برهم صالح لـ«الشرق الأوسط»: الحدود التي تُرسم بالدم تُزال بالدم

رئيس حكومة إقليم كردستان السابق دعا إلى حوار مع بغداد لرؤية سياسية جديدة

برهم صالح
برهم صالح
TT

برهم صالح لـ«الشرق الأوسط»: الحدود التي تُرسم بالدم تُزال بالدم

برهم صالح
برهم صالح

دعا الرئيس السابق لحكومة إقليم كردستان برهم صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى تشكيل «حكومة انتقالية» في إقليم كردستان تكون «قادرة على تجاوز الإشكاليات الناجمة من الاستفتاء وتكون ذات شرعية وتحظى بثقة المواطن الكردي وتتولى مسؤولية إدارة الحوار مع بغداد» إزاء القضايا المتنازع عليها. وقال: «الرؤية السياسية التي تأسست عليها العملية السياسية في العراق عام 2003 لم تعد قادرة على الدفع بالبلد إلى الأمام».
وإذ أشار صالح إلى أنه طالب الحكومة الاتحادية في بغداد بـ«منع التجاوز على المدنيين» من «الحشد الشعبي»، أكد: «الكرد والعرب في العراق لا يمكن جرهما إلى احتراب على أساس اجتماعي قومي أو طائفي». لكنه حذر من أن «الحدود التي ترسم بالدم تزال بالدم أيضاً. وموازين قوى الأمس فرضت أمراً واقعاً، وموازين اليوم تحدد واقعاً جديداً قابلاً للتغيير بتبدل الموازين الميدانية غداً. وسياسة فرض الأمر الواقع لا تجدي نفعاً، بل إن حسن الإدارة في هذه المناطق، ومحاربة الفساد وإنعاش اقتصادها، هو مدخل الحل الدائم على أساس اتفاق شامل مستند إلى الدستور».
وصالح كان عضواً في «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة الرئيس الراحل جلال طالباني. وشغل صالح رئاسة حكومة إقليم كردستان لخمس سنوات، ثلاث منها في السليمانية منطقة «الاتحاد الوطني» ثم في الحكومة الموحدة في أربيل. وشغل منصب نائب نوري المالكي رئيس الوزراء السابق وعمل وزيرا للتخطيط. وأسس قبل فترة «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة في العراق».
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» كتابة وهاتفياً:

