لبنان: انتخابات 2018 تعزز النفوذ السياسي لـ«حزب الله» و«القوات»

انطلاق عملية التفاهم على الاستحقاقات المقبلة في إطار «سلة واحدة»

لبنان: انتخابات 2018 تعزز النفوذ السياسي لـ«حزب الله» و«القوات»
TT

لبنان: انتخابات 2018 تعزز النفوذ السياسي لـ«حزب الله» و«القوات»

لبنان: انتخابات 2018 تعزز النفوذ السياسي لـ«حزب الله» و«القوات»

يدخل لبنان مطلع الأسبوع المقبل مرحلة سياسية جديدة بعدما انشغل القسم الأكبر من الفرقاء الأسبوع الفائت بالاحتفال وتقبل التهاني بنتائج الانتخابات النيابية، فيما انكب البعض الآخر على محاولة استيعاب الخسارة للحد منها واستباق مساعي تطويقها سياسيا في الاستحقاقات المقبلة وأبرزها انتخاب رئيس للمجلس النيابي ومن ثم تشكيل حكومة جديدة بعد تسمية رئيس لها.
لا يختلف اثنان على أن نتائج الانتخابات أفرزت رابحين أساسيين هما «الثنائي الشيعي» و«القوات اللبنانية»، فالأول تمكن من حصد 26 مقعدا شيعيا من أصل 27 أما الثاني فضاعف عدد نواب كتلته التي كانت تبلغ 8 نواب فارتفعت لتلامس الـ16 نائبا. وكما يتقاسم الحزب والقوات الربح، يتقاسم تيار «المستقبل» وحزب «الكتائب اللبنانية» الخسارة. فالأول تقلصت كتلته بشكل دراماتيكي لتقتصر على 21 نائبا بعدما كانت 34. أما الثاني فباتت كتلته تضم 3 نواب فقط بعدما كانت في العام 2009 تتكون من 5 نواب.
أما «التيار الوطني الحر» الذي يرأسه وزير الخارجية جبران باسيل فنجح برفع عدد النواب الحزبيين من 8 إلى 18، كما باتت كتلته التي ارتأى لها اسم «تكتل لبنان القوي» تضم نحو 29 نائبا بعدما كانت تضم 21. وإن كان هناك أكثر من علامة استفهام تُطرح حول مدى التزام بعض النواب بالبقاء جزءاً من هذا التكتل نظرا للاختلافات السياسية الكبيرة بينهم وبين قيادة «الوطني الحر».
وقد شكّل انخفاض نسب الاقتراع في الانتخابات النيابية الأخيرة، صفعة للقوى الحزبية الكبرى بعدما كان يتوقع أن يُشجع النظام النسبي الذي تم اعتماده للمرة الأولى بتاريخ لبنان، الناخبين على التهافت إلى صناديق الاقتراع. وتراجعت نسبة الاقتراع من 54 في المائة في العام 2009. أي في آخر انتخابات شهدتها البلاد، إلى 49.2 في المائة، كما أعلن وزير الداخلية نهاد المشنوق مؤخرا، معتبرا أن «طبيعة قانون الانتخاب» هي السبب، داعيا «من لم يقترع لتحمّل مسؤولية بأن لا يعترض في المستقبل». وقد رد خبراء انتخابيون انخفاض نسب الاقتراع لحصر القانون الانتخابي خيارات الناخب بلائحة وصوت تفضيلي واحد كما بغياب المال السياسي الحزبي: «باعتبار أن الأحزاب لم تدفع أموالا للناخبين وانحصر الموضوع ببعض المتمولين، فتراجعت نسب التصويت».
> 79 نائبا جديدا
وقد دخل من الباب الواسع للبرلمان اللبناني 79 نائباً جديدا، 16 منهم كانوا نوابا في دورات سابقة، فيما يواصل 49 آخرون مسيرتهم النيابية.
وخسر المجلس النيابي عددا لا بأس به من المشرعين والقانونيين أبرزهم بطرس حرب وغسان مخيبر وروبير غانم، كذلك غابت عنه وجوه بارزة بعضها بفعل الاعتكاف عن الترشح والبعض الآخر بفعل الخسارة وأبرزها، فؤاد السنيورة، وليد جنبلاط، سليمان فرنجية، فريد مكاري، نقولا فتوش، ميشال فرعون وأحمد فتفت.
