علماء دين ينوهون بقرار قيادة المرأة للسيارة... ويؤكدون أن الأصل الإباحة

أمين «كبار العلماء» لـ «الشرق الأوسط» : الأحكام الاجتهادية لا يُنكر تغيرها بتغير الزمان والأوضاع

صورة أرشيفية لسعودية توقف إحدى سيارات الإجرة عند خروجها مع أطفالها (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية لسعودية توقف إحدى سيارات الإجرة عند خروجها مع أطفالها (الشرق الأوسط)
TT

علماء دين ينوهون بقرار قيادة المرأة للسيارة... ويؤكدون أن الأصل الإباحة

صورة أرشيفية لسعودية توقف إحدى سيارات الإجرة عند خروجها مع أطفالها (الشرق الأوسط)
صورة أرشيفية لسعودية توقف إحدى سيارات الإجرة عند خروجها مع أطفالها (الشرق الأوسط)

أكدت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالسعودية أن غالبية أعضاء هيئة كبار العلماء لا يَرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة، في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية للحفاظ على صيانة المرأة واحترامها.
وأضافت في بيان أصدرته، أمس، بعد الأمر السامي المتعلق باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية - بما فيها إصدار رخص القيادة - على الذكور والإناث على حد سواء، أن ولي الأمر أشار إلى ما يترتب من سلبيات من عدم السماح للمرأة بقيادة المركبة، وارتأى بعد ما اطلع على ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة.
ونوّهت بأن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز توخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما قررته الشريعة الإسلامية.
وتطرقت إلى أن الملك سلمان بن عبد العزيز بما قلّده الله من مسؤوليات في رعاية مصالح بلاده وشعبه، وحراسة قيمه الإسلامية، ومصالحه الشرعية والوطنية، لا يتوانى في اتخاذ ما من شأنه تحقيق مصلحة بلاده وشعبه في أمر دينهم ودنياهم.
وقالت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، إن «علماء الشريعة كافة قرروا أن تصرُّف الراعي على الرعية منوط بالمصلحة، وعلى ذلك يكون الغرض من تصرفات ولي الأمر الاجتهادية تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وعلى ذلك أيضاً فإن ولي الأمر يختار في كل قراراته، الأصلح والأنفع والأيسر».
وذكرت أن فتاوى العلماء كافة، فيما يتعلق بقيادة المرأة للمركبة، انصبت على المصالح والمفاسد، ولم تتعرض للقيادة ذاتها التي لا يحرمها أحد لذات القيادة، ومن ثَمَّ فإن ولي الأمر عليه أن ينظر في المصالح والمفاسد في هذا الموضوع، بحكم ولايته العامة، واطلاعه على نواحي الموضوع من جهاته كافة، بما قلّده الله من مسؤوليات، وبما يطلع عليه من تقارير. وتابعت أن ولي الأمر أشار إلى ما يترتب من سلبيات من عدم السماح للمرأة بقيادة المركبة، وارتأى بعد ما اطلع على ما رَآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية للحفاظ على صيانة المرأة واحترامها.
إلى ذلك، أكد الدكتور فهد الماجد الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالسعودية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أمس، عدم وجود فتاوى سابقة أصدرتها الهيئة تتعلق بتحريم قيادة المرأة للمركبة، مشيراً إلى أن القرار الذي اتخذته الهيئة المتعلق بالسماح بقيادة المرأة للمركبات أتى بأغلبية الأعضاء.
وأضاف الماجد أنه لا يجوز إصدار فتاوى من قبل بعض الدعاة، إذ إن الجهة المخولة بإصدار الفتوى في الأمور العامة هي هيئة كبار العلماء بالسعودية، منوها بعدم جواز أن يُفتَأَت عليها في ذلك. ولفت إلى أن الأحكام الاجتهادية المتعلقة بتحقيق المصالح والمفاسد لا يُنكر تغيرها بتغير الزمان والمكان والعادات والأوضاع.
المنيع: لا نص شرعياً يمنع قيادة المرأة
وأوضح الشيخ عبد الله المنيع عضو هيئة كبار العلماء المستشار في الديوان الملكي، أن الأصل في قيادة المرأة للسيارة الإباحة لانتفاء النص الشرعي المانع لها. وقال في تصريح صحافي إن لولي الأمر اختيار ما فيه الخير للمجتمع وما تقتضيه المصلحة العامة، مشيراً إلى أنه يشترط في ضوابط قيادة المرأة في السيارة أن تقضي على السلبيات المحتملة في ذلك.
وأكد المنيع أن ولي الأمر يستشعر بأن مجتمعه أمانة في عنقه فيحرص على كل ما من شأنه أن يكون سبباً في راحة وتنمية المجتمع.
التركي: وفق الضوابط الشرعية
وقال الشيخ عبد الله التركي عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، إن دستور السعودية هو القرآن والسنة، وقرار السماح بقيادة المرأة للسيارة لا يتعارض معهما، إذ إنه وفق الضوابط الشرعية. وأضاف التركي أن السعودية لم تسمح منذُ تأسيسها على يد المؤسس الملك عبد العزيز بالفساد والأمور اللاأخلاقية، والقيادة حريصة على الخير وتنمية المجتمع، مع صيانة الدين الإسلامي الذي هو دستورها، لافتاً إلى أن الدراسات الاجتماعية أثبتت عدم الضرر في السماح للمرأة بالقيادة، وأن في القرار خيراً كثيراً، وسيعالج سلبيات كثيرة.
