المشهد الثقافي الليبي ما بعد القذافي

كتاب: ليس أمامنا سوى المنفى أو مواجهة المقصلة

الروائية نهلة العربي
الروائية نهلة العربي
TT

المشهد الثقافي الليبي ما بعد القذافي

الروائية نهلة العربي
الروائية نهلة العربي

يتبدى السؤال حول مصير المثقف الليبي في معركته مع السلطة، وتحديداً فيما يتعلق بحرية الكتابة وفضاء التعبير بعد مرور 7 سنوات من منعطف فبراير (شباط) 2011، ذا طابع استباقي قياساً بعمر التحولات الكبرى للشعوب، فالوقت، كما يقول قسم من المثقفين الليبيين اللذين قابلناهم، ما زال مبكراً ومخاض الأحداث حافل بالمتغيرات، بينما يروا أن لا شيء قد تغير في الحقيقة، على الأقل من ناحية الجوهر..
الروائية الشابة نهلة العربي تراقب عن كثب آفاق المشهد الثقافي الليبي من خلال عملها محررة للشؤون الثقافية ببوابة الوسط الإلكترونية بالقاهرة، وهي تتحدث عن تجربتها المريرة بليبيا قبل انتقالها إلى مصر مضطرة، بالقول: «لكل عهد مقص رقيب خاص به، لا أعتقد أن شيئاً تغير بعد 2011، وهو إحساس قد يشاركني به كثير من كتاب هذا الجيل، وقد يعتقد البعض أن الأمر تحول لشيء أكثر قسوة من مجرد الرقابة، في عهد القذافي كنا في صراع مع السلطة، مع عدو يبدو إلى حد كبير واضحاً، الآن المعركة مع كثير من الأشباح».
وتشير إلى أن عدد الذين يعملون في الخارج من الأدباء الكتاب والصحافيين في تزايد، بعدما أصبحت الأجواء في ليبيا قاتمة وغير مشجعة، وأضحى الخوض في مجال الثقافة مغامرة بامتياز، فالتهديد والخطف وخطاب الكراهية طال الكثيرين، ومنهم الكاتب الشاب أحمد البخاري أخيراً بعد نشر مقطع من روايته «كاشان» بكتاب «شمس على نوافذ مغلقة»، حتى إن الاتهامات تخطت البخاري لتتحول إلى تكفير كل من شارك بالكتاب، في حملة شرسة ممن أراهن على أنهم لم يطلعوا على الكتاب ولم يقرأوا الرواية أصلاً، ولكن يكفي نعت أي عمل إبداعي يواجه فساد المجتمع بوصفه «خادشاً للحياء العام» ليصبح الكاتب أمام شبح الإقصاء أو المقصلة. وما زلت أتذكر فرحة الكاتبة وفاء البوعيسى صاحبة رواية «للجوع وجوه أخرى» بسقوط النظام السابق بداية الثورة، لكن هذا الفرح تحول بالنسبة لها إلى سلسلة طويلة من الإحباطات انتهت بها خارج البلاد. إنها كاتبة «ملعونة» في العهدين. لا، لم تقدم ثورة فبراير في سنواتها السبع مساحة أكبر للتعبير، ربما في أيام وهجها الأولى كانت كذلك، ولكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن.

