برعاية السيسي... أمين رابطة العالم الإسلامي يخاطب أكبر تجمع لمفتي العالم الإسلامي بالقاهرة

قال إنه يتعين مراعاة الفارق بين فتوى الأفراد وفتوى الدول وإن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال عند الاقتضاء والإمكان لا بالتشهي ومداهنة الهوى

الدكتور العيسى على منصة حفل افتتاح المؤتمر يتوسط شيخ الأزهر ووزير الأوقاف المصري («الشرق الأوسط»)
الدكتور العيسى على منصة حفل افتتاح المؤتمر يتوسط شيخ الأزهر ووزير الأوقاف المصري («الشرق الأوسط»)
TT

برعاية السيسي... أمين رابطة العالم الإسلامي يخاطب أكبر تجمع لمفتي العالم الإسلامي بالقاهرة

الدكتور العيسى على منصة حفل افتتاح المؤتمر يتوسط شيخ الأزهر ووزير الأوقاف المصري («الشرق الأوسط»)
الدكتور العيسى على منصة حفل افتتاح المؤتمر يتوسط شيخ الأزهر ووزير الأوقاف المصري («الشرق الأوسط»)

شارك أمين عام رابطة العالم الإسلامي عضو هيئة كبار العلماء السعودية، الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، ضمن المتحدثين الرئيسيين في جلسة افتتاح المؤتمر الدولي الذي نظمته دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء حول العالم بعنوان: «دور الفتوى في استقرار المجتمعات»، والمنعقد خلال الفترة من 17 إلى 19 أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2017م في مدينة القاهرة برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومشاركة شيخ الأزهر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، ومفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام، وعدد غفير من مفتي العالم الإسلامي، ورؤساء جمعيات وهيئات إسلامية حول العالم.
وأشاد العيسى، في كلمته، باللقاء الحافلِ بجمعه العلمي المتميز، وهو يستطلع شأناً مهماً، لدَور الفتوى في استقرار المُجتمعات، مستجلياً حلولاً يتطلع إليها علماء ومفكرو الأمة، في مطلب نفيس ينشده الجميع، مشيرا إلى أن شتات الفتوى وعدمَ زمِها بقانونٍ ضابطٍ وفعّالٍ، ولا سيما ما يخص الشأنَ العام «يُعتبر مُعضلة تطِرد سلبا ونعيا كُلَ يوم، ولهذا أثرٌ كبير على سِلْم المجتمعات، واستقرارِها، ولا يقتصرُ ذلك على مجتمعات الدول الإسلامية، بل يتعداها لبلاد ما يسمى الأقليات».
وأضاف أن خطاب الإفتاء يحمِل برسوخه العلمي، وتجلياتِ بصيرتِه توجيهاتٍ توعوية للجاليات الإسلامية تُكسبها الحكمة، وتبعدها عن الارتجال والفوات والعجلة، وما أكثرَ ما يغيبُ المرادُ من النص، فيفوتَ الوصولُ لعِلته في سياق علم المقاصد، حيث يدور الحكم عليها وجوداً وعدماً، وما أقل النظرَ في المآلات واختلافِ الزمان والمكان والأحوالِ، حيث يختلف بها الحكم والفتوى عند الاقتضاء والإمكان، لا بالتشهي ومداهنة الهوى، وما أسعد المفتي بالصواب، وقد احتاط للدليل، واستوعب معنى النص، واستجلى مقاصده، وسلك في ذلك سبيل السعة على الخلق، على جادة الإسلام في الرحمة والتيسير، والتسديد والمقاربة، مدركا أنه لن يُشادَ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، في معادلة توازنٍ، لا يُلَقَاها إلا الراسخون في العلم، لا حملتُه مجردا من فقهِه، فربَ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، وربَ مبلغ أوعى من سامع.
