«داعشي» مغربي: التنظيم كيان هش وفارغ من الداخل

تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن رحلته إلى الرقة ودوره في «داعش»

متهمون بالانتماء إلى «داعش» في أحد سجون «قوات سوريا الديمقراطية» في الرقة .. وفي الإطار مغربي من «داعش» خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» («الشرق الأوسط»)
دمار في أحد شوارع الرقة.
متهمون بالانتماء إلى «داعش» في أحد سجون «قوات سوريا الديمقراطية» في الرقة .. وفي الإطار مغربي من «داعش» خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» («الشرق الأوسط») دمار في أحد شوارع الرقة.
TT

«داعشي» مغربي: التنظيم كيان هش وفارغ من الداخل

متهمون بالانتماء إلى «داعش» في أحد سجون «قوات سوريا الديمقراطية» في الرقة .. وفي الإطار مغربي من «داعش» خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» («الشرق الأوسط»)
دمار في أحد شوارع الرقة.
متهمون بالانتماء إلى «داعش» في أحد سجون «قوات سوريا الديمقراطية» في الرقة .. وفي الإطار مغربي من «داعش» خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» («الشرق الأوسط») دمار في أحد شوارع الرقة.

في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2013، ترك «ع.ع» مدينته الرباط المطلة على البحر الأبيض المتوسط وتوجه شرقاً إلى مدينة الرقة في سوريا، إحدى أكثر المناطق حرارة في الشرق الأوسط ليصبح مقاتلا ثم «قائداً» في صفوف تنظيم داعش المتطرف. وكان يحلم بالعيش في ظل «الخلافة» المزعومة، لكن انتهى مصيره في سجن بأحد السجون الأمنية شمال سوريا.
«ع.ع» من مواليد الرباط 1982، يحمل شهادة المعهد العالي للتكنولوجيا، وبعد الانتهاء من الدراسة، افتتح شركة خاصة لبيع الأجهزة الإلكترونية، وسافر دون إخبار أسرته. «الشرق الأوسط» أجرت المقابلة معه في مقر أمني تابع لجهاز مكافحة الإرهاب الخاص بـ«قوات سوريا الديمقراطية» في ريف الرقة الشمالي، وبحسب مسؤولي المركز قام «ع.ع» بتسليم نفسه في شهر أغسطس (آب) الماضي بعد اشتداد المعركة في مدينة الرقة.
يروي الشاب الثلاثيني، أن الصور المروعة التي نُشرت عن مجريات الحرب في سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي أثارت مشاعره، وقرر تقديم المساعدة بالانضمام إلى القتال، ونفى انتسابه إلى الجماعات الإسلامية المتشددة في المغرب، لكن الأزمة السورية وويلات الحرب كانت تأخذ الحيز الأكبر من نقاشات أفراد عائلته، حتى ظن الجميع بداية أنه ينوي السفر إلى الحدود لتقديم يد المعونة للنازحين واللاجئين في المخيمات.
في صيف العام 2013، تواصل مع متطرفين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وحصل على التذكية المطلوبة من عناصر كانوا يعملون مع تنظيم القاعدة، وذكروا له سير الطريق وأعطوه أرقام شخصيات للتواصل معها عند وصوله.
وفي شهر سبتمبر من العام نفسه، سافر جواً إلى مدينة إسطنبول التركية، ومنها سافر براً عبر حافلة حديثة، قاصداً مدينة غازي عنتاب القريبة من الحدود مع سوريا، ثم توجه إلى مدينة شانلي أورفة، ويقول عصام: «اتصلت مع المهرب الذي كان لديه علم بقدومي، أدخلني سراً عبر الشريط الحدودي مع سوريا، عند نقطة قريبة من تل أبيض واستقبلني عناصر التنظيم، وذهبت معهم إلى مضافة الاستقبال».
في اليوم التالي، ذهب «ع.ع» مع مجموعة من الوافدين الجدد إلى مدينة إدلب، شمال غربي سوريا، بقي فيها نحو شهرين وخضع خلال هذه الفترة لدورة تعليمية وكيفية حمل السلاح وفنون القتال، اتصل مع عائلته ليخبرهم أنه أصبح في سوريا وقرر القتال إلى جانب تنظيم «جبهة النصرة» الجناح السوري لتنظيم «القاعدة». وأضاف: «والدي لم يحتمل الخبر ولم يكمل حديثه معي دقيقة واحدة، في حين والدتي كانت أقوى وطلبت مني أن أبقى على اتصال معهم، وحاولت إقناعي بالرجوع عن قراري والعودة إلى المنزل».
بعد شهرين من وصوله إلى سوريا، اشتدت الخلافات آنذاك بين تنظيمات «القاعدة» في سوريا بين جناح أبو بكر البغدادي وجناح «جبهة النصرة» التي كان يترأسها أبو محمد الجولاني، وفضل الكثير من المقاتلين الأجانب والعرب الالتحاق بتنظيم البغدادي بينهم «ع.ع». ويعزو السبب إلى: «الجولاني كان قاسيا مع المقاتلين الأجانب، وكان يجبرهم على البقاء خارج المدن، أما السبب المباشر فكان غياب مشروع واضح عند (النصرة)، في حين (داعش) أعلن أن هدفه إقامة خلافة» مزعومة.
وفي بداية يناير (كانون الثاني) وبعد سيطرة تنظيم داعش على كامل مدينة الرقة، عين «ع.ع» قائدا على الحدود الشمالية، وبات مسؤولاً عن الشريط الحدودي الواصل بين بلدة راس العين الواقعة أقصى شمال محافظة الحسكة، ومدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي، وعن بوابتها الحدودية مع تركيا.
وتابع حديثه: «لأنني أتحدث الإنجليزية والفرنسية والإسبانية إلى جانب لغتي الأم العربية، وكان لقبي أبو المنصور»، ولفت أنه حتى نهاية العام 2013، كان عدد الوافدين الأجانب إلى سوريا لا يتجاوز 150 مقاتلا في الشهر، ويضيف: «بعد تسلمي المنصب ومنذ بداية 2014 كان يدخل يومياً وبمعدل وسطي نحو 300 أجنبي يرغبون في القتال في صفوف التنظيم».