فكر إقصائي

الكاتب والقاص إبراهيم احميدان رئيس الجمعية الليبية للآداب والفنون ينطلق من وجهة نظر مقارنة، بحكم تجربته الطويلة في مجال الكتابة الأدبية والعمل الإداري داخل مؤسسات الثقافة. يقول: «في حالة الحديث عن قضية مفصلية وكبرى وهي حرية التعبير، لا بد من الإقرار بوجود تحسن نسبي في هذه المسألة لصالح ثورة فبراير مقارنة بالماضي، خصوصاً إذا وضعنا في اعتبارنا بالقياس أن عهد سبتمبر (القذافي)، مورس فيه انتهاك واسع للحريات مستعيناً بقبضة أمنية قوية. وقد دشن عهده بإغلاق الصحف واعتقال وسجن الكتاب والأدباء والطلاب ورجال الأعمال خلال عامي 73 و76، ثم مرحلة إعدامات في وسط الميادين وفي ساحات الجامعات».
ويستدرك احميدان بقوله إن «المرحلة الأخيرة من نظام القذافي شهدت تحسناً في حرية التعبير، خصوصاً مع إطلاق مشروع (ليبيا الغد)، لكن يبدو أن النظام لم يكن جاداً حتى في مشروع التوريث، فعاد مجدداً للتضييق على الصحافيين والأدباء ومصادرة مؤلفاتهم، ولم تستطع السلطة الاستبدادية أن تغير من جلدها».
وفي تقييمه لآفاق المسار الحالي، يلمح إلى أنه «في مقابل ظهور حراك مجتمعي واسع، وبروز صحافة خاصة، وحراك مجتمعي، فإن سيطرة جماعات آيديولوجية إسلاموية على المشهد، أعادنا إلى المربع الأول، لتحجب الكتب مجدداً كما حدث مع المطبوعات التي صودرت في معرض الكتاب بمدينة المرج العام الماضي 2017، ما يكشف أن العقود الطويلة من الاستبداد وحكم الفرد رسخت في الأذهان الفكر الإقصائي للأسف، حتى ونحن ندعي قبول الآخر، فما أسهل رفع الشعارات وما أصعب تنفيذها».
وتقول الشاعرة حنان محفوظ التي صدر لها أخيراً ديوان «زهرة الريح» إنها «تخوض غمار معركة مزدوجة مع نصوصها، فهي تتشابك مع المفردات القارة في مخيلتها وإنضاجها فنياً من جهة، ومن جهة أخرى ما قد تبثه القصائد في أجواء مشحونة تمارس فيها السلطة دورها الثيوقراطي الذي ستتكفل إحدى السلطات الكثيرة المتناسلة من رحم الصراع بتنفيذه... أي أخشى القول إن فوبيا التأويل بدأت تلتمس طريقها إلى عقلي».

علاقة ملتبسة

الكاتب والصحافي علي شعيب يشخص المشكل الثقافي في كون العلاقة بين المثقف الليبي والسلطة ما زالت ملتبسة... ولم يختلف وضع هذه الإشكالية بعد فبراير 2011 عنه قبلها مع فارق بسيط جداً. فبينما كان المثقف قبل فبراير يحسب ألف حساب لجملته، وما إذا كانت تلك الجملة ستنطلي على الرقباء الذين تعج بهم أروقة الأمن الداخلي أو المخابرات أو المتطوعين الذين يتابعون ما يكتب وينشر ويدبجون التقارير التي يتم بموجبها تصنيف المثقفين وإدراجهم في قوائم اليسار أو اليمين أم لا، لجأ كثير من المثقفين إلى استخدام «الرمزية» لتمرير آرائهم وأفكارهم سواء في مقالات أو قصص وروايات كما في العمل الروائي «الأرامل والولي الأخير» للكاتب الراحل خليفة حسين مصطفى الذي لجأ إلى العهد العثماني مسقطاً أحداثه وشخوصه على واقعه. هذه الوضعية تحد من انطلاقة الكاتب الذي تتقافز خيالات الرقباء أمامه في كل لحظة.
ويرى شعيب أن وضعية المثقف الليبي بعد عام 2011 أشد وطأة، وذلك لعدم وجود سلطة بالأساس، ولا سيادة قانون، وحتى إن وجد رجال القانون فليس ثمة من ينفذ الأحكام التي يصدرها قضاة يتمتعون بالنزاهة وصفاء السريرة والضمير دون خوف أو وجل من مئات المجموعات المسلحة المنتشرة في كل أرجاء البلاد.