ولفت الدكتور العيسى إلى أن كثيراً من الناس قد ضل في تيه بعض حاملي النصوص، فحَسِبوا العلمَ سردَ مادتها المجردة، في استظهار مذهل، واستعراض خداع، يخبط خبط عشواء، كما فات بعضا آخر، الفرقُ بين الفتوى العامة والخاصة، والتفريقُ بين خاصة الأفرادِ أنفسِهم، لاختلاف الأحوال، كما فات كذلك مراعاة الفرقِ نفسِهِ في الفتوى العامة، ولم يتيقظ بعض المفتين لأمرٍ مهمٍ، فغاب عنهم أن الاحتياط في فتوى الأفراد والمؤسسات الخاصة يختلف عن الاحتياط في فتوى المؤسسات العامة، ولا سيما شأن الدول؛ فقاعدة رفع الحرج وعمومِ البلوى تكتنف هذا المحلَ أكثرَ من غيره، وسطحية النظر تغفل عما يكابده، وما أهونَ الحربَ على النظارة.
وزاد أن رعاية جميع ما سبق يصُبُ في مصلحة استقرار المجتمعات وإلْفِهَا، التي تتناولها محاورُ هذا المؤتمر، ويتعين لهذا التصنيف العالي من الفتاوى تخصيصُ إمام فتوى عام لا يزاحَم، أو ردُها لفتوى مجمعية، مع المنع البات من تطرق غيرهم لها، في إطار الحماية القانونية لحظ الصالح العام، مع تكييفِ اختراق هذا الحِمَى بالعمل الجنائي، حيث تخطى سقف حرية الرأي العلمي إلى مداهمة استقرار المجتمع بانتحال اسم الشرع وهو - هنا - في طليعة الأفعال الضارة، ومتى أفضت الحرية إلى هذا النوع من السطو، استحالت لفوضى وجناية عامة في ظرفٍ مشدد، مؤكداً أن هذا كله لا يَصرف العالم عن العناية أيضا بفتوى الأفراد، فلها ارتباط كذلك بالاحتياط لحكم الشريعة مع التأليف عليه.
واعتبر الشيخ العيسى أن من رسوخ علماء الشريعة ويُمن فهمهم الانفتاح على الاختلاف السائغ ورحابة الصدر بالمخالف، وقد أمر الإمام أحمد - رحمه الله - أحدَ تلامذته، وقد سمى كتابَه كتابَ الاختلاف أن يسميَه كتابَ السعة، لافتا إلى أن من نكد الفتوى إثارتُها للوجدان العام، ومصادمة الأعراف المشروعة فيما الجادة بخلافه، وذلك أن جمع القلوب والرفقَ بالناس بتصحيح أعرافهم مطلب شرعي إلا ما كان منها على خطأ بيِن، عندنا عليه من الله برهان، والعالم البالغ ذِروة الاجتهادِ، أحفلُ ما يكون بالسعي حسب الوسع لتخريج أعراف الناس ومعتادِهم على الإجازة والإمضاء، كما هو الأصلُ فيها.
وقال الشيخ العيسى إن «عفو الشريعة قد تسامح عن القياس المُحَرم في بعض المعاملات فأجازها استثناء، منعا لتحريج الأمة في شأن حاجياتها، كما في الباعث على الحكم الاستثنائي للعقد على المعدوم في الإجارة وغيرها، بل شَمِلت الرحمة العفوَ في الكمالياتِ الترفيهية كما في مسألة العرايا وغيرها، ولا توسُعَ في هذا على سياق الشرع».
وأكد الشيخ العيسى، أن «من العنت التضييق على الناس في فهم وتطبيق قواعد رفع الحرج، واستشعار المفتي أنه حارس حكم الحرام دون الحلال، وقد قال تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب)، فجعلهما في التشنيع بحكمهما الكاذب على حد سواء، ومع خطر مقتحِم الفتوى العامة والخاصة على حكم الشريعة ومقصدها في استقرار المجتمعات وإلفها، إلا أن اليقظة لأهمية تشريعها التنظيمي دون المأمول»، لافتا النظر إلى «أنه لا يخفى أن أول ناقض للباعث على الفتوى المجمعية، هو الشتات الناكث لها من قبل كل متكئ على أريكته، لا يتجاوز نظرُه نطاقَ أفقه الضيق، وهؤلاء (على حسن الظن بهم) هم الأقل حظا في تدبر المآلات».
