كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

خلال شهر واحد فقط صدرت عدة مؤلفات عن القرآن والنبي الكريم

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام
TT

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كتب فرنسية تقدم قراءة مختلفة للإسلام

كان لافتاً أن تصدر في باريس مجموعة من الكتب الجديدة عن تراثنا العربي الإسلامي الكبير. فخلال شهر واحد فقط أو شهرين صدرت مؤلفات عدة عن القرآن الكريم والنبي العظيم. نذكر من بينها كتاب الباحثة الشهيرة جاكلين شابي الذي صدر قبل أسبوعين فقط بعنوان: «قرآن الأنوار».

وهل هناك أجمل من هذا العنوان الخالد. عم يتحدث هذا الكتاب المهم؟ بالمختصر المفيد عن التفسير التاريخي والأنثربولوجي والعلمي الحديث للقرآن. وهو مختلف كلياً عن التفسير الأصولي الذي يعتبره التراثيون والتقليديون زادهم.

ولكن المشكلة هي أن هذا التفسير التاريخي والفلسفي التنويري الجديد لكتاب الله مجهول كلياً عندنا. كل شيء يحصل كما لو أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم العربي حتى إشعار آخر. وأكبر دليل على ذلك هيمنة القوى الأصولية والظلامية على الساحة من أقصاها إلى أقصاها إلا بعض بقع الضوء هنا أو هناك. الدليل على ذلك هو أن التفاسير التقليدية لا تزال تهيمن على البيوت والشوارع والمكتبات وحتى الجامعات، رغم قصورها عن إضاءة معاني النص الأعظم على عكس التفاسير الحديثة التي تقدمها لنا ليس فقط هذه المؤلفة الشهيرة، وإنما باحثون آخرون أيضاً.

تقول لنا المؤلفة ما فحواه: الكثيرون يعتقدون أنه يكفي أن نقرأ القرآن بشكل سطحي سريع لكي نعتقد أننا فهمناه. ولكن هذا وهم كبير. وذلك لأنه توجد فيه معان عميقة تستغلق على أفهامنا وعقولنا. وتالياً لا ينبغي الاكتفاء بالتفاسير السطحية التي أكل عليها الدهر وشرب. ماذا ينبغي أن نفعل لكي نفهم القرآن الكريم على حقيقته؟ عن هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: ينبغي أولاً أن نفهم السياق التاريخي الكبير الذي ظهر فيه القرآن لأول مرة: أي الجزيرة العربية والقرن السابع الميلادي ومنطقة الحجاز بوجه خاص. ينبغي أن ندرسها دراسة علمية استقصائية ونتموضع في لحظتها التاريخية قبل 1447 سنة. وذلك لأن معطياتها وحيثياتها تنعكس على فهم النص القرآني بشكل أو بآخر لمن يعرف كيف يقرأ بين السطور أو فيما وراء السطور. ومن ثمّ ففهم السياق التاريخي وكل الثقافات والعقائد التي كانت سائدة في عصره هو الذي يكشف لنا عن سر القرآن، عن معنى القرآن، عن فحوى القرآن. وهذا ما نص عليه القرآن ذاته عندما قال: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» (إبراهيم، 4). القرآن عربي وقد نزل في بيئة وزمن. وينبغي أن نأخذ كل ذلك بعين الاعتبار إذا ما أردنا فهماً أوسع له.

ما نحتاج إليه هو قراءة تاريخية وفلسفية معمقة لا قراءة لاهوتية تقليدية ولا آيديولوجية كما هو سائد لدى الأصوليين وجماعات الإسلام السياسي الغاطسة كلياً في أفكار ظلامية، كسيد قطب مثلاً. ما نحتاج إليه هو قراءة علمية تنير الأبصار. بمعنى آخر «بحياتنا كلها لم نقرأ القرآن» أو لم نفهم القرآن على حقيقته، كما يقول لنا الباحث التونسي المعروف يوسف الصديق. وهذا يعني أن القراءة اللاتاريخية القديمة غير القراءة العلمية والفلسفية والتاريخية الحديثة التي تنفذ إلى أعماق الأشياء. هذا تحصيل حاصل. ولكن متى نفهم ذلك؟ متى تفهم جماهير الأمة ذلك؟ بل متى يفهم المثقفون العرب أنفسهم ذلك؟