إشكالية تاريخية

ويشير رضا بن موسى عضو رابطة الأدباء والكتاب الليبيين في سياق إجابته عن المكاسب التي تحققت فيما يخص حرية التعبير، إلى ضرورة إدراك أن مفهوم السلطة لا يعني فقط السلطة السياسية، بل تندرج ضمنها السلطة الاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية، وبالتالي فإن إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة هي إشكالية تاريخية، حسبما تطرق إلى تحليلها بعمق المفكر اليساري غرامشي وغيره. وإذ إن المعرفة هي سلطة الكاتب أو العارف تشكل بدورها سلطة تمارس نفوذها على الناس، وبما لها من القدرة على الإقناع والتأثير والمنافسة على الفضاء العام، الذي تسعى السلطة السياسية لامتلاكه، لهذا غالباً ما تتصادم مع السلطة السياسية المستندة على أدوات القهر.
ويتطرق بن موسى إلى الخصوصية الليبية بقوله إن العلاقة هنا أكثر توتراً، فالمجتمع المتخلف، كما يقول الكاتب الليبي يوسف القويري، وأعتقد أن مقولته لا تزال قائمة، «يقذف طلائعه نحو المنفى النفسي...»، بل قد يدفع بطلائعه المثقفة فكرياً وسياسياً قسرياً إلى خارج الوطن، إذا نجا من السجن أو الموت، فالسلطات المهيمنة وكما يرى محمد الفقيه صالح «تنظر إلى استقلالية الثقافي بعين الريبة والشك، فهي ترى فيه منافساً لها على التملك الثقافي للمجتمع، وحيث لا تسود إلا الإطلاقية التي تتمترس بالسلاح ونفي الآخر وتحطيم الروح المتوهجة، والتي تضغط على الكاتب بأن تضعه دوماً مواجهاً لتلك السلطات المتعددة. أو تعرض عليه خياراً يلغي موقفه واستقلاليته فيصبح فقيهاً لها يسوغ قمعها ويفرض سلطانها وهيمنتها ويكتب الرأي الذي يتوافق مع هواها.
وكانت بدأت المواجهة بين الكاتب والسلطة في التاريخ الليبي المعاصر منذ الاستقلال 1951، وتمظهرت في حظر بعض الصحف بسبب الكتابات التي تتعارض وسياسات النظام الملكي. ومع وقوع الانقلاب العسكري في عام 1969، أخذت القيادة العسكرية للنظام الجديد تفرض سيطرتها على مجمل مناحي الحياة في البلاد، ومنها بالطبع الحياة الثقافية والإعلامية، وكانت البداية مع نوفمبر (تشرين الثاني) 1969 بإغلاق صحيفة «الميدان»، لنشرها مقالاً يختلف مع وجهة السلطة حول التنمية. وإذ إن النظام العسكري تبنى مبكراً رؤى آيديولوجية محددة، تتكئ على القومية العروبية والدين الإسلامي، ولكن بخطاب عصابي موتور، وتحولت فيما بعد إلى أطروحات ما سميت الجماهيرية، فكانت منظومة فكرية سياسية متعصبة ومغلقة.
ويضيف الكاتب: «استمر توتر العلاقة بين الكاتب والسلطة بعد 2011، وتجلى ذلك في منع كتب من قبل السلطة الدينية السلفية، وهددت الميليشيات عدة مؤسسات ثقافية بالإغلاق. لذا لجأ الكتاب إلى الفضاء الإلكتروني لنشر آرائهم تجاه واقعهم المعاش، بسبب الاستيلاء على مؤسسة الصحافة الداعمة، من قبل قوى لا علاقة لها بأصول المهنة وحرفيتها، أو نتيجة التهديدات الموجهة لهم، من جماعات إرهابية، عبر قوائم يتم الإعلان عنها، لإرعابهم ودفعهم إلى الانزواء، كما حدث باغتيال الصحافي مفتاح أبو زيد».
وينظر كل من الروائي عبد الحفيظ العابد والناقد ناصر سالم المقرحي إلى قضية حرية التعبير باعتبارها قضية إشكالية جداً، «بحكم أننا إزاء سلطات متعدّدة المرجعيّات، ومن ثمّ فإنّ اتخاذ موقف ما قد يكون محلّ اختلاف بين هذه السلطات، فما يُعدّ غير مقبول عند بعضهم يكون موضع ترحيب عند آخرين».
وأخيراً يقول الصحافي منتصر الشريف الذي شغل منصب سكرتير تحرير صحيفة «البلاد» التي توقفت عن الصدور منذ عام 2013 بسبب فوضى الإدارة الحاصلة في مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة الصحافة معلقاً: «صدمتنا كانت كبيرة، ولم يبقَ لنا إلا خيار الهجرة أو ترك المهنة».



الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».


سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
TT

سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)

أثار طرح بوستر برنامج المقالب «رامز ليفل الوحش»، الذي يقدمه الفنان رامز جلال في رمضان 2026، اهتماماً لافتاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدَّر الترند عبر منصة «X» في مصر، الثلاثاء.

كان رامز جلال قد كشف عن الملصق الترويجي للبرنامج، الذي ظهر من خلاله وقد أعطى ظهره للكاميرا دون أن يكشف عن ملامح أو تفاصيل أخرى، ثم ظهر في ملصق آخر وقد طغى اللون الأحمر على كل شيء؛ ملابسه ونظارته وملابس القرد الذي يحمله على كتفه وفانوس رمضان الذي يمسكه بيده، بينما ظهر بشعر برتقالي على شكل حمم بركانية، ما أشعل سباق التوقعات بين الجمهور حول فكرة الموسم الجديد من البرنامج الذي اعتاد إثارة الجدل وخطف الانتباه في مواسمه السابقة.

رامز جلال كما ظهر على بوستر البرنامج (إم بي سي مصر)

وكتب رامز، عبر حسابه على «X»: «بسم الله توكلنا على الله»، معلناً بطريقته المعتادة الموسم الجديد لبرنامج المسابقات الذي يقدمه بعنوان «رامز ليفل الوحش» في رمضان 2026 على «MBC مصر».

وأضاف: «اجمد ومتبقاش خفيف... الموضوع مخيف»، الذي تتخذه قناة MBC شعاراً للبرنامج، وقد جرى تصويره بمدينة الرياض، وهو من إنتاج الهيئة العامة للترفيه (GEA) ليعلق متابعون حول توقعاتهم لطبيعة المقلب الذي سيتعرض له ضيوف البرنامج. وكتب حساب باسم «محمد العريفي»: «أيوة كده يا رامز، نجم رمضان كل سنة». وكتب حساب باسم «شهد»: «البوستر يجنن، وطبعاً لون شعرك خيالي».

وعلق «Abdou»: «واضح إن الضحايا، هذا العام، داخلين أخطر تجربة في حياتهم، (رامز ليفل الوحش) هيكسر الدنيا».

في حين كشف حساب باسم «MEMO» أن «مفاجأة رامز جلال، هذا الموسم في رمضان، هو استضافته اللاعب أشرف حكيمي، ليبدأوا لعبة مثل (سكواد جيم)، ووسط اللعب سيجري حبس الضيف في غرفة مظلمة بمفرده ليس بها غير شاشة، وفجأة رامز هيشغل عليها جول «بابا غابي» في المغرب بنهائي أمم أفريقيا».

وكتب حساب باسم «Arabian Crave»: «بما إن الفضول واصل للسماء والكل بيسأل رامز جلال ناوي على إيه السنة دي، خليني أفكّلك اللغز وأوريك الطريق اللي هتحس فيه ريحة المقلب قبل ما يبدأ، تخيل نفسك رايح مهرجان عالمي وفجأة تلاقي نفسك جوة نسخة مخيفة من لعبة الحبار، بس المرة دي كلها مصرية».

ويحظى تسجيل حلقات البرنامج بكثير من السرية حتى لا تتسرب الفكرة لبقية ضيوف البرنامج الذي يعمل رامز وفريق الإعداد والإخراج معه على الانتهاء من تصوير الحلقات كاملة قبل شهر رمضان بوقت كاف.

