الصراع على ود الجيل الجديد يزيد بكل الصور

لندن كسبت بحضور الملكة إليزابيث... وميلانو لجأت إلى طائرات {درون}

TT

الصراع على ود الجيل الجديد يزيد بكل الصور

ما لا يختلف عليه اثنان أن أسابيع الموضة العالمية لم تعد تعتمد على الأزياء فحسب. أصبح من الضروري إضافة عنصر الإبهار والإثارة، بمعنى أن تتضمن عنصراً يشد الانتباه ويجعل العالم يتكلم عنها، سواء من ناحية الديكورات أو الإخراج أو الإضاءة بالليزر وغيرها. أمر فهمته دار «شانيل» منذ سنوات واستغلته أحسن استغلال. الآن العديد من بيوت أزياء، خصوصاً التي لها القدرات، باتت تعتمده لشد انتباه جيل جديد من عشاق الموضة يهتمون بالصورة أولاً وأخيراً. فكلما كانت الصورة جديدة ومُدهشة كانت التغطيات أكبر وأكثر تأثيراً.
أسبوع لندن لموضة الخريف والشتاء المقبلين مثلاً حقق هدفاً نادراً، وسدد ضربة قوية لباقي أسابيع الموضة العالمية عندما فاجأت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، الجميع بحضورها عرض الشاب ريتشارد كوين في بادرة غير مسبوقة منذ اعتلائها العرش. كان على مصممي ميلانو أن يرتقوا بعروضهم إلى مستوى يمحي هذه الصورة ويحافظ على مكانتهم، وفي الوقت ذاته يشعل شبكات التواصل الاجتماعي. وهذا ما كان، من دار «دولتشي آند غابانا» التي وظفت كل مهارتها في هذا المجال، وافتتحت العرض بطائرات من دون طيارين تحمل حقائب يد بكل الألوان والأشكال، إلى دار «غوتشي» التي صدمت الحضور بإرسال عارضتين تحملان رؤوساً تُمثلهن.
بالنسبة لـ«دولتشي آند غابانا»، فحتى إذا لم تشعل الحقائب مواقع التواصل الاجتماعي، فإن طريقة عرضها لا بد أن تحقق المطلوب. الثنائي دومينيكو دولتشي وستيفانو غابانا يُقدران أن ملكة بريطانيا لها تأثير قوي لا يمكن مضاهاته من حيث القيمة، لكن يمكن مضاهاته من ناحية الصورة. لحسن حظهما أن الجيل الجديد يفهم هذه الصورة ويعشقها بكل مبالغاتها. قد تكون بالنسبة للعارفين صورة تتوسل نشرها عبر حساباتهم على «آنستغرام» أو «تويتر» أو «سناب شات»، لكنها بالنسبة للمصممين تقوم بالواجب وأكثر. في العام الماضي مثلاً استعانا بنجوم «آنستغرام»، من مدونات ومدونين ومن أصبحوا يعرفون بـ«الإنفلونسرز»، في عروضهما، جنباً إلى جنب عارضات سوبر وعارضين يُقدر عدد متابعيهم بالملايين أيضاً. نجحت الخطة وحققت المراد منها.
كان منظر طائرات {درون} تتوالى على المنصة محملة بحقائب يد مثيراً يضمن ضجة إعلامية عالمية. بعد دقائق ظهرت عارضات في أزياء قد تكون مزخرفة بشكل مبالغ فيه، لكنها، ومرة أخرى، تخاطب الصورة أولاً وأخيراً وقد لا تروق لزبونات ناضجات. لكن ما يحسب لها أنها عندما ستصل إلى المحلات يمكن تفكيكها وتنسيقها بشكل مختلف يُبرز جماليات تطريزاتها وألوانها وأقمشة البروكار وغيرها.
أما بالنسبة لمصمم دار «غوتشي» أليساندرو ميكييل، فكان عرضه مسرحية صاخبة بالصور والأفكار التي جسدها من خلال سيناريوهات مختلفة. مرة أرسل العارضات وهن يتأبطن رؤوساً تشبه رؤوسهن تماماً في منظر صادم، ومرة أخرى مجموعة غطى فيها رؤوس العارضات بإيشاربات، كما غطى أجسادهن في أزياء طويلة لا يظهر شيء منها على أساس أنه يريدها أن تخفيهن تماماً لإبراز الشخصية التي يريدهن تقمصها. فصل آخر من المسرحية قدم فيه مجموعة من الأزياء جمع فيها أزياء رجالية بأخرى نسائية. لكنه في كل الحالات طبق وصفته الناجحة لأنها تصاميم ستجد طريقها إلى زبون عالمي يريد التميز.
