«بيكلز»... أشهر كلب في عالم الكرة

عثر على كأس العالم المسروقة عام 1966 بعد عجز الشرطة البريطانية عن إيجاد أثر لها

الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً
الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً
TT

«بيكلز»... أشهر كلب في عالم الكرة

الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً
الكلب بيكلز مع صاحبته التي تشير إلى مكان العثور على كأس العالم قبل 50 عاماً

في شهر مارس (آذار) من عام 1966 سُرقت كأس العالم في العاصمة البريطانية لندن قبل أشهر قليلة من انطلاق المونديال؛ وهو ما أصاب مسؤولي الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بحالة من الذعر والارتباك، وأصدروا بياناً قالوا فيه: «يعبر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عن بالغ أسفه لوقوع هذا الحادث المؤسف، وهو الحادث الذي من شأنه أن يؤدي حتماً إلى التشكيك في الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، وفي هذا البلد ككل».
وفي الحقيقة، كان هذا البيان محقاً في الجملة الأخيرة، حيث سرعان ما شككت البلدان الأخرى في قدرة بريطانيا على حماية الكأس الأغلى في عالم لعبة كرة القدم، فقال الرئيس الشرفي للاتحاد الفنلندي لكرة القدم، إريك فون فرينكل: «أنا غاضب للغاية مما حدث!»، في حين كان رئيس الاتحاد البرازيلي للرياضة، أبرين تيبيت، أكثر حدة وقال: «حتى اللصوص البرازيليون يحبون كرة القدم، ولن يرتكبوا أبداً هذا التدنيس! لم يكن هذا الأمر ليحدث أبداً لو كان كأس العالم في البرازيل». لكن ما حدث بعد ذلك هو أن كأس العالم قد سرق من البرازيل عام 1983 في أبلغ رد على تصريحات أبرين الحادة.
ومع ذلك، يمكنك تفهم مشاعر الغضب التي كانت موجودة آنذاك. وبالعودة إلى الماضي، لم تكن الترتيبات الأمنية كافية لحماية كأس «جول ريميه» الذهبية التي يصل طولها إلى 12 بوصة والموضوعة بدقة على قطعة كبيرة من اللازورد. ووافق الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على عرض الكأس في معرض طوابع في القاعة المركزية في وستمنستر (القصر الذي يجتمع فيه أعضاء البرلمان البريطاني) بشرط أن تُعرض الكأس في صندوق زجاجي، وتتم حراستها على مدى 24 ساعة. ولم يكن هناك أي شعور بالقلق في الوقت الذي كانت تسير فيه الترتيبات على قدم وساق لاستضافة كأس العالم الثامنة لكرة القدم.
وتم الوفاء بكل الشروط بدقة شديدة. وقال رئيس المعرض سيسيل ريتشاردسون: «كانت تعليماتنا هي وضع الكأس تحت الملاحظة الشخصية، وبالتأكيد خلال الفترة التي يكون فيها المعرض مفتوحاً، خلال النهار. كان لدينا حارسان يقفان إلى جانب الكأس طوال الوقت». واعتقاداً منهما بأن الكأس لن تتعرض للسرقة عندما يكون المعرض مغلقاً، لم يقف الحارسان بجانب الكأس في صباح الأحد الموافق 20 مارس وتركاها بلا مراقبة. وعلى الرغم من إقامة قداس في جزء آخر من المبنى، تم إغلاق معرض الطوابع نفسه. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن هناك سوى لوح خشبي عبر الباب في الجزء الخلفي من القاعة وقفل صغير على الواجهة، وكأن هذه الإجراءات الأمنية كانت كافية لحماية الكأس الأغلى في عالم اللعبة الشعبية الأولى في العالم!
وفي جولة التفتيش المنتظمة الساعة 11 صباحاً في ذلك اليوم كانت الكأس موجودة في مكانها، لكن بحلول جولة التفتيش الثانية في منتصف النهار كانت الكأس قد اختفت تماماً. وعثر على اللوح الخشبي ملقى على الأرض جنباً إلى جنب مع اثنين من المسامير التي كانت تثبته على الجدار، كما كسر القفل الذي كان على الواجهة. وقال أحد الحراس إنه رأى شخصاً غريباً «نحيل الجسم ذا شعر أسود اللون وشفاه رفيعة» يحوم حول القاعة بعد الساعة الحادية عشرة صباحاً مباشرة.
وقد أصر رئيس شركة «ألسا - غارد لخدمات الأمن»، وهي الشركة التي استأجرها المعرض لحراسة كأس العالم، على أن حارسها كان في مكانه «إلى جانب القفص الزجاجي تماماً». لكن عندما تم الضغط عليه، ظل يراوغ وقال: «انظروا يا شباب، لا تحاولوا أن تربطوني بتفاصيل جغرافية». وأصر ريتشاردسون، مدير المعرض، هو الآخر على أنه «لم يحدث أي خطأ، فقد سرقت الكأس فقط»، مشيراً بطريقة فلسفية إلى أن «هناك مجالاً للخطأ البشري لدينا جميعاً، وربما يكون قد وقع خطأ بشري صغير».
وقد كانت عملية البحث عن الكأس هزلية بالدرجة نفسها أيضاً. وقال كبير مفتشي منع الجريمة، باترسون: «لدينا أكثر المحققين ذكاء في شرطة العاصمة. ويأمل منظمو كأس العالم أن يكون الأمر كذلك». وسادت حالة من الارتباك والتخبط كل شيء في لندن. وتم الإعلان عن الكثير من المكافآت لمن يساعد في العثور على كأس العالم المفقودة، فأعلنت شركة «جيليت» عن مكافأة قدرها 500 جنيه إسترليني، وشركة «توبليس وهاردينغ» عن مكافآة قدرها 3000 جنيه إسترليني. كما أعلن والتر ماكس، وهو طبيب عظام في لندن عالج الكثير من لاعبي كرة القدم على مدى أكثر من ربع قرن من الزمان، عن مكافأة قدرها 150 جنيهاً إسترلينياً من الذهب. ووعد تومي تريندر، رئيس نادي فولهام، بتقديم 1000 جنيه إسترليني لأي شخص محظوظ يعيد إليه الكأس.
