ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

المفكر الفرنسي هنري بينا ـ رويز يجري حواراً خيالياً مع صاحب «رأس المال»

كارل ماركس
كارل ماركس
TT

ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟

كارل ماركس
كارل ماركس

تخيلوا ولو للحظة أنه كان يوجد إنترنت وفيديو وفضائيات في عصر كارل ماركس. بل تخيلوا لو أن هذه الثورة المعلوماتية التي غيرت وجه الكون كانت موجودة في عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو. كنا سنراهم عندئذ بالصوت والصورة وهم يتمشون ويتحاورون في شوارع أثينا... بل تخيلوا لو أننا نرى المتنبي بكل شخصيته الفذة حيا وهو يلقي قصائده في حضرة سيف الدولة من خلال اليوتيوب؟ كيف كان زعيم الشعر العربي يترنم بشعره وقوافيه؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقل. ولكن للأسف كل هذه الأشياء نحن محرومون منها إلى الأبد. ولم يبق لنا منهم إلا مؤلفاتهم المكتوبة بلا صوت ولا صورة ولا حياة ولا من يحزنون. بحياتنا كلها لن نراهم ولن نعرف صور وجوههم ولا نبرات أصواتهم. أما عباقرة هذا الزمن من أمثالنا فسيراهم الناس بعد مليون سنة بصورهم الشخصية كما كانوا. سوف يرونهم بكل ضحكاتهم وابتساماتهم وتكشيراتهم إلخ... ويا له من كنز لا يقدر بثمن وتحسدنا عليه كل الأجيال السابقة من اليونان إلى العرب إلى حكماء الهند والصين والغرب أجمعين. ولهذا السبب أقول: أكبر حظ في التاريخ أننا لم نمت قبل ظهور الإنترنت والإيميل وكل الثورة المعلوماتية الحالية.
ولكن هذا لا يمنعنا من التخيل. فالخيال يعوض عن الواقع الحقيقي إلى حد ما. وفي كل الأحوال لم تعد لدينا وسيلة أخرى لاستنطاق عظماء الماضي واستمزاج رأيهم فيما يحصل حاليا. وهذا ما فعله المفكر الفرنسي المرموق هنري بينا - رويز. وهو فيلسوف وأستاذ جامعي وأحد كبار منظري العلمانية في فرنسا. وقد أصدر مؤخرا كتابا ضخما بعنوان: قاموس عاشق للعلمانية. ويا ليته يترجم إلى العربية. ماذا فعل هذا الباحث؟ لقد أعاد كارل ماركس إلى الحياة مرة أخرى وحاوره وأجرى معه عدة مقابلات متواصلة شكلت كتابا ممتعا في نهاية المطاف بنحو المائتي صفحة إلا قليلا. وكانت أسئلته من نوع: ما رأي كارل ماركس بحاله وتجربته ومساره الفكري والنضالي إبان القرن التاسع عشر؟ بل ما رأيه بأحوال العالم اليوم لو أنه بعث حيا في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين؟ وكذلك ما رأيه بكبار مفكري عصره وبالأخص أستاذه الكبير هيغل؟ ثم ما رأيه بأشياء أخرى كثيرة لا عد لها ولا حصر؟ هذا ما تجدونه في هذا الكتاب الخيالي الممتع الفريد من نوعه. وهو يشبه محاورات أندريه ميكيل مع أكبر خليفة مثقف في تاريخ العرب والإسلام: عنيت المأمون.
ولكن منعا لكل التباس تقتضي مني الأمانة منذ البداية أن أقول للقارئ ما يلي: في حياتي كلها لم أكن معجبا بماركس ناهيك بالماركسية والشيوعية وذلك لسبب بسيط: هي أنها مادية محضة أي تركز على العوامل المادية بشكل مسرف. وهو شيء يزعجني وينفرني منها. لهذا السبب لم يكن ماركس إحدى مرجعياتي الفكرية يوما ما. وذلك على عكس فولتير أو كانط أو بالأخص جان جاك روسو. فهؤلاء مثاليون روحانيون أكثر مما هم ماديون بكثير. وهذا ما يعجبني ويريحني فيهم. ولكن بما أن المؤلف مقتنع بما يقول فلماذا لا أعطيه حق الكلام والإعجاب بماركس. أقول ذلك وبخاصة أن هنري بينا - رويز شخص محترم ومفكر حقيقي لا يستهان به. أليست الديمقراطية تعني إفساح المجال لمن يختلفون معنا في الرأي والتحليل؟ يضاف إلى ذلك أنه يحب ماركس ويكره الماركسية. وهذا شيء يعجبني جدا فيه. إنه يكره الماركسية كعقيدة مغلقة أو متكلسة متحنطة متحجرة تلغي العقل والإبداع. ضمن هذا المنظور أقدم هذا الكتاب. في المقدمة التي تستهل الكتاب يقول لنا المؤلف ما معناه: هذا المحاورات التي ستقرأونها لم تحصل أبدا. فكارل ماركس مات قبل أن أولد أنا بأكثر من ستين سنة. ومع ذلك فهي حقيقية ولم أخترع شيئا من عندي. لم أكذب عليه ولم أرد تقويله ما لم يقله. الأسئلة الواردة هنا فقط مني. أما الأجوبة فهي مستمدة كليا من كتب كارل ماركس ومقالاته الكثيرة. ولذا أستطيع القول إن هذه المقابلات الخيالية مع شخص مات عام 1883 أي قبل قرن ونصف تقريبا ليست وهمية ولا خيالية على الإطلاق. وقد أردت من خلالها التسهيل على القارئ للدخول إلى فكر كارل ماركس الصعب والمعقد أحيانا. وهو فكر غير معروف جيدا على عكس ما نتوهم. وذلك لأنه مطمور تحت ركام من الأحكام المسبقة والأفكار الشائعة والشعارات الديماغوغية الخاطئة.
ثم يضيف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن فكر كارل ماركس أبعد ما يكون عن تلك الصورة المشوهة التي قدمها ستالين والستالينيون الشيوعيون عنه. إنه شخص آخر. ويمكن القول بأن كارل ماركس هو شخص رؤيوي يرى إلى البعيد وبعيد البعيد. نعم لقد تنبأ ماركس بالعولمة الرأسمالية المجنونة السائدة حاليا والمهيمنة على العالم. لقد رآها بأم عينيه وعرف أنها قادمة لا محالة. وهي عولمة تزيد الغني غنى والفقير فقرا. ولهذا السبب ساءلته عن عبادة المال في عصرنا، وعن العذاب البشري لمعظم الشعوب المحرومة من ثمار العولمة، وعن الدين، وعن الاستغلال، وعن التضامن مع الفقراء والمحتاجين، إلخ... لقد أردت أن أعرف رأيه في كل هذا. وعن ذلك نتج هذا الكتاب.
ولكن ماذا يقول بعض معاصرينا عنه؟ إنهم يتهمونه بالمسؤولية عن الغولاغ الستاليني المرعب. وهذا ظلم ما بعده ظلم. فهل يسوع المسيح مسؤول عن محاكم التفتيش السيئة الذكر؟ هناك المبادئ المثالية الرائعة وهناك التطبيقات السيئة أو المنحرفة الضالة. وبالتالي فرجاء لا تخلطوا هذه بتلك. ولا تظلموا ماركس أكثر مما يجب. فقد كان فيلسوف التحرير لا القمع. لقد ناضل طيلة حياته كلها من أجل تحرر الناس والشعوب. وأكبر دليل على ذلك مساندته لأبراهام لنكولن في معركته الهادفة إلى تحرير الزنوج في أميركا. وهي معركة دفع ثمنها الرئيس الأميركي العظيم غاليا لأن غلاة البيض المتطرفين قتلوه كما هو معروف. لقد اغتالوه بطلقة مسدس من وراء ظهره وهو يجلس في قاعة السينما منهمكا بمشاهدة أحد الأفلام. ودافع ماركس أيضا عن حرية الصحافة ضد الرقابة البروسية القمعية. ودافع بالطبع عن طبقة العمال المسحوقين المستغلين من قبل الرأسماليين الشرهين.
ولكن ماركس كما يقول المؤلف لم يشهد إلا المرحلة الأولى من الرأسمالية: أي رأسمالية القرن التاسع عشر. وهي ما يمكن أن ندعوه بالرأسمالية البدائية. ومعلوم أنها كانت بلا إيمان ولا قانون إلا قانون الربح السريع على ظهور العمال البائسين الذين يشتغلون أكثر من عشر ساعات في اليوم بأجور زهيدة جدا ودون ضمان صحي ولا تأمينات اجتماعية ولا أي أمان من أي نوع كان. ولكن بعد هذه الرأسمالية الأولى المتوحشة واللاإنسانية بالمرة حلت الرأسمالية الثانية في القرن العشرين. وقد لعبت تنظيرات ماركس وإنغلز دورا كبيرا في تخفيف وطأتها على الطبقة العاملة. فقد وجهت هذه التحليلات والتنظيرات المضيئة نضالات الطبقة العاملة وجعلتها تفرض على الرأسماليين بعض التسويات والتنازلات لصالحها. وهكذا حصل العامل في أوروبا على الضمان الاجتماعي والصحي وتقليص ساعات العمل وزيادة الأجور. وهكذا أصبح العامل يمتلك البراد والغسالة والسيارة. ودخل حياة الاستهلاك والاستمتاع بالحياة إلى حد ما. ويرى المؤلف أنه لولا تنظيرات ماركس المضيئة التي قادت النضالات العمالية والنقابية لما تحقق كل ذلك. وبالتالي فمن يقول إن الفكر مجرد كلام في كلام لا معنى له ولا قيمة مخطئ. الفكر أقوى من الرصاصة إذا كان فكرا حقيقيا مضيئا.
