برهم صالح لـ«الشرق الأوسط»: الحدود التي تُرسم بالدم تُزال بالدم

رئيس حكومة إقليم كردستان السابق دعا إلى حوار مع بغداد لرؤية سياسية جديدة

برهم صالح
برهم صالح
TT

برهم صالح لـ«الشرق الأوسط»: الحدود التي تُرسم بالدم تُزال بالدم

برهم صالح
برهم صالح

دعا الرئيس السابق لحكومة إقليم كردستان برهم صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى تشكيل «حكومة انتقالية» في إقليم كردستان تكون «قادرة على تجاوز الإشكاليات الناجمة من الاستفتاء وتكون ذات شرعية وتحظى بثقة المواطن الكردي وتتولى مسؤولية إدارة الحوار مع بغداد» إزاء القضايا المتنازع عليها. وقال: «الرؤية السياسية التي تأسست عليها العملية السياسية في العراق عام 2003 لم تعد قادرة على الدفع بالبلد إلى الأمام».
وإذ أشار صالح إلى أنه طالب الحكومة الاتحادية في بغداد بـ«منع التجاوز على المدنيين» من «الحشد الشعبي»، أكد: «الكرد والعرب في العراق لا يمكن جرهما إلى احتراب على أساس اجتماعي قومي أو طائفي». لكنه حذر من أن «الحدود التي ترسم بالدم تزال بالدم أيضاً. وموازين قوى الأمس فرضت أمراً واقعاً، وموازين اليوم تحدد واقعاً جديداً قابلاً للتغيير بتبدل الموازين الميدانية غداً. وسياسة فرض الأمر الواقع لا تجدي نفعاً، بل إن حسن الإدارة في هذه المناطق، ومحاربة الفساد وإنعاش اقتصادها، هو مدخل الحل الدائم على أساس اتفاق شامل مستند إلى الدستور».
وصالح كان عضواً في «الاتحاد الوطني الكردستاني» بزعامة الرئيس الراحل جلال طالباني. وشغل صالح رئاسة حكومة إقليم كردستان لخمس سنوات، ثلاث منها في السليمانية منطقة «الاتحاد الوطني» ثم في الحكومة الموحدة في أربيل. وشغل منصب نائب نوري المالكي رئيس الوزراء السابق وعمل وزيرا للتخطيط. وأسس قبل فترة «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة في العراق».
وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» كتابة وهاتفياً:

> من يتحمل مسؤولية ما يجري حالياً بين بغداد وأربيل؟ هل تنظيم الاستفتاء كان خطأ؟
- أولاً، يجب أن نعيد تعريف مصطلح «الأكراد» في سؤالك، حتى نرى إذا كانوا أخطأوا أم لا. المشكلة كما أراها هي الدمج في مرحلة تاريخية خطرة يمر بها الكرد، بين الشعب والقيادات السياسية. إن قرار الاستفتاء تبنته القيادات السياسية، وأعلنت صراحة أنها تتحمل المسؤولية. وأن المضي في القرار وسط أجواء رفض إقليمي ودولي ومن دون تفاهمات داخلية واضحة كردية - كردية ولا حتى على مستوى التفاهمات المطلوبة مع بغداد، مسؤولية تقع على عاتق الأحزاب والقوى السياسية التي تبنت الاستفتاء وأصرت عليه. من الواضح أنها أيضاً، فشلت قبل قرار الاستفتاء في إرساء مؤسسات راسخة للقرار السياسي وفي التأسيس للحكم الرشيد العادل الذي يحظى بثقة المواطنين. إن منظومة الفساد والمحسوبية المهيمنة على الحكم في الإقليم هي من الأسباب الرئيسية ألتي أدت إلى التشويش الذي أصاب عملية القرار.
لا يمكن تجاهل مسؤولية الإخفاقات المتراكمة على صعيد منظومة الحكم في العراق. هذه المشكلات التي بقيت من دون حل، من موضوع المناطق المتنازع عليها إلى الشراكة في القرار وغير ذلك، هي سياق لا يمكن تجاهله وهي من الأسباب التي دعت إلى تفجر المشكلات الحالية. هناك خلل بنيوي رافق العملية السياسية في العراق جعله محكوماً بدوامة الأزمات التي لا تنتهي. أزمة تؤدي إلى أزمة أشد، وهي أزمة عامة وعراقية. أزمة مع الكرد ومع أهلنا في البصرة والحلة والموصل. أزمة حكم لم يأتِ للعراقيين بما يستحقونه من أمن ورخاء، بل أنتج سوء الإدارة والفساد الذي يشكو منه المواطنون في كل أرجاء العراق. أزمة حكم جعلت رفاق الأمس الذين كانوا يقاتلون في خندق واحد من البيشمركة والقوات الاتحادية والحشد الشعبي ضد إرهابيي «داعش»، متحاربين في خندقين متقابلين.
> كيف ترى حل الأزمة الحالية وإصلاح العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة العراقية المركزية؟
- نعتقد أن الوضع الذي نقف فيه اليوم يتطلب مستويات مختلفة للحل: أولا، يجب أن يكون الحل في الداخل الكردي، وأن يتم ضمان وحدة الصف الكردي، وعدم القبول بتحويل الأخطاء التي رافقت القرارات الأخيرة في كردستان إلى كارثة صراع داخلي واقتتال واحتراب بين الفصائل الكردية المسلحة. ثانياً، خوض الكرد حواراً مفتوحاً مع بغداد. أيُّ حل مبنيّ على الانشقاق الكردي يبقى قلقاً وغير مجدٍ. والوحدة الداخلية الكردية المبنية على مراجعة عملية اتخاذ القرار وإبعاد المحسوبية والفساد عنها وإعادة ثقة المواطن الكردي بالحكم، هي المدخل الأول لأي حل، ذلك يتطلب تشكيل حكومة انتقالية قادرة على تجاوز الإشكاليات الناجمة عن الاستفتاء، وتكون ذات شرعية، وتحظى بثقة المواطن الكردي، وتتولى مسؤولية إدارة الحوار مع بغداد.
هذا يتطلب اتفاق القوى الأساسية، والترفع عن الحساسيات الحزبية، وتغليب منطق المصلحة الوطنية على مصلحة الأحزاب والعوائل، ويتطلب عدم الانجرار إلى المهاترات الجانبية والسجالات العقيمة... المطلوب تدارك الأخطاء وعدم المكابرة حول تبعات الاستفتاء. الشجاعة ليست في المغامرة بأرواح الناس وأرزاقهم، بل تستوجب مراجعة الذات والإقدام نحو الحل المنشود في بغداد، مستندين إلى الدستور.
> لحل الأزمة؟
- الأزمة الحالية ليست أزمة كردية فقط. الأزمة تخص العراق بعمومه، و ما يحصل اليوم هو في نهاية المطاف واحد من تداعيات عديدة لمرحلة ما بعد تنظيم داعش. وقلت مراراً منذ عام 2014 عندما احتل «داعش» مساحات واسعة من العراق، إننا أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى، وإن الرؤية السياسية التي تأسست عليها العملية السياسية في العراق عام 2003 لم تعد قادرة على الدفع بالبلد إلى الأمام، وإن الفشل في إنتاج حكم رشيد ناجح في بغداد وأربيل معاً يعود إلى عدم رغبة القوى السياسية في مراجعة المرحلة الماضية وإرساء قواعد عمل جديدة.
لهذا أعتقد، أن الحوار الكردي مع بغداد يجب ألا يقتصر على الأوضاع الكردية، ولا أن يبحث في سياقات تقاسم الحصص والنفوذ والأموال مع أحزاب بغداد بالطريقة التي سادت منذ 2003، وإنما هذه المرة يجب أن يكون الحوار حول عراق ناجح وحكم رشيد وعادل ومتزن في بغداد، ومثله في إقليم كردستان، وتكامل اقتصادي بين مناطقه المختلفة، يكسر الحواجز التي خلّفتها الشكوك وخطابات الكراهية المتبادلة.
لا خيار إلا الحوار في بغداد من خلال عملية عراقية مستقلة مدعومة من المجتمع الدولي ودول الجوار، لتكريس حل مستند إلى الدستور يستهدف معالجة المشكلات المتراكمة بشكل جذري لا إعادة تدويرها وتأجيلها لتنفجر في مراحل قادمة.
يجب أن نتعظ من الماضي. الكرد شعب أصيل في المنطقة لن يكون هناك أمن واستقرار في المنطقة من دون الإقرار بحقوقهم المشروعة، ويقيناً لن يجدي فرض الأمر الواقع ومنطق القوة. هذا هو الدرس البليغ من التاريخ المعاصر للعراق.
> وهناك أيضاً خلافات في «الاتحاد الوطني الكردستاني». هناك تيار يبدو مؤيداً لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وآخر يبدو معارضاً له يقال إنه عقد صفقة مع بغداد سهّلت إدخال «الحشد الشعبي» وقوات عراقية أخرى إلى المناطق المتنازع عليها؟