بالمقابل، تمكن عدد لا بأس به من النواب الشباب من اختراق الطقم النيابي وإن كان معظمهم أبناء نواب سابقين ورؤساء أحزاب وبالتالي نواب «الوراثة السياسية». وأبرزهم النائب طوني فرنجية نجل رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، تيمور جنبلاط، نجل رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط، النائب ميشال معوض، نجل النائب السابقة نايلة معوض، النائب سامي فتفت، نجل النائب السابق أحمد فتفت والنائب محمد المرعبي، نجل الوزير السابق طلال المرعبي. وشكلت الإعلامية بولا يعقوبيان حالة استثنائية باعتبارها أحد النواب الشباب الذين نجحوا بالانتخابات من دون أن تكون ابنة أحد السياسيين كما أنها الممثلة الوحيدة للمجتمع المدني تحت قبة البرلمان.
> نواب مناصرون للنظام السوري
وبات برلمان 2018 يضم عددا كبيرا من مناصري النظام السوري، فإلى جانب نواب «الثنائي الشيعي» الحزبيين التابعين لحزب الله وحركة «أمل» والذين يبلغ عددهم 26. بالإضافة إلى نواب الحزب «السوري القومي الاجتماعي» الـ3. بات المدير العام السابق للأمن العام في لبنان، اللواء جميل السيد الذي أفيد في وقت سابق أن الرئيس السوري بشار الأسد تمنى على «حزب الله» ترشيحه، أبرز مؤيدي النظام السوري في البرلمان اللبناني، إضافة لشخصيات أخرى كالنائب ايلي الفرزلي والنائب عبد الرحيم مراد والنائب البير منصور وغيرهم.
وفي مقابل احتكار «الثنائي الشيعي» لتمثيل الطائفة الشيعية، أفرزت انتخابات 2018 «تعددية سنية» بعد فوز 9 نواب من الطائفة من خارج حضن تيار «المستقبل» ومعظمهم مقربون من «حزب الله» وهم، نجيب ميقاتي، قاسم هاشم، أسامة سعد، عبد الرحيم مراد، الوليد سكرية، فؤاد مخزومي، فيصل كرامي، جهاد الصمد، عدنان طرابلسي، بالإضافة إلى بلال عبد الله الذي ينتمي لكتلة «اللقاء الديمقراطي».
ورغم إصرار «حزب الله» على وجوب أن يتمثل النواب السنة الذين لا ينتمون إلى «المستقبل» بوزير على الأقل في الحكومة المقبلة، لا يزال الحريري متمسكا بأنه الممثل الأول للطائفة باعتبار أن «67 في المائة من الأصوات السنّية في كلّ لبنان صبت لصالحه كما أن 17 نائباً سنياً من نوابه فازوا بأصوات سنّية صافية».
ويبدو أن «المستقبل» و«القوات اللبنانية» يتنافسان حاليا على النائب الماروني عن البقاع الغربي هنري شديد، بحيث إن كلا منهما يؤكد أنه سيكون جزءا من كتلته النيابية، علما بأنه لم يشارك في الاجتماع الذي عقدته «كتلة الجمهورية القوية»، وهو الاسم الذي اختاره رئيس «القوات» سمير جعجع لكتلته الجديدة التي يؤكد القواتيون أنها تضم 16 نائبا. وقالت مصادر قيادية في «القوات» لـ«الشرق الأوسط» بأن شديد أعطى تعهدا شفهيا ومكتوبا بالانضمام إلى الكتلة القواتية بعد الانتخابات ولذلك صبت لصالحه كتلة الناخبين «القوات» في المنطقة، وأضافت المصادر: «أما إذا أراد أن ينقلب على تعهداته فعندها لكل حادث حديث».
> الكباش العوني - القواتي
ومع تبلور أحجام الكتل النيابية الجديدة وبخاصة بعد تحديد «القوات» و«الوطني الحر» اسمي تكتليهما النيابيين: «الجمهورية القوية» و«لبنان القوي»، يتضح أن المنافسة بين الحزبين المسيحيين الأبرز قد بلغت مستويات غير مسبوقة مع انطلاق استعدادات جعجع وباسيل على حد سواء لمعركة رئاسة الجمهورية في العام 2022. وإن كان البرلمان الحالي لن ينتخب رئيسا جديدا للبلاد وأن المهمة ستوكل للبرلمان الذي سيُنتخب بعد 4 سنوات، إلا إذا تم تمديد ولاية المجلس النيابي الحالي.