هذا هو السؤال. بمعنى آخر متى سننتقل من مرحلة الطفولة العقلية إلى مرحلة النضج الفكري وسن الرشد، كما يقول لنا كبير فلاسفة الأنوار في أوروبا إيمانويل كانط في تعريفه للأنوار؟ بعد أن طبقت أوروبا المنهجية التاريخية - النقدية، انتقلت من مرحلة الأصولية المسيحية القروسطية إلى مرحلة المسيحية الحداثية. بعدئذ استنارت الشعوب المسيحية في أوروبا ولكن ليس قبل ذلك. هذه النقلة الكبرى لم تحصل عندنا حتى الآن. ومن ثمّ فالسؤال المطروح هو التالي: متى سنفهم تراثنا المقدس بشكل صحيح؟ متى سنرتفع إلى مستوى تراثنا الديني العظيم؟ متى سنخدمه بالدراسات العلمية والفلسفية وليس بالقراءات الاستلابية الديماغوغية. هذا هو التحدي الأكبر المطروح علينا في السنوات المقبلة.

وإياكم ثم إياكم أن تنسوا ذلك الكتاب الموسوعي الضخم الصادر في (2186) صفحة بعنوان: «النبي محمد في مرآة المؤرخين العالميين الكبار». وهو كتاب ساهم فيه ما لا يقل عن خمسين باحثاً أكاديمياً متخصصاً في الدراسات العربية والإسلامية. وهؤلاء يعتقدون أن سيدنا محمد هو أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على تاريخ البشرية.

وهو بالنسبة لنا خير الورى وأعظم شخص ظهر على وجه الأرض. ولكن المصيبة أو الكارثة أو البلية البلياء التي نكبنا بها مؤخراً هي أن بعض المتطرفين الضالين الذين انحرفوا عن النهج القويم لا يزالون مصرين على أن ينسبوا أنفسهم إليه زوراً وبهتاناً. لا يزالون يزعمون أنهم يضربون بسيفه ويتحدثون باسمه على الرغم من أنهم شوهوا صورة الإسلام عالمياً بفظائعهم وتفجيراتهم وتكفيراتهم. لا يزالون يزعمون أنهم هم الإسلام ولا يوجد تفسير آخر للإسلام غير تفسيرهم ولا مفهوم آخر غير مفهومهم. فما حقيقة الأمر يا ترى؟ هذا ما يجلوه لنا هذا الكتاب الجماعي الموسوعي الضخم. هذا ما يحاول تسليط الأضواء عليه من كل الجهات. من هنا أهميته الكبرى.

فلاسفة الأنوار الكبار رأوا في القرآن الكريم احتفالاً عظيماً بالعقل والعقلانية والبصائر الأنوارية

لقد حل لنا مشكلة السر الأكبر الذي يؤرقنا بل ويؤرق كل مثقفي العالم حالياً، لأن مشكلتنا لم تعد مشكلتنا فقط، وإنما أصبحت بحجم العالم. لقد حل لنا مشكلة اللغز الأعظم، لغز الألغاز، الذي طالما حير العقول. فمن سيترجم هذا الكتاب الموسوعي الضخم الصادر قبل أسبوعين أو ثلاثة في باريس، أو قل من سيتجرأ على ترجمته؟ هذا هو السؤال. أخشى ما أخشاه أن يسبقنا جيراننا الأتراك والإيرانيون إلى ذلك. ولكن العرب هم الأولى بقصب السبق في هذا المجال لأنهم أصل الإسلام والقرآن. النبي عربي والقرآن عربي. والجزيرة العربية هي مهبط الوحي وموضع الحرمين الشريفين. أقول ذلك من دون أي نزعة شوفينية بغيضة. وذلك لأن الحديث النبوي ذاته يقول لنا: لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

