علي الشوك يكتب سيرته «قبل ضمور الذاكرة»

ماركسي أرستقراطي اشتراكي يحب النظام الرأسمالي

علي الشوك يكتب سيرته «قبل ضمور الذاكرة»
TT

علي الشوك يكتب سيرته «قبل ضمور الذاكرة»

علي الشوك يكتب سيرته «قبل ضمور الذاكرة»

صدرت عن دار المدى ببغداد السيرة الذاتية للباحث والروائي علي الشوك تحت عنوان «الكتابة والحياة»، وهي سيرة جريئة بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى رغم استئذانه من بعض الشخصيات النسائية، واستعاضته بالأحرف الأولى لشخصيات آخر آثرت البقاء خلف الستائر المُعتِمة لأنها لم تتعلم مواجهة الذات طوال حياتها فكيف تستطيع مواجهة الآخرين؟
قبل أن نلج في تفاصيل هذه السيرة الذاتية الشائكة لا بد من الإشارة إلى أن علي الشوك قارئ نهم أحبّ قراءة الأدب والفن واللغة، ولعله انقطع زمناً طويلاً لقراءة الرواية، وتعلق بأبرز أساطينها أمثال تورغينيف، دستويفسكي، ستندال وغيرهم من الذين تمنى مجاراتهم، والكتابة على غرار ما كتبوه من أعمال إبداعية خالدة مثل «الحب الأول»، و«المقامر» و«الأحمر والأسود».
وُلد علي الشوك في كرادة مريم ببغداد عام 1929، وحين أكمل المرحلة الثانوية ابتُعِث إلى الجامعة الأميركية ببيروت عام 1947 لدراسة الهندسة المعمارية التي لم يخترها بنفسه، وسوف يبدّل اختصاصه في بيركلي ليدرس الرياضيات. أفاد من بيروت، التي يعتبرها مدرسته الأولى، في التعامل مع اللغة والتاريخ والأسطورة بفضل البروفسور أنيس فريحة. أما بيركلي التي درس فيها الرياضيات فقد فتحت شهيته على الموسيقى وأتاحت له مشاهدة معظم أوبرات فيردي، وفاغنر، وموتسارت وسواهم من كبار المبدعين الذين سيسهمون في تأسيس ذائقته الموسيقية.
كان الشوك ذا نزعة يسارية منذ أيام بيروت وبيركلي، وحينما عاد تلقفه «الرفاق» فانتمى إلى الحزب الشيوعي وتقبّل ظروف العمل السري «عن غير قناعة فطرية» (ص22) لكنه تعرّض للتنكيل في أواخر عام 1956 لأنه لم يقدّم للوزارة أسماء الطلاب الذين تظاهروا مؤيدين تأميم قناة السويس.
لم ينجُ علي الشوك من الازدواجية، فهو ماركسي لكنه ينتمي إلى أسرة أرستقراطية، اشتراكي لكنه لا يمقت العالم الرأسمالي، طوباوي لكنه يعيش على أرض الواقع ويلهث خلف الحسناوات بحجة الإلهام الروائي. لا بد من الوقوف عند علاقته الوطيدة مع الدكتور نوري السعدي، هذا الكائن المتحرر جداً الذي تماهى مع الشوك وبات يشعر بالعزلة من دونه. دعونا نؤجل الحديث عن المرأة والصداقة ونتوقف قليلاً عند السياسة التي أفضت به بعد انقلاب 1963 إلى السجن في «قصر النهاية» والتعذيب الذي لم يتحمله أكثر من ثلث ساعة فقدّم «اعترافه» ونجا بجلده ليقرر عام 1979 الفرار من «بلد يحكمه رجل مشبوه، ويتصرّف بمصائرنا كما يشاء» (ص160). وسوف تستمر رحلة المنفى وعذاباته إلى تشيكوسلوفاكيا ومنها إلى المجر قبل أن يستقر به المقام بلندن التي تمنحه حق اللجوء السياسي وتتكفل بسكنه ومعيشته إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
نساء علي الشوك كثيرات بما فيهن بطلاته الروائيات اللواتي ألهمنهُ جلّ نصوصه الروائية ولكن تظل هناك سيدة واحدة متميزة لأن جميع النساء اللواتي تعرّف عليهن «جئن عن طريقها»(ص95). ثم يمضي إلى القول إن تلك المرأة كانت الأهم في حياتي وأقربهن إلى نفسي، «وأنا هنا لا أعني بذلك أن هناك حُباً أو عشقاً بيني وبينها» (ص96). وإنما يعتبرها حضناً عائلياً ويضعها في مستوى علاقته بنوري السعدي الذي كان يبوح له بكل خلجات مشاعره، الأمر الذي أفضى إلى الانسجام الهائل بينهما.