ثم انتقلنا الآن إلى المرحلة الثالثة من مراحل الرأسمالية. وهي ما يمكن أن ندعوه بالعولمة الرأسمالية المصرفية. ويرى المؤلف أن هذه المرحلة الثالثة تتميز بهيمنة الفلوس التي أصبحت معبودة كالعجل الذهبي. فأصحاب المليارات يتحكمون بالعالم ويستعرضون عضلاتهم، أي فلوسهم دون أي خجل أو حياء في بحر من الفقر المدقع. ولا يوجد عندهم أي إحساس ولا ضمير ولا أي ذرة من النزعة الإنسانية. هنا تكمن أصولية الغرب المتوحشة والباردة والصقيعية. وهذه المرحلة الثالثة كان كارل ماركس قد تنبأ بها في كتاب الرأسمال الشهير وبالأخص في الفصل المكرس لتحليل عبادة السلعة وتقديسها، وكذلك عبادة المال، والرأسمال المؤدي إلى المزيد من المال عن طريق الفوائد الناتجة عنه.كل هذا تنبأ به كارل ماركس. بل وتنبأ بالانحرافات الخطيرة التي طرأت على الرأسمالية مؤخرا وأدت إلى المضاربات المصرفية في البورصات العالمية. وهي مضاربات أدت إلى الأزمة العالمية الشهيرة عام 2008 حيث حصلت أكبر عملية سطو على مدخرات الناس العاديين في البنوك. ولا ننسى الأضرار التي طرأت على البيئة بسبب هوس الرأسماليين المجنون بالإنتاج وزيادة الإنتاج غير عابئين بمصلحة الأرض والطبيعة ناهيك بالإنسان. كل هذا ندفع ثمنه غاليا الآن بسبب شراهة الرأسمالية الغربية المتوحشة واللإنسانية. فالتلوث أصبح يملأ الأجواء والاضطرابات المناخية أصبحت تهدد مصير الجنس البشري كله.
- كيف قابل المؤلف كارل ماركس؟
إليكم هذا السيناريو الطوباوي الخيالي: بما أنه أصبح معجبا كل الإعجاب بروائع ماركس الخالدة والمجهولة على حد قوله، فإنه قرر السفر إلى لندن لمقابلته هناك حيث يقيم. وقد التقاه في أواخر حياته لا بداياتها. التقاه في بيته عام 1882 بعد أن فقد زوجته وحبيبة قلبه جني ماركس عام 1881. التقاه بعد أن أنهكه المرض والحزن ولم تبق له إلا سنة واحدة لكي يعيش. فهذه الزوجة رافقته طيلة حياته كلها ولم تتركه على الرغم من الفقر المدقع والحرمان المادي الرهيب. ومعلوم أنها ولدت في عائلة غنية وشبعانة لا تعرف الجوع ولا الحرمان. فكيف صبرت على تلك الحياة البائسة مع شخص عاطل عن العمل ولا يدخر شيئا تقريبا؟ لقد أقنعها بفكره وبذلك الحلم الرائع الهادف إلى تحرير البشرية وتحقيق الجنة على هذه الأرض. ثم إن الحب أعمى كما يقال. لحسن الحظ فإن الصديق الغني إنغلز موجود، وهو الذي أنقذ العائلة من شر مستطير. ومعلوم أن ماركس وزوجته فقدا ثلاثة أطفال بسبب الجوع والحرمان وعدم القدرة على معالجتهم طبيا. ولكن ذلك كان قبل التعرف على إنغلز.
ثم يقول المؤلف إن صحة كارل ماركس تدهورت كثيرا في الفترة السابقة على الرغم من أن عمره لم يتجاوز الثالثة والستين. ولكن الحياة البائسة التي عاشها والآلام الجسدية والمعنوية قضت على صحته. يضاف إلى ذلك أن رحيل زوجته الغالية دمر ما تبقى... وكل الذين قابلوه في الآونة الأخيرة قالوا بأنه منهك تماما. ومع ذلك فلا يزال يواصل العمل على كتابه الأساسي: الرأسمال. وهو رائعته الفكرية التي لم يستطع إنجازها كليا. وقد استقبله في مكتبه المليء بالأوراق والمراجع والجرائد وكل الفوضى العارمة لمفكر من حجم كارل ماركس. وكانت إلى جانبه صورة إنغلز رفيق دربه في النضال والكفاح من أجل عالم أكثر عدلا أو أقل ظلما. لقد ناضلا فكرا وممارسة من أجل تجاوز هذا العالم الرأسمالي الظالم واستهلال عالم آخر جديد. ولم تذهب نضالاتهما سدى. فقد تحسنت أوضاع الطبقة العاملة كما ذكرنا حيث نالت بعض حقوقها في عهد الرأسمالية الثانية.


