العطور والتاريخ يشاكسان أنفك بروائحهما النفاذة وأنت تتجول في شارع العطارين القريب من شارع المعز لدين الله الفاطمي، بحي الجمالية، في القاهرة التاريخية، حيث تتوزع محال العطارة على جانبي ممر الحمزاوي. ويلخص الممر تاريخ حكماء مصر القدامى، الذين كانوا لأزمان طويلة يأتمنهم المصريون على صحتهم، وحياتهم اليومية من مأكل ومشرب.
بمجرد اقترابك من ناصية الطريق الموصل للشارع يستولي عليك مزيج من الروائح المختلفة، توابل وبهارات وأعشاب وزيوت، وأرواح بشر طيبون يحرسون مهنتهم من الدخلاء، ويدافعون عنها. على اليسار، وبعد أن تتجاوز بعض الدكاكين داخل ممر الحمزاوي الضيق، يستقبلك صاحب المحل «محمد»، أحد حملة أسرار الأعشاب، وتركيباتها، قال، بعد أن سحب كرسياً صغيراً من البلاستيك كان في منتصف المحل، ودعاني للجلوس، إنه ورث المحل والمهنة عن أبيه، وجده، وأورثها لأبنائه، الذين حرصوا على عدم الاكتفاء بالتعليم العالي في كليات الزراعة والهندسة، والتربية، وقد سبق له السفر إلى السعودية، والعراق وليبيا.
شعبة العطارة في الغرفة التجارية المصرية، كانت قد أعلنت أن المشتغلين في السوق يصل عددهم إلى 5 آلاف محل عطار في العاصمة القاهرة والجيزة وضواحيهما، يقصدهم سكانها للتزود بما يحتاجون إليه من مكملات غذائية وأعشاب طبية لمقاومة أمراض الشتاء رغم ارتفاع الأسعار التي وصلت لأكثر من الضعف. عن أسرار العطر وأعشابه يقول محمد: «كل عشبة وكل نوع منها في مملكة العطارين، يحتاج إلى دراسات كثيرة لكشف أسراره، والبحث في سبل استخدامه مع غيره، لصناعة أدوية تحمي صحة الناس بعد أن ثبت أن كثيراً من الأدوية المكونة من المواد الكيماوية، تشكل خطراً على الصحة؛ ما جعل كثيراً من شركات الدواء حول العالم، تستخدم الأعشاب الطبيعية في صناعتها، ويحرصون على إثبات ذلك على أغلفتها لكسب ثقة الناس وترويج منتجاتهم».
ويتركز طلب زبائن محمد، على البحث عن وصفات طبيعية لتأخر الإنجاب، والضعف الجنسي، والأمراض الرئوية والجلدية، والإسهال والإمساك ومشكلات القولون، فهي أكثر المشكلات التي تؤرق صحة المصريين، ويسعون إلى علاجها باستخدام الزيوت والأعشاب.
وتأخر اهتمام كليات الصيدلة بالجامعات المصرية في افتتاح أقسام للطب البديل أو التكميلي، حسب ما يذهب إلى تسميته بعض الأطباء والباحثين، لكن بعضها قرر منذ أعوام قليلة الدخول في مجال دراسة الأعشاب للاستفادة منها في تحضير وصناعة أدوية مصرية تدخل بها الشركات السوق العالمية، وقد كان منها وحدة تخصصية للطب البديل بكلية طب قصر العيني ضمن قسم الأمراض الباطنة عام 2000، كما افتتحت جامعة الزقازيق قسماً للطب البديل بدأ في استيعاب عدد غير قليل من الدارسين والدارسات.
ولا يصل طعام لموائد المصريين من دون بهارات، ولا يمكن أن يستغنوا عنها، بحسب ما يقول محمد، كما أنه رغم التقدم في مهنة الطب وقناعات الكثيرين بأهمية التداوي في المستشفيات وعيادات الأطباء، فإن قطاعات عريضة ما زالت حتى الآن تأتي إليه لشراء خلطات لمقاومة نزلات البرد والأنفلونزا، وأوجاع البطن والمفاصل.
من جهته، أكد رجب، وهو أحد التجار المخضرمين بالشارع والذي يعمل في عالم العطارة منذ 35 عاماً، إلى أن سوقها (الأعشاب) قديمة في مصر، ولها احترامها «وهناك من يعملون على وصفات ترجع لآلاف السنين، أعدها أطباء وعلماء مسلمون، فضلاً عن سابقيهم من العصر الفرعوني والقبطي».
وتظهر إحصائيات غرفة صناعة الأدوية أن مصر، التي عرفت صناعة الدواء منذ 70 عاماً، ما زالت تستخدم الأعشاب بنسبة تصل إلى 5 في المائة من منتجاتها الدوائية، ولا تزيد الشركات التي تستخدم الأعشاب في صناعة الدواء في مجموعها عن أصابع اليد الواحدة، وتأتي شركتا «نابكو فارما» و«أتوس» باعتبارهما أبرز الكيانات العاملة في هذا المجال.
وكانت شعبة الأدوية بالغرفة، ذكرت أن الأعشاب الطبيعية وأبرزها «الحلف بر»، تستخدم في صناعة أقراص لتوسيع الحالب، إضافة إلى نبات «الخِلة» الذي يدخل في صناعة بعض الكابسولات والحقن والفوار، و«حبة البركة» تستخدم في صناعة كبسولات، وأيضاً الثوم لاستخراج مضادات للكوليسترول، إضافة لكل أدوية الأطفال الطاردة للغازات. ولفت رجب إلى «أنهم (العطارين) يعتمدون في وصفاتهم العشبية على تراث آباء كبار مثل ابن سينا، وأبو بكر الرازي، وكتاب تذكرة داود الإنطاكي، وهو ما يؤكد الشوط الطويل، الذي قطعه القدماء في مجال التداوي بالأعشاب والبحث فيه».
وأوضح رجب أن «عدداً من علمائنا القدامى حذروا من أمراض ناتجة من السمنة قبل 18 قرناً من الزمان، على رأسهم ابن سينا وابن النفيس، والرازي، وغيرهم وقاموا بوضع قائمة بأطعمة معينة تحافظ على صحة الجسم، لكن البعض يظهر علينا فجأة ويحذر الناس من الأعشاب ويدعون أنها نوع من الدجل، وأن من ينصحون بها ليسوا سوى مجموعة من الجهلاء».
وتابع قائلاً: «نحن حريصون على عدم عمل أي وصفات تضر بصحة الناس، فقط نقوم ببيع ما يطلبونه بأنفسهم»، وذكر أن هناك أصنافاً كثيرة من الأعشاب والبهارات، تأتي من الهند وسنغافورة وسريلانكا والمغرب، لكن الأغلبية تزرع في مصر، مثل الكركديه والنعناع والكزبرة والسمسم، والحلبة والبردقوش، وزهر البابونج، والكمون، والمغات الخشب، وجميعها أصناف جيدة. مستطرداً «يكفي أن أقول إن الكركديه المصري من أحسن الأنواع في العالم».
شارع «العطارين»... روائح في عباءة التاريخ
https://aawsat.com/home/article/1119086/%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%B9-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%86%C2%BB-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AD-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE
شارع «العطارين»... روائح في عباءة التاريخ
مخزن أسرار التداوي بالأعشاب لدى المصريين
شارع العطارين يشهد زحاماً كبيراً في معظم ساعات اليوم
- القاهرة: حمدي عابدين
- القاهرة: حمدي عابدين
شارع «العطارين»... روائح في عباءة التاريخ
شارع العطارين يشهد زحاماً كبيراً في معظم ساعات اليوم
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