ووصلا لفائدة الفتوى المجمعية تابع أمين عام رابطة العالم الإسلامي: «ما أحسن الوصالَ والتنسيق - عند الاقتضاء - مع الدول ذات التجانس والتقارب لتوحيد الفتوى ما أمكن الحال، وكلما اتحد حكم الشريعة في نظر المجتهدين فيما تمس الحاجة لضبطه، كلما كان أكثر تأثيراً ونفعاً، والمدخل الآخر على مجمعية الفتوى هو تضاربها مع مجمع آخر، وهذا لا بد له من نظر ومعالجة، وإلا زاد الزمانة علة، وما أصعب الاختلافَ في فهم أطر الدين متى تجاوز إطار سعته المسموح بها، وأفضى إلى الشر والنزاع والتشويش، وما شكوى سنة الإسلام اليوم إلا من كثرة الرؤوس في رسمية مرجعيتها العلمية، فكيف بتطفلها وعشوائيتها».
وأوضح أنه وصلا لقانون الفتوى في هذا المعنى يتعين تجريم الاختلاف على فتوى الإمام الجامع للأمة على جادة تآلفها، وإذا كان المخالف ينشد براءة الذمة فقد برئت بفتوى المؤهل وبكفِ كلِ مخالفٍ له بسياسة المانع الشرعي والزاجر القانوني، وكثير ممن يخالِف ويجازف في هذا لا يخلو من دافع مستجِر، أو هوى متبع، ومن جعل علمه غرضا للأهواء اضطرب دينا ودنيا، وتبقى السعة العلمية في هذا الخصوص بعَيْنِهِ في أروقة الدراسات الأكاديمية والمؤلفاتِ العلمية لا في أوساط عموم الناس.
ودعا في كلمته لحماية حِمَى الفتوى من تصنيف الترخيص لها على الموضوعات مع التحفظ على الفتاوى الحية، حيث لا مجال للتدبر ولا التحرير، وشرع الله لا يلقَى جزافا على الهواء، وهو أول ما يُستفرغ له الوسع، دراسة وتأملا ومراجعة، فضلا عما في تلك الفتاوى الطائرة من استدراج المفتي بحبائل الاستفتاء، وكم لكثير منهم من وقائع ذات مخاطر ومزالق، ولإن مضت في زمن سابق ليُسر الحال وبراءة السؤال، فالحال اليوم تختلف.
وأشار الشيخ العيسى أن للمفتي شأنا آخر مع فقه التنزيل بضابط تحقيق المناط، وتتجلى أهمية ذلك فيما يسمى فقه الأقليات أو المهجر حيث الترتيب بين المصالح والمفاسد، أخذا بالأولويات وإعمالا لموازناتها، وما حُرِم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، ونجد الواقعة في المهجر على فتوى الجواز والحل، وفي غيره على المنع والحظر، وبمثل هذا الوعي الإفتائي يكون الفهم عن الله ورسوله، وهو طريق السلامة من أخطاء التأصيل والتنزيل، مضيفا أن على المفتي وهو يحفل باستقرار المجتمع العناية بالبدائل والحلول الشرعية؛ فدين الله سعة ورحمة، لا حرج فيه ولا مشقة، وما حَرم شيئا إلا جعل له عوضَ خير، عَلِمَهُ من علمه وجهله من جهله، يُؤتاه الراسخُ علماً، والمهدي أمانة وصدقاً، كما على المفتي اليقظة لمزلق الزاوية الواحدة في النظر الفقهي، وبسببها جرى التوسع، ثم العنتُ على الناس في باب سد الذرائع على أن من الذرائع ما يدخُل في حيز الوهم أو الإلغاء.
ولفت الدكتور العيسى النظر إلى أن أمور الناس محمولة في أصلها على الجواز والإمضاء، وعلى المفتي الموازنة بين الواجب بحسب الاقتضاء الحكمي للنص، وبين الواقع تنزيلا على مقصد الشرع الحنيف، مراعيا التيسير والتخفيف، وهو ذروة الفقه الشرعي، وذروة المسلك الوسطي، فلا يُهدَر النص، ولا يهمَل الواقع.
يذكر أن عددا كبيرا من علماء ومفكري العالم الإسلامي وحشدا من كبار المدعوين من سياسيين ودبلوماسيين وممثلي أتباع الديانات ناهز الألف شخصية، كانوا ضمن من حضروا المؤتمر، وحظيت مشاركة الشيخ العيسى باهتمام المؤتمرين على المنصة الرئيسية للمؤتمر.