وعناصر التنظيم أنشأوا مكتباً خاصاً لدخول الأجانب يتبع مجلس الشورى، حيث يتم تسجيل أسماء الداخلين وجنسيتهم وتاريخ دخولهم، وكان قائدهم يدعى «أبو محمد العراقي» يترأس «هيئة الهجرة والتجهيز»، وقال «ع.ع»: «في حين كان أبي حفصة المصري، وهو مصري الجنسية مسؤول عن هيئة التجهيز والمعسكرات، في حين كان أبو أسامة المدني تونسيا مسؤولا عن هيئة الهجرة، والطرف الشمالي غرب نهر الفرات كان أميرهم أبو محمد الشمالي وكانت جنسيته خليجية».
أما الجنسيات التي التحقت بتنظيم داعش، وبحسب قائد شؤون الحدود الذي ذكر أن: «الأكثر نسبة كانت الشيشان وجورجيا والجمهوريات الروسية، أما الدول العربية فكانت تونس الأعلى نسبة، تأتي بعدها المغرب، ثم الجزائر، ومصر، وليبيا».
بعد مرور عام حدثت خلافات حول الحدود والعلاقة المريبة بين قادة التنظيم وأجهزة استخبارات تتبع دول إقليمية ودولية، بين «ع.ع» و«أبو محمد الفرقان»، المسؤول الأول عن الجهاز الإعلامي والتخطيط في التنظيم، والأخير أحاله إلى التحقيق وتقرر معاقبته بإقامة جبرية مدة سنة في الرقة، ويزيد: «في البداية كانت شديدة لدرجة أنني كنت لا أخرج من المنزل، بعد ثلاثة أشهر خفّت قليلاً، وبعد انتهاء المدة وفي صيف العام 2015 تم تجريدي من منصبي ونقلت للقتال كجندي إلى مدينة حماة وسط سوريا بغية إبعادي عن الحدود».
وبعد مرور عامين على إعلان ما سمي بـ«الخلافة» المزعومة في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، خسر الكثير من البلدات عند أطراف الرقة؛ أبرزها تل أبيض وعين عيسى والطبقة التي سيطرت عليها «وحدات حماية الشعب» الكردية، قبل أن يطرد لاحقاً من معقله الأبرز مدينة الرقة في 17 من الشهر الحالي.
ويقول «ع.ع»: «خلافة من دون عواصم تاريخية لا تعني شيئا، وخلافة من دون السيطرة على دمشق أو بغداد لم تكن مكتملة، والسيطرة على كل هذه المساحات لا قيمة لها دون السيطرة على العواصم».
ولجأ التنظيم إلى الإعدامات الجماعية وقطع الرؤوس وعمليات الاغتصاب والسبي والخطف والتطهير العرقي والرجم وغيرها من الممارسات الوحشية في الرقة وباقي المدن التي سيطر عليها، وحرص التنظيم على استخدام كل التقنيات الحديثة لتصوير فظاعته على أشرطة فيديو نشرها على الإنترنت لنشر الرعب بين الناس.
وعن منهجية التوحش في الإجرام عند التنظيم، وبحسب «ع.ع»، العنصر في صفوف أكثر التنظيمات تشدداً في العالم، يقول: «أبو محمد الفرقان وهو عراقي الجنسية كان أحد أبرز قادة التنظيم والعقل المخطط لجميع الإصدارات المرئية وإعلام التنظيم، كان يريد نشر الرعب بين المدنيين وإخافة خصوم التنظيم، واستقطاب المقاتلين من باقي أنحاء العالم».
وكشف عن أن التنظيم كان يقوم بتصفية المختطفين والمعتقلين لديه، وقال: «عندما كان يخسر مدينة يقوم بقتل السجناء، ويبقي على حياة الذين سيتفاوض عليهم في صفقات التبادل أو فدية مالية، والمسؤول الأمني عن هذا الملف كان يدعى أبو لقمان الرقاوي، وهو سوري ينحدر من الرقة».
وكشف عن أن أبرز السجون لدى التنظيم «النقطة 11 وكانت تحت الملعب الأسود (الملعب البلدي بالرقة)، إلى جانب سجن الطبقة، وبعد طرد التنظيم منها نقل أغلب المختطفين والمعتقلين إلى منجم الملح غرب الرقة بداية، ثم نقلوا بعدها إلى مدينة الميادين شرق محافظة دير الزور»، والكلام لمسؤول الحدود في التنظيم. ويزيد: «قائد مكتب الأسرى كان قائده يدعى أبو مسلم التوحيدي، وهو أردني الجنسية، هذا الشخص يعلم من تمت تصفيته أو من بقي على قيد الحياة؛ كل الملفات كانت لديه».
وعن قضية اختفاء وقتل الكاهن الإيطالي المسيحي الأب باولو دالوليو، الذي زار مدينة الرقة في شهر يوليو (تموز) 2013، أكد «ع.ع» أن التنظيم قتله بعد أيام من احتجازه. وقال: «صيف العام 2014 وبعد مرور عام على الحادثة، اتصلت جمعية كانت على صلة بالفاتيكان عبر وسطاء من تركيا، وطلبوا إجراء مقابلة معنا على الحدود الفاصلة بين سوريا وتركيا، لمعرفة مصير الأب باولو وصحافي إيطالي اختفى فترتها، اتصلت مع القائد العام أبو محمد العراقي وحذر عدم السؤال عن الأب باولو ورفض لقاءهم، ونقل لي قادة التنظيم أن أبو لقمان الرقاوي قام بتصفية الكاهن المسيحي».
وأعلن وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت، في تصريحات صحافية، أن العدد الإجمالي للمقاتلين الذين التحقوا بتنظيمي «داعش» و«النصرة»، يحملون الجنسية المغربية وقاتلوا في سوريا والعراق، وصل عددهم إلى 1631 شخصاً، لكن 558 متطرفاً منهم لقوا مصرعهم في معارك هناك، كما أن هذا العدد يشمل 284 امرأة و333 طفلا قاصرا التحقوا أيضا بمعاقل التنظيمات المتشددة، ناهيك عن 265 شخصا عادوا إلى المغرب، بينهم 52 امرأة و15 طفلا.
لكن «ع.ع»، أكد أنه لا يريد العودة إلى المغرب، وقال: «أحتاج إلى فترة طويلة للعودة إلى حياتي الطبيعية؛ لأن 5 سنوات من الحرب مرت عليّ كأنها 25 سنة، فالشيب يغزو شعر رأسي وأنا بهذا العمر، وإذا خرجت من السجن سأعمل بشكل مغاير وأستخدم أدوات ووسائل مختلفة عن المنهج العنفي والمشاركة في القتال».
وفي ختام حديثه، قال: «مشتاق إلى أخي الأكبر كثيراً، فقبل سفري إلى سوريا وأثناء نقاشاتي معه لاحظ أن لدي رغبة في الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المقاتلة، حاول كثيراً معي بالعدول عن الفكرة، قال لي وقتها إنها خدعة كبيرة، لو ترجع آلة الزمن سأختار أن تتوقف عند حديث أخي، للآسف هذا الشيء لم يعد ممكناً».