وسيكون استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة، أبرز محطات المواجهة العونية – القواتية المقبلة، خاصة بعد إعلان جعجع أن تفاهم معراب نص على أن تتساوى حصة «الوطني الحر» و«القوات» في الحكومات طوال فترة عهد الرئيس عون بغض النظر عن التمثيل النيابي، متحدثا عن «محاولة للالتفاف على الموضوع لزيادة حصة التيار عبر القول بأن وزراء رئيس الجمهورية ليسوا ضمنها».
وفي هذا السياق، أكدت مصادر قيادية في «الوطني الحر» أن «النقاش بالحصص والحقائب الوزارية قد انطلق، وهو في مرحلة متقدمة، لأن التفاهم على الاستحقاقات المقبلة سيتم بإطار «سلة واحدة»، تتضمن على حد سواء موضوع رئاسة المجلس النيابي ونيابة رئاسة البرلمان بالإضافة إلى اللجان النيابية والحكومة ورئاستها». وأضافت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «لن تتم تجزئة الملفات كما يحاول البعض أن يفعل، التفاهم سيكون على اتفاق متكامل».
لكن الجو العوني يختلف تماما عن الجو القواتي وإن كان الطرفان يتكتمان تماما عن مطالبهما الحكومية سواء لجهة عدد المقاعد أو ماهية الوزارات التي يطالبان بها، بحيث يؤكد رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية» شارل جبور أن «المشاورات لتشكيل الحكومة، حتى الثنائية منها، لم تبدأ بعد باعتبار أنه حتى الساعة لم يتم تحديد موعد لجلسة انتخاب رئيس للبرلمان ونائب له كما لانتخاب لجان، وكل القوى لا تزال منهمكة في المهرجانات والاحتفالات، مرجحا أن تنطلق المشاورات الداخلية مطلع الأسبوع المقبل»، مؤكدا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «لحزب القوات نظرته ورؤيته المتكاملة التي تعكس حجمه الشعبي والنيابي، لعدد الوزارات وماهيتها لكن الوقت لم يحن للإفصاح عنها وهو مرتبط بانطلاق المشاورات الرسمية». ويضيف: «نحن مصممون على مواصلة مشروعنا وعلى ترجمة الثقة التي أعطانا إياها الناخبون داخل المؤسسات، على المستوى السيادي والإصلاحي والمعيشي، ولذلك سنعمل على ترجمة طموحنا بعدد الوزارات ونوعيتها حين يحين الأوان لذلك».
> شروط «حزب الله»
ورغم أهمية الكباش العوني – القواتي، إلا أن كل الأنظار تتجه لكيفية استثمار «حزب الله» فوزه في الانتخابات النيابية بعدما نجح بقطع الطريق على كل معارضيه الشيعة، وحصد عددا لا بأس به من المقاعد السنية. وتشير مصادر «الثنائي الشيعي» إلى أن الحزب «سيضغط لحصول حلفائه السنة على مقعد وزاري كما لتثبيت وزارة المال للطائفة الشيعية، إضافة إلى كونه سيحاول إدخال تعديلات إلى البيان الوزاري تعزز موقعه في لبنان والمنطقة بعد الإنجازات الكبيرة التي تحققت في السنوات الماضية سواء على الصعيد العسكري والميداني أو السياسي»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هناك أرضية جديدة وظروف مختلفة عن تلك التي رافقت تشكيل الحكومات السابقة، وكل العناصر المتوافرة تجعلنا في موقع قوة في عملية التفاوض، وعلى الجميع أن يُدرك ذلك.
