الأفكار تتحكم في الألعاب الإلكترونية... حقائق وأحلام

مشاريع رائدة لتوظيف موجات الدماغ في «التكنولوجيا العصبية»

الأفكار تتحكم في الألعاب الإلكترونية... حقائق وأحلام
TT

الأفكار تتحكم في الألعاب الإلكترونية... حقائق وأحلام

الأفكار تتحكم في الألعاب الإلكترونية... حقائق وأحلام

يعمل عدد من الشركات على تطوير أساليب تسمح بالتحكم بالآلات عبر الأفكار، إلا أن الشكوك لا تزال قائمة حتى اليوم حول إمكانية تحقيق هذا الإنجاز.
- لعبة وفكرة
حين يضع اللاعب سماعة الرأس على عينيه وتبدأ اللعبة، ينتقل تلقائياً إلى غرفة صغيرة جدرانها بيضاء، ومهمته هي الخروج منها، ولكنه لا يمكن أن يستخدم يديه، إذ لا توجد عصا تحكم أو لوحة للعب، بل عليه أن ينجز المهمة مستخدماً أفكاره.
يستدير اللاعب باتجاه كرة على الأرض، ويرسل مخه أمراً لالتقاطها. ثم وبفكرة أخرى، يقذف الكرة لترتطم بالمرآة، وتكسر الزجاج، فتكشف عن بعض الأرقام المكتوبة خلفها على الحائط. بواسطة الأفكار أيضاً، يطبع اللاعب هذه الأرقام على لوحة مفاتيح كبيرة عند الباب، ويخرج.
تقدم هذه اللعبة التي صممتها «نيوريبل»، الشركة الصغيرة التي أسسها رمسيس ألكايد، مهندس الكهرباء والعالم في الأعصاب، ما يمكن اعتباره فأرة كومبيوتر في الدماغ، كوسيلة لاختيار الأشياء في عالم افتراضي بواسطة الأفكار.
تتضمن هذه اللعبة التي يتطلب طرحها في الأسواق عدة سنوات، إكسسوارا للرأس يتألف من نظارات واقية وكشافات تستطيع قراءة موجات الدماغ، إلا أنها محدودة القدرات والميزات، إذ لا يمكن للاعب أن يختار شيئاً ما عبر دماغه إلا عندما ينظر إليه بشكل مباشر، ويختزل عدد الأشياء التي قد يشملها نظره.
ولكن الاختراع الجديد نجح. فقد مارست هذه اللعبة أخيراً بهذه اللعبة التي تعرف باسم «أويكنينغ» Awakening أثناء زيارة ألكايد وموظفين من «نيوريبل» إلى سان فرانسيسكو. كما جربها بضع مئات من الأشخاص في مؤتمر «سيغراف» لغرافيك الكومبيوتر في لوس أنجليس.
- من الخيال العلمي
يعتبر هذا النموذج من أوائل الثمار التي أنتجتها جهود عالمية تتبنى التكنولوجيا التي كانت يوماً خيالاً علمياً، وما زالت كذلك في بعض من نواحيها. يعمل عدد من الشركات الناشئة والكبرى مثل «فيسبوك» على تطوير أساليب تسمح بالتحكم بالآلات عن طريق الأفكار، مدفوعين باستثمارات قدمتها حكومة الولايات المتحدة وبعض من الجمهور المهتم بالتقنيات الحديثة. كما أنهم يبحثون عن طرق أكثر سهولة لاستخدام تقنية الواقع الافتراضي.
يقول إد بويدين، بروفسور بالهندسة البيولوجية وعلوم الدماغ والإدراك الباحث في مختبر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومستشار إحدى الشركات إن «التكنولوجيا العصبية أصبحت أمراً عصرياً».