فما أكده أليساندرو أنه ميداس الموضة؛ ما إن يقدم شيئاً حتى يتلقفه الشباب بلهفة، لتترجم هذه اللهفة إلى أرباح خيالية. كانت هناك العديد من الجاكيتات مزينة بالفرو، والفساتين المصنوعة من المخمل مستوحاة من عصر النهضة، وأخرى من العصر الفيكتوري غلبت عليها البليسيهات، وأخرى تجسد امرأة من الشرق الأوسط مغطاة من الرأس إلى أخمص القدمين، بينما ظهر رجل بعمامة بالأزرق. تنوع يعطي الانطباع بأن المصمم أراد السفر بنا إلى عوالم بعيدة وثقافات مختلفة للتعرف على الآخر، لكنه وبحسب شرحه كان استكشافاً لكل ما يقيدنا بغض النظر عن الطبقة التي ننتمي إليها أو المناسبة التي نتزين لها.
ديكور العرض أيضاً كانت له رمزيته، فقد صممه على شكل غرفة عمليات جراحية بكل ما تتطلبه من أدوات طبية، لكي ترمز للدقة التي تعامل فيها مع تفصيل وتطريز كل قطعة. صحيح أن الموضة شاعرية، وليست مسألة حياة وموت، إلا أن هذا لا يمنع أن يتم تنفيذها بدقة جراحية، بحسب رأيه.
لقطات من بعض العروض:
«روبرتو كافالي»
التحضير لأي عرض أزياء لا تستغرق مدته الـ15 دقيقة، يستنزف الكثير من الجهد والمال والوقت، فما البال إذا كانت المدة التي فرضت على المصمم لكي يحضر تشكيلة بأكملها لا تتعدى بضعة أسابيع؟
هذا ما حصل في الموسم الماضي عندما وجد المصمم البريطاني بول ساريدج نفسه تحت الأمر الواقع، إثر اختياره مصمماً فنياً لدار «روبرتو كافالي». لم يكن بإمكانه رفض العرض. فقد كان مُغرياً من كل الجوانب، لهذا قبل التحدي. وسرعان ما أكد أنه من النوع الذي يُبدع أكثر عندما يكون تحت الضغط، وحسب تعليقه: «لم يكن لدي الوقت للتفكير والتحليل أو الخوف. كان علي أن أنغمس كلياً في العمل وإعطاء أفضل ما عندي». غني عن القول: إن سارديج لم يكن وحده، بل كان معه فريق متمرس ورثه عن سلفه بيتر دانداس، الذي لم يعمر أكثر من 19 شهراً في دار كانت تمر بعدة مشاكل وتغييرات جُذرية. كانت مهمته الرئيسية في الموسم الأول أن يقود هذا الفريق ويقدم لهم رؤية واضحة وجديدة تتماشى مع متطلبات العصر. كانت رؤيته هي توسيع وتكبير الصورة التي ترسخت في الأذهان عن أزياء «روبرتو كافالي»، بأنها أنثوية مثيرة وبألوان صارخة ونقشات الفهد الصاخبة وتصاميم تخاطب امرأة لا يبدو أنها تعمل كثيراً بقدر ما تسهر كثيراً. أدخل ألوانا ونقشات جديدة تُخرجها من النمطية، لكن الأهم أنه قدم مجموعة كبيرة من أزياء النهار للمرأة العالمية. لا ينكر أن اسم كافالي وحده كاف لبث الرغبة فيها لما يوحيه من أناقة، إلا أن المشكلة بالنسبة له أنها كانت لحد الآن أناقة تخاطب شريحة محددة، بينما أصبح من المطلوب حالياً أن تُتقن أي دار أزياء لغة عالمية تشمل شرائح أكبر.
لهذا كانت الأولوية بالنسبة له تتوسع إلى أزياء النهار بعد أن ركزت طويلاً على أزياء السهرة والمساء. فزبونة الجيل الجديد تريد أزياء تُغطي احتياجاتها من الصباح إلى المساء، وهو ما فهمه في تشكيلته الأولى بتقديمه مجموعة سخية من القطع المنفصلة. نجاحه كان مفاجأة، لأنه لم يكن في دائرة الأضواء، رغم أنه عمل في مجال الأزياء الرجالية في بيوت أزياء عالمية مثل «بيربري» و«برادا» و«كالفن كلاين»، لكنها تبقى أول تجربة له في تصميم الأزياء النسائية.
فتصميم الأزياء الرجالية يقوم على العملية الوظيفية إلى حد ما، لأنها محددة التفاصيل، بينما تتغير الأزياء النسائية حسب المزاج وحسب الذوق وحتى حسب طريقة تنسيقها مع الأحذية. في ثاني تشكيلة له، كانت شخصية كاثرين تراميل التي تقمصتها النجمة شارون ستون في فيلم «Basic Instinct» ملهمته. فهو لم يتنصل تماماً من عنصر الإثارة الحسية التي زرعها المؤسس روبرتو كافالي في الدار، ولا من نقشات الفهد التي أصبحت لصيقة بها. الفرق أنه وجهها لامرأة مثيرة لكن أيضا قوية، لأنها تلعب على الأنثوي والذكوري في آن واحد.