مقالات ذات صلة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026».

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
كتب فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية

لؤي عبد الإله
كتب «التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق،

حسين الحربي
كتب مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»

«الشرق الأوسط» ( لندن)

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة
TT

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية من جامعة أكسفورد. كما أنجز أطروحته للدكتوراه (DPhil) في أكسفورد حول سوريا في أواخر العصر الروماني (البيزنطي). عمل في جامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن وفي جامعة كمبريدج قبل انضمامه إلى معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) التابع لجامعة أغا خان، ابتداء من عام 2012، أستاذاً في حقلي التاريخ والأديان المقارنة، لطلبة الماجستير، وهناك شغل منصب منسق برنامج الماجستير بين عامي 2013 و2017، كما تولّى منصب رئيس التعليم والعميد بالإنابة عام 2023. وقد نال جائزة البحوث من جامعة الآغا خان عام 2021، وجائزة القيادة المتميزة عام 2024. وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية (Academia Europaea)، وزميل في الجمعية الملكية التاريخية، وزميل في الجمعية الملكية الآسيوية.

حفريات في العراق الساساني

أثار كتاب فيليب وود «حولية سْعِرْت: المخيال التاريخي في عراق أواخر العصر القديم» الصادر عن دار جامعة أكسفورد للنشر، الكثير من الاهتمام بين المعنيين في التاريخ الروماني البيزنطي بشكل خاص وتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام، وتجسد هذا الاهتمام بظهور العديد من المراجعات المعمقة في دوريات أكاديمية بريطانية وأميركية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه ليس تاريخاً عن العراق قبل الفتح العربي - الإسلامي الذي يؤرخ بسقوط طيسفون (المدائن) عاصمة الإمبراطورية الساسانية عام 637 ميلادية بل هو دراسة لوثيقة مهمة مكتوبة بالعربية في القرن العاشر، ترجمها أسقف كلداني يدعى أداي شير إلى الفرنسية، كان يقيم في مدينة سْعِرْت الواقعة في جنوب شرقي تركيا، وقد قُتل هذا العالم الملم بالعربية عام 1915 ضمن حملة إبادة تعرض لها المسيحيون في تلك المنطقة على يد عناصر تركية وكردية غير منضبطة.

وقد رأى عدد من الباحثين أن أهميته لا تكمن فقط في تحليل «حولية سْعِرْت»، بل في الطريقة الجديدة التي تعامل بها «وود» مع النص بوصفه بناءً تخييلياً - تاريخياً يعكس تطور هوية المسيحيين العراقيين عبر القرون.

نقرأ في دورية «يو إن آر في» المتخصصة بالتاريخ الروماني ما يلي: «حولية سْعِرْت كُتبت بالعربية خلال عصر الخلافة العباسية... ولأنها كُتبت بعد فترة طويلة عن وقوع الأحداث الموصوفة فيها، سمحت طريقة (وود) بإزاحة طبقة بعد أخرى منها كاشفاً العناصر المفبركة بها، وهذا ما سمح بإظهار صورة شاملة للمدونات الأقدم عن الأقلية المسيحية خلال عصر الإمبراطورية الساسانية».