مقالات ذات صلة

أميركا : «إف.بي.آي» يعتقل شخصاً خطط لهجوم باسم تنظيم «داعش»

الولايات المتحدة​ شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)

أميركا : «إف.بي.آي» يعتقل شخصاً خطط لهجوم باسم تنظيم «داعش»

أظهرت وثائق قضائية أن مكتب التحقيقات الاتحادي (إف.بي.آي) ألقى القبض على شاب يبلغ من العمر 18 عاماً كان ​يخطط لتنفيذ إطلاق نار جماعي في (مول أوف أميركا).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يدخل كيدال دون قتال بدعم من روسيا

مدينة كيدال تبقى عنوان الحرب المشتعلة في مالي منذ أكثر من 15 عاماً. الجيش المالي يدخلها بعد ستة أشهر من سقوطها في يد المتمردين الطوارق

الشيخ محمد ( نواكشوط)
المشرق العربي دورية للشرطة العراقية تنقل معتقلين إلى باحة محكمة الكرخ في العاصمة بغداد يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن هجوم أودى بحياة شرطي قرب كركوك

أعلن تنظيم «داعش»، الثلاثاء، مسؤوليته عن هجوم وقع أمس، وتسبب في مقتل شرطي اتحادي عراقي، وإصابة آخرين جنوب غربي مدينة كركوك الغنية بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة نشرتها وزارة الداخلية السورية تظهر خالد رائد بيروني (أبو حسن دوشكا) القيادي في «داعش» الذي تم القبض عليه (الداخلية السورية)

سوريا تعلن توقيف قيادي «داعشي» متهم بتفجير مسجد في حمص

أعلنت الداخلية السورية توقيف قيادي في «داعش» بريف دمشق، قالت إنه مسؤول عن تفجير مسجد علي بن أبي طالب واعتداءات طائفية في حمص.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.