يمكن اعتبار أن هذا الاهتمام المتزايد بالتكنولوجيا العصبية يعود في جزء منه إلى جهود إدارة الرئيس باراك أوباما التي انطلقت عام 2013، وقد ساعدت هذه المبادرة على تخصيص تمويل حكومي كبير للشركات التي تعمل على تكنولوجيا الدماغ وربطت العمل بالمؤسسات الأكاديمية المعنية. وقد بدأ إيلون ماسك، مؤسس «تيسلا» و«سبايس إكس» الترويج لهذه الفكرة، ولأحدث شركاته «نيورالينك». كما جذب هذا المزيج اهتمام الشركات الاستثمارية الخاصة.
يقول دوغ كلينتون، مؤسس «لوب فينشورز»، وهي شركة استثمارية جديدة ساهمت في شركة «نيوريبل»: «بوجود الهواتف الذكية، بدأنا نصل إلى حدود الأمور التي يمكننا أن نقوم بها، وهذه الشركات (أي الشركات التي تعمل على تكنولوجيا الدماغ) هي الخطوة المقبلة».
يظهر نموذج «نيوريبل» ما هو ممكن اليوم. فباستخدام تقنية تخطيط أمواج الدماغ (هي طريقة تستخدم منذ عقود لقياس نشاط الدماغ الكهربائي)، يمكن للشركة أن توفر أساليب بسيطة للتفاعل الدماغي مع اللعبة. تأمل بعض الشركات أن تذهب أبعد من ذلك، وترغب في تطوير تقنيات تتيح التحكم في أي مهمة رقمية عن طريق الدماغ والأفكار. تخيلوا مثلاً صلة دماغية تتيح الطباعة السريعة على الهاتف الذكي.
كما ساهم رسم هذا الهدف الجديد في دفع التفاؤل التكنولوجي إلى مستويات أعلى حتى لدى رواد أعمال وادي السيليكون مثل ماسك. قد تبدو بعض الجهود دون عن غيرها خيالية، حيث قال ماسك في إحدى المقابلات إن «نيورالينك» خططت لتطوير طريقة تتيح زراعة أجهزة في جماجم أشخاص أصحاء.
- برمجيات ذات نهج
في «نيوريبل»، ومقرها بوسطن، يوسع ألكايد وأعضاء فريقه حدود عمل السماعات الموضوعة على الرأس التي تعمل على التخطيط الدماغي. صحيح أن الكشافات يمكنها قراءة نشاط الدماغ الكهربائي من خارج الجمجمة، إلا أنه من الصعب جداً فصل الإشارة عن الضجة. ولكن باستخدام الخوارزميات (وهي برمجيات ذات نهج محدد) الرقمية الخاصة التي وضعها ألكايد في بحثه عندما كان طالباً في جامعة ميشيغين، تعمل «نيوريبل» لقراءة النشاط الدماغي بسرعة ودقة غير ممكنة في الأوضاع العادية.
تؤدي هذه البرمجيات عملها من خلال سلوك الإنسان. وقبل البدء باللعبة، يدرب اللاعب هذه الحلول كي تدرك متى يركز انتباهه على أمر معين.، يلمع نبض ضوئي حول الغرفة الافتراضية، وفي كل مرة تُرمى فيها كرة ملونة صغيرة أمام اللاعب، سيفكر فيها. في هذه اللحظة، عندما يركز اللاعب على الضوء، ويستميل هذا الأخير دماغه، يقرأ النظام «الشرارات» الكهربائية الصادرة عن نشاط دماغه.
بعد القيام بذلك لبضع دقائق، تدرك اللعبة كيف تتعرف إلى اللحظات التي يكون فيها اللاعب في وسط التركيز على الشيء. يقول ألكايد: «نبحث عن إشارات معينة من الدماغ، كي نستطيع استخدامها فور فهمنا لها».
عندما يلعب اللاعب باللعبة، يظهر الضوء نفسه في أرجاء الغرفة الافتراضية. وحين يصطدم بالشيء الذي يفكر فيه اللاعب، يمكن للنظام أن يحدد الزيادة في نشاط الدماغ.
تعمل هذه التقنية بمعدات موجودة ومعتمدة حالياً، إذ يستخدم نموذج «نيوريبل» نظارات الواقع الافتراضي من «إتش تي سي». وسبعة كشافات للتخطيط الدماغي موضوعة في بقع معينة حول الرأس. ولكن نظراً للضوابط الحسية لما يمكن لهذه الكشافات أن تقرأه، لا يمكن للعبة تعمل على قياس التخطيط الدماغي أن تقوم بما هو أكثر من اختيار أشياء رقمية ببساطة وبطئ.
