بناء سلاح الجو في أفغانستان... آمال عريضة وإمكانات محدودة

مروحيات «بلاك هوك» تنقل مستشارين أميركيين ومتدربين من سلاح الجو الأفغاني بعيد إقلاعها من مطار قندهار بجنوب أفغانستان في 19 مارس الماضي (أ.ب)
مروحيات «بلاك هوك» تنقل مستشارين أميركيين ومتدربين من سلاح الجو الأفغاني بعيد إقلاعها من مطار قندهار بجنوب أفغانستان في 19 مارس الماضي (أ.ب)
TT

بناء سلاح الجو في أفغانستان... آمال عريضة وإمكانات محدودة

مروحيات «بلاك هوك» تنقل مستشارين أميركيين ومتدربين من سلاح الجو الأفغاني بعيد إقلاعها من مطار قندهار بجنوب أفغانستان في 19 مارس الماضي (أ.ب)
مروحيات «بلاك هوك» تنقل مستشارين أميركيين ومتدربين من سلاح الجو الأفغاني بعيد إقلاعها من مطار قندهار بجنوب أفغانستان في 19 مارس الماضي (أ.ب)

تحلّق مروحيتان صغيرتان فوق حظيرة الطائرات لبضع دقائق، فيما يباشر الطيارون إجراءات المراجعة التي تسبق الرحلة الجوية، قبل أن تنطلقا شمالاً وتتواريا عن الأنظار في طريقهما نحو منطقة القتال. وتعود المروحيتان، وهما من طراز (إم دي 530 إس)، إلى الجبهة في إقليم أوروزغان بجنوب وسط أفغانستان للمشاركة في قتال حركة «طالبان»، رغم أن هذا الطراز أصبح يستخدم في بلدان أخرى لنقل السيّاح، بحسب ما جاء في تحقيق لوكالة الأنباء الألمانية عن جهود بناء سلاح الجو في أفغانستان.
وجاء في التحقيق أن المروحيتين أقلعتا من مطار قندهار بجنوب أفغانستان الذي أصبح الآن أكبر مركز تدريب للقوات الجوية الأفغانية الناشئة.
وتندرج هاتان المروحيتان في إطار الجهود المتنامية التي تقوم بها مهمة التدريب التي يقوم بها حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتعرف باسم «الدعم الحازم» لبناء قوات جوية أفغانية من لا شيء، في سباق عكس عقارب الساعة في ظل اتساع نشاط حركة التمرد في الوقت الذي تحتدم فيه الحرب كل يوم. ويتعيّن على الطيارين والفنيين تعلم المهمة في الوقت الذي يقاتلون فيه بالفعل، كما أشارت وكالة الأنباء الألمانية.
وجاءت هذه الخطوة متأخرة، بحسب الوكالة. فعلى رغم إنفاق مليارات الدولارات على الجهود الدولية لإعادة إعمار أفغانستان منذ العام 2001، لم يتم الالتفات إلى بناء سلاح جوي يمكنه توفير الدعم للقوات البرية، وكانت الآمال تنصب آنذاك على أن قوات الجيش والشرطة التي يزيد قوامها على 300 ألف فرد كفيلة بإنهاء المهمة والقضاء على التمرد. لكن حركة «طالبان» ما زالت تكيل الضربات للجيش والشرطة، حيث تشن عشرات الهجمات على القواعد والمواقع الأمنية والبلدات بشكل أسبوعي، ما يؤدي إلى مقتل الآلاف من قوات الآمن كل عام، ويترك هذه القوات في حالة من الإجهاد والإحباط، على ما جاء في تحقيق «د.ب.أ». وتبسط «طالبان» اليوم سيطرتها ونفوذها على مساحة لا تقل عن 14 في المائة من المناطق الأفغانية، فيما يستمر الصراع على مناطق أخرى تصل إلى قرابة ثلاثين في المائة من مساحة أفغانستان، وذلك بحسب آخر تقرير لوكالة التفتيش العامة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي الخاصة بإعادة إعمار أفغانستان (سيجار) في فبراير (شباط) الماضي. وقالت وكالة الأنباء الألمانية إن هناك مصادر أخرى ترى أن الأرقام أعلى من ذلك.
والآن، مع زيادة الحاجة إلى الأسطول الجوي الأفغاني الصغير الذي لا يزيد حجمه حالياً على 135 طائرة، يتعين على طياري سلاح الجو أن يكافحوا من أجل الوفاء بجميع المهام التي توكل إليهم. وتتلقى القوات الجوية عشرات المهام الجديدة كل يوم سواء إن كانت توجيه قصف جوي أو نقل قوات أو القيام بطلعات للإجلاء الطبي أو توصيل إمدادات.
ويقول أحد الطيارين أثناء وقوفه داخل حظيرة الطائرات في قاعدة قندهار: «أحياناً نقوم بثلاث طلعات جوية في اليوم الواحد». ويوضح الطيار الذي طلب تحديد هويته باسم «الكابتن إم»: «خلال شهر رمضان العام الماضي، كنت أطير بينما كانت أصابعي شاحبة من الجفاف والإجهاد». وأضاف: «هذا وطني، ويتعين أن نعمل جاهدين من أجل إنقاذه».
ويؤكد مستشارون أن جهود تدريب الطيارين وصيانة الطيارات تؤخذ على محمل الجد، حيث من المقرر زيادة عدد الطائرات التابعة لسلاح الجو الناشئ بواقع ثلاثة أضعاف عددها الحالي بحلول عام 2022.
ويقول البريغادير جنرال فيليب ستيوارت قائد بعثة التدريب وتقديم الاستشارات والمعاونة على القيادة الجوية في أفغانستان إن عدد أفراد سلاح الجو سيزيد بنسبة أربعين في المائة تقريباً، كما جاء في تحقيق الوكالة الألمانية.