كان علي الشوك باحثاً ومفكراً ولغوياً قبل أن يكون روائياً فلا غرابة أن يعترض البعض في حينه على ترشيحه للهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء لأنه «مثقف، وليس أديباً» (ص72). وكان يُدرك سلفاً أن ثقافته الموسوعية سوف تنأى به عن عالم الرواية والأدب الذي بدأهُ بعد خمسين عاماً من القراءة والكتابة والتجارب العاطفية والاجتماعية والسياسية. وكان لا بد له أن ينجز عدداً من الكتب التنظيرية المتخصصة فأصدر «الدادائية بين الأمس واليوم»، «الأطروحة الفنطازية»، «الموسيقى الإلكترونية»، «من روائع الشعر السومري»، «جولة في أقاليم اللغة والأسطورة»، وسواها من الكتب الثقافية الرصينة لكن همّه كان منصباً على الأدب. ولسوء الحظ أصدر مسرحية «الغزاة» التي فشلت وتعرضت للنقد لأنه لم يكن يتوفر على خبرة بفن المسرح، وظل رهانهُ قائماً على الرواية التي يربطها دائماً ببطلة خارقة الجمال مثل «زينايدا» في «الحُب الأول» و«ماتيلد» في «الأحمر والأسود» وغيرهن من الفاتنات خصوصاً إذا كنّ يُجدن الرقص. وكانت تلك المتميزة قد عرّفته على بعض النساء الألمانيات، كما تعرّف إلى (غ) التي اعتبرها ملِكة وأجمل امرأة في الوجود، وقد دخلن نصوصه الروائية تباعاً لكنه لم يحقق الرواية العصيّة على الكتابة مع أنه ظل يزعم طوال حياته بأنه يروم كتابة اللامكتوب أو الرواية الحلم التي لا ترخي الطبع ولا تسلس القياد إلاّ لأصحاب المواهب الكبيرة الذين غيّروا ذائقة القرّاء في مختلف أرجاء العالم.
من حسنات علي الشوك أنه يستأنس بآراء بعض الكُتاب من أصدقائه المقرّبين أمثال فؤاد التكرلي، كامل شياع، غانم حمدون وآخرين ولا يدفع مخطوطته للنشر إذا كانت آراؤهم متحفظة أو سلبية. ومن مثالب هذا الرجل هو غروره أو ثقته العالية بالنفس وإلاّ فكيف نبرِّر مقولته المثيرة للاستغراب: «أنا أعلم أنني مثقف من الطراز الأول في كل شيء تقريباً، لكنني أحب الرواية والموسيقى أكثر من أي شيء» (ص72).
على الرغم من رصانة أبحاثه، وعمق دراساته اللغوية فإنه يتواضع أحياناً حينما ينتبه إلى تفوّق الأوروبيين في بعض المجالات البحثية. فحينما أنجز كتابا عن الجذور المشتركة بين اللغات السامية - الحامية واللغات الهندية - الأوروبية نصحه أحد المستشرقين بقراءة كتاب «محاولة في المقارنة بين اللغات» لإيليتش سفيتش الذي يتناول العلاقة بين ست مجموعات لغوية، وحينما قرأه شعر بالفارق المعلوماتي الكبير فقال بتواضع شديد: «شعرتُ كم نحن متخلفون بالمقارنة مع الآخرين، لا سيما الروس أو السوفيات» (ص94).
لا بد من الإقرار بأن معظم روايات علي الشوك جريئة، ومثيرة للجدل في ثيماتها الرئيسية مثل «أحاديث يوم الأحد»، «مثلث متساوي الساقين»، «فتاة من طراز خاص»، «تمارا»، «فرس البراري»، وبقية الروايات الخمس التي تتمحور حول موضوعات سياسية وثقافية وفنية. وكالعادة فقد استقبلها النقّاد بطرق مختلفة وخاصة رواية «الأوبرا والكلب»، التي قرأها البعض بتعالٍ مثل الناقدة فاطمة المحسن، وبعضهم الآخر استقبلها بمحبة وإعجاب مثل الروائي محمود سعيد.
يحتاج العالم الروائي الذي خلقه الشوك إلى دراسات معقمة تتناول الثيمات، والشخصيات، واللغة، والبناء المعماري وغيرها من المعطيات الفنية والفكرية والإبداعية التي تتطلب قراءات تفكيكية بِعُددٍ نقدية متطورة جداً تستطيع أن تبرهن فعلاً أن «الجمال هو أعظم قوة على وجه الأرض»، كما يذهب الروائي الفرنسي أناتول فرانس.
يختم علي الشوك سيرته الذاتية بالقول إنه كَتَبها «بكل تلقائية وصدق» (266)، ولا غروَ في أن يعترف في عامه الثامن والثمانين بالتعب، والإجهاد، وانطفاء الجذوة، وضمور الذاكرة وهذه من اشتراطات الشيخوخة التي لن يفلت منها أحد، ومع ذلك فهو يصرخ في المضمار الأخير: «أيتها الأفكار لا تخذليني، ويا صفاء الذهن هلّم إلي ولو بجزءٍ من طاقاتك» (ص268).



إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين
TT

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها، بل أصبح وسيلة للكشف عن الآثار العميقة التي خلفتها الحروب والحصار، والقمع في حياة الإنسان العراقي، ولا سيما المثقف، وما تركته من جروح وتحولات في رؤيته لنفسه والعالم.

وفي رواية «خيانات صاخبة» للكاتب علي حسن الفواز، الصادرة عن مؤسسة «أبجد»، 2023، لا يكتفي السرد بتوثيق الأحداث، بل يكشف عما خلّفته التحولات العنيفة من آثار نفسية وروحية في الإنسان العراقي. والكتابة وسيلة لفهم هذا الخراب الداخلي وكشف زيف الخطاب الرسمي.السرد الخائن وتعدد الأصوات

تقوم رواية «خيانات صاخبة» على فكرة أن السرد لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله للكشف عن أبعاده الخفية. لذلك لا تبدو الخيانة في الرواية فعلاً أخلاقياً، بل وسيلة فنية لفهم الواقع وتمثيله. ويعلن السارد هذه الرؤية منذ البداية بقوله: «السرد يخون الواقع حتماً، يناقضه، يشاكه، يصطنع له نصاً خائناً» (ص 7).

كما تنتقل الرواية من السارد العليم في بدايتها إلى تعدد الأصوات في الفصول اللاحقة، حيث تمنح الشخصيات فرصة الحديث عن تجاربها وذكرياتها وآلامها، فتتحول من شخصيات يُحكى عنها إلى شخصيات تروي حكاياتها بنفسها.

وفي الملحق، يقترب السارد من القارئ، معترفاً بأن هذه الشخصيات ليست سوى أقنعة وزع عليها أجزاء من ذاكرته وتجربته، ليستعيد من خلالها ما تركته الحروب والهزائم والاغتراب من آثار عميقة. ولهذا يؤكد أن «السرد الخائن هو اللعبة التي تدفع السارد إلى الحفر في مخزن الذاكرة والمكتبة، بحثاً عن أشباح، أو أقنعة» (ص 15).