تعمل بعض الشركات على المضي إلى مدى أبعد من هذا، إذ تبحث «فيسبوك» مثلاً عن طرق تسمح بقراءة نشاط الدماغ بصرياً ومن خارج الجمجمة. ويمكن لهذا النوع من الأنظمة أن يضيء وبكل وضوح على الدماغ لقراءة التغيرات الكيميائية التي يشهدها.
- مشاريع مستقبلية
خلال إعلانها عن جهود الشركة في هذا الإطار في الربيع الفائت، قالت ريجينا دوغان من «فيسبوك»: «ماذا إن استطعنا أن نكتب على الأجهزة الإلكترونية مباشرة عبر الدماغ؟» وأضافت: «يبدو هذا الأمر مستحيلاً، ولكنه أقرب مما قد يتخيل الناس». وأفادت بأن شركة «فيسبوك» تأمل أن تنجح خلال السنوات القليلة المقبلة في تطوير نظام يسمح للناس بالطباعة بواسطة أفكارهم خمس مرات أسرع مما تطلبه الطباعة حالياً على الأجهزة الذكية.
يبدو هذا الطرح حالياً بعيداً كل البعد عن الأبحاث القائمة، فضلاً عن أن بعض علماء الأعصاب يشككون بإمكانية نجاحه، معتبرين أن سرعة كهذه لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال أجهزة يتم زرعها في الجمجمة.
تعمل الكثير من الشركات الناشئة اليوم على تطبيق هذه الفكرة. ولكن البعض، ومن بينها إحدى شركات وادي السيليكون الناشئة التي تعرف باسم «بارادروميكس»، تأمل بأن تنجح في تطبيقها بهدف علاج الأشخاص الذين يعانون من حالات طبية كفقدان البصر والسمع والشلل. صحيح أن زرع الأجهزة في الدماغ يحمل مخاطر جمة، إلا أن الفوائد التي يمكن أن يقدمها للمرضى تفوق هذه المخاطر بأشواط. بالنسبة لشركات كـ«بارادروميكس»، فإن الهدف هو صقل وتوسيع الوسائل الحالية، لتوفير طريقة أسرع وأكثر كفاءة للمرضى لتشغيل الآلات من خلال أفكارهم.
تتحرك «نيورالينك» التي يملكها إيلون ماسك في اتجاه مشابه، ولكن يبدو أن طموحات الشركة ذاهبة إلى مكان أبعد، لتصل أخيراً إلى زراعة أجهزة صغيرة في جماجم الناس الأصحاء.
قد يبعد خطر جراحات الدماغ احتمال نجاح هذه الفكرة، ولكن الدكتور بويدين يرى أن بعض الاحتمالات موجودة فعلاً.
وشرح قائلاً: «لا أجد أن زراعة أجهزة في أدمغة أناس أصحاء هو أمر يستحق التصفيق، ولكن إن اعتمدت الشركات المقاربة الصحيحة في مساعدة الأشخاص ذوي الاحتياجات، حينها، ربما سيكون هناك طريقة ما لنشر هذه التقنية لدى الأشخاص الذين يعانون من حالات أقل صعوبة، لتتحول أخيراً إلى نوع من تعظيم الدماغ».
الأكيد أن الكثير من هذه المشاريع سيقابل بالتشكيك، هذا غير أن حماسة وادي السيليكون تنسجم دائماً مع الضوابط الحسية للطب والجسم البشري. ويقول مات إينجل، عالم أعصاب ومؤسس «بارادروميكس»: «في العلوم الحية، هناك حدود جسدية. ومن السذاجة أن يفكر أحدهم أنه سيكون قادراً على نسف قوانين الطبيعة الأساسية من خلال طموحه وحماسته».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