وكانت وسائل إعلامية إسرائيلية أقرت في وقت سابق بفوز «حزب الله» بالاستحقاق النيابي لافتة إلى أن «الانتخابات اللبنانية تعزز قبضة «حزب الله» وتضع الولايات المتحدة الأميركية في مأزق». وقال وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت، إن «مكاسب حزب الله في الانتخابات اللبنانية تظهر أنه لا فرق بين الدولة والجماعة الشيعية المدعومة من إيران» وأضاف أن «إسرائيل يجب ألا تفرق بينهما في أي حرب مستقبلية».
ومن المتوقع أن يجد «حزب الله» نفسه قريبا في مواجهة مع حليفه «التيار الوطني الحر» كما مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في حال قرر التصدي لعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، خاصة مع تأكيد قياديين عونيين أن «الاتفاق الرئاسي» الذي أدى إلى انتخاب العماد عون رئيسا في العام 2016، لحظ بقاء الحريري رئيسا للحكومة طوال العهد الرئاسي العوني. لكن «التيار الوطني الحر» لم يأخذ، على ما يبدو تعهدا من حليفه الشيعي بالسير بهذا التفاهم، وإن كان يعول على «مونته» عليه.
ويستغرب أحد القياديين العونيين مجرد طرح إمكانية أن تتبوأ شخصية غير سعد الحريري سدة الحكومة، معتبرا أنه «وكما يتم تصوير رئاسة المجلس النيابي للرئيس نبيه بري، كتحصيل حاصل، كذلك فإن رئاسة الحكومة للحريري تحصيل حاصل بالنسبة لنا». ويضيف القيادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لم نرض أن يتسلم رئاسة الجمهورية إلا من يمثل الأكثرية المسيحية، فهل نقبل تسليم رئاسة الحكومة لمن لا يمثل الأكثرية السنية؟»
المجتمع المدني والخيبة
وان كانت النتيجة التي حققتها مجموعات المجتمع المدني في الانتخابات النيابية بدت مخيّبة إلى حد كبير لاقتصارها على خرق يتيم حققته الإعلامية بولا يعقوبيان في دائرة بيروت الأولى، إلا أن تحالف «وطني» الذي شكل 9 لوائح ضمت 66 مرشحا، يصر على التعاطي مع الاستحقاق النيابي كمحطة يتوجب البناء عليها. ويتطلع «تحالف وطني» في المرحلة الراهنة إلى إنشاء «إطار سياسي مستدام»، والعمل على إنجاح تجربة يعقوبيان النيابية كي تشكل مثالا يُحتذى يُشجع الناخبين على اعتماده في الدورات النيابية المقبلة.
> 6 نساء في البرلمان الجديد
ولم تتمكن المرأة اللبنانية رغم كل الحماسة النسائية التي طغت على الحملات الانتخابية وخوض 86 امرأة المعركة، إلا بالتمثل من خلال 6 نساء، 5 منهن ينتمين إلى أحزاب، ما ساهم إلى حد كبير في فوزهن، وواحدة فقط غير حزبية هي الإعلامية بولا يعقوبيان. وتمكن تيار «المستقبل» من إيصال 3 نساء إلى المجلس النيابي الجديد هن النائب بهية الحريري، عمة رئيس الحكومة سعد الحريري، وكل من النائب عن طرابلس ديمال جمالي والنائب عن بيروت الثانية رلى الطبش. أما «القوات اللبنانية» التي رشحت 4 نساء، فأوصلت نائباً واحدة، هي ستريدا جعجع، زوجة رئيس الحزب. واقتصرت ترشيحات حركة «أمل» على الوزيرة عناية عز الدين التي تُعتبر حاليا الأنثى الوحيدة في كتلة «الثنائي الشيعي». ولم يضم تكتل «لبنان القوي» المحسوب على رئيس الجمهورية الذي يبلغ عدد أعضائه 29 أي عنصر نسائي، علما بأن «التيار الوطني الحر» لم يرشح إلا 3 نساء على لوائحه وكانت خسارتهن شبه محسومة. وعبّرت الجمعيات النسائية عن خيبتها من واقع تمثيل المرأة في البرلمان الجديد، وهي تدفع حاليا باتجاه أن تعوّض القوى السياسية، التي رفضت اعتماد مبدأ الكوتا في قانون الانتخاب، من خلال توزير أكبر عدد ممكن من النساء في الحكومة الجديدة.



