«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع

ثريا العريض
ثريا العريض
TT

«النسوية» عند الشاعرة ثريا العريض

ثريا العريض
ثريا العريض

شهدت الساحة الأدبية في المملكة العربية السعودية، أصواتاً نسائية تطالب بحقوق المرأة وتتمرد على سلطة الرجل، واتخذت الكتابة هوية وسلاحاً. وقد ذكر الدكتور عالي القرشي، في دراسة له حول القصيدة الجديدة، أن «من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية التي تجد دعماً لها في التبني الاجتماعي لما تلوّح به من قيم، وما تفرضه، نتيجة للإرث التاريخي الطويل، ونتيجة لدعم تلك المقولات بتفسيرات للنص الديني، وفق المعطيات التي راقت أصحاب ذلك التسلط».
تعد الشاعرة السعودية ثريا العريض إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع، وقد عدها بعض الدارسين إحدى شاعرات الرمزية المجددة اللاتي قدمن نصوصاً متميزة صوّرت صوت المرأة الجديدة في رحلة بحثها عن كينونتها الاجتماعية الخاصة والإنسانية العامة. وقد اختارت ثريا شعر التفعيلة منهجاً كتابياً وعت أنه يمثل ما تريد، ويمكن أن يحمل صوت تمردها، ذلك التمرد الهادئ الذي لا يصل إلى حد الرفض المطلق، لكنه يعمد إلى مساءلة الواقع حول المرأة وما تعيشه من تهميش وإقصاء. وقد ذهب عزيز ضياء إلى أنها «تكتب الشعر الحر أو الحديث فعلاً، ولكنه يتميز عن غيرها بأنه لا يتكئ ولا يبالغ في الاتكاء على الاستعارة ولا يحمل ألفاظاً أكثر مما تتحمل المعاني». ومن هنا أثارت اختيارات ثريا الفنية والمضمونية بعض الاختلاف حول تجربتها الشعرية، فمحمد العلي يرى أن قصائدها توضح رؤيتها القومية الشاملة، لكن رؤيتها رومانسية أفقية. في حين أن سعود الفرج يرى أن شعرها يتسم بالغنائية، وفي أغلبه يحاور الوطن عن مشاعر المرأة الخليجية، وبعضه يأخذ مادته من التراث. وهو يعبر عن وعي ذاتي وقومي وإنساني. أما محمد العباس فيذكر أنه إذا كانت الدكتورة سعاد الصباح قد عبرت عن همومها وتطلعاتها بقصائد أشبه ما تكون بالبيانات التي يكمل بعضها بعضاً، فإن الدكتورة ثريا العريض هجست بنفس المآزق التاريخية والعاطفية وجادلتها بنفس شعري أرق، وبلغة أكثر شفافية في قصيدة طويلة وجميلة بعنوان «مساءلة ابن أبي ربيعة» يمكن اعتبارها نموذجاً أو وثيقة اجتماعية نفسية حقوقية أمينة ومعبرة عن واقع وتطلعات جمعية.
ولعل ما يجمع كل تلك الآراء هو الاتفاق على أن ثريا تحمل في شعرها هماً فردياً وجمعياً، ووعياً إنسانياً بواقعها وبالكتابة، تجسيداً لكل ذلك.
مما سبق يمكن القول إن نسوية ثريا العريض تبدأ من وعيها بذاتها، ومن إعلانها المستمر عن وجودها، ومن نبشها الدائم في التاريخ وفي الحاضر لتأكيد أناها ووجودها، وكذلك من إثارة الأسئلة التي ترتبط بمساءلة المحيط والواقع، ومساءلة التاريخ والمجتمع عن وضع المرأة وتكميم صوتها وإقصائها. كما تتبدى أيضاً في تلك الذاتية الغنائية المليئة بالرفض والاحتجاج اللذين يسمان ديوانيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
- الحوار مع الاسم وإثبات الهوية
يمكن لقارئ ثريا العريض أن يلحظ هذا الوعي بإشكالية الهوية الأنثوية، وبالإقصاء الذي مارسته الثقافة عليها منذ العصور القديمة، ومن ثم بحثت عما يمكن أن يمثل هذه الهوية، وأن تحارب من أجله على اعتبار أنه هي. وقد وجدت في «الاسم» مكوناً جوهرياً وأساسياً تطرح من خلاله فكرة تغييب المرأة. والعلاقة بين الاسم وصاحبه علاقة جوهرية وقديمة منذ بدء الحضارات، فللاسم صلة قوية بالمقدس في الحضارات البدائية، سواء كان علماً أم اسم مكان، لأن تسمية الموجودات والمعرفة عامة جاءت في زمن قدسي أولي هو زمن الخليقة، فكانت تسمية وتعريفاً بالحقائق والجواهر، بالأسماء ومسمياتها ونعوتها. لذلك يعتبر الاسم صنواً للذات وجزءاً دالاً على الكل. وتراهم يحرصون على إخفائه لأن معرفة الاسم تمكّن من الفعل ومن التأثير في صاحبه وفي العالم. وهناك من يعتبر الاسم بمثابة أسطورة مصغرة.
يحضر «الاسم» في قصيدة «سفر» ويكون مرتبطاً بهوية المرأة –كما سبقت الإشارة:
المدى نقش امرأة لاسمها
في السطور التي سوف تأتي
منمنمة في الكهوف رقيقة
خطوطاً دقيقة
مبتهجاً طائعاً مثل حنائها
ومشتعلاً وهجاً
لا يشي بالذي يتخبأ بين أناملها
إذ يبيح اليراع بريقه
ينتشي بالتفافات أحرفها
ويبدو الحرص على بقاء الاسم وخلوده في توظيف فكرة «النقش» الذي يساوي الكتابة والتي تساوي أيضاً هوية المرأة ووسيلتها للتمرد. ويبدو أن توظيف الحناء هو ما جعل محمد رحومة يضع هذا النص ضمن محور التشكيل بالأنثى على اعتبار أن الحناء والنقش والوشم مما يرتبط بالأنثى وزينتها. غير أننا نرى أن النص يحيل إلى فعل الكتابة وديمومتها، ومن ثم ديمومة الاسم، لا سيما أن النص يُبنى على ما يؤكد ذلك كالمنمنمات التي تحيل إلى شكل فني يعتمد على الرسم الدقيق، ومن ثم تحيل النقوش إلى الحفريات الأولى التي مارسها الإنسان قديماً على جدران الكهوف ليحفظ بها تجربته ووجوده. ومما يؤكد أيضاً ارتباط تخليد الاسم بالكتابة توظيف اليراع والأحرف التي تتخبأ بين أناملها.
- توظيف التراث والأسطورة (التمثيلات الرمزية)
لقد أدرك الشعراء أهمية التوظيف الرمزي وطاقاته الإيحائية، واختلفوا في نوع الرموز التي يختارونها كما اختلفوا في آليات التوظيف. ويضع بعض الدارسين ثريا العريض ضمن شعراء الرمزية المجددة في المملكة العربية السعودية، وهذا يعني أن التمثيل الرمزي مقوم أساسي وواضح في تجربتها الشعرية، وقد تراوحت تلك التمثيلات بين اختيار بعض الرموز اللغوية كالدانة والبحر، وتوظيف رموز تراثية وأسطورية. وقد هيمن النوعان الأخيران على مجموعتيها: «أين اتجاه الشجر؟»، و«امرأة دون اسم».
بالنسبة إلى الرموز التراثية، فقد اهتمت ثريا العريض بتوظيف التراث في شعرها، وقد انطلق الشاعر العربي عامةً من مفهوم خاص للتراث، فلم يعد همه الأول أن ينقل إلينا نقلاً فوتوغرافياً ملامح الشخصية التراثية كما هي في مصادرها، بل أصبح معنياً بجعلها تراثية ومعاصرة في الوقت نفسه، فيختار من ملامح الشخصية ما يتفق وتجربته المعاصرة ثم يُسقط أبعاد تلك التجربة على الملامح التي اختارها. وقد يصدق هذا في كثير على تجربة ثريا، إذ يلاحظ أن اختياراتها كانت محكومة برؤيتها للواقع العربي من جهة، ولواقع المرأة العربية من جهة أخرى. ومن هنا غلب على اختياراتها توظيف رموز نسائية، أو رموز ارتبط اسمها بالمرأة وهذا يأتي في المرتبة الثانية.
حضر التراث واضحاً منذ المجموعة الأولى «أين اتجاه الشجر؟»، والعتبة الأولى للنص، أي العنوان، تُحيل مباشرة إلى التراث وإلى رمز أساسي في هذه المجموعة وهو رمز «زرقاء اليمامة». وكذلك أيضاً يحضر الرمز نفسه في المقدمة الاستهلالية للمجموعة التي تحيل إلى الثيمتين المحوريتين في أعمال ثريا العريض وهما الوطن والمرأة، وتجمع الزرقاء هاتين الثيمتين، كما يحيل إليها تعريف الشاعرة بنفسها وبشعرها في تلك المقدمة، وبأنه تسجيل لدموع امرأة ابتُليت أو اصطُفيت بعيني زرقاء، فوجدت نفسها متورطة في عشق وطن يصارع تهوراته. من هنا يتكامل رمز الزرقاء مع الفاختة، اليمامة العربية الباحثة عن عشها الضائع وصغارها التائهين.
لقد وضع محمد رحومة رمز الزرقاء ضمن محور البوح - الرؤيا، وذكر أنها امتلكت عين الزرقاء ومن ثم راحت تشكل رؤيتها بالعين، وتميل إلى توظيفها في صورها. وتتراوح الصورة بين معاينة الواقع ونقله من خلال عيني الزرقاء، وبين تشويه للعين ورفض لوظيفتها.
تأتي النبوءة تناصاً على لسان الزرقاء، وبين علامتي تنصيص:
«أرى شجراً يتدانى إلينا
هشيماً تخطّاه وعد المطر
أرانا نمد إليه يدينا
فيأكلها جمر ذاك الشجر
أرانا وأعيننا مطفأة
تضيعنا عتمات البصر
فمن يشتري بصري؟
يشتريني؟
ويدفع عنا بلاء الخطر؟»

- ملخص لورقة قدمتها الدكتورة ميساء الخواجة، أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود، في مهرجان «ربيع الشعر العربي» الذي نظّمته مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية في الكويت 25 - 28 مارس(آذار) 2018.



«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».