مقالات ذات صلة

نيجيريا تدعو إلى «إجراءات عالمية» لمواجهة الإرهاب والانفلات الأمني

أفريقيا جوانب من المؤتمر الدولي للأمن الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في أبوجا (رابطة العالم الإسلامي)

نيجيريا تدعو إلى «إجراءات عالمية» لمواجهة الإرهاب والانفلات الأمني

رابطة العالم الإسلامي تطلق مبادرة للسِّلم المجتمعيّ في غرب أفريقيا ونيجيريا تدعو إلى «إجراءات عالمية» لمواجهة الإرهاب والانفلات الأمني

الشيخ محمد (نواكشوط)
خاص الدكتور هادي اليامي المدير التنفيذي للهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان لمنظمة التعاون الإسلامي (الشرق الأوسط)

خاص اليامي لـ«الشرق الأوسط»: تأسيس مرصد لحقوق الإنسان في العالم الإسلامي

تعمل منظمة التعاون الإسلامي على تأسيس «المرصد الإسلامي لحقوق الإنسان» لرصد الانتهاكات التي تطول المجتمعات والأقليات المسلمة حول العالم وتوثيقها وتحليلها

عبد الهادي حبتور (الرياض)
أوروبا أفارد من الشرطة يؤدون واجبهم عند قلعة وندسور في بريطانيا 1 أبريل 2018 (رويترز)

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوقفت الشرطة البريطانية 12 شخصاً لتهديد إرهابي يميني متطرف مزعوم لفعالية إسلامية في سافولك بشرق إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تقرير: تصاعد حدة «عدم التسامح» تجاه المسلمين في اليابان مع تضاعف أعدادهم

اتسعت رقعة التمييز ضد المقيمين الأجانب في اليابان لتشمل المسلمين، بعد أن كانت تتركز تاريخياً ضد الكوريين والأكراد.

«الشرق الأوسط» (مايباشي)
أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قال رئيس حركة «حماس» خليل الحية، السبت، إن الحركة ترفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للحملات الانتخابية في إسرائيل، متهماً كل الأحزاب الإسرائيلية بالمشاركة في قتل فلسطينيين.

وقال الحية: «رسالتي للعالم، لا نقبل أبداً أن يكون الدم الفلسطيني هو وقود الانتخابات الإسرائيلية». وأضاف: «كلٌّ، كما يقال، تآجر (شارك) في دمنا، ما يعنينا هو أن يصل شعبنا الفلسطيني إلى أهدافه ومبتغاه وحقوقه المشروعة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار الحية إلى أن الانتخابات الإسرائيلية «متكررة بين الحين والآخر، وشعبنا الفلسطيني يبحث عما يحقق حقوقه، وبغض النظر عمن يأتي من الأحزاب الإسرائيلية... شعبنا الفلسطيني عانى من كل الأحزاب الإسرائيلية على مدار التاريخ وعشرات السنين».

وقال إن «الدعاية الإسرائيلية والدعاية الانتخابية إنما وقودها الدم الفلسطيني والحق الفلسطيني، ويتصارعون على من يهضم الحق الفلسطيني، لا من يتعايش ويقدم نفسه للعالم كإنسان».

وتشهد إسرائيل انتخابات تشريعية في 27 أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب استطلاعات الرأي، يُتوقَّع أن تكون متقاربة النتائج بين المعسكر الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمعسكر الذي يقوده خصمه الرئيسي الوسطي غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» (مستقيم).


مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
TT

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، عندما كان (الزند) رئيساً لنادي القضاة، وما تلاها من مواقف بعد سقوط حكم «الإخوان» عام 2013، وسط تباين حاد في ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين نعيه بوصفه أحد رموز القضاء المصري، ومنشورات تعيد تصريحاته ومواقفه الجدلية، وصولاً إلى تعليقات حمل بعضها قدراً من «الشماتة».

وتُوفي الزند (مواليد 1946) عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد وعكة صحية نُقل على أثرها إلى المستشفى، وفقاً لما أعلنته أسرته، وشُيّع جثمانه من «مسجد المشير طنطاوي» (شرق القاهرة).