ومن هنا يصبح التخييل والحيلة الفنية وسيلتين للتعبير عن واقع معقد ومؤلم، وهو ما يوضِّحه السارد بقوله: «لا تتطلب براءة في الكتابة، بقدر ما تستدعي كثيراً من الحيل النسقية، أو حتى الكذب الذي يسوغ تمثيل تلك اليوميات المريبة» (ص 8).

السيولة والصلابة

تقوم الرواية على تقسيم الفضاء إلى عالمين متقابلين يعكسان الصراع بين الحرية والقمع؛ الأول الفضاء السائل، ويمثله شارع أبي نواس في بغداد؛ وهو مكان يهرب إليه الفارّون من الحرب ليجدوا مساحة أقل خضوعاً للسلطة: «وحين هربوا إلى (الشارع السكران) ليدونوا سردياتهم، وجدوا فيه الفضاء الوحيد الذي لا يخدعهم ولا يطالبهم بطقوس الطاعة، فظلوا يمارسون في لياليه الغرائبية خياناتهم الصاخبة» (ص 24)

في هذا المكان، تتحول مظاهر اللهو كــ(السكر والثرثرة) إلى مقاومة صامتة ضد الحرب والخطاب الرسمي. لكنه لا يبقى آمناً؛ إذ سرعان ما تمتد إليه يد الرقابة الحكومية: «بات الحديث عن الشارع وكأنه حديث عن جبهة أخرى، فالخوف أصاب الكثيرين بهلع غريب، بعد أن قامت الحكومة بإخضاع الشارع إلى رقابتها» (ص 81). ثم يشتد القمع بقرار سياسي يغير ملامح المكان ويحجب الحياة عنه: «غيبت الحكومة، وبقرار رئاسي، ضفة الشارع الطينية لتكون ضفة أمنية ومحروسة، ومغطاة بمتاريس تحجب عنه رائحة الماء» (ص 120).

والثاني: الفضاء الصلب، وتمثله السجون ومصحة الشماعية، وهما رمزان لأجهزة الدولة القمعية التي تراقب الفرد وتعيد تشكيله بالقوة، حيث يُختزل الإنسان الأعزل في تهمة جاهزة: «الفرد هو الخائن، هكذا وجدت نفسي أمام هذا الديناصور، فالجماعة لا تخون، ربما لسهولة توريط هذا الفرد بالخيانة» (ص 31). ولا يقتصر القمع هنا على الجسد، بل يمتد لمحاكمة الفكر والنوايا داخل أقبية التحقيق: «نحن نحاسبك اليوم على النوايا، فأنت تُضمر للوطن كراهية، وأن علمانيتك الفاضحة هي موقف سلبي من الإيمان الوطني» (ص 52). ويتحول هذا الفضاء المغلق إلى أداة لإسكات المختلف عبر صناعة تهمة «الخيانة» وتعميمها لتبرير الإعدام والتصفية: «السلطة تقول كلمة الخيانة بعمومية سطحية وفجة، وتجاهر بها... فكل أوهام وحكايات الحد والقتل والزندقة والإعدام... كانت بسبب الترويج الفاضح والمجاني للعنة الخيانة» (ص 30).

التفكيك النفسي والثقافي للأقنعة

تعيش شخصيات الرواية ضياعاً واغتراباً عميقَين يجعلانها قريبة من أجواء الفلسفة الوجودية، حيث يتحول صمتها إلى عذاب وخوف دائم من القمع: «ويتحول صمتهم إلى جحيم دانتوي بعيداً عن الفرح، وقريباً من اللعنة، واستغراقاً في النفي الداخلي» (ص 23).

