الصراع على ود الجيل الجديد يزيد بكل الصور

لندن كسبت بحضور الملكة إليزابيث... وميلانو لجأت إلى طائرات {درون}

TT

الصراع على ود الجيل الجديد يزيد بكل الصور

ما لا يختلف عليه اثنان أن أسابيع الموضة العالمية لم تعد تعتمد على الأزياء فحسب. أصبح من الضروري إضافة عنصر الإبهار والإثارة، بمعنى أن تتضمن عنصراً يشد الانتباه ويجعل العالم يتكلم عنها، سواء من ناحية الديكورات أو الإخراج أو الإضاءة بالليزر وغيرها. أمر فهمته دار «شانيل» منذ سنوات واستغلته أحسن استغلال. الآن العديد من بيوت أزياء، خصوصاً التي لها القدرات، باتت تعتمده لشد انتباه جيل جديد من عشاق الموضة يهتمون بالصورة أولاً وأخيراً. فكلما كانت الصورة جديدة ومُدهشة كانت التغطيات أكبر وأكثر تأثيراً.
أسبوع لندن لموضة الخريف والشتاء المقبلين مثلاً حقق هدفاً نادراً، وسدد ضربة قوية لباقي أسابيع الموضة العالمية عندما فاجأت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، الجميع بحضورها عرض الشاب ريتشارد كوين في بادرة غير مسبوقة منذ اعتلائها العرش. كان على مصممي ميلانو أن يرتقوا بعروضهم إلى مستوى يمحي هذه الصورة ويحافظ على مكانتهم، وفي الوقت ذاته يشعل شبكات التواصل الاجتماعي. وهذا ما كان، من دار «دولتشي آند غابانا» التي وظفت كل مهارتها في هذا المجال، وافتتحت العرض بطائرات من دون طيارين تحمل حقائب يد بكل الألوان والأشكال، إلى دار «غوتشي» التي صدمت الحضور بإرسال عارضتين تحملان رؤوساً تُمثلهن.
بالنسبة لـ«دولتشي آند غابانا»، فحتى إذا لم تشعل الحقائب مواقع التواصل الاجتماعي، فإن طريقة عرضها لا بد أن تحقق المطلوب. الثنائي دومينيكو دولتشي وستيفانو غابانا يُقدران أن ملكة بريطانيا لها تأثير قوي لا يمكن مضاهاته من حيث القيمة، لكن يمكن مضاهاته من ناحية الصورة. لحسن حظهما أن الجيل الجديد يفهم هذه الصورة ويعشقها بكل مبالغاتها. قد تكون بالنسبة للعارفين صورة تتوسل نشرها عبر حساباتهم على «آنستغرام» أو «تويتر» أو «سناب شات»، لكنها بالنسبة للمصممين تقوم بالواجب وأكثر. في العام الماضي مثلاً استعانا بنجوم «آنستغرام»، من مدونات ومدونين ومن أصبحوا يعرفون بـ«الإنفلونسرز»، في عروضهما، جنباً إلى جنب عارضات سوبر وعارضين يُقدر عدد متابعيهم بالملايين أيضاً. نجحت الخطة وحققت المراد منها.
كان منظر طائرات {درون} تتوالى على المنصة محملة بحقائب يد مثيراً يضمن ضجة إعلامية عالمية. بعد دقائق ظهرت عارضات في أزياء قد تكون مزخرفة بشكل مبالغ فيه، لكنها، ومرة أخرى، تخاطب الصورة أولاً وأخيراً وقد لا تروق لزبونات ناضجات. لكن ما يحسب لها أنها عندما ستصل إلى المحلات يمكن تفكيكها وتنسيقها بشكل مختلف يُبرز جماليات تطريزاتها وألوانها وأقمشة البروكار وغيرها.
أما بالنسبة لمصمم دار «غوتشي» أليساندرو ميكييل، فكان عرضه مسرحية صاخبة بالصور والأفكار التي جسدها من خلال سيناريوهات مختلفة. مرة أرسل العارضات وهن يتأبطن رؤوساً تشبه رؤوسهن تماماً في منظر صادم، ومرة أخرى مجموعة غطى فيها رؤوس العارضات بإيشاربات، كما غطى أجسادهن في أزياء طويلة لا يظهر شيء منها على أساس أنه يريدها أن تخفيهن تماماً لإبراز الشخصية التي يريدهن تقمصها. فصل آخر من المسرحية قدم فيه مجموعة من الأزياء جمع فيها أزياء رجالية بأخرى نسائية. لكنه في كل الحالات طبق وصفته الناجحة لأنها تصاميم ستجد طريقها إلى زبون عالمي يريد التميز.