خاص «عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)
تكنولوجيا تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

دراسة من جامعة أكسفورد تحذر من أن ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال قد تسيء فهم المشاعر وتثير مخاوف بشأن التطور العاطفي والخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
TT

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم الملاحة التقليدية.

وفي هذا السياق، أعلنت «غوغل» عن مجموعة من المزايا الجديدة ضمن تطبيق «خرائط غوغل»، تهدف إلى جعل التخطيط للرحلات والتنقل داخل المدن أكثر تفاعلاً وذكاءً.

تتمثل أبرز هذه الإضافات في ميزة جديدة تحمل اسم «Ask Maps»، وهي أداة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتمكين المستخدمين من طرح أسئلة طبيعية ومباشرة داخل التطبيق، بدلاً من الاكتفاء بعمليات البحث التقليدية.

وبفضل هذه الميزة، يمكن للمستخدم الاستفسار عن أفضل الأماكن المناسبة لنشاط معين، مثل المقاهي الهادئة للعمل أو المطاعم المناسبة للقاءات العائلية، ليقوم النظام بتحليل كمّ كبير من البيانات المتاحة، بما في ذلك تقييمات المستخدمين والصور والمراجعات، ومن ثم تقديم اقتراحات دقيقة ومفصلة.

تعتمد هذه التقنية على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي طورتها «غوغل»، ما يسمح بتحويل تطبيق الخرائط من مجرد أداة لتحديد المواقع إلى مساعد رقمي قادر على فهم السياق وتقديم توصيات مخصصة لكل مستخدم.

إلى جانب ذلك، كشفت الشركة عن تطويرات جديدة في ميزة «الملاحة الغامرة» (Immersive Navigation)، التي تُقدم تجربة عرض ثلاثية الأبعاد أكثر واقعية لمسارات التنقل.

وتتيح هذه الميزة للمستخدم استعراض الطريق بشكل تفصيلي قبل بدء الرحلة، مع عرض المباني والطرق والمعالم المحيطة بدقة بصرية عالية، فضلاً عن توضيح المسارات والانعطافات ومداخل الوجهات المختلفة، بما يُسهم في تقليل الأخطاء أثناء القيادة أو الوصول إلى المواقع المزدحمة.

وحسب ما أعلنته الشركة، فقد بدأت هذه المزايا الوصول تدريجياً إلى المستخدمين؛ حيث تم إطلاقها أولاً في الولايات المتحدة، مع بدء توفرها كذلك في الهند على الهواتف الذكية العاملة بنظامي «آندرويد» و«آي أو إس».

ومن المتوقع أن تتوسع هذه الخصائص لاحقاً إلى أسواق إضافية حول العالم خلال الفترة المقبلة، ضمن خطة تدريجية لتعميمها على نطاق أوسع.


دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
TT

دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)

مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت روبوتات الدردشة جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم. فهذه الأنظمة تُستخدم للحصول على المعلومات، وطلب النصائح، والإجابة عن الأسئلة المعقدة، بل وحتى لتقديم نوع من الدعم الاجتماعي أو الرفقة. ويعتمد عليها المستخدمون من مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك الأطفال والمراهقون.

لكن تقريراً جديداً حذّر من مخاطر محتملة مرتبطة بهذه التقنيات، مشيراً إلى أن بعض روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقدم معلومات تساعد المستخدمين على التخطيط لأعمال عنف خطيرة، بما في ذلك حوادث إطلاق النار في المدارس، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وحسب التقرير الصادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية، فإن ثمانية من كل عشرة روبوتات دردشة تعمل بالذكاء الاصطناعي قد تساعد المستخدمين الشباب في التخطيط لهجمات عنيفة.