وهذا ما جعلنا نرى كيف كان حال البطريركية في العاصمة طيسفون (المدائن)، وفيها عرض فيليب وود كيف أن كنيسة المشرق، الواقعة إلى شرق سوريا، تطورت وأصبحت مختلفة عن كنيسة المشرق الأرثوذوكسية الواقعة إلى غربها في سوريا خلال الحكم البيزنطي.

النتيجة النهائية هو أننا نقرأ تاريخاً مختلفاً عما كُتب سابقا عن المسيحيين خلال العصر الساساني وعلاقاتهم بالإمبراطورية البيزنطية الشرقية، ونظرة بديلة عن النظرة السابقة للملوك الساسانيين، التي ترى أنهم كانوا ينظرون إلى المسيحيين باعتبارهم عناصر مزعزعة نتيجة لما يحملون من آيديولوجيا ميالة إلى الرومان. ويبين الكتاب أن الاضطهاد الذي مارسه الشاهات الساسانيين للمسيحيين كان ناجماً عن طبيعة معتقدات المسيحيين وتصرفاتهم التي ينقصها الامتثال المتوقع من رعاياهم.

كذلك، تبين الحولية كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق، وهو جانب لم تعطه الكتب السابقة اهتماماً كافياً.

الجانب الآخر الذي أشاد به معظم المراجعين لهذا الكتاب هو أن «وود» لم يتعامل مع الحولية كمجرد «مستودع معلومات» عن الماضي، بل بوصفها نصاً تراكمياً متعدد الطبقات، تشكلت رواياته عبر أجيال مختلفة من الكتّاب والمؤرخين. ولذلك فإن الكتاب، بحسب بعض المراجعات، لا يدرس «ما حدث» فقط، بل يدرس كيف تخيّل مسيحيو العراق تاريخهم الخاص وكيف أعادوا كتابة هذا الماضي لتأكيد هويتهم وعلاقتهم بالسلطة والمجتمع.

وأثنت عدة مراجعات مثل ما جاء في مجلة «المراجعة التاريخية الأميركية» و«دوريات جامعة شيكاغو» على المنهج الذي اتبعه فيليب وود في «تفكيك الطبقات» التاريخية داخل الحولية، أي محاولة إعادة بناء النصوص السريانية الأقدم المختبئة داخل النص العربي المتأخر. وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذا المنهج يُشبه ما فعله مؤرخو الإسلام المبكر عند تحليل الطبقات المختلفة في روايات الطبري والبلاذري، لكن «وود» طبّقه على التراث السرياني - العراقي.

يمكن القول إن هذا الكتاب قدم صورة أكثر تعقيداً للعلاقة بين المسيحيين والدولة الساسانية. فهو يرفض الصورة التقليدية التي تختزل العلاقة في اضطهاد دائم بسبب «الولاء للروم»، ويُظهر بدلاً من ذلك شبكة أكثر تعقيداً من التفاوض والتكيّف والتعاون بين الكنيسة والنخب الساسانية، ثم لاحقاً مع الدولة العباسية.

ومن النقاط التي نالت اهتماماً واسعاً في المراجعات تحليل وود لدور الأديرة، والمدارس اللاهوتية، والنخب الأرستقراطية المسيحية، والبطريركية.

يُظهر هذا الكتاب أن التاريخ لم يكن مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة لإنتاج الشرعية وصياغة هوية جماعية مسيحية داخل عالم ساساني ثم عباسي متعدد الأديان والثقافات.

كذلك رأى بعض النقاد أن من أهم إضافات الكتاب كشفُه كيف أُعيد دمج تاريخ الأديرة والمدارس والقديسين والأساقفة ضمن «سردية جامعة» تتمحور حول البطريرك في المدائن (طيسفون)، بحيث أصبح تاريخ الكنيسة أشبه بتاريخ سياسي - روحي موحَّد لكنيسة المشرق في شقها العراقي.

في المقابل، أشارت بعض المراجعات إلى أن الكتاب صعب نسبياً على القارئ غير المتخصص، بسبب كثافة الأسماء السريانية والتفاصيل التاريخية وتشابك الطبقات النصية. ورأى بعضهم أن الكتاب موجّه أساساً للباحثين المتخصصين بتاريخ المسيحية الشرقية والعراق الساساني، أكثر من القارئ العام.

