اليمن.. «الاتجاه المعاكس»

اليمنيون قطعوا شوطا على طريق التسوية السياسية.. لكن التحديات قائمة بصيغ جديدة ومتعددة

اليمن.. «الاتجاه المعاكس»
TT

اليمن.. «الاتجاه المعاكس»

اليمن.. «الاتجاه المعاكس»

منذ أن وضعت الحرب أوزارها بين الأطراف السياسية في الساحة اليمنية، وجرى التوصل إلى اتفاق مصالحة تمثل في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة، تفاءل اليمنيون خيرا، وعادت الحياة إلى شبه طبيعتها في الشارع، وبدأت الحياة تدب من جديد في مؤسسات الدولة، وجرى انتخاب رئيس جديد للبلاد وتشكيل حكومة وفاق وطني، ودخل اليمنيون في حوار وطني شامل لحل مشكلاتهم. كل ذلك كان يصب في خانة «الخطوات الإيجابية»، ولكن في المقابل ظهرت إشكاليات عديدة، تشد البلاد في الاتجاه المعاكس.. حيث ظهرت تحديات أمنية بتزايد نشاط تنظيم القاعدة في أكثر من محافظة يمنية، واستهدافه عشرات الضباط والجنود من منتسبي المؤسستين الأمنية والعسكرية، بالاغتيال، خصوصا المنتمين لجهاز الأمن السياسي (المخابرات)، وانتهاء بالحرب المذهبية الضروس الدائرة منذ عدة أسابيع في شمال اليمن، التي انطلقت شرارتها من منطقة دماج بمحافظة صعدة بين الحوثيين والسلفيين، إضافة إلى النزعة الانفصالية في الجنوب ومطالبة العديد من المناطق بأقاليم خاصة في الشمال.. كل ذلك يطرح سؤالا مهما.. وهو: في أي اتجاه يسير اليمن؛ في طريق التسوية الشاملة والاستقرار، أم في اتجاه رياح التحديات العاصفة المعاكس؟

