الهوية الثقافية والعمرانية لمكة والمدينة

قضية تتكرر في معظم المدن النامية خصوصاً في منطقة الخليج العربي

صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
TT

الهوية الثقافية والعمرانية لمكة والمدينة

صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)

ألقى عصر الطفرة النفطية، وما بعده، بظلاله على النمو العمراني لمكة المكرمة والمدينة المنورة منذ السبعينات. ومع تسارع التنمية والتحديث، برز تحد آخر، وهو اندثار الهوية الثقافية لهذه المدن المقدسة، خصوصاً أن المؤشرات المستقبلية تدل على الزيادة الحتمية لسكان وزوار هذه المدن، مع كل ما يحمله ذلك من تحديات اقتصادية، وضغط على النسيج العمراني التاريخي، الذي يمكن أن يلعب دوراً اقتصادياً مهماً في مرحلة ما بعد النفط.
أخذ التوسع العمراني السريع أثناء الطفرة النفطية في طريقه، في غضون بضع سنوات، معظم النسيج التاريخي، خصوصاً في أواسط المدن. هذا التطور المادي تحرك بوتيرة أسرع بكثير من عمليات التطور الاجتماعي والثقافي الموازية، مما أدى إلى اندثار معظم التراث العمراني، في غفلة عن أهميته، وهذا أحد الأعراض الجانبية للتنمية، التي كان يمكن تجنبها بوضع سياسات حمائية مناسبة.
لو وسعنا دائرة البحث، لوجدنا أن هذه القضية تتكرر في معظم المدن النامية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، حيث لم يكن هناك سياسات أو مبادرات لحفظ التراث، تتوازى مع التنمية المتسارعة، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، وتعاملت أغلب المخططات العمرانية مع المعالم التراثية كمواقع قابلة للإزالة، وحل محلها نسيج عمراني مستحدث، وفي بعض الأحيان مستنسخ من معالم فقدت، ولم يتم التنبه لها إلا بعد فوات الأوان.
- المدينة المنورة
لم يتجاوز حجم المدينة المنورة القديمة، بعد إحاطتها بسور في القرون الأولى الإسلامية، محيط المنطقة المركزية الحالية. هذا النموذج العمراني التقليدي، الذي يتصف بالتماسك والنمو المتدرج، يقف على مسافة بعيدة جداً من النموذج العمراني المتسارع في الوقت الحاضر؛ لم تعد المدينة المنورة تلك الواحة الصغيرة التي تقبع داخل سور من العصور القديمة، أصبحت مدينة كبرى؛ بشبكات طرقها الحديثة، وأبراجها، وتزايد أعداد سكانها وزوارها بالملايين سنوياً. ليس الاختلاف فقط في الهيكل العمراني الفيزيائي الذي فرضته عجلة التطور، بل تعدى الأمر ذلك إلى تبدل روح المكان الأصلية التي صمدت لقرون كثيرة، ثم أصبحت الآن تنطق بلسان مختلف، وتختزل الماضي في زوايا ذاكرتها إلى درجة النسيان.
هنا، ينفصل قلب المدينة وينزوي لوحده بين شبكات الطرق السريعة مثل الجزيرة المعزولة، وتنقطع صلته بأطرافها التي أصبحت مدناً أخرى تمتد وتذهب بعيداً ملاحقة شبكات الطرق والمخططات العقارية في كل اتجاه، وكأنها ترحل في فضاءٍ لا نهاية له. هذا «التسيب العمراني» هو الداء الذي أصاب المدن الحديثة، فأخذ يباعد أجزاء المدينة الواحدة عن بعضها، ويمزق نسيجها العمراني، ويستهلك بنيتها الأساسية في مدد قياسية، ويضعف قدرتها على مواجهة الطوارئ وحوادث المستقبل.
