أثرياء العالم يترقبون اختراق عمالقة التكنولوجيا «عالم المصرفية»

المستثمرون السويسريون الأكثر استعداداً للمغامرة بـ30 مليار دولار «على المائدة»

أثرياء العالم يترقبون اختراق عمالقة التكنولوجيا «عالم المصرفية»
TT

أثرياء العالم يترقبون اختراق عمالقة التكنولوجيا «عالم المصرفية»

أثرياء العالم يترقبون اختراق عمالقة التكنولوجيا «عالم المصرفية»

أشار خبراء في مصرف «كريديه سويس» السويسري الشهير إلى أن مجموعة من أثرياء العالم، يتجاوز عددهم نحو 2500 مليونير، موزعون جغرافياً بين أميركا وأوروبا وآسيا، ينظرون بشغف إلى ما يدور من أفكار حول تقديم كبريات شركات التكنولوجيا الأميركية، على غرار «أبل» و«غوغل» و«فيسبوك»، لخدمات مالية خاصة بإدارة الثروات.
وبحسب إحصاءات هؤلاء الخبراء، فإنه في حال تفعيل عمالقة التقنية لمثل هذه الخدمات، فإن نحو 57 في المائة من هؤلاء الأفراد أصحاب الثروات العالية high networth individuals، أي القادرين على ضخ ما لا يقل عن مليون دولار أميركي على شكل استثمارات، مستعدون للاشتراك بها... كما تكمن المفاجأة، وفق نتائج الإحصاءات، في أن أكثر من 50 في المائة منهم مستعدون لنقل إدارة ثرواته إلى شركات عاملة تقليدياً في مجال إنتاج الهواتف الذكية وإدارة شبكات التواصل الاجتماعي، والتي تدور الأحاديث حول استعدادها في الشهور المقبلة إلى تأسيس وحدات تجارية خاصة بها عاملة في قطاع إدارة الأموال، تماماً كما تلك التي نجدها تقليدياً لدى المصارف.
وكان من اللافت في تلك الإحصاءات أن ما لا يقل عن 350 مستثمرا سويسريا أبدى استعداده الفوري للتعامل مع هذه الوحدات التجارية الجديدة. ومن المعروف أن رجال الأعمال السويسريين يمتازون عن أقرانهم بأنهم أكثر اطلاعا ومتابعة لكافة المستجدات الدولية في الساحات المالية والاستثمارية؛ نظرا لطبيعة سويسرا التاريخية بصفتها مركزا مصرفيا عالميا. ما يعني أن انفتاحهم على الأفكار التي قد تشكل تغيرا في مسار الصناعة الدولية المنوطة بأعمال الصيرفة الخاصة في العالم، يعد إشارة قوية على أهمية الأمر والتفاؤل الكبير بشأن ريادته هذه الصناعة مستقبلا. كما أنه جدير بالذكر، أن عدداً لا بأس به من أثرياء العالم، يتخذون من سويسرا وطناً ثانياً أو مقراً رئيسياً لإدارة أعمالهم حول العالم.
ويعتبر الأثرياء السويسريون، اعتماداُ على تحاليل مالية صادرة عن مصرف «يو بي إس»، الأكثر استعدادا للاكتتاب داخل أي خدمة إدارية مالية تقدمها شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة. ما يعكس درجة «وفاء» عالية من قبلهم حيال كل ما تقدمه هذه الشركات، من خدمات حالية ومستقبلية. ويعود السبب في الثقة العمياء للمستثمرين السويسريين في هذه الشركات، إلى قدرة الأخيرة على استغلال مفاهيم عدة، مثل المهارة والسرعة والشفافية والقدرة على جمع وتحليل معلومات شخصية، من أجل «رسم» هوية ومجموعة من السلوكيات المالية المتعلقة بكل فرد على حدة. واللافت، أن شركات التكنولوجيا الأميركية تتفوق اليوم بسهولة على كل ما له صلة بقطاع الاستشارات المالية التقليدية، المنوطة بإدارة الثروات، وهو القطاع الذي خسر تدريجياً بريقه الذي طالما خوّله التألق عالمياً لأعوام طويلة ومن دون منافس.
