غراهام بوتر: مع أوسترسوند حققنا حلماً لقصة غير معقولة

وضع الفريق السويدي المتواضع مع كبار أوروبا وأثبت أن هناك طريقاً آخر يمكن للمدربين الإنجليز سلوكه

غراهام بوتر مدرب أوسترسوند السويدي - لاعبو أوسترسوند يحملون مدربهم بوتر احتفالاً بالفوز بكأس السويد
غراهام بوتر مدرب أوسترسوند السويدي - لاعبو أوسترسوند يحملون مدربهم بوتر احتفالاً بالفوز بكأس السويد
TT

غراهام بوتر: مع أوسترسوند حققنا حلماً لقصة غير معقولة

غراهام بوتر مدرب أوسترسوند السويدي - لاعبو أوسترسوند يحملون مدربهم بوتر احتفالاً بالفوز بكأس السويد
غراهام بوتر مدرب أوسترسوند السويدي - لاعبو أوسترسوند يحملون مدربهم بوتر احتفالاً بالفوز بكأس السويد

مع حلول الظلام على ملعب أوسترسوند، وهبوط درجة الحرارة إلى 20 درجة تحت الصفر، قال الإنجليزي غراهام بوتر، المدرب الملهم للنادي السويدي، «نوع البرد مختلف هنا»، لكن ذلك لم يمنع غراهام لاعب ساوثهامبتون السابق، والبالغ من العمر 42 عاماً، من تحقيق حلمه لقصة غير معقولة، عندما استضاف نادي آرسنال على ملعبه في مباراة الذهاب من منافسات الدوري الأوروبي الشهر الماضي (خسر ذهاباً 3 - صفر وفاز إياباً في ملعب الإمارات 2 -1).
ضحك بوتر عندما قلت إن ما يحدث صعب التصديق. وشعرت أن البرودة بمدينة برمنغهام أشد في شهر فبراير (شباط)، التي لا تبعد كثيراً عن بيته القديم في سوليهول، بالمقارنة بالبرد في المدينة الصغيرة بشمال السويد. قال بوتر بلهجة أهل شمال إنجلترا: «أعرف ماذا تعني. هذا برد جاف، لكنه ليس بهذا السوء. أليس كذلك؟».
لقد خاض آرسنال تجربة في غاية الاختلاف أمام أوسترسوند على ملعب مغطى بالثلج لا يستوعب سوى 9000 متفرج، لكن هذا الفريق تمكن بوتر من صقله بعدة أساليب، وجعله أشبه بمن يؤدي باليه «بحيرة البجع» على المسرح أمام أهل بلدته (ويغنون)، بل ويسطرون سوياً حروف كتاب جديد.
سرنا تجاه مكتبه الذي تمكن بوتر من خلاله، وعلى مدار السنوات السبع الماضية، من الارتقاء بمستوى ناديه الجديد من دوري الدرجة الرابعة إلى المشاركة في البطولات الأوروبية. لقد تمكن فريقه من هزيمة غلاطة سراي التركي، وهيرتا برلين وتعادل مع أتليتكو بلباو خلال مشواره في دور الـ32 بالدوري الأوروبي، وخرج أمام آرسنال برأس مرفوعة وبفارق الأهداف.
لقد كان بوتر حتى هذه المرحلة هو المدرب الإنجليزي الوحيد في البطولات الأوروبية، وتمكن من تحقيق إنجاز فذ مع فريق يضم خليطاً من اللاعبين السويديين والبعض الآخر ممن استبعدوا من أنديتهم، أو ضلوا الطريق في دول مثل العراق وإنجلترا وغانا. ولذلك فإن أوسترسوند، سواء المدينة أو النادي، كانا في احتفالية عندما وصل آرسنال.
خلع بوتر سترته وكشر قائلاً: «اعتقدت أنه سيكون من الأسهل الذهاب إلى (إي سي ميلان) أو (آرسنال). أتذكر عندما كانت أجلس هنا وجرت القرعة كنت أبتسم. شعرت أن النتيجة كانت بمثابة مكافأة على الجهد الذي بذلناه طوال عام 2017 عندما أنهينا الموسم في المركز الخامس (أعلى مركز احتله الفريق على الإطلاق) في الدوري الأعلى في السويد، وفزنا بكأس السويد. وجاءت مكافأة هذا الجهد في شكل مواجهة مع آرسنال في الدوري الأوروبي. ما يحدث أمر لا يصدق، فعمر المدرب أرسين فيغنر في آرسنال أكبر من عمر النادي الذي أدربه». فقد تأسس نادي أوسترسوند