ورغم أن هذه الروبوتات يُفترض أن تعمل مصادر للمعلومات أو أدوات تعليمية ووسائل مساعدة يومية، فإن التقرير يشير إلى أن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً وخطورة مما يُعتقد.

فقد وجد الباحثون أن ثمانية من أصل عشرة من برامج الدردشة الآلية الرائدة الموجهة للمستهلكين قدمت نوعاً من المساعدة للمستخدمين الذين طلبوا معلومات تتعلق بتنفيذ هجمات عنيفة. وشمل ذلك منصات معروفة مثل «شات جي بي تي» و«ديب سيك».

وجاء في التقرير: «قدمت معظم برامج الدردشة الآلية معلومات عملية للمستخدمين الذين يعبرون عن آيديولوجيات متطرفة، قبل أن تطلب منهم تحديد المواقع والأسلحة التي سيستخدمونها في الهجوم، وذلك في أغلب الردود».

وأشار التقرير إلى أن برنامج «ديب سيك» ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أفاد الباحثون بأنه تمنى للمهاجم المحتمل «إطلاق نار سعيداً وآمناً».

شعار تطبيق «ديب سيك» (رويترز)

وفقاً للمركز، فإن برنامج «كلود إيه آي» التابع لشركة «آنثروبيك» كان المنصة الوحيدة التي «أثبتت» قدرتها على تثبيط المستخدم عن التخطيط للهجمات العنيفة، ما يشير إلى وجود ضوابط أمان فعالة نسبياً، وإن كانت هذه الضوابط - حسب التقرير - لا تُطبّق بشكل مثالي في معظم المنصات الأخرى.

وأضافت المنظمة غير الربحية في تقريرها أن بعض الأنظمة أبدت استعداداً مرتفعاً للغاية للاستجابة لمثل هذه الطلبات.

فعلى سبيل المثال، أظهرت النتائج أن منصتي «Perplexity» و«Meta AI» قدمتا المساعدة للمهاجمين المحتملين في 100 في المائة و97 في المائة من الحالات على التوالي.

يأتي نشر هذا التقرير في أعقاب حادثة إطلاق نار في مدرسة «تومبلر ريدغ» في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا. وقد أُفيد لاحقاً بأن أحد موظفي شركة «أوبن إيه آي» رصد داخلياً أن المشتبه به في الحادثة استخدم برنامج «شات جي بي تي» بطرق اعتُبرت متوافقة مع التخطيط لأعمال عنف.

وفي تعليقه على النتائج، قال عمران أحمد، رئيس مركز مكافحة الكراهية الرقمية: «قد تساعد برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمندمجة الآن في حياتنا اليومية، مطلق النار التالي في مدرسة على التخطيط لهجومه، أو متطرفاً سياسياً على تنسيق عملية اغتيال».

وأضاف: «عندما تُصمم نظاماً يهدف إلى الامتثال لكل طلب، وتحقيق أقصى قدر من التفاعل، وتجنب رفض أي استفسار، فإنه في نهاية المطاف قد يمتثل للأشخاص الخطأ».

وختم بالقول: «ما نشهده هنا ليس مجرد فشل تكنولوجي، بل فشل في تحمل المسؤولية».


أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
TT

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر تطوراً كالتعرف إلى الصور وتشخيص الأمراض والمساعدة في اتخاذ قرارات معقدة. لكن رغم هذا التقدم الكبير، لا يزال كثير من نماذج التعلم الآلي المتقدمة يعمل بطريقة توصف غالباً بأنها «صندوق أسود». فهي تقدم تنبؤات دقيقة، لكن الأسباب التي تقود إلى هذه التنبؤات تبقى غير واضحة، حتى بالنسبة للمهندسين الذين طوروا هذه الأنظمة.