وقد توزّع هذا الاغتراب على أربعة أقنعة تمثل حال المثقف:

* سيف المقداد: يحتمي بالتهكم والضحك الأسود لتغطية هشاشته الداخلية؛ فالسخرية عنده ليست ترفاً، بل وسيلة وحيدة للبقاء بعد انهيار الأحلام وتعاظم الخوف.

* غالي التلف: يهرب من قسوة الواقع إلى الحلم والانتظار، ويخلط بين الحقيقة والأسطورة ليخفف عبء الحاضر: «أصرّ (غالي) على دعوته لمشاطرة الجالسين هذا الليل الدسم بالسكرة والباجة، ليعرف أن الزمن الضائع هنا، وليس هناك في باريس، فالجميع هنا ضائعون تماماً» (ص 106).

* سطوع البارد: يعيش أزمة ضعف وانكسار داخلي، ويبحث عن أمان مؤقت في علاقات عابرة (المرأة الباشا) مثلاً، لكنه يكتشف أنها امتداد آخر لتبعية السلطة.

* خالد الخالد (قمع العقل): يمثل التصفية الكاملة للمثقف؛ حيث حوّلت السلطة فكره واختلافه إلى مرض وجنون داخل المصحة النفسية، لتوجه القمع نحو العقل ذاته ومحوه كلياً.

الحرب... والجسد

تنظر الرواية إلى الحرب بوصفها سبب الخراب الأساسي، وترفض الخطاب الذي يقدّسها. فالهروب منها ليس جبناً، بل رفضاً لها. كما تسخر من الواقع السياسي الذي يقوم على الإغراء والطاعة عبر المصالح المادية التي تُستعمل لتدجين الناس.

وفي ظل القمع والخوف، يظهر الجسد بوصفه مساحة للهرب والتعويض، خاصة في فضاء (المرأة الباشا)، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة مؤقتة لمواجهة الرعب والضعف. وتكشف الرواية عن جانب خطير من القمع، حيث تُستعمل المصحات النفسية أداة لإخضاع المعارضين ومحو ذاكرتهم عبر العلاج القسري والصدمات: «وأن إخضاعهم للتعقيم، ولتخريب ذاكرتهم أهداف تأتي من جهات عليا... وبما يجعل ذاكرتهم قابلة للتآكل والمحو» (الرواية: 100 - 101).

وأخيراً، تظهر الرواية كيف يتسرب (وحش) السلطة إلى حيوات الأبطال ليُجبرهم على الانكسار بطرق مختلفة: سيف انكسر قانونياً بتوقيع «تعهدٍ» جعله يراقب نفسه ويخاف ظله، وسطوع انكسر عاطفياً باحتماءٍ زائف في علاقةٍ سلبت استقلاله، وخالد انكسر جسدياً وعقلياً بصدماتٍ ومحوٍ للذاكرة في المصحة، بينما غالي انكسر زمنياً بهروبه من الواقع إلى الخمر والعيش في أوهام الحلم والانتظار.

بذلك، تقدم رواية «خيانات صاخبة» شهادة حيّة على مأساة جيل كامل من المثقفين الذين تآكلت أحلامهم؛ فهي تجسيد حقيقي لكيفية اشتغال الخوف الذي يقتل الإنسان ببطء ويسلبه هويته وكرامته، يرويها كاتبٌ عاصر هذه المرحلة وعاش تفاصيل رعبها بوعيه ونقده.

* ناقد عراقي


دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية
TT

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر»، وهي ليلى الأخيلية.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) «بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة» كما كتب الناشر.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخلاً وتمهيداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها «الإطار اللغوي للأسلوب»، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في «الأسلوب الفني» عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية، بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول «الإيقاع الشعري التطبيقي» سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع «قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية» لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج.

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية لها أهمية كبيرة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستهان به من تجربتها الشعرية.

وترى المؤلفة د. مي في كتابها أن شعر «ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي».

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى الأخيلية لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً.

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكانة من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.