> من يتحمل مسؤولية ما يجري حالياً بين بغداد وأربيل؟ هل تنظيم الاستفتاء كان خطأ؟
- أولاً، يجب أن نعيد تعريف مصطلح «الأكراد» في سؤالك، حتى نرى إذا كانوا أخطأوا أم لا. المشكلة كما أراها هي الدمج في مرحلة تاريخية خطرة يمر بها الكرد، بين الشعب والقيادات السياسية. إن قرار الاستفتاء تبنته القيادات السياسية، وأعلنت صراحة أنها تتحمل المسؤولية. وأن المضي في القرار وسط أجواء رفض إقليمي ودولي ومن دون تفاهمات داخلية واضحة كردية - كردية ولا حتى على مستوى التفاهمات المطلوبة مع بغداد، مسؤولية تقع على عاتق الأحزاب والقوى السياسية التي تبنت الاستفتاء وأصرت عليه. من الواضح أنها أيضاً، فشلت قبل قرار الاستفتاء في إرساء مؤسسات راسخة للقرار السياسي وفي التأسيس للحكم الرشيد العادل الذي يحظى بثقة المواطنين. إن منظومة الفساد والمحسوبية المهيمنة على الحكم في الإقليم هي من الأسباب الرئيسية ألتي أدت إلى التشويش الذي أصاب عملية القرار.
لا يمكن تجاهل مسؤولية الإخفاقات المتراكمة على صعيد منظومة الحكم في العراق. هذه المشكلات التي بقيت من دون حل، من موضوع المناطق المتنازع عليها إلى الشراكة في القرار وغير ذلك، هي سياق لا يمكن تجاهله وهي من الأسباب التي دعت إلى تفجر المشكلات الحالية. هناك خلل بنيوي رافق العملية السياسية في العراق جعله محكوماً بدوامة الأزمات التي لا تنتهي. أزمة تؤدي إلى أزمة أشد، وهي أزمة عامة وعراقية. أزمة مع الكرد ومع أهلنا في البصرة والحلة والموصل. أزمة حكم لم يأتِ للعراقيين بما يستحقونه من أمن ورخاء، بل أنتج سوء الإدارة والفساد الذي يشكو منه المواطنون في كل أرجاء العراق. أزمة حكم جعلت رفاق الأمس الذين كانوا يقاتلون في خندق واحد من البيشمركة والقوات الاتحادية والحشد الشعبي ضد إرهابيي «داعش»، متحاربين في خندقين متقابلين.
> كيف ترى حل الأزمة الحالية وإصلاح العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة العراقية المركزية؟
- نعتقد أن الوضع الذي نقف فيه اليوم يتطلب مستويات مختلفة للحل: أولا، يجب أن يكون الحل في الداخل الكردي، وأن يتم ضمان وحدة الصف الكردي، وعدم القبول بتحويل الأخطاء التي رافقت القرارات الأخيرة في كردستان إلى كارثة صراع داخلي واقتتال واحتراب بين الفصائل الكردية المسلحة. ثانياً، خوض الكرد حواراً مفتوحاً مع بغداد. أيُّ حل مبنيّ على الانشقاق الكردي يبقى قلقاً وغير مجدٍ. والوحدة الداخلية الكردية المبنية على مراجعة عملية اتخاذ القرار وإبعاد المحسوبية والفساد عنها وإعادة ثقة المواطن الكردي بالحكم، هي المدخل الأول لأي حل، ذلك يتطلب تشكيل حكومة انتقالية قادرة على تجاوز الإشكاليات الناجمة عن الاستفتاء، وتكون ذات شرعية، وتحظى بثقة المواطن الكردي، وتتولى مسؤولية إدارة الحوار مع بغداد.
هذا يتطلب اتفاق القوى الأساسية، والترفع عن الحساسيات الحزبية، وتغليب منطق المصلحة الوطنية على مصلحة الأحزاب والعوائل، ويتطلب عدم الانجرار إلى المهاترات الجانبية والسجالات العقيمة... المطلوب تدارك الأخطاء وعدم المكابرة حول تبعات الاستفتاء. الشجاعة ليست في المغامرة بأرواح الناس وأرزاقهم، بل تستوجب مراجعة الذات والإقدام نحو الحل المنشود في بغداد، مستندين إلى الدستور.
> لحل الأزمة؟
- الأزمة الحالية ليست أزمة كردية فقط. الأزمة تخص العراق بعمومه، و ما يحصل اليوم هو في نهاية المطاف واحد من تداعيات عديدة لمرحلة ما بعد تنظيم داعش. وقلت مراراً منذ عام 2014 عندما احتل «داعش» مساحات واسعة من العراق، إننا أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى، وإن الرؤية السياسية التي تأسست عليها العملية السياسية في العراق عام 2003 لم تعد قادرة على الدفع بالبلد إلى الأمام، وإن الفشل في إنتاج حكم رشيد ناجح في بغداد وأربيل معاً يعود إلى عدم رغبة القوى السياسية في مراجعة المرحلة الماضية وإرساء قواعد عمل جديدة.
لهذا أعتقد، أن الحوار الكردي مع بغداد يجب ألا يقتصر على الأوضاع الكردية، ولا أن يبحث في سياقات تقاسم الحصص والنفوذ والأموال مع أحزاب بغداد بالطريقة التي سادت منذ 2003، وإنما هذه المرة يجب أن يكون الحوار حول عراق ناجح وحكم رشيد وعادل ومتزن في بغداد، ومثله في إقليم كردستان، وتكامل اقتصادي بين مناطقه المختلفة، يكسر الحواجز التي خلّفتها الشكوك وخطابات الكراهية المتبادلة.
لا خيار إلا الحوار في بغداد من خلال عملية عراقية مستقلة مدعومة من المجتمع الدولي ودول الجوار، لتكريس حل مستند إلى الدستور يستهدف معالجة المشكلات المتراكمة بشكل جذري لا إعادة تدويرها وتأجيلها لتنفجر في مراحل قادمة.
يجب أن نتعظ من الماضي. الكرد شعب أصيل في المنطقة لن يكون هناك أمن واستقرار في المنطقة من دون الإقرار بحقوقهم المشروعة، ويقيناً لن يجدي فرض الأمر الواقع ومنطق القوة. هذا هو الدرس البليغ من التاريخ المعاصر للعراق.
> وهناك أيضاً خلافات في «الاتحاد الوطني الكردستاني». هناك تيار يبدو مؤيداً لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وآخر يبدو معارضاً له يقال إنه عقد صفقة مع بغداد سهّلت إدخال «الحشد الشعبي» وقوات عراقية أخرى إلى المناطق المتنازع عليها؟