فما أكده أليساندرو أنه ميداس الموضة؛ ما إن يقدم شيئاً حتى يتلقفه الشباب بلهفة، لتترجم هذه اللهفة إلى أرباح خيالية. كانت هناك العديد من الجاكيتات مزينة بالفرو، والفساتين المصنوعة من المخمل مستوحاة من عصر النهضة، وأخرى من العصر الفيكتوري غلبت عليها البليسيهات، وأخرى تجسد امرأة من الشرق الأوسط مغطاة من الرأس إلى أخمص القدمين، بينما ظهر رجل بعمامة بالأزرق. تنوع يعطي الانطباع بأن المصمم أراد السفر بنا إلى عوالم بعيدة وثقافات مختلفة للتعرف على الآخر، لكنه وبحسب شرحه كان استكشافاً لكل ما يقيدنا بغض النظر عن الطبقة التي ننتمي إليها أو المناسبة التي نتزين لها.
ديكور العرض أيضاً كانت له رمزيته، فقد صممه على شكل غرفة عمليات جراحية بكل ما تتطلبه من أدوات طبية، لكي ترمز للدقة التي تعامل فيها مع تفصيل وتطريز كل قطعة. صحيح أن الموضة شاعرية، وليست مسألة حياة وموت، إلا أن هذا لا يمنع أن يتم تنفيذها بدقة جراحية، بحسب رأيه.
لقطات من بعض العروض:
«روبرتو كافالي»
التحضير لأي عرض أزياء لا تستغرق مدته الـ15 دقيقة، يستنزف الكثير من الجهد والمال والوقت، فما البال إذا كانت المدة التي فرضت على المصمم لكي يحضر تشكيلة بأكملها لا تتعدى بضعة أسابيع؟
هذا ما حصل في الموسم الماضي عندما وجد المصمم البريطاني بول ساريدج نفسه تحت الأمر الواقع، إثر اختياره مصمماً فنياً لدار «روبرتو كافالي». لم يكن بإمكانه رفض العرض. فقد كان مُغرياً من كل الجوانب، لهذا قبل التحدي. وسرعان ما أكد أنه من النوع الذي يُبدع أكثر عندما يكون تحت الضغط، وحسب تعليقه: «لم يكن لدي الوقت للتفكير والتحليل أو الخوف. كان علي أن أنغمس كلياً في العمل وإعطاء أفضل ما عندي». غني عن القول: إن سارديج لم يكن وحده، بل كان معه فريق متمرس ورثه عن سلفه بيتر دانداس، الذي لم يعمر أكثر من 19 شهراً في دار كانت تمر بعدة مشاكل وتغييرات جُذرية. كانت مهمته الرئيسية في الموسم الأول أن يقود هذا الفريق ويقدم لهم رؤية واضحة وجديدة تتماشى مع متطلبات العصر. كانت رؤيته هي توسيع وتكبير الصورة التي ترسخت في الأذهان عن أزياء «روبرتو كافالي»، بأنها أنثوية مثيرة وبألوان صارخة ونقشات الفهد الصاخبة وتصاميم تخاطب امرأة لا يبدو أنها تعمل كثيراً بقدر ما تسهر كثيراً. أدخل ألوانا ونقشات جديدة تُخرجها من النمطية، لكن الأهم أنه قدم مجموعة كبيرة من أزياء النهار للمرأة العالمية. لا ينكر أن اسم كافالي وحده كاف لبث الرغبة فيها لما يوحيه من أناقة، إلا أن المشكلة بالنسبة له أنها كانت لحد الآن أناقة تخاطب شريحة محددة، بينما أصبح من المطلوب حالياً أن تُتقن أي دار أزياء لغة عالمية تشمل شرائح أكبر.
لهذا كانت الأولوية بالنسبة له تتوسع إلى أزياء النهار بعد أن ركزت طويلاً على أزياء السهرة والمساء. فزبونة الجيل الجديد تريد أزياء تُغطي احتياجاتها من الصباح إلى المساء، وهو ما فهمه في تشكيلته الأولى بتقديمه مجموعة سخية من القطع المنفصلة. نجاحه كان مفاجأة، لأنه لم يكن في دائرة الأضواء، رغم أنه عمل في مجال الأزياء الرجالية في بيوت أزياء عالمية مثل «بيربري» و«برادا» و«كالفن كلاين»، لكنها تبقى أول تجربة له في تصميم الأزياء النسائية.
فتصميم الأزياء الرجالية يقوم على العملية الوظيفية إلى حد ما، لأنها محددة التفاصيل، بينما تتغير الأزياء النسائية حسب المزاج وحسب الذوق وحتى حسب طريقة تنسيقها مع الأحذية. في ثاني تشكيلة له، كانت شخصية كاثرين تراميل التي تقمصتها النجمة شارون ستون في فيلم «Basic Instinct» ملهمته. فهو لم يتنصل تماماً من عنصر الإثارة الحسية التي زرعها المؤسس روبرتو كافالي في الدار، ولا من نقشات الفهد التي أصبحت لصيقة بها. الفرق أنه وجهها لامرأة مثيرة لكن أيضا قوية، لأنها تلعب على الأنثوي والذكوري في آن واحد.