ويعمل باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حالياً على معالجة هذه المشكلة من خلال تطوير طرق تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على شرح قراراتها. ويهدف هذا العمل إلى جعل نماذج التعلم الآلي ليست دقيقة فحسب، بل أكثر شفافية أيضاً، حيث يتمكن البشر من فهم المنطق الذي يقف وراء التنبؤات التي تقدمها هذه الأنظمة.

تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي

تزداد أهمية قدرة الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراته مع توسع استخدام هذه التقنيات في مجالات حساسة، مثل الرعاية الصحية والنقل والبحث العلمي. ففي هذه المجالات، يحتاج المستخدمون غالباً إلى فهم العوامل التي أدّت إلى نتيجة معينة، قبل أن يتمكنوا من الوثوق بها أو الاعتماد عليها.

فعلى سبيل المثال، قد يرغب طبيب يراجع تشخيصاً طبياً قدّمه نظام ذكاء اصطناعي في معرفة الخصائص التي دفعت النموذج إلى الاشتباه بوجود مرض معين. وبالمثل، يحتاج المهندسون الذين يعملون على تطوير السيارات ذاتية القيادة إلى فهم الإشارات أو الأنماط التي جعلت النظام يحدد وجود مشاة أو يفسر موقفاً مرورياً معيناً.

غير أن كثيراً من نماذج التعلم العميق تعتمد على علاقات رياضية معقدة تشمل آلافاً حتى ملايين من المتغيرات. ورغم أن هذه الأنظمة قادرة على اكتشاف أنماط دقيقة داخل البيانات، فإن الطريقة التي تصل بها إلى قراراتها قد تكون صعبة الفهم بالنسبة للبشر. وقد أصبح هذا النقص في الشفافية أحد أبرز التحديات في مجال الذكاء الاصطناعي الحديث.

ولهذا ظهر مجال بحثي يعرف باسم «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير»، ويهدف إلى تطوير تقنيات تساعد البشر على فهم كيفية وصول الأنظمة الذكية إلى نتائجها، بما يسمح بتقييم موثوقيتها واكتشاف الأخطاء المحتملة وتعزيز الثقة في الأنظمة المؤتمتة.

تهدف هذه الأبحاث إلى بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية ومساءلة من خلال تحقيق توازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها (أدوبي)

نهج قائم على المفاهيم

ركّز الباحثون في «MIT » على تحسين تقنية تعرف باسم «نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي». ويهدف هذا النهج إلى جعل طريقة تفكير أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً للبشر.

في هذا النموذج، لا ينتقل النظام مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة النهائية. بدلاً من ذلك، يحدد أولاً مجموعة من المفاهيم أو الخصائص التي يمكن للبشر فهمها، ثم يستخدم هذه المفاهيم كأساس لاتخاذ القرار.

فإذا كان النظام، على سبيل المثال، مدرباً على التعرف إلى أنواع الطيور من الصور، فقد يحدد أولاً خصائص بصرية مثل «أجنحة زرقاء» أو «أرجل صفراء». وبعد التعرف إلى هذه السمات، يمكن للنظام أن يصنف الطائر ضمن نوع معين.

وفي مجال التصوير الطبي، قد تشمل هذه المفاهيم مؤشرات بصرية، مثل أنماط معينة في الأنسجة أو أشكال محددة تساعد في اكتشاف الأمراض. ومن خلال ربط التنبؤات بهذه المفاهيم الواضحة، يصبح من الأسهل على المستخدمين فهم الطريقة التي توصل بها النظام إلى نتيجته.

حدود المفاهيم المحددة مسبقاً

ورغم أن استخدام المفاهيم يمكن أن يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية، فإن النسخ السابقة من هذا النهج كانت تعتمد إلى حد كبير على مفاهيم يحددها الخبراء مسبقاً. لكن في الواقع، قد لا تعكس هذه المفاهيم دائماً التعقيد الكامل للمهمة التي يؤديها النظام. فقد تكون عامة للغاية أو غير مكتملة أو غير مرتبطة مباشرة بالأنماط التي يستخدمها النموذج فعلياً أثناء اتخاذ القرار. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى تقليل دقة النموذج أو تقديم تفسير لا يعكس الطريقة الحقيقية التي يعمل بها.