لماذا مُنع ترمب من استخدام هاتفه الجوال خلال زيارته إلى الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)
TT

لماذا مُنع ترمب من استخدام هاتفه الجوال خلال زيارته إلى الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يسير مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (يسار) أثناء مغادرته بعد زيارة إلى حديقة تشونغنانهاي في بكين (أ.ف.ب)

في عالمٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، حتى بالنسبة لقادة الدول، قد يبدو التخلي عنها أمراً غير مألوف، بل ومعقّداً. غير أن متطلبات الأمن السيبراني تفرض أحياناً إجراءات استثنائية، خصوصاً خلال الزيارات الرسمية الحساسة. وهذا ما واجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة عُقدت في الصين، حيث اضطر إلى الابتعاد عن هاتفه الجوال، في خطوة تعكس حجم التحديات الأمنية والتقنية التي ترافق مثل هذه الزيارات.

وفقاً لصحيفة «نيويورك بوست»، لم يكن بإمكان ترمب استخدام هاتفه الشخصي أثناء وجوده في الصين، وهو ما شكّل أحد أبرز التحديات اللوجستية التي واجهها إلى جانب فريق البيت الأبيض على الأرض في بكين. وقد طُلب من الرئيس، كما هو الحال مع كثير من المسافرين إلى الصين، الامتناع عن استخدام أجهزته الشخصية، وذلك لحماية بياناته من احتمالات الاختراق أو التجسس الإلكتروني.

ويمثّل هذا الإجراء تحدياً خاصاً لترمب، المعروف بكثرة استخدامه لهاتفه المحمول، سواء للتواصل مع أصدقائه، أو للرد على مكالمات الصحافيين، أو لنشر تعليقاته وصوره الساخرة عبر منصاته الرقمية. وأكد أحد مسؤولي البيت الأبيض أن الرئيس لن يستخدم هاتفه الشخصي طوال فترة وجوده في الصين.

وخلال انعقاد القمة، فُرضت قيود على النشر عبر حساب ترمب على منصة «تروث سوشيال»، حيث يُرجّح أن بعض المنشورات تم نشرها من العاصمة واشنطن، إذ يعمل عدد من موظفي البيت الأبيض وفق توقيت بكين لتقديم الدعم اللوجستي عن بُعد.

ولم يقتصر هذا «العزل الرقمي» على الرئيس وحده، بل شمل أيضاً أعضاء فريقه، إذ استخدم موظفو الإدارة هواتف وعناوين بريد إلكتروني مؤقتة طوال مدة القمة، وذلك في إطار إجراءات مشددة تهدف إلى حماية المعلومات وضمان سير الزيارة بسلاسة.