«تودز»
في المقابل قدمت دار «تودز»، التي ربما يعرفها الكل كدار إكسسوارات جلدية تتكلم لغة الترف بالإيطالية، تشكيلة أزياء خصت بها المرأة كانت عملية بامتياز. لا زخرفات مبالغ فيها ولا فذلكة في الأفكار، فقط تصاميم ديناميكية بتفاصيل دقيقة تمنح الجسم الكثير من الرشاقة والراحة. حتى العارضة جيجي حديد لم تستطع أن تغطي على جمالها. فبعد ثوانٍ على خروجها إلى المنصة تحولت العيون عنها إلى ما تلبسه من قطع تجمع الأناقة الراقية بـ«السبور»، وما تحمله من حقائب تُلهب الرغبة فيها. رغم تنوع أقمشة الأزياء وخاماتها، كانت الجلود المعالجة بعناية ودقة هي الغالبة إلى جانب الأقمشة المبطّنة، فيما يمكن تلخيصه في أنه نظرة جديدة للدار.
دييجو ديلا فال، رئيسها ومالكها، قال إنها تحاول مواكبة إيقاعي الحياة والموضة على حد سواء، وبالتالي ستلجأ إلى طرح عدة مجموعات على مدار العام للتواصل بشكل أفضل مع الزبائن، وللاستجابة لمتطلبات جيل صاعد يعتمد على الإنترنت ولا يتميز بالإخلاص لماركة واحدة. فهو يتبع كل من يستطيع إغراءه وجذبه. وأضاف ديلا فال لوكالة «رويترز» إن مشروع «تودز» الجديد، واسمه «فاكتوري»، يستهدف طرح مجموعات إضافية خلال العام، بالإضافة إلى مجموعات خاصة محدودة الكمية يشارك في تصميمها عدة مصممين.