ودائماً ما يكون أول ضحايا هذا العراك العمراني الطرف الأضعف والأخفت صوتاً، ألا وهو الإرث العمراني، الذي يندرس مثل الرماد أمام جحافل الاستثمار والتطوير العقاري، التي لا تحفظ اسماً ولا تُبقي رسماً. وفُقدت في هذا الخضم تلك الشواهد التاريخية، بكل ثرائها البصري المتنوع، وذلك القرب المعنوي والمكاني من الإنسان والطبيعة، التي حلت محلها الكتل الصماء وقسوة الأسفلت والأرضيات الأسمنتية. ليس الإرث المادي فقط الذي فقدناه، بل تلاشى خلفه أيضاً الإرث الإنساني. فمع تهافت الجهات التجارية لاقتناص الفرص الاستثمارية في وسط المدينة، يخرج السكان منه تدريجياً، ثم تضمحل ذاكرة المكان جيلاً بعد جيل، حتى تصبح مثل الومضات الخافته في أذهان الأجيال التي عايشته والتصقت به، وتذهب شذرات الذكريات هذه أدراج الرياح، كلما ذهبت شواهدها وشهودها، ولا يبق منها إلا نزعاتٌ من حنين وحسرة على أماكن لم نرها، وأسماء لم نعد نعرفها.
عند النظر إلى عمران المدينة المنورة، ومحاولة استقراء بنيتها التاريخية الأصلية، تظهر كثير من المفارقات: أولها انفصام الرسم التاريخي للمدينة عن هيكلها العمراني الحالي، الذي مد كما يمد البساط الجديد فوق القديم. تاريخياً، كان موقع المسجد النبوي يميل إلى الجهة الشرقية، ثم تليه إلى الغرب سوق المدينة (أو ما عرف لاحقاً بسوق المناخة)، التي كانت تتوسط النسيج العمراني للمدينة، الذي يمتد غرباً بشكل محوري، كلما دعت الحاجة. ولكن النمط التخطيطي الحالي ألغى الصيغة المحورية، بوضع المسجد النبوي وساحاته في مركز شبكة الطرق الدائرية، وهو ما كثف حركة المرور والمشاة باتجاه المركز، باعتبار المسجد النبوي نقطة جاذبة، مما يسبب الازدحام المتواصل، الذي يتحول إلى أزمات خانقة في أوقات الذروة.
كان من الممكن المحافظة على المحور الذي ربط المسجد النبوي من الشرق مع سوق المناخة في الوسط، ومن ثم محطة سكة حديد الحجاز، التي وُضعت في أقصى نقطة غربية من هذا المحور. فبدلاً من حصر الحركة البشرية والمرورية في دائرة تضيق كلما اقتربنا من المركز، يخفف الشكل المحوري من اكتظاظ الحركة، بحيث تتوزع على طول المحور، كلما دعت الحاجة، ليستوعبها النسيج العمراني، وتخف وطأة التزاحم.
- مكة المكرمة
شهدت أعداد الحجاج السنوية قفزة لافتة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى وصلت إلى 3 ملايين حاج، كما حصل في عام 2012، بعد أن كانت تقارب المائة ألف فقط في بداية خمسينات القرن الماضي، ثم تصاعدت إلى أن وصل العدد إلى ما يقارب مليون حاج بحلول منتصف السبعينات الميلادية.
حالياً، تقف مكة المكرمة أمام تحديات تؤثر في نسيجها العمراني تأثيراً مباشراً، وأهمها الزيادة السكانية، ومحدودية المكان، حيث تستقبل موجة سنوية من ملايين الحجاج والمعتمرين في فترات محدودة، بالإضافة إلى السكان المحليين الذين تزايدت أعدادهم خلال العقدين الماضيين، لتصل إلى أكثر من مليون ونصف المليون نسمة، حسب إحصاء عام 2010. كما أن هناك شريحة سكانية يصعب حصرها، وهم المقيمون بصورة غير نظامية، خصوصاً ممن أتى للعمرة أو الحج ولم يغادر بعدها. ومن المقرر مستقبلاً، حسب خطة التحول الوطني 2020، زيادة أعداد المعتمرين إلى 15 مليون معتمر سنوياً، مقارنة بالرقم الحالي الذي يتراوح بين 6 و8 ملايين معتمر سنوياً.
وفي مقابل هذه الأعداد المتزايدة من الحجاج والسكان والمقيمين، يبرز تحدٍ آخر، هو صعوبة التضاريس الجغرافية.