ومع ذلك، فإن الانطباع العام في أغلب المراجعات كان إيجابياً جداً. فقد اعتُبر الكتاب دراسة رائدة أعادت وضع تاريخ المسيحيين العراقيين داخل مركز النقاش الأكاديمي الدائر حول أواخر العصر القديم Antiquity، بدلاً من النظر إليهم كهوامش تابعة للتاريخ البيزنطي أو الإسلامي فقط. كما رأى بعض الباحثين أن وود نجح في تحويل «حولية سْعِرْت» من نص مهمل نسبياً إلى مصدر أساسي لفهم تشكل الهوية المسيحية العراقية بين الساسانيين والعباسيين.

الخليفة المأمون وديونيسيوس التلمحري

في عام 2021 أصدر فيليب وود كتاباً جديداً عنوانه «إمام النصارى: عالم ديونيسيوس التلمحري (750- 850 ميلادياً)»، وفيه يتعقب حلقة أخرى تكشف مدى التعاون المثمر الذي تحقق خلال الخلافة العباسية وخصوصاً بعد وصول المأمون إلى سدة الحكم، وكانت من مظاهر هذا التعاون مشاركة العديد من المثقفين المسيحيين الذين يتقنون اللغات العربية والآرامية (السريانية) ترجمة الكثير من الكتب ذات الأصل الإغريقي إلى العربية، ومن أشهر الكتب التي لعبت دوراً في تطور الفلسفة العربية - الإسلامية كتاب «أثولوجيا أرسطو» الذي ترجمه المسيحي ابن ناعمة الحمصي وقام بتحريره الفيلسوف الكندي في بغداد.

من أهم أطروحات فيليب وود أن ديونيسيوس استخدم مفهوم «الإمام» لوصف موقعه الديني والسياسي داخل الجماعة المسيحية. ولم يكن ذلك مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة البطريرك وفق النموذج السياسي الإسلامي. فالإمام، في التصور الإسلامي، ليس فقط من يؤم الصلاة، بل هو أيضاً مرجع أخلاقي وسياسي للجماعة. ديونيسيوس حاول أن يمنح البطريرك دوراً مشابهاً داخل المجتمع المسيحي الخاضع للدولة العباسية.

ويرى «وود» أن التحول الكبير بدأ بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، إذ فقدت الكنائس القديمة علاقتها المباشرة بالدولة الإمبراطورية المسيحية، واضطرت إلى التكيف مع واقع سياسي جديد تقوده دولة إسلامية عربية. في البداية تمتعت النخب المسيحية المحلية بحرية واسعة نسبياً بسبب ضعف السيطرة المركزية بعد الفتوحات، لكن مع صعود العباسيين عاد نموذج الدولة المركزية والضرائب والإدارة المُحكمة. وهذا ما دفع القيادات المسيحية إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم والوساطة مع السلطة العباسية.

إحدى الأفكار المهمة في الكتاب هي أن الثقافة الإسلامية لم تؤثر في المسيحيين على مستوى اللغة فقط، بل على مستوى المخيال السياسي نفسه. فالمسيحيون السريان بدأوا يستعيرون مفاهيم من البيئة الإسلامية، مثل فكرة الجماعة المنظَّمة تحت قائد شرعي، وفكرة العلاقة بين السلطة الدينية والإدارة الاجتماعية. لذلك يصف «وود» هذه العملية بأنها نوع من «التخيّل السياسي المشترك» داخل العالم العباسي.

كما يركز الكتاب على أن المسيحيين كانوا جزءاً فعّالاً من الحياة العباسية: في الإدارة، والترجمة، والطب، والبيروقراطية، والثقافة الفكرية. فهم لم يكونوا معزولين عن المجتمع الإسلامي، بل شاركوا في تشكيل الحضارة العباسية نفسها، مع احتفاظهم بهويتهم الطائفية الخاصة.

ومن الأفكار اللافتة أيضاً أن «وود» يحاول تجاوز الصورة الأوروبية التقليدية للعلاقة بين الإسلام والمسيحية بوصفها مجرد صراع أو اضطهاد. بدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر تعقيداً: تفاعل، وتفاوض، وتكيّف متبادل، وصياغة لهويات جديدة داخل فضاء حضاري واحد. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة لبطريرك سرياني، بل دراسة لكيفية تشكل «سياسة مسيحية» داخل العالم الإسلامي المبكر.

تركّزت أبحاث فيليب على موقع «الأقليات» الدينية داخل إمبراطوريات غرب آسيا خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين. وقد تناول جانب كبير من هذا العمل الجماعات المسيحية التي تستخدم السريانية (وهي إحدى لهجات الآرامية) إضافة إلى العربية، واعتمد على مصادر مكتوبة بهاتين اللغتين لدراسة الكيفية التي يعيد بها قادة الجماعات، التي تمثل أقليات، إنتاج الخطابات الصادرة عن المركز الإمبراطوري أو تكييفها، وقد تناولت كتبه الثلاثة، التي ابتدأ أولها كأطروحة للدكتوراه، هذه العلاقة في الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، وكذلك في الخلافتين الأموية والعباسية.