- لدي اختلافات أساسية مع النهج السياسي والحكومي للقيادة الحالية لـ«الاتحاد». واخترت مع كثير من الأصدقاء ممن يحملون هماً مشتركاً ورغبة بتكريس قيم العدالة والديمقراطية والحكم الرشيد في كردستان والعراق، تأسيس «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة»، وهذا التحالف هدفه معالجة الخلل في منظومة الحكم الذي ينخر فيه الفساد والمحسوبية، وإيقاف الانهيار في المنظومات السياسية في إقليم كردستان، والتجاوب مع تطلعات جيل الشباب حول مستقبل زاهر من خلال تأمين فرص العمل والتعليم والتنمية المستدامة، ومن خلال العمل على تجاوز الخطاب القوموي إلى فضاء أرحب يرى في حقوق الكرد متلازماً ومترابطاً مع الحكم الرشيد في الداخل الكردي وفي العراق وفي التواصل والتكامل مع شعوب المنطقة.
> ظهرت تقارير عن انتهاكات يقوم بها «الحشد الشعبي» ضد الأكراد في المناطق المتنازع عليها وأنباء عن نزوح كردي إلى داخل الإقليم؟ هل هناك مخاوف من نزاع عرقي كردي - عربي وطائفي شيعي - سني في شمال العراق على خلفية النزاع الحالي بين أربيل وبغداد؟
- لا شك أن هذه التقارير مدعاة للقلق وقد طالبنا الحكومة الاتحادية بمنع التجاوز على المدنيين. أستطيع أن أؤكد بأن الكرد والعرب في العراق لا يمكن جرهما إلى احتراب على أساس اجتماعي قومي أو طائفي، وأن هناك روابط تاريخية عميقة هي من يقف اليوم بوجه خطاب الكراهية الذي يراد بكل وسيلة بثه في صفوف الناس. يمكن أن نستشهد بمئات الآلاف من العرب الذين يعيشون في ربوع كردستان بأمان وسلام وتعايش ولم يتعرضوا إلى أي مضايقات، والأمر نفسه مع مئات من الآلاف من الكرد يعيشون في بغداد وديالى وصلاح الدين والموصل. حملة خطابات الكراهية والعنف موجودة بالطبع في كل المجتمعات وواجبنا اليوم إيقافها، ومنعها من نشر الرعب والترويع في صفوف الناس.
نعتقد أن القضية ما زالت في إطارها السياسي، ولم تخرج إلى نطاق شعبي. وهذه النقطة يجب أن نثمنها في وعي الناس إلى مخاطر ما يمكن أن يجره المتطرفون بكل الاتجاهات على حياتهم ومستقبلهم، ولهذا كان الناس أكثر وعياً من كثير من النخب السياسية التي حاولت الاستثمار في خطابات الكراهية.
المطلوب اليوم خطوات واضحة وسريعة قائمة على أسس دستورية تبدأ بوقف العمليات العسكرية بالكامل، وسحب القطعات العسكرية والمجموعات المسلحة من المدن، والبدء بتطبيع الأوضاع على أسس القانون والدستور لحماية المدنيين وأمنهم ومصالحهم، وأن تسلم إدارة المدن وحمايتها إلى سكانها، على أن يبدأ الحوار على قواعد الدستور العراقي بلا تأخير، لنزع فتيل فتن تكبر كلما تأخرنا عن مواجهتها.
قلت سابقاً إن الحدود التي ترسم بالدم تزال بالدم أيضاً. وموازين قوى الأمس فرضت أمراً واقعاً، وموازين اليوم تحدد واقعاً جديداً قابلاً للتغيير بتبدل الموازين الميدانية غداً. وسياسة فرض الأمر الواقع لا تجدي نفعاً، بل إن حسن الإدارة في هذه المناطق، ومحاربة الفساد وإنعاش اقتصادها، هو مدخل الحل الدائم على أساس اتفاق شامل مستند إلى الدستور.
> هل صحيح أن إيران تسعى إلى ممر من كردستان العراق إلى سوريا؟ هناك فعلاً مؤشرات وأدلة تؤكد هذه النية الإيرانية؟
- يجلس المحللون وما أكثرهم هذه الأيام طويلاً على الخرائط الجامدة في محاولة فهم الاستراتيجيات ومستقبلها، وكثيراً ما يوقعهم الفهم المنقوص في سوء فهم. الاستراتيجية لا تحددها الخرائط الجامدة بل المصالح القومية للدول. إيران بلد جار، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها سواء من قبل إيران أو من الطرف العراقي، كما أن روابط ثقافية واقتصادية عميقة تشبك مصالح إيران والعراق، وعلى هذا الأساس لا يمكن فهم إمكانية نجاح أي استراتيجية أو فشلها بمعزل عن هذه الاعتبارات.
العراق يمتلك مصالح حقيقية في التأسيس لمنظومات تعاون مشترك في المنطقة، لا تبنى على أسس طائفية أو عنصرية أو سياسية، بل على أسس المصالح المشتركة السياسية والاقتصادية وتكامل السوق الإقليمية. دول الشرق الأوسط تحتاج إلى بعضها بعضاً، وستتصاعد هذه الحاجة مستقبلاً، ولهذا عليها مد طرق التكامل الاقتصادي بينها.
بدل التحدث عن ممر للمحاربين والمقاتلين، يجب الحديث عن مناطق التجارة الحرة والاستثمار المشترك ومشاريع البنية التحتية للتكامل الاقتصادي وتسهيل حركة البضائع والخدمات وتواصل الشعوب.
نحن بحاجة إلى رؤية إقليمية توقف سياسات المحاور والاحترابات التي انعكست بشكل واضح في العراق وسوريا بشكل مصائب وويلات وصراعات داخلية وإن المخاطر التي خلفها التدخل الخارجي للصراع الداخلي العراقي، كان لها آثار واضحة ليس على مستوى المنطقة فقط بل العالم. العراق بلد محوري وحاسم في التوازنات الإقليمية. عليه يجب التأكيد على سيادته دون أي قيمومة أو وصاية وآن الأوان أن يتم تحويل العراق من ساحة صراع القوى الإقليمية والدولية إلى ساحة توافق لإعادة الاستقرار واستئصال الإرهاب والتطرف.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.