وأكد الناقد أحمد سعد الدين أن اسم رامز جلال يتحول إلى «ترند» مع اقتراب شهر رمضان، وقبل عرض برنامجه؛ لأن اسمه وحده يكفي، سواء أكان تحت مسمى «رامز قلب الأسد» أم «رامز ليفل الوحش»، فهو يحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور الخليجي والجمهور المصري، مشيراً إلى أنه يعتمد في كل مرة على فكرة جديدة في برنامج يتمتع بإنتاج ضخم يتيح له أن يحقق إبهاراً فنياً، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»: «لكن مشكلة البرنامج أنه يعتمد على فكرة واحدة طوال شهر رمضان، وبعد عرض خمس حلقات يكون المشاهد قد أدرك الفكرة وتوقّع ما سيقوله الضيف، ومن الأفضل أن يقدم فكرة مختلفة لكل عشر حلقات».

ويلفت سعد الدين إلى أن الحلقات الأولى التي قدمها لم تكن تتمتع بإنتاج كبير، لكن بعدما اتجه للإنتاج في كل من دبي والسعودية توافرت له إمكانات واسعة مكّنته من تقديم عناصر إبهار أكثر، والاستعانة بنجوم عالميين في بعض الحلقات.

بدأ الفنان رامز جلال «52 عاماً» تقديم برنامج المقالب، الذي يحمل اسمه بشكل موسمي في رمضان من كل عام، في 2011، وقد حملت عناوين متعددة، على غرار «رامز قلب الأسد»، و«رامز ثعلب الصحراء»، و«رامز مجنون رسمي»، و«رامز إيلون مصر».


مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)

وسط حضور فني وثقافي واسع، احتفت «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، مساء الاثنين، بإبداعات الشباب المشاركين في الدورة السابعة من مسابقتها السنوية، التي شهدت تتويجاً لمسيرة الفنان يحيى الفخراني الفنية، وتأكيداً لأهمية الفن بصفته «أساس الحضارة وذاكرة الوجود الإنساني».

وأكد وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، في كلمته خلال الحفل الذي أقيم بحديقة «مركز الجزيرة للفنون» بحي الزمالك وسط القاهرة، على سعي المؤسسة التي تحمل اسمه إلى «ترسيخ رسالتها الفنية والمساهمة في إعلاء القيمة الحقيقية للفن ودوره الثقافي في المجتمع»، مشيراً إلى أنه انطلاقاً من هذا التوجه تمت إضافة «جائزة الاستحقاق» إلى الحفل السنوي، التي تُمنح لقامة بارزة في عالم الفن والثقافة، معرباً عن سعادته بأن تذهب الجائزة هذا العام إلى الفنان يحيى الفخراني.

وشدد حسني على أهمية الفن والثقافة بصفتهما «جوهر الوجود الإنساني الذي يحفظ ملامح الأمم»، وقال: «الثقافة ليست ترفاً، ومصر عرفت طريقها للحضارة عندما جعلت الفن والفكر لغة الحياة».

وسلم وزير الثقافة ، أحمد فؤاد هنو، مساء الاثنين، «جائزة الاستحقاق» للفخراني، عادّاً الجائزة «تكريماً لقيمة الفن الهادف والإبداع المسؤول، وللنموذج الفني الذي حافظ، على مدار عقود، على احترام عقل ووجدان الجمهور»، مشيراً إلى أن «الفخراني يُمثل رمزاً للفنان الواعي بدوره الثقافي والإنساني».

وشهد الحفل الذي أقيم على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة احتفاء بإبداعات الشباب في مختلف المجالات الفنية، حيث تقدم لفروع المسابقة الخمسة؛ التصوير، والعمارة، والنحت، والنقد الفني التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، 1211 فنانة وفناناً من مختلف المحافظات شاركوا بنحو 2354 عملاً فنياً متنوعاً.

