«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع

ثريا العريض
ثريا العريض
TT

«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

ثريا العريض
ثريا العريض

شهدت الساحة الأدبية في المملكة العربية السعودية، أصواتاً نسائية تطالب بحقوق المرأة وتتمرد على سلطة الرجل، واتخذت الكتابة هوية وسلاحاً. وقد ذكر الدكتور عالي القرشي، في دراسة له حول القصيدة الجديدة، أن «من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية التي تجد دعماً لها في التبني الاجتماعي لما تلوّح به من قيم، وما تفرضه، نتيجة للإرث التاريخي الطويل، ونتيجة لدعم تلك المقولات بتفسيرات للنص الديني، وفق المعطيات التي راقت أصحاب ذلك التسلط».
تعد الشاعرة السعودية ثريا العريض إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع، وقد عدها بعض الدارسين إحدى شاعرات الرمزية المجددة اللاتي قدمن نصوصاً متميزة صوّرت صوت المرأة الجديدة في رحلة بحثها عن كينونتها الاجتماعية الخاصة والإنسانية العامة. وقد اختارت ثريا شعر التفعيلة منهجاً كتابياً وعت أنه يمثل ما تريد، ويمكن أن يحمل صوت تمردها، ذلك التمرد الهادئ الذي لا يصل إلى حد الرفض المطلق، لكنه يعمد إلى مساءلة الواقع حول المرأة وما تعيشه من تهميش وإقصاء. وقد ذهب عزيز ضياء إلى أنها «تكتب الشعر الحر أو الحديث فعلاً، ولكنه يتميز عن غيرها بأنه لا يتكئ ولا يبالغ في الاتكاء على الاستعارة ولا يحمل ألفاظاً أكثر مما تتحمل المعاني». ومن هنا أثارت اختيارات ثريا الفنية والمضمونية بعض الاختلاف حول تجربتها الشعرية، فمحمد العلي يرى أن قصائدها توضح رؤيتها القومية الشاملة، لكن رؤيتها رومانسية أفقية. في حين أن سعود الفرج يرى أن شعرها يتسم بالغنائية، وفي أغلبه يحاور الوطن عن مشاعر المرأة الخليجية، وبعضه يأخذ مادته من التراث. وهو يعبر عن وعي ذاتي وقومي وإنساني. أما محمد العباس فيذكر أنه إذا كانت الدكتورة سعاد الصباح قد عبرت عن همومها وتطلعاتها بقصائد أشبه ما تكون بالبيانات التي يكمل بعضها بعضاً، فإن الدكتورة ثريا العريض هجست بنفس المآزق التاريخية والعاطفية وجادلتها بنفس شعري أرق، وبلغة أكثر شفافية في قصيدة طويلة وجميلة بعنوان «مساءلة ابن أبي ربيعة» يمكن اعتبارها نموذجاً أو وثيقة اجتماعية نفسية حقوقية أمينة ومعبرة عن واقع وتطلعات جمعية.
ولعل ما يجمع كل تلك الآراء هو الاتفاق على أن ثريا تحمل في شعرها هماً فردياً وجمعياً، ووعياً إنسانياً بواقعها وبالكتابة، تجسيداً لكل ذلك.
مما سبق يمكن القول إن نسوية ثريا العريض تبدأ من وعيها بذاتها، ومن إعلانها المستمر عن وجودها، ومن نبشها الدائم في التاريخ وفي الحاضر لتأكيد أناها ووجودها، وكذلك من إثارة الأسئلة التي ترتبط بمساءلة المحيط والواقع، ومساءلة التاريخ والمجتمع عن وضع المرأة وتكميم صوتها وإقصائها. كما تتبدى أيضاً في تلك الذاتية الغنائية المليئة بالرفض والاحتجاج اللذين يسمان ديوانيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
- الحوار مع الاسم وإثبات الهوية
يمكن لقارئ ثريا العريض أن يلحظ هذا الوعي بإشكالية الهوية الأنثوية، وبالإقصاء الذي مارسته الثقافة عليها منذ العصور القديمة، ومن ثم بحثت عما يمكن أن يمثل هذه الهوية، وأن تحارب من أجله على اعتبار أنه هي. وقد وجدت في «الاسم» مكوناً جوهرياً وأساسياً تطرح من خلاله فكرة تغييب المرأة. والعلاقة بين الاسم وصاحبه علاقة جوهرية وقديمة منذ بدء الحضارات، فللاسم صلة قوية بالمقدس في الحضارات البدائية، سواء كان علماً أم اسم مكان، لأن تسمية الموجودات والمعرفة عامة جاءت في زمن قدسي أولي هو زمن الخليقة، فكانت تسمية وتعريفاً بالحقائق والجواهر، بالأسماء ومسمياتها ونعوتها. لذلك يعتبر الاسم صنواً للذات وجزءاً دالاً على الكل. وتراهم يحرصون على إخفائه لأن معرفة الاسم تمكّن من الفعل ومن التأثير في صاحبه وفي العالم. وهناك من يعتبر الاسم بمثابة أسطورة مصغرة.
يحضر «الاسم» في قصيدة «سفر» ويكون مرتبطاً بهوية المرأة –كما سبقت الإشارة:
المدى نقش امرأة لاسمها
في السطور التي سوف تأتي
منمنمة في الكهوف رقيقة
خطوطاً دقيقة
مبتهجاً طائعاً مثل حنائها
ومشتعلاً وهجاً
لا يشي بالذي يتخبأ بين أناملها
إذ يبيح اليراع بريقه
ينتشي بالتفافات أحرفها
ويبدو الحرص على بقاء الاسم وخلوده في توظيف فكرة «النقش» الذي يساوي الكتابة والتي تساوي أيضاً هوية المرأة ووسيلتها للتمرد. ويبدو أن توظيف الحناء هو ما جعل محمد رحومة يضع هذا النص ضمن محور التشكيل بالأنثى على اعتبار أن الحناء والنقش والوشم مما يرتبط بالأنثى وزينتها. غير أننا نرى أن النص يحيل إلى فعل الكتابة وديمومتها، ومن ثم ديمومة الاسم، لا سيما أن النص يُبنى على ما يؤكد ذلك كالمنمنمات التي تحيل إلى شكل فني يعتمد على الرسم الدقيق، ومن ثم تحيل النقوش إلى الحفريات الأولى التي مارسها الإنسان قديماً على جدران الكهوف ليحفظ بها تجربته ووجوده. ومما يؤكد أيضاً ارتباط تخليد الاسم بالكتابة توظيف اليراع والأحرف التي تتخبأ بين أناملها.
- توظيف التراث والأسطورة (التمثيلات الرمزية)
لقد أدرك الشعراء أهمية التوظيف الرمزي وطاقاته الإيحائية، واختلفوا في نوع الرموز التي يختارونها كما اختلفوا في آليات التوظيف. ويضع بعض الدارسين ثريا العريض ضمن شعراء الرمزية المجددة في المملكة العربية السعودية، وهذا يعني أن التمثيل الرمزي مقوم أساسي وواضح في تجربتها الشعرية، وقد تراوحت تلك التمثيلات بين اختيار بعض الرموز اللغوية كالدانة والبحر، وتوظيف رموز تراثية وأسطورية. وقد هيمن النوعان الأخيران على مجموعتيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
بالنسبة إلى الرموز التراثية، فقد اهتمت ثريا العريض بتوظيف التراث في شعرها، وقد انطلق الشاعر العربي عامةً من مفهوم خاص للتراث، فلم يعد همه الأول أن ينقل إلينا نقلاً فوتوغرافياً ملامح الشخصية التراثية كما هي في مصادرها، بل أصبح معنياً بجعلها تراثية ومعاصرة في الوقت نفسه، فيختار من ملامح الشخصية ما يتفق وتجربته المعاصرة ثم يُسقط أبعاد تلك التجربة على الملامح التي اختارها. وقد يصدق هذا في كثير على تجربة ثريا، إذ يلاحظ أن اختياراتها كانت محكومة برؤيتها للواقع العربي من جهة، ولواقع المرأة العربية من جهة أخرى. ومن هنا غلب على اختياراتها توظيف رموز نسائية، أو رموز ارتبط اسمها بالمرأة وهذا يأتي في المرتبة الثانية.
حضر التراث واضحاً منذ المجموعة الأولى «أين اتجاه الشجر؟»، والعتبة الأولى للنص، أي العنوان، تُحيل مباشرة إلى التراث وإلى رمز أساسي في هذه المجموعة وهو رمز «زرقاء اليمامة». وكذلك أيضاً يحضر الرمز نفسه في المقدمة الاستهلالية للمجموعة التي تحيل إلى الثيمتين المحوريتين في أعمال ثريا العريض وهما الوطن والمرأة، وتجمع الزرقاء هاتين الثيمتين، كما يحيل إليها تعريف الشاعرة بنفسها وبشعرها في تلك المقدمة، وبأنه تسجيل لدموع امرأة ابتُليت أو اصطُفيت بعيني زرقاء، فوجدت نفسها متورطة في عشق وطن يصارع تهوراته. من هنا يتكامل رمز الزرقاء مع الفاختة، اليمامة العربية الباحثة عن عشها الضائع وصغارها التائهين.
لقد وضع محمد رحومة رمز الزرقاء ضمن محور البوح - الرؤيا، وذكر أنها امتلكت عين الزرقاء ومن ثم راحت تشكل رؤيتها بالعين، وتميل إلى توظيفها في صورها. وتتراوح الصورة بين معاينة الواقع ونقله من خلال عيني الزرقاء، وبين تشويه للعين ورفض لوظيفتها.
تأتي النبوءة تناصاً على لسان الزرقاء، وبين علامتي تنصيص:
«أرى شجراً يتدانى إلينا
هشيماً تخطّاه وعد المطر
أرانا نمد إليه يدينا
فيأكلها جمر ذاك الشجر
أرانا وأعيننا مطفأة
تضيعنا عتمات البصر
فمن يشتري بصري؟
يشتريني؟
ويدفع عنا بلاء الخطر؟»

- ملخص لورقة قدمتها الدكتورة ميساء الخواجة، أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود، في مهرجان «ربيع الشعر العربي» الذي نظّمته مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية في الكويت 25 - 28 مارس(آذار) 2018.



«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.