في الوقت الحاضر، اختلفت صورة مكة المكرمة تماماً، بعد تضائل معظم المعالم العمرانية والطبيعية ذات القيمة التاريخية في مواجهة غير متكافئة مع طوفان التطوير العقاري الذي تناثرت مشاريعه هنا وهناك عبر الأودية والتضاريس الجبلية، فيما يشبه «الأرخبيل العمراني». هذا التباين الواسع بين هوية المكان التاريخية والنمط العمراني المنتشر حالياً يلقي بمسؤولية عظيمة على كاهل كل الأطراف المعنية، من مستخدمين ومخططين وملاك وجهات تنظيمية، فيما تتخذه من خطوات مستقبلية. وهنا أيضاً تقع مسؤولية مشتركة على دول المصدر، في مراعاة الطاقة الاستيعابية للمشاعر المقدسة في موسم الحج والعمرة، إن أردنا السير بخطى ذات جدوى في حفظ ما بقي من التراث الإنساني والطبيعي لمكة المكرمة للأجيال المقبلة، ومنعه من الاندثار الكامل تحت وطأة الاستخدام المفرط.
وتدل كل المؤشرات على أن تدفق الحجاج والمعتمرين والزوار سيزيد في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما سيؤدي إلى المزيد من تآكل النسيج العمراني التراثي، في ظل الاستخدام المفرط، إن لم تتخذ التدابير والسياسات اللازمة لتنظيمه.
أصبحت المناطق المركزية في مكة المكرمة والمدينة المنورة من أغلى الأسواق العقارية في المنطقة، مما يستوجب كبح جماح هذا الاتجاه مستقبليا.
هذا التزاحم التجاري على أعتاب البقاع المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة يثير كثيراً من التساؤلات، فهي مناطق في غاية الحساسية الروحية والاجتماعية، وكل حرم، سواء في مكة أو المدينة، له مركز وحدود معروفة. وعند تحليل الكثافة العمرانية في الحرمين، نجد أنها أكثر ما تكون في المناطق الملاصقة مباشرة لمركز الحرم، سواء في مكة أو المدينة، مما زاد من الاستقطاب الشديد بين مركز المدينة وأطرافها. وكان من الأنجع - ربما مستقبلاً - تخفيف الكثافة العمرانية حول مركز الحرم، وتوزيع الاستخدامات بشكل متوازن على الأطراف، ومن ثم الاستعانه بأنظمة النقل العام والمكوكي لوصل حدود الحرم بمركزه.
ومع تسارع عملية التنمية في المدينتين المقدستين، تبرز أهمية وضع سياسات للمحافظة على الهوية العمرانية والثقافية فيهما، خصوصاً أن خطط التحول الوطني 2020، والرؤية الوطنية 2030، تحمل في طياتها تصورات طموحة لزيادة الطاقة الاستيعابية في مكة والمدينة، وفتح المجال لاستضافة أعداد أكبر من الحجاج والمعتمرين. وفي الوقت الحاضر، أصبحت قيمة المكان الثقافية من محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن دفع هذه العملية التنموية للأمام لا يتأتى إلا بالمحافظة على الشواهد المادية والمعنوية، من أجل تنمية متوازنة ومستدامة في الحاضر والمستقبل.


مقالات ذات صلة

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
يوميات الشرق 6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)

«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

تتكشَّف قصص ممزوجة بالخوف، والشوق، والأمل، والفقد، ليظهر مفهوم الحج بأبعاد جديدة، في رحلة تتحرّك بالروح قبل القدم...

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق هيثم مساوا يُقدّم ورشة عمل بعنوان «التحدّيات الصحية في المنافذ الجوّية» (الشرق الأوسط)

جدة تحتضن «هاكاثون الابتكار الصحي» للارتقاء بخدمات ضيوف الرحمن

يستعرض الهاكاثون 4 مسارات رئيسية. تشمل المنتجات الصحية، والخدمات الصحية، وتجربة المريض، والإعلام الصحي...

أسماء الغابري (جدة)

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».