تبيّن حولية سْعِرْت كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق


«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع
TT

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق، من وسط نجد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها إلى الكويت والعراق والشام ومصر. وارتبطت مصائر بعض رجالهم بها وآثروا سكناها إلى يومنا هذا. وقد صدر من الرباعية جزآن عن «مؤسسة الانتشار العربي» اللبنانية. الجزء الأول يقع في 358 صفحة والثاني في 425 صفحة.

اعتمدت الرواية على مراجع ودراسات كثيرة عن أحداث تاريخية معينة، وإن جاء المتخيل رديفاً سردياً يخفف من صلادة الوقائع التاريخية ليسكبها في قوالب تشبه إعادة صياغة للبنية السردية التاريخية.

تنطلق مغامرة المؤلف لكتابة هذه الرباعية الروائية التي ننتظر صدور الجزئين المتبقيين من مشهد مهيب لعودة رجال عقيل إلى ديارهم ليجدوها وقد عاث بها الجوع والمرض، هذه الاستفتاحة السردية تنبئ عما تكتنفه من صراعات ومواجهات مع الخوف والانتظار لمفاجآت تبعث بها صحراء يعبث بها بطش محاربين وطامعين ينتزعون لقمة عيشهم التي تبقيهم على مشارف الحياة هذا إن نجوا من المرض أو القتل.

هنا يتساوى الناس في الخوف الذي يقبض على القلوب في فضاءات انتزع منها الأمن وغادرتها السكينة:

«ما بين البلدات المتناثرة رمال حمر تحركها هبات هواء ساخن ومباغت تقطعها أودية هرمت بالجفاف، تتناولها الرياح تقلبها، تتلاعب بها كحفلة جن، تصفق الأبواب المواربة، في البلدة المهجورة تقريباً إلا من أطفال يحتضن أطفالهن خشية الموت خلف جدران حرشاء يابسة، ورجال لم يعد لأنفاسهم رائحة سوى رائحة الخوف، كم من السنين انصرمت وهم يتقلبون ما بين الفاقة والجوع لا يذكرون متى ولا كيف تناسلوا، هل سقطوا في بئر سوداء عميقة موحلة، وقد أيقنوا أنهم وصلوا حافات الهلاك».

المزيني جعل قلمه مشرط تشريح للبعد الزمني والمكاني الذي تقع فيه هذه الأحداث بصورة جلية، ثم يربطها بصورة أخرى أشد إيلاماً، للمرض الغريب الذي اندس في أجساد الناس الضامرة من الجوع، ليشهدوا موتهم عياناً وهم يتساقطون الآخر تلو الآخر، هل يرهن المرء نفسه للموت المنتظر أم يبحث له عن وسيلة تنتزعه من براثنه، هكذا فكر روضان الرجعان، وهو يستذكر كيف نجا صغيراً مع أخته التي تصغره. كانت عناية الله ثم المرأة النازحة من ديار بعيدة زوجة أحد الذين قضوا نحبهم في هذه الجائحة، لتنتشلهم وترعاهم. هذه الصورة التي لم تكن تغادر ذاكرة روضان دفعت به ليقف أمام شيخ عقيل ويطلب منه أن يرافقه في رحلته وشيكة الانطلاق «جلس روضان الرجعان بين الرجال صافناً متلحفاً بعباءته الصوفية، وقد لف شماغه حول وجهه، وعيناه تنظران إلى الأفق البعيد، كانت الأرض يابسة جرداء، وأفواه الرجال ناشفة متشققة لا تقوى حتى على الكلام، وكأنهم ينتظرون الموت، وذاكرتهم لا تزال غضة طرية بالوجوه التي اختطفها الموت من بين أيديهم عنوة، ورائحة القبور لا تزال عالقة في أنوفهم، وقلوبهم متلظية بالفقد، ما زال روضان الرجعان يتذكر تلك الريح السوداء التي اختطفت عشرة من أهله وعمومته بما فيهم أمه وأباه وثلاثة من أخوته وأختان وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لم يبق له سوى بنت عمه مزنة ذات الخمس سنوات التي رآها تقفز بين الأزقة المهجورة، كان يجلس مستنداً إلى جدار تنش منه رائحة الموت، وهو يرمق الرجال من بعيد يدفنون جثامين الموتى، حتى النحيب الذي كان يخامر الليل، لم يعد يسمع له حس، سقط الجميع في جب الحزن والانتظار، متى يخرون على الأرض صرعى الريح السوداء».