المطلق: قيادة المرأة مباحة
إلى ذلك، بيّن الشيخ الدكتور عبد الله المطلق عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي، أن الأمر الملكي بالسماح للمرأة بالقيادة هو من الأمور المباحة. وتابع: «كانت المرأة تركب البعير، وتسافر، ونحن الآن نرى في الأرياف والبادية النساء يقدن السيارة، ولا أحد يقول إن قيادة المرأة للسيارة في الصحراء وفي الأرياف لا تجوز».
وأضاف المطلق أن تكوين لجنة عالية المستوى لدراسة الموضوع عالج الأمر، وأوجد الضمانات الشرعية والنظامية للحفاظ على صيانة المرأة واحترامها، ووضع الضوابط الشرعية المنظمة له، وتابع: «لا نزال نرى نساء من هذا البلد يقدن السيارات خارج البلد ملتزمات بالحشمة ومراعيات للآداب العامة، وهن محل الثقة والاحترام».
رابطة العالم الإسلامي: تأسس على أصول شرعية
وذكر الشيخ الدكتور محمد العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، أن صدور الأمر السامي بتطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية - بما فيها إصدار رخص القيادة - على الذكور والإناث على حد سواء، تأسس على أصول شرعية وضعت الأمور في نصابها الصحيح.
وتابع في تصريح صحافي، أن المرأة كغيرها في هذا الشأن مثلما كانت على نظيره في امتداد زمني من رعيلنا الأول حتى اليوم، ولا يتَأتَّى في النظر الصحيح حرمان الجميع من حق شرعي لذرائع إن صحت فهي في فئة معزولة لا يجوز تحميل العموم جريرتها وإلا لحُرِمَ الناس من عموم الوسائل المباحة خشية توظيفها سلباً من قبل قلة هي في جميع أحوالها في نطاق الأخذ عليها، ولم يكن الإجماع الإسلامي والعالمي مبارِكاً خطوة بحجم مباركته هذا القرار الذي أنصف أحكام الشريعة في قيم مساواة عدالتها الحقوقية قبل أن يُنصف المرأة في جزئية السماح لها بقيادة مركبتها أسوة بغيرها، حاملاً في مضامينه سعة أفق تجاوزت إطاره الخاص.
ونوّه بأن «المُصِرّ على التحفظ فيه بعد ضماناته إنما يشكك في قيم الأفراد وقدرة المؤسسات، وهو ظن السوء الذي نُهينا عنه، كما أنه يَنْقل حكماً خطأً يتوجس حصولَهُ من البعض إلى الجميع، وهي معادلة مرفوضة شرعاً ومنطقاً، ولا يمكن الحكم بالمنع في هذا سداً للذريعة إلا إذا كانت راجحة، ولا يمكن حصول ذلك إلا في حال اليقين أو غلبة الظن بفساد قيم الأفراد، وهي جُرأة ومجازفة في منتهى الخطورة».
وقال العيسى: «السياق الكريم أوضح أن تحفظ بعض العلماء على ذلك لم يكن في أصل الحكم، وإنما طلباً للضمانات اللازمة لسد الذرائع، ولو في أبعد احتمالاتها، وشأن ذلك لولي الأمر، وأتمه حسب تراتيب الأمر الكريم بدلالة عدم فورية نفاذه بل بعد وقت كافٍ لضمان إحكام تلك التراتيب»، مشدداً على أن أهل العلم بينوا أن تقدير الذرائع وسدها لولي الأمر وليس لغيره، وهو مضمون إيضاح كبار العلماء عندما بينوا أن الأمر في ذاته على أصل الجواز، ولا يخفى أن الدولة من قبل ومن بعد هي أحرص ما تكون على تعزيز القيم التي تأسس عليها كيانها وضمنت حراستها.
إلى ذلك، أكد الدكتور سليمان أبا الخيل عضو هيئة كبار العلماء مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أن الأمر السامي المتعلق برخص القيادة للرجال والنساء على حد سواء فيه مصالح كبيرة وظاهرة، ودرء مفاسد متعددة دينية واجتماعية وسلوكية وأخلاقية لا تخفى على كل متابع ومباشر لما يتعلق بوجود السائق الأجنبي.
وأشار إلى أهمية أن يدرك الجميع أن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والعوائد والنيات والأحوال والأماكن والأشخاص، منوها بأن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، ينطلقان في قراراتهما وأوامرهما وتوجيهاتهما وكل أعمالهما وأقوالهما مما تقرره مبادئ وقواعد وأصول وثوابت الشريعة الإسلامية السمحة وما يُستمَد منها من أحكام ومبادئ، وما تدعو إليه من منهج وأخلاق وآداب وسلوكيات وعلاقات وتعاملات، وما جاءت به من الصلاح والإصلاح والصلاحية لكل زمان ومكان وأمة.
«حقوق الإنسان»: قرار تاريخي
وشدد الدكتور مفلح القحطاني رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، على أن الأمر الملكي قرار التاريخي بكل المقاييس وعامل فارق في مسيرة تطور حقوق المرأة في المملكة.
وقال القحطاني إن «القيادة قالت كلمتها في تسهيل الحق في التنقل للجميع وعلى الجهات التنفيذية واجب تنظيم تطبيق هذا القرار بما يعزز إيجابياته الاقتصادية والاجتماعية والأسرية». وأضاف أن موضوع قيادة المرأة للسيارة كان على الدوام من الموضوعات التي تُثار بهدف النيل من سمعة البلاد في التقارير والمحافل الدولية الحقوقية، والأمر السامي سيضع حداً لذلك، مشيراً إلى أهمية تطبيق هذا القرار بشكل صحيح وفق الضوابط الشرعية وبما يحول دون حدوث أي سلبيات في الواقع العملي.