«فندي»
في «فندي» لم تختلف القصة كثيراً عن «تودز». كانت القصات والإكسسوارات كالعادة متعة للعين. ما بين عبقرية كارل لاغرفيلد في تنسيق الألوان واللعب بالخامات، ونظرة سليلة العائلة المؤسسة سيلفيا فانتوري فندي فيما يمكن أن يشد أنفاس المرأة من حقائب يد، اكتملت الصورة. كانت تشكيلة راقية بكل المقاييس تهادت فيها العارضات في أزياء منسدلة وجد عملية باستثناء قطعة هجينة تأخذ شكل جاكيت من دون أكمام تغطي الأكتاف ونصف الأذرع. قد تمنح الجسم الدفء في يوم بارد لكنها تعطي الانطباع أنها تُكتف الحركة إلى حد ما. ما عداها، فإن كل قطعة كانت تقطر بسحر بصمات كارل لاغرفيلد وفخامة خامات دار «فندي» من جلود وفرو، إضافة إلى التفاصيل الكثيرة. كل هذا علقت عليه سيلفيا بقولها إنها تشكيلة «بمثابة زي رسمي رومانسي لامرأة قوية وواثقة من نفسها». أما فيما يتعلق بالجانب الخاص بها، أي الإكسسوارات، فهي لم تُقصر رغم أنها استقت الكثير منها من الأرشيف. ظهرت مثلاً حقيقة «الباغيت» بنسخة عصرية وخامات أكثر ترفاً، كذلك حقيبة «بيكابو» وغيرها من أيقونات الدار التي ستجد فيها كل من زبونتها الشابة المتطلعة للترف أو المرأة التي تعرف قيمة هذا الترف بُغيتهما فيها.

«ألبرتا فيريتي»
في عرض «ألبرتا فيريتي»، كانت هناك أجواء غير مألوفة. بالإضافة إلى التمثال الضخم المصنوع من الألمنيوم للفنان لورانزو كوين، اكتسبت الأزياء أيضاً طابعاً عصرياً وشبابياً ظهر من أول قطعة ظهرت بها كايا غيربر. كانت على شكل «جامبسوت» من الدينم باللون الأسود مرصع بالفضة. الجديد أن اسم فيريتي كان مرادفاً للتصاميم الرومانسية التي تنسدل على الموسلين، لكنها مثل باقي مصممي العالم، باتت تعرف أن زبونة اليوم لها متطلبات مختلفة إن لم تواكبها وتلبيها فاتها القطار، وهو ما يفسر الأكتاف القوية والخصور العالية، وتلك النغمة المستقاة من حقبة الثمانينات من القرن الماضي. كانت هناك مجموعة من الكنزات من صوف الموهير نسقتها مع بنطلونات براقة والقطع المصنوعة من الدينم شملت بنطلونات بعدة درجات منه وجاكيتات رصعتها بالأحجار.
جانبها الإبداعي المائل إلى الرومانسية أطلقت له العنان في المجموعة الموجهة للسهرة والمساء، والتي زينتها بالريش والخرز والترتر والأهم من هذا أطلقت لها هي الأخرى العنان من ناحية.
وطبعاً اختيارها لعارضات من حجم جيجي حديد، التي تتمتع بعدد متابعين على «آنستغرام» يصل إلى 38.5 مليون، وكايا غيربر، 2.9 مليون متابع، ليس من باب الصدفة. فهما تمثلان الجيل الذي تُعول عليه الموضة، وتريد كسب رضاه، و«ألبرتا فيريتي» قد تختلف في أسلوبها عن غيرها لكن لا تختلف عنهم في هذه النقطة.


مقالات ذات صلة

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

منال عجاج تتألَّق في أسبوع الموضة بباريس 2026 بإبداعات ذات طابع معاصر

سجَّلت المصمِّمة السورية منال عجاج حضوراً لافتاً ضمن فعاليات أسبوع الموضة في باريس لموسم ربيع وصيف 2026، الذي انطلق في 26 يناير (كانون الثاني)، حيث قدّمت رؤية…

«الشرق الأوسط» (باريس)
لمسات الموضة سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

مرت مصممة الأزياء الروسية ڤيرا زولوتاريڤا برحلة طويلة بداية من سيبيريا المتجمدة في روسيا وحتى استقرارها في مصر. تقول: «قصتي مع التصميم بدأت من عمر الثالثة،…

مروى صبري (القاهرة )

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.