وصل مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن إلى محطاته الأخيرة. فبعد انطلاقته المتعثرة في 18 مارس (آذار) الماضي، بمشاركة معظم القوى السياسية اليمنية باستثناء بعض قوى الحراك الجنوبي، تلوح الآن في الأفق بوادر إيجابية، بالتوصل إلى مقررات ينتظر إعلانها قريبا؛ أهمها يتمثل في قيام دولة اتحادية، حيث تنحصر الخلافات الآن بشأن إقامة دولة من إقليمين (شمالي - جنوبي) أو من عدة أقاليم.
وتدور مفاوضات اللحظة الأخيرة في أروقة المؤتمر بين الفريق المصغر المسمى لجنة «8+8» وهم يمثلون الجنوب والشمال، في إطار فريق القضية الجنوبية. ويؤكد المسؤولون اليمنيون على ضرورة إنجاز المرحلة الراهنة والنجاح الكامل لمؤتمر الحوار الوطني.
يقول مصدر من داخل المؤتمر لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك العديد من القضايا التي تنتظر إعلان مواقفها النهائية، في سباق محموم مع عامل الزمن الذي يزحف باتجاه نقطة الوفاء بالاستحقاقات». وأشار إلى أن أبزر القضايا هي موضوع توزيع الأقاليم والعدالة الانتقالية، مشيرا إلى الانتهاء من موضوع العزل السياسي لمن شملهم قانون الحصانة الذي منح للرئيس السابق علي عبد الله صالح وعدد من كبار المسؤولين في نظامه، في ضوء المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، حيث ألغيت المادة الخاصة بالعزل واستبدلت بها مادة تشدد من شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وتقطع الطريق أمام القادة العسكريين في النظام السابق والحالي من الترشح للرئاسة. وجرى اشتراط مرور 10 سنوات على تركهم مواقعهم العسكرية قبل الترشح لمناصب عليا في الدولة، إضافة إلى اشتراط الشهادة الجامعية للترشح.
وأكد مسؤولون أن الحوار داخل فريق «8+8» تعثر بسبب خلافات حول القضايا المطروحة، وحول بعض الأسماء الممثلة التي جرى استبدال بعضها. وتؤكد المصادر أن هناك «إجماعا من كل الأطراف على أن تكون الدولة اتحادية من عدة أقاليم، ولكن لا يزال الحوار مستمرا حول عدد الأقاليم وآلية تقسيم السلطة والثروة على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية».
يقول ياسر الرعيني، نائب أمين عام مؤتمر الحوار الوطني إن معظم فرق المؤتمر قدمت تقاريرها إلى رئاسة المؤتمر وإن فريق العدالة الانتقالية تبقت لديه بعض المواد التي لم يجر التوافق بشأنها، و«بالنسبة لفريق بناء الدولة أو الفريق المصغر، هناك إجماع على قيام الدولة الاتحادية، والنقاشات تدور فقط حاليا حول الأقاليم؛ إما إقليمان أو خمسة أقاليم».
وذكر الرعيني لـ«الشرق الأوسط» أن فريق التوفيق يعمل على حل كثير من القضايا الخلافية التي أحيلت إليه من الفرق، والتي لم يجر الاتفاق عليها. وأضاف: «الأمور تسير بوتيرة عالية، ونحن في اللحظات الأخيرة والحاسمة من أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل». وبشأن الخلاف القائم حول ملامح الدولة، يؤكد الرعيني جازما الاتفاق على إقامة دولة اتحادية من أجل الحفاظ على اليمن موحدا، وأن البت في موضوع الأقاليم مسألة وقت وقد يجري البت فيها خلال أيام معدودات.
وضمن القضايا التي تدور بشأنها نقاشات حادة في مؤتمر الحوار، قضية ما يسمى «العدالة الانتقالية»، أو «جبر الضرر لمن تضرروا خلال الصراعات السابقة». وفي هذا السياق تطرح مراحل زمنية لتصفية آثار الصراعات في الشمال والجنوب، ومن ضمن المقترحات أن يجري احتساب التعويض للضحايا في الشمال منذ ما بعد ثورة 1962. وفي الجنوب لمرحلة ما بعد عام 1972.
والخلافات ما زالت قائمة حول تسمية القضايا والتواريخ بخصوص العدالة الانتقالية، و«الفريق يعدها مسألة شكلية لا أقل ولا أكثر» كما يقول الرعيني.
وتشارك مكونات الأحزاب السياسية بما فيها حزب الرشاد السلفي، وجماعة «أنصار الله» وهم الحوثيون، وبعض فصائل الحراك الجنوبي، في المؤتمر، وهو ما يعد نقطة إيجابية في طريق التسوية السياسية.
وخلال الأشهر الماضية من انعقاد المؤتمر، عمد المشاركون إلى إصدار اعتذار رسمي من حكومة الوفاق الوطني، للجنوب وصعدة، جراء الحروب التي شنها النظام السابق على تلك المناطق من البلاد، وذلك في ضوء توصيات مؤتمر الحوار بهدف الدفع بعجلة الحوار والمفاوضات نحو الأمام.
لكن التشنجات ظلت باقية لتمثل معضلة كبيرة تواجه مخرجات الحوار الوطني.
وتدفع فصائل الحراك الجنوبي الأخرى التي لم تشارك في الحوار، في اتجاه المطالبة بعودة دولة الجنوب، وفك الارتباط مع الشمال، حتى إن بعض هذه القوى تذهب إلى التأكيد على أن فك الارتباط جرى فعليا، وأن الجزء الجنوبي من البلاد يخضع للاحتلال، حسب تعبيرهم.
وفي هذا الصدد، يؤكد صلاح الشنفرة، نائب رئيس المجلس الأعلى للحراك الجنوبي أن «الحراك ليس معنيا بالحوار مع صنعاء أو بما سيتمخض عنه من قرارات». وقال الشنفرة لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوار يخص المتحاورين في الجمهورية العربية اليمنية.. وإننا في ثورة في الجنوب وسنمضي فيها حتى تحقيق أهدافها باستعادة الدولة الجنوبية المنهوبة».
غير أن بعض الأوساط السياسية اليمنية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل سوف تكون ملزمة للجميع حتى الذين لم يشاركوا في المؤتمر، وأن المجتمع الدولي الذي يشرف على التسوية السياسية في اليمن لن يقبل بوجود بؤر توتر في اليمن تعيد أجواء الحرب بعد المشوار الطويل الذي قطعته دول الخليج والولايات المتحدة وغيرها من الدول من أجل تجنيب اليمن شبح الحرب الأهلية».
وحسب ما هو مخطط له، فإن من المقرر وعقب الانتهاء من تقارير فرق العمل الميدانية حول جملة القضايا الخلافية وحسمها من قبل لجنة التوفيق، أن يجري الانتقال إلى الجلسات العامة للنقاشات الأخيرة من أجل اختتام هذه المرحلة الأهم من عمر الحوار الوطني، ثم الانتقال إلى مرحلة كتابة الدستور الجديد.
ويدور حديث في الساحة اليمنية عن إمكانية تمديد المرحلة الانتقالية لخمس سنوات مقبلة من أجل استيفاء قيام الدولة الاتحادية وتقسيم الأقاليم. لكن معظم الأطراف والأوساط ترفض التعليق على صحة هذه الأنباء، حيث من المقرر أن تنتهي المرحلة الانتقالية في فبراير (شباط) المقبل، بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، غير أن المراقبين يؤكدون أن الفترة المتبقية ليست كافية لإنجاز كل الاستحقاقات كالتقسيم وكتابة الدستور وغيرها من الإجراءات المترتبة على إنهاء الفترة بالشكل المطلوب.
ويؤكد المبعوث الدولي إلى اليمن جمال بن عمر أن نهاية فترة حكم الرئيس عبد ربه منصور هادي ترتبط بإنهاء المسائل العالقة والخاصة بالتسوية السياسية وليست بموعد زمني محدد.