في هذه الأثناء، تلقى رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، جو ميرز، اتصالاً يوم الاثنين 21 مارس من قِبل شخص يدعى جاكسون يطلب منه 15 ألف جنيه إسترليني مقابل إعادة الكأس المسروقة. وطلب جاكسون الحصول على الأموال من ميرز في لقاء يوم الجمعة الموافق الخامس والعشرين من شهر مارس، على أن يعيد إليه الكأس في اليوم التالي. وللأسف، أدى الضغط الكبير الذي تعرض له ميرز في تلك الفترة إلى إصابته بذبحة صدرية، وأصبح طريح الفراش في يوم الاجتماع. ولذا؛ ذهب المفتش والمحقق لين بوغي بدلا منه لمقابلة جاكسون، الذي لم يلاحظ أن حقيبة بوغي، التي كان من المفترض أن تكون مليئة بالأوراق النقدية، تحتوي بشكل أساسي على قصاصات من الصحف القديمة. لكنه لاحظ وجود سيارة قريبة تراقب ما يحدث، وحاول الهرب لكن ألقى القبض عليه، واتضح أن اسمه الحقيقي هو إدوارد بيتشلي، وهو تاجر من حي كامبرويل بلندن، وأدين من قبل في قضية لحوم بقر فاسدة. واتهم بيتشلي بسرقة الكأس، لكنه نفى ذلك بشكل قاطع، مدعياً أن رجلاً يسمى «ذا بول» قد دفع له 500 جنيه إسترليني مقابل أن يقوم بدور الوسيط.
وفي المساء نفسه، اتصل رجل بصحيفة «التايمز» وقال: إن كأس العالم موجودة «في حقيبة بنية اللون في مكتب الأمتعة في منطقة تشارينغ كروس بوسط لندن». لكن ثبت بعد ذلك أن الأمر كان خدعة. ولذا؛ كان السؤال الذي يتردد في جميع أنحاء بريطانيا والعالم هو: أين كأس العالم؟ ولم تكن هناك أي خيوط تؤدي إلى العثور على الكأس المفقودة، باستثناء رجل يدعى ديفيد كوربيت يبلغ من العمر 26 عاماً والذي كان يبحث جاهداً عن كشك لإجراء مكالمة هاتفية لمعرفة ما إذا كان شقيقه قد رزق بمولوده الجديد، وفي الوقت ذاته كان يجر كلبه بيكلز معه.
بدأ الكلب يشم رائحة شيء غير عادي ويتوجه نحوه، ويقول كوربيت عن ذلك: «لاحظت أنه كان يشم شيئاً ما بالقرب من الطريق. نظرت إلى الأسفل ورأيت الكأس. كانت ملفوفة في ورق جرائد. التقطتها وكانت ثقيلة. مزقت نهاية الطرد الموضوعة به ورأيت قاعدة الكأس، ومزقت الطرف الآخر ورأيت الكأس الذهبية! ولم أكن أدرك حتى ذلك الوقت أنها كأس العالم. عدت مرة أخرى إلى القاعدة ووجدت مكتوباً عليها (البرازيل 1962)، وهنا أدركت أنها كأس العالم». أسرع كوربيت إلى المنزل وروى ما حدث لزوجته وتوجها معاً إلى قسم الشرطة وأبلغا عما حدث، وأصر كوربيت على أن «كلبه الصغير بيكلز هو الذي رأى الكأس أولاً».
وأصبح الكلب بيكلز بطلاً قومياً بين عشية وضحاها، وحصل على ميدالية فضية من قبل الكولونيل ألكسندر هندريك، سكرتير الرابطة الوطنية للدفاع عن الكلاب، في حفل فاخر في فندق كنسينغتون. كما حصل على طبق من الفضة به مبلغ قدره 53 جنيهاً إسترلينياً هدية من موظفي الفندق، بالإضافة إلى منحه مواد غذائية مجانية لمدة عام كامل، كما لعب دور البطولة في فيلم سينمائي بعنوان «ذا سباي ويز ذا كولد نوز» أو (الجاسوس ذو الأنف البارد)، وحصل على أجر في هذا الفيلم يفوق ضعف أجر الكلب العادي.
وبعد فترة أطول قليلاً، قال ميرز: إن كوربيت هو الشخص الذي يستحق المكافآت التي أعلن عنها لمن يعثر على الكأس المفقودة.
وفي نهاية المطاف، حصل كوربيت على مكافآت مالية قدرها 6.000 جنيه إسترليني، في الوقت الذي حصل فيه كل لاعب في المنتخب الإنجليزي الفائز بلقب كأس العالم عام 1966 على مكافأة مالية قدرها 1360 جنيهاً إسترلينياً! وللأسف، لم يشاهد ميرز نجم المنتخب الإنجليزي بوبي مور وهو يرفع كأس العالم؛ لأنه توفي عشية انطلاق البطولة عن عمر يناهز 61 عاماً. وسيكون من الصعب أن نتذكره فقط لدوره المؤسف في هذا الفشل، ويكفي أن نعرف أنه كان الرجل المسؤول عن الأمن لغرفة العمليات السرية لرئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل في «وايت هول» خلال الحرب، وقد أدى هذه المهمة بشكل جيد.
كما جاءت نهاية الكلب بيكلز مبكرة أيضاً، حيث مات أثناء مطاردة إحدى القطط في عام 1967، أما بالنسبة لكأس العالم نفسها، فقد سرقت مرة ثانية عام 1983 من مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، بعد أن حصلت عليها البرازيل للأبد بعد فوزها بالبطولة للمرة الثالثة عام 1970، ولم يتم العثور على الكأس مرة أخرى، وربما يكون السارق قد أذابها! لكن ما نود أن نعرفه الآن هو رد فعل رئيس الاتحاد البرازيلي السابق أبرين الذي قال: إن كأس العالم لم تكن لتسرق لو كانت موجودة في البرازيل!
قصة سرقة نسخة كأس العالم 1966 كانت ضمن أغرب قصص الساحرة المستديرة على مر التاريخ بعد أن قام شخص مجهول في 20 مارس بسرقة كأس البطولة وسط غياب أمنى من قبل الشرطة الإنجليزية التي فرضت حالة من الطوارئ داخل وسائل النقل والمواصلات في أرجاء لندن كافة للعثور على الكأس. خيم الحزن على شوارع لندن عقب سرقة نسخة الكأس الأغلى في العالم قبل انطلاق منافسات البطولة؛ ما أثار حالة من الذعر داخل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الذي وقع في مأزق كبير مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عقب هذه الواقعة.