ولهذا سعى فريق «MIT» إلى تطوير طريقة جديدة تستخرج المفاهيم مباشرة من داخل النموذج نفسه. فبدلاً من فرض أفكار محددة عليه مسبقاً، تحاول هذه التقنية تحديد الأنماط والتمثيلات التي تعلمها النموذج خلال مرحلة التدريب. بعد ذلك، يتم تحويل هذه الأنماط الداخلية إلى مفاهيم يمكن للبشر فهمها واستخدامها لتفسير قرارات النظام.

تزداد أهمية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي مع استخدامه في مجالات حساسة مثل الطب والنقل والبحث العلمي (أدوبي)

ترجمة تفكير الآلة إلى لغة مفهومة

لتحقيق ذلك، جمع الباحثون بين مكونين مختلفين من تقنيات التعلم الآلي. يقوم الأول بتحليل البنية الداخلية للنموذج المدرب لتحديد الخصائص الأكثر أهمية التي يعتمد عليها عند اتخاذ التنبؤات. أما الثاني فيحوّل هذه الخصائص إلى مفاهيم يمكن للبشر تفسيرها. وبمجرد تحديد هذه المفاهيم، يصبح النظام ملزماً بالاعتماد عليها عند إصدار توقعاته. وبهذا تتشكل سلسلة واضحة منطقياً تربط بين البيانات المدخلة والنتيجة النهائية.

ويشبه الباحث الرئيسي أنطونيو دي سانتيس هذا الهدف بمحاولة فهم طريقة تفكير الإنسان. ويقول: «بمعنى ما، نريد أن نكون قادرين على قراءة عقول نماذج الرؤية الحاسوبية هذه. نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي هو إحدى الطرق التي تسمح للمستخدمين بفهم ما الذي يفكر فيه النموذج ولماذا اتخذ قراراً معيناً». ويرى الباحثون أن استخدام مفاهيم مستخرجة من المعرفة الداخلية للنموذج يمكن أن ينتج تفسيرات أكثر وضوحاً ودقة مقارنة بالطرق السابقة.

تحقيق التوازن بين الدقة والشفافية

يُعد تحقيق التوازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها أحد التحديات الرئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. فالنماذج الأكثر تعقيداً غالباً ما تحقق أفضل النتائج من حيث الدقة، لكنها تكون أيضاً الأصعب في الفهم. يحاول النهج الجديد الذي طوّره باحثو «MIT» معالجة هذه المشكلة من خلال اختيار عدد محدود من المفاهيم الأكثر أهمية لشرح كل تنبؤ. وبهذه الطريقة يركز النظام على الإشارات الأكثر صلة بالقرار بدلاً من الاعتماد على علاقات خفية داخل النموذج. كما يساعد ذلك على تقليل ما يعرف بـ«تسرب المعلومات»، وهي الحالة التي يعتمد فيها النموذج على أنماط في البيانات لا تظهر في التفسير الذي يقدمه.

نحو أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مساءلة

مع ازدياد اعتماد المؤسسات على أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، من المرجح أن تصبح القدرة على فهم طريقة عمل هذه الأنظمة أكثر أهمية. فالنماذج الأكثر شفافية يمكن أن تساعد الباحثين على اكتشاف التحيزات المحتملة وتحسين موثوقية الأنظمة والتأكد من أنها تعمل كما هو متوقع. ويمثل البحث الذي أجراه فريق «MIT» خطوة في هذا الاتجاه. فمن خلال تمكين نماذج التعلم الآلي من تفسير قراراتها بطريقة أكثر وضوحاً ومعنى، قد يسهم هذا النهج في تقليص الفجوة بين الخوارزميات المعقدة والفهم البشري.