المخاوف والقلاقل

من أبرز الأجواء المصاحبة لمؤتمر الحوار، هي المخاوف من التدخلات الإيرانية عبر دعم جماعة الحوثي وفصيل نائب الرئيس السابق علي سالم البيض، وبالتالي تؤكد أوساط يمنية أن «أي فشل للتسوية السياسية يعني السيناريو الأسوأ وهو الحرب الأهلية، وأن ذلك سيفتح المجال أمام تدخلات إقليمية لن تكون في صالح اليمن»، هذا في وقت تلوح فيه الدول العشر المشرفة على التسوية السياسية في اليمن باستصدار قرارات أممية تعاقب كل من يقوم بأعمال تؤدي إلى عرقلة التسوية.
وإضافة إلى المعضلات السياسية التي تقف حجر عثرة أمام إنهاء مؤتمر الحوار وحلحلة القضايا العالقة في التسوية السياسية، تشهد الساحة اليمنية مشكلة الملف الأمني ونشاط تنظيم القاعدة المتنامي في معظم المحافظات اليمنية، المتمثل في سلسلة الاغتيالات التي طالت أكثر من 100 ضابط في المخابرات والجيش خلال العامين الماضيين، غير أن ما أزم الأوضاع بشكل أكبر منذ نحو شهرين، هو الصراع المذهبي المسلح الذي اندلع في منطقة دماج معقل الجماعة السلفية في محافظة صعدة بشمال البلاد مع جماعة الحوثي التي تسيطر على المحافظة، واتساع رقعة المواجهات المسلحة إلى المناطق والمحافظات المجاورة بالقرب من الحدود اليمنية - السعودية، وتهديد «القاعدة» للحوثيين بالانتقام لمقتل السلفيين بالمئات في الحرب غير المتكافئة بين الطرفين.
ويستخدم الحوثيون المدفعية والدبابات والرشاشات الثقيلة في ضرب دماج السلفية، فيما يظل تسليح السلفيين أقل من ذلك بكثير حيث يقاتلون بأسلحة شخصية، هذا إضافة إلى أنهم محاصرون في منطقة تدين بالكامل للحوثيين سياسيا ومذهبيا وعسكريا.

أصوات الشباب

ورغم الإجماع على أهمية الحوار، فإن هناك بعض الأصوات التي تنتقد أداء مؤتمر الحوار الوطني؛ ومن هذه الأصوات الشباب، حيث يرى الناشط الحقوقي وضاح الجليل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه جرى الالتفاف على موضوع الفيدرالية التي يراها نموذجا لشكل الدولة التي تحافظ على التنوع المجتمعي و«تحقق الثراء وتحافظ على الهويات الثقافية ضمن هوية وطنية جامعة، يتم إنتاج مسخ لها الآن في مؤتمر الحوار». وأضاف: «ما حدث في هذا المؤتمر كان التفافا على المنطق والحقيقة، فنحن نحتاج إلى فيدرالية تحمي مستقبلنا، لكن جرى إنتاج حلول ارتجالية تشي بنوايا سيئة للإساءة لهذا المفهوم أصلا».
ويعتقد الجليل أن «ما يحدث مؤخرا يأتي على خلفية خلافات ونزاعات بين أطراف ومراكز قوى تتصدر المشهد باسم أصحاب المصلحة الحقيقية وهم الشعب الذي قدم التضحيات من أجل إحداث التغيير». وقال إن «الخلافات قادت أولا إلى خرق النظام الداخلي لمؤتمر الحوار الذي صدر بقرار جمهوري، ومن ثم جرى تشكيل لجنة لصياغة حلول غير علمية أو غير موضوعية تقوم على فيدرالية مرتجلة ويجري صياغتها وفق أمزجة المتحاورين من ممثلي هذه القوى والأطراف التي تطمع لتكوين مراكز قوى جديدة على حساب القضايا المجتمعية التي لم يجر حلها في مؤتمر الحوار حتى الآن، ولا يبدو أن ثمة إمكانية لحلها حتى اللحظة».