«تودز»
في المقابل قدمت دار «تودز»، التي ربما يعرفها الكل كدار إكسسوارات جلدية تتكلم لغة الترف بالإيطالية، تشكيلة أزياء خصت بها المرأة كانت عملية بامتياز. لا زخرفات مبالغ فيها ولا فذلكة في الأفكار، فقط تصاميم ديناميكية بتفاصيل دقيقة تمنح الجسم الكثير من الرشاقة والراحة. حتى العارضة جيجي حديد لم تستطع أن تغطي على جمالها. فبعد ثوانٍ على خروجها إلى المنصة تحولت العيون عنها إلى ما تلبسه من قطع تجمع الأناقة الراقية بـ«السبور»، وما تحمله من حقائب تُلهب الرغبة فيها. رغم تنوع أقمشة الأزياء وخاماتها، كانت الجلود المعالجة بعناية ودقة هي الغالبة إلى جانب الأقمشة المبطّنة، فيما يمكن تلخيصه في أنه نظرة جديدة للدار.
دييجو ديلا فال، رئيسها ومالكها، قال إنها تحاول مواكبة إيقاعي الحياة والموضة على حد سواء، وبالتالي ستلجأ إلى طرح عدة مجموعات على مدار العام للتواصل بشكل أفضل مع الزبائن، وللاستجابة لمتطلبات جيل صاعد يعتمد على الإنترنت ولا يتميز بالإخلاص لماركة واحدة. فهو يتبع كل من يستطيع إغراءه وجذبه. وأضاف ديلا فال لوكالة «رويترز» إن مشروع «تودز» الجديد، واسمه «فاكتوري»، يستهدف طرح مجموعات إضافية خلال العام، بالإضافة إلى مجموعات خاصة محدودة الكمية يشارك في تصميمها عدة مصممين.