وتُعد هذه الأجهزة المؤقتة بمثابة أجهزة «نظيفة»، حيث تُجرَّد من معظم التطبيقات والوظائف الأساسية، وتُصمَّم بحيث تحتوي على أقل قدر ممكن من البيانات، تحسباً لأي محاولة اختراق محتملة.

وفي السياق ذاته، تُحذر وزارة الخارجية الأميركية المواطنين الأميركيين المسافرين إلى الصين من أن الخصوصية على شبكات الاتصالات هناك غير مضمونة، مشيرة إلى أن كثيراً من المسافرين يفضّلون حمل أجهزة إلكترونية خالية من أي معلومات شخصية.

أما بالنسبة لموظفي البيت الأبيض، فقد جرى حفظ أجهزتهم الشخصية على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس ون» داخل حقائب خاصة تُعرف باسم «فاراداي»، وهي مصممة لحجب جميع الإشارات، بما في ذلك نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وشبكات الواي فاي، والبلوتوث، وتقنية تحديد الهوية بموجات الراديو (RFID)، ما يوفّر طبقة إضافية من الحماية للبيانات الحساسة ضد أي اختراق عن بُعد.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقل طائرة الرئاسة «إير فورس ون» قبل مغادرته مطار بكين (أ.ف.ب)

ويتمكن ترمب وفريقه من استعادة استخدام أجهزتهم فور عودتهم إلى الطائرة الرئاسية، التي تُعدّ، من الناحية القانونية والأمنية، أرضاً أميركية أينما وُجدت. كما تتمتع «إير فورس ون» بقدرات متقدمة لحماية المعلومات، إذ تعمل كمرفق معلومات حساسة مجزأة (SCIF) طائر، مزوّد بأنظمة متعددة لتأمين الاتصالات والبيانات.

وخلال هذه الزيارة، ناقش ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ عدداً من الملفات المعقدة على مدار يومين من الاجتماعات، من بينها الحرب الإيرانية، وقضية تايوان، إضافة إلى ملفات التجارة والتكنولوجيا، في ظل أجواء تتطلب أعلى درجات الحذر الأمني والتنظيمي.


خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

 ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
TT

خمس محطّات بارزة في قمّة شي وترمب

 ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)
ترمب يصافح شي في قاعة الشعب الكبرى ببكين (أ.ف.ب)

عقد الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب محادثات رفيعة المستوى في بكين، الخميس، تناولت حربَي إيران وأوكرانيا والتعاون الاقتصادي الثنائي.

لكن، بعيداً من الملفات المعقّدة المطروحة على جدول أعمال الزيارة، سجّلت خمس محطّات بارزة في اليوم الأول للقمّة الصينية الأميركية:

صداقة من طرف واحد؟

أغدق ترمب عبارات الثناء على شي مع بدء المحادثات في قاعة الشعب الكبرى، قائلاً: «إنه لشرف لي أن أكون صديقك»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وخاطبه مباشرة: «أنت وأنا نعرف بعضنا منذ زمن طويل... كانت بيننا علاقة رائعة، وتجاوزنا الخلافات عندما برزت وعملنا على حلّها»، وتابع: «كنت أتّصل بك وكنتَ تتصّل بي».

أمّا شي الذي وصف سابقاً علاقته مع ترمب بأنها «صداقة شخصية»، فتجنّب، الخميس، استخدام الوصف الآنف، واستعاض عنه بالقول إن على الجانبين «أن يكونا شريكَين لا خصمَين».

ويكثر شي من استخدام مصطلح «صداقة»، إذ يشيد بعلاقات «صداقة» مع دول عدّة، من بينها كوريا الشمالية وباكستان وفرنسا، ويطلق وصف «الصديق المقرّب» على نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

مصافحة لا عناق

في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في منتصف أبريل (نيسان)، توقّع ترمب أن يستقبله شي «بعناق كبير ودافئ».