الفنان فاروق حسني يلقي كلمة في حفل توزيع جوائز المؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه (وزارة الثقافة المصرية)

وقال حسني: «نحتفي بجيل من المبدعين يحمل حساسية العصر، ويصوغ رؤيته للعالم دون أن ينفصل عن جذوره»، مؤكداً أن المسابقة «ليست احتفالاً بإنجاز عابر، بل هي تأكيد على أن الفن في جوهره فعل مقاومة للنسيان، وانحياز دائم للجمال، وبذرة أمل تزرع في أرض الوطن لتثمر وعياً وحياةً».

بدوره، أشاد هنو بالمسابقة التي «تحتفي بجيل واعد من المبدعين الشباب وتكرم قامة فنية كبرى»، مؤكداً أن «هذا التلاقي بين الخبرة المتراكمة والطاقة الشابة يعكس حيوية المشهد الثقافي المصري، وقدرته على التجدد والاستمرار».

وعدّ «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون» بمثابة «نموذج رائد للعمل الثقافي المستدام، بفضل رؤية مؤسسها المستنيرة التي لم تتوقف عند حدود المسؤولية الرسمية، بل امتدت إلى دعم الإبداع وإتاحة الفرص أمام الطاقات الشابة واكتشاف المواهب ورعايتها».

وشهد الشهر الماضي افتتاح «متحف فاروق حسني»، وهو جزء من «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي تأسست عام 2019. وقبل تسليم الجوائز افتتح هنو وحسني المعرض الجماعي للشباب المتأهلين للمرحلة النهائية من المسابقة، الذي يستمر حتى 19 فبراير (شباط) الحالي. وفاز بجوائز مسابقة النقد الفني التشكيلي بالترتيب من الأول إلى الثالث، كل من إيريني سمير حكيم شحاتة، وشيماء سمير عبد المنعم عباس، ومروة السيد عباس السيد. بينما كان المركز الأول في جائزة العمارة من نصيب مشاركة جماعية (محمد أحمد زكي سيد ومحمد مرزوق محمد متولي وهارون ياسر هارون محمد)، وجاء في المركز الثاني عبد الرحمن حسين محمد عبد العال، أما المركز الثالث فكان مشاركة جماعية أيضاً بين (مريم أسامة سند العرباني وبنان خالد غريب محمد وإسراء عبد العزيز محمد حامد وسلمى الخولي عبد المنعم الخولي).

ونالت مشاركة جماعية لكل من محمد هاني عبد الفتاح، وعمر علاء الدين إسماعيل، وجاسمين أشرف كرم، وحبيبة محمد علي، على شهادة تقدير، وكذلك نالت مشاركة جماعية لكل من غادة عبد الوهاب إبراهيم، وهبة محمد مصطفى إبراهيم، شهادات تقدير.

وفي فرع التصوير الفوتوغرافي، جاءت المراكز الثلاثة الأولى بالترتيب من نصيب، فايز أحمد إبراهيم عطية، ورنا أسامة السعيد إبراهيم، وعلاء نور الدين مصطفى يوسف، بينما حصلت حنان سعيد عبد الدايم محمد على شهادة تقدير.

جانب من حضور حفل توزيع الجوائز (وزارة الثقافة المصرية)

وفي فرع النحت، فاز بالمركز الثاني حسام مصطفى رمضان محمد، وبالمركز الثالث يوسف حامد محمد محمود، كما فازت بشهادة شكر وتقدير فاطمة محمد خالد ثابت، أما جائزة التصوير فكانت من نصيب سمر رأفت عبد الله محمد، وحصلت فاطمة إبراهيم محمد حسين على المركز الثاني، وفاز بالمركز الثالث مينا نصيف فهمي يعقوب.

وشهد الحفل حضوراً واسعاً لمسؤولين سابقين وحاليين وشخصيات فكرية وثقافية، من بينهم المهندس أيمن عطية محافظ القليوبية، والدكتور زاهي حواس، والدكتور مصطفى الفقي، والدكتور سامح فريد وزير الصحة الأسبق، والكاتب محمد سلماوي، والدكتور أحمد غنيم رئيس هيئة المتحف المصري الكبير، والمهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري، والمهندس إبراهيم المعلم والناقد الفني طارق الشناوي.