- لدي اختلافات أساسية مع النهج السياسي والحكومي للقيادة الحالية لـ«الاتحاد». واخترت مع كثير من الأصدقاء ممن يحملون هماً مشتركاً ورغبة بتكريس قيم العدالة والديمقراطية والحكم الرشيد في كردستان والعراق، تأسيس «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة»، وهذا التحالف هدفه معالجة الخلل في منظومة الحكم الذي ينخر فيه الفساد والمحسوبية، وإيقاف الانهيار في المنظومات السياسية في إقليم كردستان، والتجاوب مع تطلعات جيل الشباب حول مستقبل زاهر من خلال تأمين فرص العمل والتعليم والتنمية المستدامة، ومن خلال العمل على تجاوز الخطاب القوموي إلى فضاء أرحب يرى في حقوق الكرد متلازماً ومترابطاً مع الحكم الرشيد في الداخل الكردي وفي العراق وفي التواصل والتكامل مع شعوب المنطقة.
> ظهرت تقارير عن انتهاكات يقوم بها «الحشد الشعبي» ضد الأكراد في المناطق المتنازع عليها وأنباء عن نزوح كردي إلى داخل الإقليم؟ هل هناك مخاوف من نزاع عرقي كردي - عربي وطائفي شيعي - سني في شمال العراق على خلفية النزاع الحالي بين أربيل وبغداد؟
- لا شك أن هذه التقارير مدعاة للقلق وقد طالبنا الحكومة الاتحادية بمنع التجاوز على المدنيين. أستطيع أن أؤكد بأن الكرد والعرب في العراق لا يمكن جرهما إلى احتراب على أساس اجتماعي قومي أو طائفي، وأن هناك روابط تاريخية عميقة هي من يقف اليوم بوجه خطاب الكراهية الذي يراد بكل وسيلة بثه في صفوف الناس. يمكن أن نستشهد بمئات الآلاف من العرب الذين يعيشون في ربوع كردستان بأمان وسلام وتعايش ولم يتعرضوا إلى أي مضايقات، والأمر نفسه مع مئات من الآلاف من الكرد يعيشون في بغداد وديالى وصلاح الدين والموصل. حملة خطابات الكراهية والعنف موجودة بالطبع في كل المجتمعات وواجبنا اليوم إيقافها، ومنعها من نشر الرعب والترويع في صفوف الناس.
نعتقد أن القضية ما زالت في إطارها السياسي، ولم تخرج إلى نطاق شعبي. وهذه النقطة يجب أن نثمنها في وعي الناس إلى مخاطر ما يمكن أن يجره المتطرفون بكل الاتجاهات على حياتهم ومستقبلهم، ولهذا كان الناس أكثر وعياً من كثير من النخب السياسية التي حاولت الاستثمار في خطابات الكراهية.
المطلوب اليوم خطوات واضحة وسريعة قائمة على أسس دستورية تبدأ بوقف العمليات العسكرية بالكامل، وسحب القطعات العسكرية والمجموعات المسلحة من المدن، والبدء بتطبيع الأوضاع على أسس القانون والدستور لحماية المدنيين وأمنهم ومصالحهم، وأن تسلم إدارة المدن وحمايتها إلى سكانها، على أن يبدأ الحوار على قواعد الدستور العراقي بلا تأخير، لنزع فتيل فتن تكبر كلما تأخرنا عن مواجهتها.
قلت سابقاً إن الحدود التي ترسم بالدم تزال بالدم أيضاً. وموازين قوى الأمس فرضت أمراً واقعاً، وموازين اليوم تحدد واقعاً جديداً قابلاً للتغيير بتبدل الموازين الميدانية غداً. وسياسة فرض الأمر الواقع لا تجدي نفعاً، بل إن حسن الإدارة في هذه المناطق، ومحاربة الفساد وإنعاش اقتصادها، هو مدخل الحل الدائم على أساس اتفاق شامل مستند إلى الدستور.
> هل صحيح أن إيران تسعى إلى ممر من كردستان العراق إلى سوريا؟ هناك فعلاً مؤشرات وأدلة تؤكد هذه النية الإيرانية؟
- يجلس المحللون وما أكثرهم هذه الأيام طويلاً على الخرائط الجامدة في محاولة فهم الاستراتيجيات ومستقبلها، وكثيراً ما يوقعهم الفهم المنقوص في سوء فهم. الاستراتيجية لا تحددها الخرائط الجامدة بل المصالح القومية للدول. إيران بلد جار، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها سواء من قبل إيران أو من الطرف العراقي، كما أن روابط ثقافية واقتصادية عميقة تشبك مصالح إيران والعراق، وعلى هذا الأساس لا يمكن فهم إمكانية نجاح أي استراتيجية أو فشلها بمعزل عن هذه الاعتبارات.
العراق يمتلك مصالح حقيقية في التأسيس لمنظومات تعاون مشترك في المنطقة، لا تبنى على أسس طائفية أو عنصرية أو سياسية، بل على أسس المصالح المشتركة السياسية والاقتصادية وتكامل السوق الإقليمية. دول الشرق الأوسط تحتاج إلى بعضها بعضاً، وستتصاعد هذه الحاجة مستقبلاً، ولهذا عليها مد طرق التكامل الاقتصادي بينها.
بدل التحدث عن ممر للمحاربين والمقاتلين، يجب الحديث عن مناطق التجارة الحرة والاستثمار المشترك ومشاريع البنية التحتية للتكامل الاقتصادي وتسهيل حركة البضائع والخدمات وتواصل الشعوب.
نحن بحاجة إلى رؤية إقليمية توقف سياسات المحاور والاحترابات التي انعكست بشكل واضح في العراق وسوريا بشكل مصائب وويلات وصراعات داخلية وإن المخاطر التي خلفها التدخل الخارجي للصراع الداخلي العراقي، كان لها آثار واضحة ليس على مستوى المنطقة فقط بل العالم. العراق بلد محوري وحاسم في التوازنات الإقليمية. عليه يجب التأكيد على سيادته دون أي قيمومة أو وصاية وآن الأوان أن يتم تحويل العراق من ساحة صراع القوى الإقليمية والدولية إلى ساحة توافق لإعادة الاستقرار واستئصال الإرهاب والتطرف.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.