ونعى «نادي قضاة مصر»، في بيان، السبت، الزند، واصفاً إياه بأنه «فقيد القضاء المصري ورمز من رموزه»، متذكّراً ما وصفه بـ«أدوار ومواقف في خدمة القضاء وقضاياه». كما نعاه عدد من القضاة والشخصيات العامة، بينهم المستشار حمدي عبد التواب، وكيل نادي القضاة السابق، الذي وصفه بـ«الأب الروحي» و«أسد القضاة»، في حين تداول آخرون صوراً ومقاطع من فترات رئاسته للنادي، مشيدين بما عدّوه مواقف داعمة لاستقلال القضاء.

في المقابل، أعادت منشورات «سوشيالية» نشر مقاطع للزند ارتبطت بمواقفه الحادة من جماعة «الإخوان» وقياداتها، إلى جانب تصريحات أخرى أثارت انتقادات واسعة في حينها. وتحوّلت بعض التعليقات من استعادة الخلاف السياسي إلى «الشماتة» في وفاته.

وانتُخب الزند رئيساً لـ«نادي قضاة مصر» عام 2009، ثم أعيد انتخابه عام 2012، ليصبح أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية مع نظام «الإخوان»، لا سيما عقب «الإعلان الدستوري» الذي أصدره مرسي، وما تبعه من تحركات لتعليق العمل بالمحاكم، ورفض الإشراف على الاستفتاء.

وتولى الزند وزارة العدل في مايو (أيار) 2015، قبل أن يُعفى من منصبه في مارس (آذار) 2016، عقب أزمة أثارها تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ «حتى لو كان نبياً»، رغم استدراكه العبارة واعتذاره عنها.

ويرى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، أن إعادة تداول المقاطع الجدلية للزند مع إعلان وفاته «أمر متوقع»، بالنظر إلى ارتباط حضوره بمرحلة شديدة الاستقطاب في تاريخ مصر الحديث.

وقال فرغلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الشماتة في موت الخصوم ليست جديدة لدى جماعة (الإخوان)، واستدعاء هذه المقاطع يأتي ضمن التذكير بمواقف الزند منها، ودوره في الصدام بين نادي القضاة والجماعة، وما أعقب أحداث 30 يونيو (حزيران)».

وأضاف أن الزند «كان لاعباً بارزاً في المشهد القضائي، وكانت له تصريحات شديدة في هجومه على (الإخوان)»، موضحاً أن «الجماعة وأنصارها يحمّلونه، وفقاً لتصورهم، جانباً من المسؤولية عن الأحكام والملاحقات التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة». لكن فرغلي لفت، في الوقت نفسه، إلى أن «الزند نفسه كان حاداً في تصريحاته»، وأن «بعض عباراته أثارت قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن بينها المقطع الذي عُرف إعلامياً بحديث (الأسياد والعبيد)، فضلاً عن تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ (حتى لو كان النبي)، وهي الأزمة التي انتهت بإعفائه من منصب وزير العدل رغم اعتذاره».

وترى الدكتورة آية صلاح، أستاذة علم الاجتماع السياسي، أن اسم الزند «ارتبط بمرحلة شائكة وملغّمة في التاريخ المصري، وكان حضوره صاخباً واقترن بتصريحات ومواقف أثارت جدلاً واسعاً».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «منصات التواصل أحيت تلك التصريحات، خصوصاً أن المقاطع المصوّرة يعاد تداولها بصورة انتقائية، وأحياناً مجتزأة من سياقها، وفقاً لموقف كل طرف والغرض الذي يسعى إليه».

وبحسب صلاح، لا يتحوّل إعلان وفاة الشخصيات الخلافية على مواقع التواصل إلى مناسبة للنعي فقط، بقدر ما يصبح «لحظة لإعادة تنشيط الذاكرة السياسية وإعادة تقييم صاحبها».

وأضافت: «كان من الطبيعي أن تستخدم قطاعات من (الإخوان) وأنصارهم خبر الوفاة لاسترجاع فصول صراع الجماعة مع مؤسسات الدولة خلال حكم مرسي وما أعقب 30 يونيو، باعتبار الزند أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية معها؛ فالجدل الذي رافق رحيله لا يرتبط بشخصه فقط، وإنما بمرحلة سياسية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، رغم ابتعاده عن المجال العام منذ سنوات قبل وفاته».


ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
TT

ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)

تعد شيماء محمود (35 عاماً)، التي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، البيض لنجلها يونس، كجزء شبه يومي لا يمكن الاستغناء عنه في الوجبة المدرسية (السندوتشات)، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «البيض هو أرخص»، ومناسب للمدرسة، لكنها شكت من زيادة تكلفة الوجبة المدرسية مع قفزة أسعار البيض هذه الأيام.

مثل شيماء تعتمد ملايين الأمهات على البيض كوجبة رئيسة خلال أيام الدراسة، ما انعكس في زيادة معدلات الطلب في السوق، عكس التراجع الذي شهدته الأسواق خلال الشهور الماضية، وأرجعه البعض إلى تأثير «نظام الطيبات» الغذائي، للراحل ضياء العوضي، والذي يحظر تناول البيض، أو الدجاج، وكثير من الأصناف الأخرى بداعي «الضرر».

ووصل متوسط سعر كرتونة البيض 140 جنيهاً (الدولار نحو 52 جنيهاً) في الأسواق، مرتفعة من نحو 90 جنيهاً قبل عدة أسابيع، في وقت يعتبر رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، عبد العزيز السيد، أن ارتفاع السعر لا يصل لحد «تعويض خسائر» الفترة الماضية، وإنما «نقطة تعادل»، بمعنى تغطية تكلفة الإنتاج مع هامش ربح بسيط، لافتاً إلى أن جزءاً من الزيادة «غير مبرر، ومفروض من قبل الحلقات الوسيطة (الباعة)، أما أصحاب المزارع فيبيعون الكرتونة بـ115 جنيهاً».

وسبق أن أثار التراجع الكبير في سعر البيض الفترة الماضية جدلاً واسعاً واستغاثات من أصحاب المزارع، بدعوى تكبدهم خسائر، مطالبين آنذاك الحكومة بالتدخل لضبط المنظومة، ووضع آلية تحقق للمنتجين أسعاراً عادلة، ولم يلق المقترح صدى شعبياً، أو رسمياً، وسط تساؤلات عن غياب مثل هذه الدعوات في أوقات ارتفاع أسعار البيض، والدجاج.

ويفسر السيد الزيادة الكبيرة الأخيرة في سعر البيض بأنها نتيجة لقلة المعروض مقارنة بالفترة الماضية مع زيادة الطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وفق سياسة «العرض والطلب». وأضاف: «في الشهور السابقة كانت لدينا وفرة كبيرة في الإنتاج، مع تراجع الطلب سواء بسبب الطيبات، أو انخفاض القوة الشرائية للمواطن، ما كبد المنتجين خسائر كبيرة، أدت إلى تخارج جزء منهم من السوق».

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس، لـ«الشرق الأوسط»، إن سوق الدواجن شهدت خسائر كبيرة الفترة الماضية، لم يصمد فيها سوى كبار المنتجين، بينما خرج الكثيرون، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيادات كانت متوقعة، سواء في أسعار الدواجن، أو البيض.

وتابع رئيس شعبة الثروة الداجنة: «مع انطلاق الدراسة، وهو الموسم الذي يتزايد فيه الطلب على البيض، فالأسرة التي لديها 3 أطفال تستهلك نحو كرتونة كل عشرة أيام، وهذا أدى إلى زيادة السعر».

وتشهد مصر معدلات مرتفعة من التضخم، إذ سجل معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي 14.5 في المائة مقارنة بـ14.9 في المائة يوليو (تموز) الماضي.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن تكون الزيادة في سعر البيض مجرد بداية لسلسلة من الزيادات التضخمية في منتجات الدواجن خصوصاً، سواء في ظل زيادة علف الذرة الصفراء بمتوسط من 14 إلى 17 في المائة، وفول الصويا نحو 14 في المائة، وكلها من الأعلاف المستخدمة في تربية الدواجن، أو زيادة سلة الغذاء بوجه عام، نتيجة الأوضاع الإقليمية.

وأضاف: «الزيادات ستكون في السلع الأساسية التي يستخدمها المواطن، ولا يستطيع الاستغناء عنها، وتضعه هو والحكومة في مأزق».