شكّل هذا التعليق مثالاً على أسلوب ترمب الاستعراضي والمندفع على الساحة الدولية، في تناقض واضح مع حضور شي الهادئ والمتحفّظ.

وصباح الخميس، حصل الرئيس الأميركي على مصافحة رسمية بدلاً من العناق الذي توقعه، استمرت لأكثر من 10 ثوانٍ، وربّت ترمب على ذراع شي مرّتين خلالها.

«فخّ ثوسيديديس»

في خطاباته ولقاءاته مع القادة الأجانب، كثيراً ما يستشهد شي جينبينغ بحِكم أو أبيات شعرية صينية تاريخية.

لكنه اختار هذه المرة تشبيه العلاقات الصينية الأميركية بما يُعرف بـ«فخّ ثوسيديديس»، وهو مصطلح سياسي صاغه باحث أميركي استناداً إلى رواية المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس عن حرب البيلوبونيز. ويشير هذا المفهوم إلى ميل نحو الحرب عندما تهدّد قوّة صاعدة بإزاحة قوة مهيمنة.

وسأل شي: «هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يُعرف بـ(فخ ثيوسيديدس) وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوتَين الكبريَين؟»، مضيفاً أن «التعاون يفيد الجانبين، بينما المواجهة تضرّ بهما». وقال إن الإجابة على هذا السؤال يجب أن يصيغها الرئيسان «بشكل مشترك».

وكان شي قال خلال لقائه سلف ترمب جو بايدن في عام 2024، إن «فخّ ثوسيديديس ليس قدراً تاريخياً محتوماً».

مشادات مع الصحافيين

تصاعدت التوترات على هامش القمّة بين وسائل إعلام أميركية مرافِقة، والطاقم الأمني والمسؤولين الصينيين.

وتدافع الصحافيون لالتقاط صور داخل قاعة الشعب الكبرى بينما كان ترمب وشي يهمّان بالجلوس، إلى درجة أن أحد الأشخاص أطلق عبارة نابية بشكل مسموع. أيضاً، أمكن سماع عناصر أمن صينيين وهم يطلبون من الصحافيين التراجع.

في وقت لاحق، وأثناء زيارة الرئيسين معبد السماء التاريخي، تأخّر دخول الصحافة الأميركية قرابة نصف ساعة بعدما رفض الأمن الصيني بداية السماح لأحد عناصر الخدمة السرية الأميركية الدخول بسلاحه.

كذلك، منع مسؤولون صينيون لاحقاً الموظفين والصحافيين الأميركيين من مغادرة المكان والانضمام إلى الموكب، قبل السماح لهم بالمغادرة. وفي لقطات مصوّرة، يُسمع أحد الأميركيين يقول للمسؤولين الصينيين «كنتم مضيفين سيئين للغاية».

فيض من الصور الساخرة

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي الصينية بمنشورات ساخرة احتفاء بالزيارة.

وتمحور جزء كبير منها حول «الخميس المجنون»، وهي حملة رائجة في الصين أطلقتها سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الأميركية «كي إف سي» (KFC) وتقدّم حسوماً كل يوم خميس، فيما استخدم بعضهم الذكاء الاصطناعي لتوليد صور ساخرة لترمب وهو يستمتع بالدجاج المقلي.

وتصدّرت الوسوم المرتبطة بالزيارة منصات التواصل، إذ حصد أحدها 98 مليون مشاهدة على منصة «ويبو» (الموازية لمنصة «إكس») في الصين حتى بعد الظهر. وأعرب البعض عن أمله في أن «يقضي ترمب وقتاً ممتعاً» خلال زيارته.

وأبدى معلّقون حماسة تجاه وجود الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ، ومالك «تسلا» إيلون ماسك، ضمن الوفد التجاري الأميركي المرافق، إذ تجاوز وسم مرتبط بهما 52 مليون مشاهدة على «ويبو».