ورغم أن الخبراء يرون أن شركات التكنولوجيا شديدة تقدم، سواء الأميركية أو غيرها، لن تتمكن واقعياً من منافسة لاعبين كبار في مجال الصيرفة الخاصة بصورة مباشرة... إلا أن توجه هذه الشركات إلى تأسيس موطئ قدم لها في هذا المجال، وخصوصاً في قطاع إدارة الثروات، سينعش سلسلة من الشراكات الاستراتيجية مع عدد ضخم من المستثمرين الدوليين، ومن ضمنهم السويسريون الذين يعتنقون اليوم سلوكين تجاريين؛ الأول هو السلوك المالي «الهجومي» عن طريق قيامهم بمضاربات شرسة في قلب الساحات المالية الدولية عندما يكون الوقت مناسبا. والآخر الموازي، ليس إلا السلوك المالي «الدفاعي» عن طريق توخي الحذر وتحليل كل المعطيات المتوافرة قبل اتخاذ القرار المناسب.
من جانبهم، يتوقف الخبراء في شركة «آتوس غروب»، في مدينة «زوغ»، الخبيرة أيضاً في أنشطة إدارة الثروات، للقول إن شركات التكنولوجيا الأميركية تحولت على نحو «خفي» لتصبح نوعاً من أنواع الشركات المساهمة المالية holding companies. فالمستثمرون السويسريون اكتشفوا أن ما لا يقل عن 30 شركة أميركية متعددة الجنسيات لديها ما مجموعه 1.3 تريليون دولار من الأنشطة المالية الموزعة بين أسهم وسندات وسيولة مالية. ونجد بين هذه الشركات «مايكروسوفت» و«آبل» و«أمازون»، وحتى شركتي «جنرال إلكتريك» و«فورد». وفي حال تم تحليل هذه الأوضاع تحت المجهر الاستثماري السويسري، لوجدنا أن بورصة «وول ستريت» لديها بعض الانفصام في الشخصية. فمن جهة، تعمد هذه البورصة إلى الاقتراض عن طريق بيع سندات الشركات، لكن من جهة أخرى، تعمل هذه البورصة على شراء أصول مالية عدة، من دون التفكير مرتين... كما تختار بورصة «وول ستريت» من بين هذه الأصول تلك التي تتمايز بدرجة عالية من النوعية التجارية. ووسط هذا الوضع، يتمتع عمالقة التكنولوجيا الأميركية شديدة التقدم بمراكز مرموقة على لائحة أكبر الشركات المساهمة المالية الدولية، بفضل أنهار من السيولة المالية الموجودة خارج أميركا.
ووفق ما يُجمِع عليه خبراء مصرفي «يو بي إس» و«كريديه سويس»، يلتمس المستثمرون السويسريون الآن فرقاً شاسعاً بين عمالقة التكنولوجيا الأميركيين «بيغ تيك»، الذين تحولوا إلى خبراء مخضرمين في إدارة إدخال المال، وشركات إدارة الأموال الخاصة. فشركات التكنولوجيا الأميركية مثلاً تعير انتباهاً خاصاً إلى إدارة المخاطر التي تعتبر «فجوة غير قابلة للردم» لدى الكثير من شركات إدارة الثروات وحتى صناديق التحوط التقليدية الأكثر شراسة وعدوانية في عالم المضاربات المالية.
ونظراً لأن أغلب أثرياء العالم لم ينسوا «الصفعة المؤلمة» التي تلقوها من مصرف «ليمان براذرز»، التي خسروا من ورائها ملايين الدولارات... فإن العالم اليوم أمام موعد مستقبلي مهم مع تحركات عمالقة التكنولوجيا، في «كوبرتينو» و«بالو التو»، بكاليفورنيا، الذين أثبتوا بتفوق براعتهم في إدارة الأصول المالية بصورة إبداعية وعقلانية، في الوقت ذاته.
وسيكون المستثمرون السويسريون أول المستفيدين عالمياً من تلك الخدمات المالية حال تقديمها، حيث قدرت خبراء المصارف السويسرية من خلال استفتاء واسع بين عملائهم، استعداد كثير من هؤلاء «منذ اللحظة الحالية» لإحالة مهام إدارة ثرواتهم المقدرة بأكثر من 30 مليار فرنك سويسري (نحو 30.55 مليار دولار)، إلى تلك الشركات... وهي مبالغ تتخطى الناتج القومي للكثير من الدول الناشئة.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.