الهجوم على الأمم المتحدة

وتشهد الساحة اليمنية ومنذ عدة أيام هجوما سياسيا وإعلاميا لاذعا ضد المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بن عمر وبالأخص من قبل حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وانتقل الهجوم إلى تحت قبة مجلس النواب (البرلمان)، حيث شن أعضاء البرلمان من حزب المؤتمر هجوما شديد اللهجة على المبعوث الأممي وعدوه وصيا على اليمن ولم يعد وسيطا دوليا.
وفي هذا الصدد، يقول ياسر اليماني، القيادي في حزب المؤتمر الشعبي، لـ«الشرق الأوسط» إن «الأمور تسير في اليمن وفقا لما يخطط له الإخوان المسلمون بالتعاون، مع الأسف الشديد، مع مندوب الأمين العام للأمن المتحدة جمال بن عمر الذي كان وسيطا وتحول بقدرة قادر، والإخوان المسلمون، إلى وصي على اليمن الذي يسير نحو الفوضى التي جرى التخطيط لها». ويضيف اليماني أن اليمن «يحكم اليوم بأسوأ قيادة وحكومة عرفها التاريخ اليمني المعاصر، حكومة فشلت في ضبط المخربين.. للأسف اليمن يعيش خارج نطاق التغطية السياسية والأمنية والاقتصادية.. نحن لا نتشاءم، ولكن نقول إن اليمن يسير نحو الـ(لا دولة) ونحو الفوضى، خاصة أننا شارفنا على انتهاء الفترة المقررة للمرحلة الانتقالية، دون أي تقدم يذكر من قبل حكومة الوفاق التي للأسف جاءت لنهب وتدمير ما تبقى في اليمن».
ويردف القيادي المؤتمري لـ«الشرق الأوسط» أنه و«بعد الفشل الذي فشلته الحكومة وبن عمر في إنجاح العملية السياسية من خلال الفترة الانتقالية.. يحاولون اليوم وضع بدائل أسوأ من ذي قبل ويسعون إلى التمديد لأنفسهم، وحل مجلس النواب، وإحلال مؤتمر الحوار بدلا منه.. وهذه هي الكارثة المقبلة لليمن والأشقاء في الخليج، النار التي سوف تشتعل في اليمن ستصل إلى الجيران في الخليج، خاصة أن الإخوان المسلمين تحولوا في اليمن إلى مؤخرة للإخوان المسلمين في المنطقة ومصر، فالامتداد أصبح من اليمن من تمويل مادي وبشري».
وفي أول تعليق له على الهجوم الذي يتلقاه من بعض الأطراف في الساحة اليمنية، قال جمال بن عمر لـ«الشرق الأوسط» إنهم يلاحظون أن «هناك حملة ممنهجة ضد الأمم المتحدة والعملية السياسية في اليمن»، وإن هذه الحملة «تشن من قبل أطراف متخوفة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي لطالما تكلم بصوت واحد ولا يزال، والمجتمع الدولي مستعد لاتخاذ ما يلزم من إجراءات ضد معرقلي العملية السياسية. وفي الحقيقة تلقيت اتصالات من عدد كبير من قيادات (المؤتمر الشعبي) والتقيت آخرين منهم.. استنكروا جميعا الحملة الممنهجة التي تستهدف الأمم المتحدة وأبدوا تقديرهم لدورها في التسوية السياسية وفي تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف». وأكد المبعوث الأممي لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمم المتحدة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وليست لديها مصالح خاصة، بل هدفها الأساسي إنجاح مؤتمر الحوار والعملية السياسية لإيصال اليمن إلى بر الأمان، والمؤتمر الشعبي شريك أساسي في التسوية وفي العملية السياسية، ونتمنى أن يواصلوا التعاون مع باقي الأطراف للمشاركة في صنع مستقبل أفضل لليمن».

مخاوف سياسية

ينظر كثير من المواطنين اليمنيين بتفاؤل حذر إلى مجريات مؤتمر الحوار الوطني، حيث عبر بعض المواطنين الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تكون مخرجات الحوار بداية إلى إعادة تشطير البلاد مرة أخرى، حيث ينظر بعض اليمنيين إلى الفيدرالية على أنها نوع من أنواع الانفصال، ويرجع محللون سياسيون ذلك إلى مرحلة ما بعد قيام الوحدة اليمنية والأزمة السياسية مطلع عقد تسعينات القرن الماضي، حيث كان يطرح أن الفيدرالية تعني الانفصال. وتظل آفاق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، إذا حظيت بالإجماع، هي أكبر المنجزات في نظر آخرين، لكن التطورات الراهنة سياسيا وأمنيا واقتصاديا تحير معظم المراقبين في استقراء مستقبل اليمن وإلى أين يتجه، فيما المواطنون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من الغد المجهول.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.