في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1996، أي بعد خمسة أسابيع من تعيين فيغنر مدرباً لآرسنال. وقال بوتر: «آرسنال نادٍ رائع، هو مؤسسة، والذهاب إلى (ملعب الإمارات) في مباراة الإياب شيء مدهش ومجنون، لأن ملعبهم يتسع لعدد أكبر من الجماهير (60 ألفاً)، وهو عدد يفوق تعداد سكان بلدتنا السويدية. لقد اصطحبنا معنا 5000 مشجع إلى ملعبهم، وهو عدد ضخم مقارنة بعدد سكان أوسترسوند البالغ 50 ألف نسمة. ولذلك أريد أن أثبت أن هناك طريقاً آخر يمكن للمدربين الإنجليز أن يسلكوه».
لعب بوتر 10 مباريات مع الفريق الأول لنادي ساوثهامبتون في الدوري الممتاز قبل أن ينتقل على سبيل الإعارة إلى فريق برمنغهام، وستوك سيتي، وويست بروميتش ألبيون، ويورك بوسطن، وميكلسفيلد. غير أنه كان دائماً محبطاً من الكرة الإنجليزية. وحول ذلك يقول: «خلال بدايتي للكرة، كانت الكرة الإنجليزية قد خرجت للتو من فترة مظلمة بعد الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي عليها. لعبت الكرة لأنني أحببتها، لكنني لم أحب التركيز على عدم ارتكاب أخطاء وعلى ثقافة التأنيب والخوف».
لقد ساعد التعليم العالي في إعادة تشكيل بوتر، حيث درس علم الاجتماع عندما كان يلعب في صفوف ساوثهامبتون، وفي النهاية تمكن من الحصول على درجة الماجستير. ولعب الحظ دوره، فغراهام جونز وروبرتو مارتينيز مساعداه قد لعبا مع بوتر بنادي بوسطن وكانا صديقين قديمين. وعندما كان جونز ومارتينيز يلعبان بنادي سوانزي، كانا في الغالب يلعبان المباريات التجريبية الودية قبل بداية الموسم مع نادي أوسترسوند. وهناك توطدت الرابطة بين جونز ودانيل كندبيرغ، مدير النادي الطموح. وتمكن كندبيرغ بجدارة من إقناع بوتر بشغل منصب مدرب النادي عندما كان جماهيره لا تتخطى 500، وكان النادي قابعاً في دوري القسم الأدنى للدوري السويدي.
وصل بوتر إلى السويد عام 2011 وانهمك في عمله الجديد، لكن زوجته راشيل عانت في تلك الفترة. فبحسب بوتر، «كان هذا هو الهم الأكبر، لقد حصلت على فرصتي في كرة القدم، وكان على زوجتي أن تنهي أعمالها التجارية التي بنتها طيلة 10 سنوات. كنا قد رزقنا في تلك الفترة بطفل، وكان عمره 11 شهراً عندما وصلنا إلى هنا، وكنا بعيدين عن الآباء. أبلغتني راشيل لاحقاً أنها كانت تبكي كل يوم طيلة ستة شهور، لكنها لم تكن تريني دموعها عندما أعود إلى البيت، كانت تحاول أن تكون إيجابية. لكنها افتقدت عائلتها وبيتها».
كانت قناعة بوتر واضحة. فحتى قبل أن يبدأ الفريق في الارتقاء من قسم إلى آخر ثم الصعود إلى القسم الأعلى عام 2015، كان مؤمناً بأنه سينجح. وقال: «عليك أن تؤمن بذلك. فعندما تقدم على نقلة كهذه وتقدم على تضحيات كهذه، عليك أن تفعل المستحيل لكي تنجح. لكن الأمر كان شاقاً، ففي أول عامين لم تكن هناك مقاطع مصورة، ولذلك كان عليَّ أن أقود سيارتي لتسع ساعات لكي أكتشف لاعباً، وكانت راشيل تعتقد أنني مخبول. كانت تأتينا لحظات نعتقد أنه ما من فرصة أمامنا بسبب عدم وجود مال وعدم وجود تاريخ. لكن كان علينا أن نواصل».
يدرس نادي أوسترسوند صناعة تمثال لبوتر. وعندما سألناه عن ذلك أجاب: «كانت هناك شائعات، لكنني سخرت من الفكرة. لقد اعتدت على هزيمة الجماهير لي. وأتذكر ذات مرة عندما رفعت الجماهير لافتة تقول: (شكراً راشيل). فقد كنت قد تحدثت في مقابلة صحافية عن التضحيات الكبيرة التي قدمتها. وقدرت الجماهير ذلك وكانت لفتة جميلة منهم».