«فندي»
في «فندي» لم تختلف القصة كثيراً عن «تودز». كانت القصات والإكسسوارات كالعادة متعة للعين. ما بين عبقرية كارل لاغرفيلد في تنسيق الألوان واللعب بالخامات، ونظرة سليلة العائلة المؤسسة سيلفيا فانتوري فندي فيما يمكن أن يشد أنفاس المرأة من حقائب يد، اكتملت الصورة. كانت تشكيلة راقية بكل المقاييس تهادت فيها العارضات في أزياء منسدلة وجد عملية باستثناء قطعة هجينة تأخذ شكل جاكيت من دون أكمام تغطي الأكتاف ونصف الأذرع. قد تمنح الجسم الدفء في يوم بارد لكنها تعطي الانطباع أنها تُكتف الحركة إلى حد ما. ما عداها، فإن كل قطعة كانت تقطر بسحر بصمات كارل لاغرفيلد وفخامة خامات دار «فندي» من جلود وفرو، إضافة إلى التفاصيل الكثيرة. كل هذا علقت عليه سيلفيا بقولها إنها تشكيلة «بمثابة زي رسمي رومانسي لامرأة قوية وواثقة من نفسها». أما فيما يتعلق بالجانب الخاص بها، أي الإكسسوارات، فهي لم تُقصر رغم أنها استقت الكثير منها من الأرشيف. ظهرت مثلاً حقيقة «الباغيت» بنسخة عصرية وخامات أكثر ترفاً، كذلك حقيبة «بيكابو» وغيرها من أيقونات الدار التي ستجد فيها كل من زبونتها الشابة المتطلعة للترف أو المرأة التي تعرف قيمة هذا الترف بُغيتهما فيها.

«ألبرتا فيريتي»
في عرض «ألبرتا فيريتي»، كانت هناك أجواء غير مألوفة. بالإضافة إلى التمثال الضخم المصنوع من الألمنيوم للفنان لورانزو كوين، اكتسبت الأزياء أيضاً طابعاً عصرياً وشبابياً ظهر من أول قطعة ظهرت بها كايا غيربر. كانت على شكل «جامبسوت» من الدينم باللون الأسود مرصع بالفضة. الجديد أن اسم فيريتي كان مرادفاً للتصاميم الرومانسية التي تنسدل على الموسلين، لكنها مثل باقي مصممي العالم، باتت تعرف أن زبونة اليوم لها متطلبات مختلفة إن لم تواكبها وتلبيها فاتها القطار، وهو ما يفسر الأكتاف القوية والخصور العالية، وتلك النغمة المستقاة من حقبة الثمانينات من القرن الماضي. كانت هناك مجموعة من الكنزات من صوف الموهير نسقتها مع بنطلونات براقة والقطع المصنوعة من الدينم شملت بنطلونات بعدة درجات منه وجاكيتات رصعتها بالأحجار.
جانبها الإبداعي المائل إلى الرومانسية أطلقت له العنان في المجموعة الموجهة للسهرة والمساء، والتي زينتها بالريش والخرز والترتر والأهم من هذا أطلقت لها هي الأخرى العنان من ناحية.
وطبعاً اختيارها لعارضات من حجم جيجي حديد، التي تتمتع بعدد متابعين على «آنستغرام» يصل إلى 38.5 مليون، وكايا غيربر، 2.9 مليون متابع، ليس من باب الصدفة. فهما تمثلان الجيل الذي تُعول عليه الموضة، وتريد كسب رضاه، و«ألبرتا فيريتي» قد تختلف في أسلوبها عن غيرها لكن لا تختلف عنهم في هذه النقطة.


مقالات ذات صلة

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

لمسات الموضة تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

المنصات الكبيرة قد توفر دفعة هائلة للمصممين الناشئين وتُلمّعهم، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو علاماتهم.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».