وتضم القوات الجوية الأفغانية حالياً زهاء 8 آلاف فرد بما في ذلك الطيارون والأطقم الجوية وأفراد الصيانة، ومن المقرر زيادة هذا العدد إلى حوالي 11 ألف فرد. ويقول ستيوارت: «في الغرب، تستغرق عملية تدريب الطيار أكثر من أربع سنوات، ولكن هنا، لا تزيد فترة برنامج التدريب عن عامين، فالطيارون يخوضون حرباً بالفعل». وأضاف أن «الطيارين ينفذون حوالي مائة طلعة جوية تقريباً في اليوم، وبنجاح كذلك».
ويقول المدربون إن القوات الجوية خاضت بالفعل معارك حاسمة في عام 2017، ويتمثل هدفها الرئيسي في الاشتباك خلال المواجهات البرية مع عناصر «طالبان» ومهاجمة مواقعها وتقويض قوتها. ويقول مستشارون آخرون إن القصف الجوي ساعد القوات البرية الأفغانية في الوصول إلى ما يطلق عليه اسم «التفكير الهجومي» والخروج من المواقع الأمنية والقواعد العسكرية التي كانوا يتحصن بها الجنود في السنوات الماضية، ونادراً ما كانوا يتجرأون على المغامرة بالخروج وشن هجمات على مواقع «طالبان».
غير أن من الأشياء التي تثير القلق، بحسب الوكالة الألمانية، قدرة القوات الأفغانية على شن هجمات بدون إسقاط ضحايا في صفوف المدنيين. فقد كشف آخر تقرير لمنظمة الأمم المتحدة بشأن الضحايا المدنيين خلال الحرب أن القوات الجوية الأفغانية قتلت وأصابت أكثر من 300 مدني خلال عام 2017، بما يمثّل 49 في المائة من جميع الضحايا الذين سقطوا خلال الغارات الجوية، رغم أن الطيران الأميركي يشن عدداً أكبر بكثير من الغارات الجوية.
وما زالت القوات الجوية الأفغانية تفتقر إلى الوسائل الكافية للاتصال بالقواعد الأرضية ومراكز المراقبة الجوية التي تساعد في تحديد ما إذا كان هناك مدنيون بالقرب من المواقع المطلوب استهدافها بالقصف الجوي، وكذلك المساعدة في توجيه الضربات وفق إحداثيات واضحة.
ومن بين المشروعات الأخرى التي يهتم بها المستشارون والمقاولون العسكريون عمليات الإنزال الجوي وإجلاء الضحايا علاوة على صيانة الطائرات، وهي مهمة أصعب من تدريب الطيارين.
ويقول الميجور جيرار كاريسيو كبير المستشارين لشؤون صيانة الطائرات إن «تدريب ميكانيكي جيّد يستغرق من خمس إلى سبع سنوات». وفي الوقت الحالي، يتولى مقاولون أجانب حوالي ثمانين في المائة من كافة عمليات صيانة الطائرات في أفغانستان.
وأكد الجنرال ستيوارت أن «القتال هو مدرّب رائع»، مضيفا أن بعض المهمات يتم القيام بها بشكل جيد بالفعل، بما في ذلك تعبئة الأسلحة بالذخائر. ولكن ما زالت هناك مهام أخرى تمثّل تحدياً، مثل إجلاء الضحايا على سبيل المثال.
ويحاول جراح تابع لسلاح الجو الأميركي بالتعاون مع ثلاثة مستشارين آخرين فقط تحسين مستوى أطقم الإسعاف الجوي المتواجدة حالياً والقليلة للغاية، حيث يفترض أن ينجحوا في مرحلة ما من التدريب في نقل المصابين من ساحة القتال إلى المراكز الطبية العسكرية خلال ستين دقيقة. وقال الجراح: «نجح فريق إسعاف مؤخراً في إجراء عملية نقل المصابين خلال تسعين دقيقة».
ومن بين العناصر المهمة في المشروع التدريب على مروحيات «بلاك هوك»، وهي على الأرجح أكثر مروحية متطورة والأعلى سعراً في الأسطول الأفغاني الذي يضم طائرات صغيرة رخيصة وسهلة الصيانة.
ووصلت ثماني مروحيات من هذا الطراز إلى قاعدة قندهار الجوية في أغسطس (آب) عام 2017، ومن المفترض أن تدخل الخدمة بدل مروحيات النقل الروسية العتيقة طراز (إم إي 17) التي تسمى «ديناصورات» الحروب الجوية الأفغانية.
وأعرب أحد الطيارين الشباب الذين يتدربون في قندهار عن شعوره بالحماسة، حيث إنه كان يحلم دائماً أن يصبح طياراً. وهو لا يشعر بالقلق من خوض المواقف القتالية. يقول الطيار للوكالة الألمانية: «عندما يريد شخص ما أن يقتل أسرتي، لماذا يتعيّن أن أتردد قبل أن أقتله؟».


مقالات ذات صلة

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

الولايات المتحدة​ الشرطة خارج جامعة أولد دومينيون في ولاية فرجينيا (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن إطلاق النار الذي وقع، الخميس، في جامعة أولد دومينيون يجري التحقيق فيه بوصفه «عملاً إرهابياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

يوجد وفد جزائري من قطاع المالية، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد في مغادرة «المنطقة الرمادية»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
الولايات المتحدة​ قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

واشنطن تصنف «الإخوان المسلمين» في السودان منظمة إرهابية

أدرجت الخارجية الأميركية جماعة «الإخوان المسلمين» بالسودان على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص وتعتزم تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.