جاءت الانتصارات في أرض الملعب بثقافة جديدة تهدف إلى تطوير اللاعبين من الناحية الإنسانية. «كان هناك الكثير من الحوارات بيني وبين دانيل، كنا نتحدث عن التطورات الشاملة، وكانت فكرته أن نؤسس أكاديمية ثقافية. ورأيت أنها فكرة عظيمة أن نعمل على تطوير الطريق الذي نسلكه كأشخاص».
وسواء رقصوا أو غنوا أمام الناس، فقد تأكد بوتر من أن كل فرد في فريق العمل قد أدى ما عليه هو واللاعبون، ومن المجدي تطوير مثل هذه الثقة. «فقد كان أول عرض مسرحي لنا أمام 500 مشجع، ولم نكن بالقوة التي نحن عليها الآن. لكن التعامل مع ذلك الوضع بنجاح هو ما منحنا الثقة والمسؤولية».
وعند سؤاله عن الثقافة التي يتبعها مع الفريق، أجاب بوتر: «ثقافة (بحيرة البجع) لأن الجماهير كانت فخورة للغاية بفريقها، وكانوا يستقبلوننا بترحاب شديد. كان تحدياً حقيقياً للجميع، والعام التالي عبرنا عن تضامننا مع اللاجئين. ولنرى القصص وردود الأفعال، فقد كان التوقيع أمام 1600 متفرج أمراً رائعاً، وكان عليَّ أن أستهل ذلك بغناء النشيد الوطني لشعب لابلاند (أبناء السويد الأصليين) باللهجة المحلية، كانت لحظات عاطفية رائعة أن تؤديه مع اللاعبين. كان عليك أن تتخطى الصعاب وتتأقلم معها. ونعمل العام الحالي مع فرقة موسيقية رائعة تضم بعض العازفين من ذوى الإعاقات الذهنية».
إن نجاح بوتر يعني أنه بدأ يقترب من سوق العمل في إنجلترا، أحدثها من نادي ستوك، لكنه يعلق قائلاً: «هل ينجح هذا التكنيك في الكرة الإنجليزية؟ عليك أن تحترم وتفهم البيئة، ولذلك لا أعتقد أن الأمر يتعلق باستنساخ تجربة أوسترسوند وتكرارها في غيرها من الأماكن. لكن معرفة إدارة الفريق، وأهمية العلاقة بين الكرة والأشخاص، وكيف تنمي الاثنين، جميعها أمور قابلة للتطبيق في جميع الأحوال».
قبل مباراة نهائي كأس السويد العام الماضي، اعتقد بوتر أنه سيكون من المفيد للاعبين تلقي رسائل من عائلاتهم يعبرون فيها عن فخرهم بهم. «وبالفعل تلقي كل لاعب خطابين صبيحة يوم المباراة، أحدهم كان منى لهم بصفتهم الإنسانية، فيما كان الثاني من عائلاتهم، أردت أن أساعدهم في إدراك أن المباراة فرصة خاصة. وانتهت المباراة الأولى بنتيجة 3 - 1 لصالح الخصم، وفزنا في المباراة الثانية بنتيجة 2 - صفر لنتأهل للدوري الأوروبي. فقد كان حافز اللعب في الدوري الأوروبي هائلاً بالنسبة لفريق صغير».
كان أوسترسوند قد فاز على فريقين عملاقين قبل مواجهة آرسنال، مثل غلاطة سراي التركي. ويتذكر بوتر: «كانت مباراة عصيبة وفزنا عليهم صفر - 2 بملعبنا. كنا منظمين بدرجة كبيرة عندما سجلنا الهدف الأول، وكنا رائعين في تعاملنا مع الكرة، وهاجمنا جيداً، وخلقنا فرصاً جيدة، وكان علينا بعدها أن ندافع ونتحلى بالمرونة. بعد ذلك شعرنا ببعض القلق لكن في النهاية سجلنا الهدف الثاني، وصفق لنا جمهور غلاطة سراي، كانت لحظة رائعة».
وأضاف: «أيضاً أمام آرسنال كانت الأمر بمثابة مكافأة للعب أمام نادٍ كبير، كنا ندرك موقعنا في الترتيب الهرمي، وكان هدفنا هو اللعب بشكل جيد، وأعتقد أننا حققنا ذلك».
إن بوتر رجل يبدو مفعماً بالأمل، وهو ما تجلى في كلماته: «في كرة القدم تستطيع أن تحلم، وطالما تبذل الجهد، فستسنح لك الفرصة».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.