل الظهر وأوتار الركبة، بينما يحدّ تيبّس القفص الصدري من دوران منتصف الظهر، ما يجبر أسفل الظهر على التعويض.

بعض تمارين الحركة تعالج عدة مناطق في وقت واحد؛ مثل تمرين «الالتفاف مع المدّ» (Windmill twist)، الذي يحرك أوتار الركبة وأسفل الظهر والقفص الصدري ومنتصف الظهر والكتفين في حركة واحدة متزامنة مع التنفس.