من هنا وبهذه الصورة المشهدية تبدأ الرحلة السردية لتصور لنا كيف واجهت النساء مصائرهن بين سراق الأرض والجوع المباغت، والمرض المحتمل، وقد تدربن على الدفاع عن أنفسهن ولبسن ثياب أزواجهن لإيقاع الخوف في قلوب كل من تسول له نفسه الاقتراب من بيوتهن، وما بين الرجال وهم في عرض الصحراء يواجهون مصائر مختلفة، هجوم مباغت لمحاربين تملكوا الصحراء برعونة القوة الغاشمة، وحناشل يترصدون لهم تحت عباءة الليل السوداء، وعبر تتابعات الأحداث المرة تقع المفاجآت والكوارث، وفي كل مرة يجد رجال عقيل أنفسهم وقد تعلموا لغة الصحراء وباتوا هم الأقدر على المواجهة إما بحكمة التاجر الحصيف، أو بالقدرة على المواجهة بلا خوف أو تردد.

التغريبة النجدية سفر مليء بالأحداث محتدم بالصراعات، مسكون بالرجال والنساء، عابر للصحارى والمدن العربية، وقد اتخذت جميعها وسوماً شكلت فيما بعد صورة للتحولات المتلاحقة التي أعقبتها، حتى قيض الله سبحانه وتعالى للجزيرة العربية المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) الذي انتشلها من معاناتها وكان رجال عقيل يقفون جنوداً أوفياء في صفوف مسيرته المباركة، ننتظر صدور ما بقي من الملحمة السردية، والشوق يحدونا لمشاهدتها واقعاً ممثلاً على الشاشة الرمضانية.

* كاتب وصحافي سعودي


مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي» (The AI-Ready Doctor) للدكتور عميد خالد عبد الحميد، الباحث العراقي - البريطاني المتخصص في الذكاء الاصطناعي الطبي وأخلاقيات الرعاية الصحية.

ويستعرض الكتاب التحولات العميقة التي بدأت تعيد صياغة مفهوم القرار الطبي التقليدي، مع التوسع المتسارع في اعتماد الأنظمة الصحية على الخوارزميات الذكية في التشخيص والتحليل السريري والتنبؤ بالمضاعفات.

ويركز المؤلف على سؤال محوري بات يُطرح بقوة داخل المؤسسات الطبية العالمية: هل أصبح الأطباء مستعدين فعلاً لعصر الذكاء الاصطناعي؟ فالكتاب لا يناقش التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فقط، بل يتناول أيضاً أبعادها الأخلاقية والفلسفية، خصوصاً ما يتعلق بحدود الثقة بالخوارزميات، ومسؤولية الطبيب، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الرعاية الصحية.

كما يطرح الكتاب مفهوم «الصمت الخوارزمي»؛ أي الحالات التي ينبغي فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي الامتناع عن إصدار توصيات حاسمة عندما تكون درجة عدم اليقين مرتفعة، وهي فكرة بدأت تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الحديثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي. وقد حظي الكتاب باهتمام من «المجلة البريطانية لطب الأسنان» (British Dental Journal - BDJ) الصادرة عن دار «سبرينغر نيتشر» العالمية، التي ناقشت صدوره ضمن الاهتمام الدولي المتنامي بمفهوم «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي.

ويُعرف الدكتور عميد خالد عبد الحميد بإسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان والرعاية الصحية، وهو أستاذ زائر في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، كما يكتب بانتظام في صفحة «علوم» في «الشرق الأوسط».

ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الكتب يعكس تحولاً أوسع داخل المؤسسات الطبية العالمية، التي بدأت تدرك أن التحدي القادم لن يكون بناء أنظمة أكثر ذكاءً فقط، بل إعداد أطباء قادرين على فهم حدود هذا الذكاء، والتعامل معه دون فقدان البعد الإنساني للمهنة.

يعكس هذا النوع من المؤلفات تصاعد الاهتمام العالمي بما يُعرف اليوم بـ«الأدبيات الطبية الرقمية»، الذي يحاول فهم العلاقة الجديدة بين الإنسان والخوارزمية داخل الطب الحديث.