مقالات ذات صلة

القطط والربو: علاقة مثار جدل يحسمها العلم

صحتك  بعض المرضى أفادوا بأن التعرض لوبر الحيوانات قد يُحفّز نوبات الربو (رويترز)

القطط والربو: علاقة مثار جدل يحسمها العلم

ينتشر بين الناس كثير من المعتقدات المرتبطة بتربية الحيوانات الأليفة خصوصاً القطط وغالباً ما يُربط ذلك بمخاوف صحية

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
يوميات الشرق موظفون يُطعمون الأفيال قبل نقلها للمشاركة في موكب يقام كجزء من مهرجان سنوي بجنوب الهند (أ.ب)

بين فيلين غاضبين… نهاية مأساوية لسائحة في الهند

تُعدّ التفاعلات المباشرة بين البشر والحيوانات البرية في المواقع السياحية من أبرز عوامل الجذب للزوار، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر حقيقية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق امرأة تحمل كلباً في ولاية ويسكونسن الأميركية (رويترز)

ما أفضل الطرق لمساعدة كلبك على العيش لفترة أطول؟

يرغب معظم مُلّاك الكلاب في منح حيواناتهم الأليفة حياة طويلة وصحية إلا أن تحقيق ذلك لا يعتمد على الحب والرعاية اليومية فقط بل يتطلب فهماً أعمق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم «دودة الزومبي» حيوان مجهري متعدد الخلايا (أرشيفية - أ.ف.ب)

«دودة الزومبي» تعود إلى الحياة بعد 24 ألف عام... وتبدأ بالتكاثر

استخرج العلماء حيواناً مجهرياً أطلقوا عليه اسم «دودة الزومبي» من التربة الصقيعية في سيبيريا، ثم قاموا بإذابة الصقيع، وراقبوا الحيوان وهو يستيقظ ويتكاثر.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
يوميات الشرق في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.