للأسف لا تزال هذه الثورة المعرفية الكبرى التي تحصل حالياً في باريس وبقية العواصم الأوروبية محصورة في نطاق الثقافة الأكاديمية العليا لكبار بحّاثة الغرب وجامعات الغرب ولغات الغرب من فرنسية وإنجليزية وألمانية، إلخ. هذه الكشوفات عن تراث الإسلام الكبير وشخصية نبيه الأعظم لا تزال مجهولة أو متجاهلة من قبل اللغات الإسلامية الأساسية كالعربية والكردية والتركية والفارسية والأوردو الباكستانية، إلخ. هذه اللغات الأساسية مدعوة لاحتضان التنوير الديني والفلسفي يوماً ما. لا ينبغي أن تظل لغاتنا وشعوبنا خاضعة أبدياً للأفكار المعلبة وبرامج التعليم الجامدة المهيمنة منذ مئات السنين. هنا يكمن التحدي الأكبر الذي يواجهنا حالياً. لن يعود العالم الإسلامي إلى التاريخ قبل أن يخوض أكبر معركة – وأخطر معركة – مع ذاته التراثية العميقة.

ولا تنسوا مشروع «القرآن الأوروبي» الممول من قبل الاتحاد الأوروبي، وبالتحديد من قبل مجلس أوروبا للدراسات العليا والبحوث العلمية. هذا المشروع يطرح السؤال التالي: كيف ساهم الكتاب المقدس للإسلام في تكوين الفكر الأوروبي؟ كيف قرأه الأوروبيون وفهموه أو لم يفهموه منذ العصور الوسطى وحتى مطلع الحداثة؟ فمن الواضح أن قراءة العصور الوسطى كانت عدائية وجاهلة بحقيقة القرآن والإسلام في معظمها. ولكن الموقف تغير لاحقاً في عصر التنوير إبان القرن الثامن عشر. ففلاسفة الأنوار الكبار رأوا في القرآن الكريم احتفالاً عظيماً بالعقل والعقلانية والبصائر الأنوارية.


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

العالم البابا ليو الرابع عشر يخاطب الناس في ساحة القديس بطرس بمدينة الفاتيكان يوم 17 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

انتقد البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، الزعماء السياسيين الذين يستغلون المعتقدات الدينية لتبرير الصراعات أو السياسات القومية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
ثقافة وفنون الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

الفكر الفلسفي المسيحي في متناول القارئ العربي

في سياق الاهتمام المتنامي في العالم العربي عموماً، وفي البلدان الخليجيّة خصوصاً، تبرز «موسوعة الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة».

مالك القعقور
شؤون إقليمية يهود حريديم يحملون لافتات خلال احتجاج ضد التجنيد بالجيش الإسرائيلي في القدس 30 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وفاة شاب في احتجاج لليهود المتزمتين دينياً بالقدس

تحولت مسيرة حاشدة لليهود المتزمتين دينياً ضد تجنيدهم بالجيش في القدس إلى العنف، اليوم الخميس، عندما لقي فتى في سن المراهقة حتفه، خلال الاحتجاج.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر خلال قداس في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان 26 أكتوبر 2025 (رويترز)

البابا ليو يعتزم زيارة موقع انفجار مرفأ بيروت خلال وجوده في لبنان

أعلن الفاتيكان برنامج الزيارة التي ستجرى بين 27 نوفمبر (تشرين الثاني) و2 ديسمبر (كانون الأول) إلى تركيا ولبنان، وتتضمّن زيارة موقع انفجار مرفأ بيروت للصلاة

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا سارة مولالي تلقي خطاباً بعد أن تم اختيارها أول امرأة لتصبح رئيسة أساقفة كانتبري في تاريخ كنيسة إنجلترا الذي يمتد لأكثر من 500 عام وذلك في كاتدرائية كانتبري في كانتبري ببريطانيا 2 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

اختيار سارة مولالي أول امرأة لقيادة الكنيسة الأنغليكانية

أعلنت السلطات الكنسية البريطانية، اليوم الجمعة، اختيار أسقف لندن، سارة مولالي، رئيسة جديدة لأساقفة كانتبري، لتصبح أول امرأة تقود كنيسة إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).