مقالات ذات صلة

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في مستهل لقائهما في أنطاليا جنوب تركيا الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

أكد إردوغان أن الطريق الوحيد للسلام هو الحوار، مشدداً على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام السفن التجارية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
الخليج سلطان عمان وأمير قطر (وكالة الأنباء العمانية)

سلطان عُمان وأمير قطر يؤكدان أهمية حماية الملاحة البحرية والدفع نحو الحلول الدبلوماسية

شدد سلطان عمان وأمير قطر على ضرورة إنهاء الصراعات عبر الوسائل الدبلوماسية، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة.

«الشرق الأوسط» (مسقط-الدوحة)
الاقتصاد صورة تظهر مؤشرات أسهم متراجعة (رويترز)

تراجع معظم بورصات الخليج مع إعلان ترمب فرض حصار على «هرمز»

تراجعت معظم أسواق الأسهم الرئيسية في منطقة الخليج، في التعاملات المبكرة يوم الاثنين، بعد إعلان واشنطن فرض حصار بحري على حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
آسيا سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز) p-circle

دعوات دولية للتهدئة وضمان المرور الآمن في مضيق هرمز

طالب وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بعودة المرور الآمن وغير المقيد والمستمر للسفن في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا )
الخليج مشهد عام من مدينة الكويت (رويترز)

السعودية تدين اعتداءات استهدفت الكويت... وقطر تستأنف أنشطة الملاحة البحرية

بالتوازي مع انطلاق مسار مفاوضات بين قيادات أميركية وإيرانية رفيعة المستوى، السبت، في إسلام آباد، لم تسجِّل دول خليجية عدة أي تهديدات أو مخاطر تمس أجواءها.

إبراهيم القرشي (جدة)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.