كما لفتت مقاطع مصوّرة لماسك وهو يصوّر بهاتفه أثناء وقوفه على درج قاعة الشعب الكبرى انتباه المستخدمين. وقال أحدهم: «لا يشبه هذا المشهد أي شيء قد تراه في أميركا». وعلّق آخر ساخراً: «يبدو كمن لم يرَ العالم من قبل».


نفاذ الديزل وزيت الوقود في كوبا وسط الحصار الأميركي

انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
TT

نفاذ الديزل وزيت الوقود في كوبا وسط الحصار الأميركي

انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)
انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير مؤخرا في أنحاء هافانا حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم (أ.ف.ب)

قال وزير الطاقة والمناجم في كوبا أمس الأربعاء إن مخزونات الديزل وزيت الوقود في البلاد نفدت تماما، في وقت تواجه فيه العاصمة هافانا أسوأ موجة انقطاعات متكررة للكهرباء منذ عقود، وذلك في ظل الحصار الأميركي الذي خنق إمدادات الوقود إلى الجزيرة.

وقال شاهد من رويترز إن احتجاجات متفرقة خرجت في عدة أحياء بالعاصمة حيث قام مئات السكان بقرع أواني الطهي احتجاجا على الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي على الرغم من وجود الشرطة بكثافة.

وقال وزير الطاقة فيسنتي دي لا أو عبر وسائل الإعلام الحكومية «ليس لدينا وقود (نفط) على الإطلاق، ولا ديزل على الإطلاق»، مضيفا أن الشبكة الوطنية في حالة «حرجة». وتابع قائلا «ليس لدينا احتياطيات».

وذكر الوزير أن انقطاعات التيار الكهربائي زادت بشكل كبير هذا الأسبوع والأسبوع الماضي في أنحاء هافانا، حيث تظل أحياء كثيرة بدون كهرباء لمدة 20 إلى 22 ساعة في اليوم، ما زاد من التوتر في مدينة منهكة بالفعل بسبب نقص الغذاء والوقود والأدوية. وأضاف أن الشبكة الوطنية تعمل بالكامل على النفط الخام المحلي والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة.

وقال دي لا أو إن كوبا قامت بتركيب ألواح طاقة شمسية بقدرة 1300 ميغاوات على مدار العامين الماضيين، لكن جزءا كبيرا من هذه الطاقة يضيع بسبب عدم استقرار الشبكة وسط نقص الوقود، ما يقلل من الكفاءة والإنتاج.

وقال أكبر مسؤول في قطاع الطاقة في البلاد إن كوبا تواصل المفاوضات لاستيراد الوقود على الرغم من الحصار، لكنه أشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط والنقل العالمية في ظل الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران يزيد هذه الجهود تعقيدا. وقال الوزير «كوبا منفتحة على أي شخص يرغب في بيع الوقود لنا».

ولم ترسل المكسيك ولا فنزويلا، اللتان كانتا سابقا أكبر موردي النفط إلى كوبا، أي شحنات وقود إلى الجزيرة منذ أن أصدر دونالد ترمب أمرا تنفيذيا في يناير (كانون الثاني) 2026 يهدد بفرض رسوم جمركية على أي دولة ترسل الوقود إلى الدولة ذات الحكم الشيوعي.

ولم تسلم سوى ناقلة نفط واحدة كبيرة ترفع العلم الروسي النفط الخام إلى كوبا منذ ديسمبر (كانون الأول) ما منح الجزيرة بعض الدعم في أبريل (نيسان).

وتحدث انقطاعات الكهرباء في هافانا وخارجها في الوقت الذي يدخل فيه الحصار الأميركي على واردات الوقود إلى كوبا شهره الرابع ما يشل الخدمات العامة في أنحاء الجزيرة الكاريبية التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة تقريبا.

ووصفت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي الحصار الذي فرضه ترمب بأنه غير قانوني، قائلة إنه أعاق «حق الشعب الكوبي في التنمية، وقوض حقوقه في الغذاء والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي».