إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

في معرض «من الأبيض» تقيم الفنانة الإسبانية حواراً بين الرسم والموضة

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


مقالات ذات صلة

جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

ثقافة وفنون لوحة أم الرسام آنا ماكنيل

جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

حين قرأت جملة ناقد الفن جون راسكن الذي اتهم فيها الرسام الأميركي جيمس ماكنيل ويستلر بأنه «يرمي دلواً من الطلاء في وجه الجمهور» صرت أفكر في أسباب انشدادي

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

يواصل الكاتب العُماني الخطّاب المزروعي في مجموعته القصصية الأحدث «فتاة المانجو»، الصادرة عن «منشورات المتوسط»، بناء عالمه السردي من مفردات تبدو للوهلة الأولى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ... الغائب الحاضر دائماً

في مثل هذا اليوم من عام 2006، رحل نجيب محفوظ، المولود عام 1911، مخلفاً إرثاً روائياً ونثرياً هائلاً، أهله لنيل «جائزة نوبل» عام 1988، ليكون بذلك أول عربي،

د. رشيد العناني (لندن)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة
TT

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

موسم الأدب الفرنسي 2026: 461 رواية وتراجع الترجمة

بين أغسطس (آب) وأكتوبر (تشرين الأول) تصدر في فرنسا وفق إحصاء مجلة «ليفر إبدو» 461 رواية، مقابل 484 في العام الماضي، موزّعة على 344 عملاً فرنسياً و117 عملاً مترجَماً. وإن كان الرقم في ظاهره وفرة، فإنّ في باطنه إنذاراً: فالإنتاج الفرنسي ثابت تقريباً عند مستوى 2025، بينما جاء التراجع كلّه من جهة الترجمة، التي نزلت من 140 عنواناً إلى 117. ويأتي هذا الحصاد في سنةٍ قاسية على القطاع؛ إذ تراجعت مبيعات الكتاب الجديد في النصف الأول من 2026 بنسبة 6.2 في المائة، في خامس تراجعٍ متتالٍ، فيما اتّسع سوق الكتاب المستعمل حتى صار ينافس الكتاب الجديد على شريحةٍ معتبرة من القرّاء. وفي الواجهة، تتعرض المكتبات الفرنسية لمصاعب مادية حيث وُضعت سلسلة «جيبير جوزيف» العريقة تحت التسوية القضائية منذ أبريل (نيسان) الماضي، كما تواجه المكتبات المستقلّة الصغيرة ضغوطاً دفعت كثيراً منها إلى إيقاف نشاطها.

غير أنّ المفارقة التي تستحقّ التوقّف هي أنّ الرواية الفرنسية تردّ على انكماش سوقها بتوسيع خيالها لا بتقليصه. فحين يضيق الرهان التجاري، يميل الناشرون عادةً إلى الآمن والمجرَّب. لكنّ هذه السنة عادت الروايات الطويلة التي تمتدّ عبر الأجيال بقوة، لتستعيد الحبكة والمغامرة. كأنّ الأدب، إذ يفقد جزءاً من جمهوره، يقرّر أن يستعيده بما كان قد تخلّى عنه طويلاً وهي المتعة السرديّة. وهو ما أكدته مجلة «ليفر إبدو» التي لاحظت أنّ موضوع النسب والعائلة هو أقلّ حضوراً من العام الماضي، وأنّ كثيراً من كتب الموسم تدعو إلى ما سمته بـ«الفرار»: فرار جغرافي وتاريخي، وأحياناً إلى عوالم عجائبية. غير أنّ الكتابة عن الذات لم تختفِ تماماً، وإنّما غيّرت وجهتها: فالأعمال الأولى، وأغلب أصحابها هذا العام من النساء إذ شكلن نحو 60 في المائة منها، تدور حول موضوعين اثنين، هما البحث عن الأصول وتجربة المنفى. أما الرقم الأخطر في حصيلة الموسم فيبقى تراجع الترجمة؛ إذ يعني عملياً أنّ ثلاثاً وعشرين نافذةً على لغات أخرى أُغلقت في سنةٍ واحدة. ولا تفصّل الإحصاءات المتاحة أيّ اللغات دفعت الثمن، غير أنّ منطق مثل هذه الدورات يقول إنّ الانكماش يبدأ من الهوامش لا من المركز: أي من اللغات التي لا تملك سوقاً ولا جوائز كبرى تسندها. والأدب العربي المترجَم إلى الفرنسية، الذي لم يكن حضوره وافراً في الأصل، معنيٌّ بهذا السؤال أكثر من سواه.

في صدارة الموسم، كالعادة، الكاتبة أميلي نوتومب، التي أصدرت روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» (L›adolescence du perroquet)، في مائة وستين صفحة، وهي تتناول حكاية «ألبان»، اليتيم منذ السابعة عشرة، الذي يتبنّى ببغاءً رمادياً من الغابون يُدعى «جو»، فيتحوّل الكائن الأليف تدريجاً إلى شريكٍ مقلق. وتحت الطرافة الظاهرة نصٌّ عن اللغة والوحدة والهيمنة، تختصره الجملة الوحيدة التي اختارتها الكاتبة لتقديمه: «الحبّ ليس حقّاً مكتسباً». وإلى جانبها تقدّم ليليا حسين في «أنا» (Je) واحداً من أذكى مقترحات الموسم: أن تُعيد الكلام إلى أنطوانيت، زوجة روتشستر الأولى، «المجنونة في العليّة» التي أسكتتها شارلوت برونتي في «جين إير» قبل قرنٍ وثلاثة أرباع القرن. وتعيدنا الروائية إلى جامايكا عام 1831، فتصير الشخصية الثانوية راوية، ويصير الجنون المنسوب إليها تاريخاً استعمارياً كاملاً. أما العمل الأكثر حساسية فهو «وحدة الأساتذة لا نهاية لها» ليانيك هينيل.

والكتاب لا يروي متاعب أستاذٍ شاب في ضاحية باريسية فحسب، بل يكتب عن اغتيال المدرّسَين صامويل باتي ودومينيك برنار. وهينيل، الذي درّس خمس عشرة سنة في مناطق التعليم الواقعة في الضواحي قبل أن يتفرّغ للكتابة، يعرف من الداخل ما يكتب عنه، وهذا ما يمنح النصّ سلطته. وإلى جانب هذه العناوين الثلاثة، يعرض المشهد الأدبي الجديد أسماءً راسخة كفيليب جانادا الذي يواصل شغفه بقضايا التحقيق في «مجهولة رصيف جافيل»، وسيرج جونكور في «قصة غراميات» حول حكايتَي حبٍّ متشابكتين من زمنين مختلفين، وكذلك متياس إينار الذي يستعيد سراييفو في «فندق البلقان».

ويحتفظ الموسم بحضورٍ عربيّ ومتوسطيّ لافت، لا على هامشه بل في صلبه. فلدى «جوليار» يفتتح المغربي عبد الله الطايع الموسم بـ«واقفاً في أحلامك»، عائداً إلى المنفى بوصفه شرطاً لا حادثة. وتصدر عن «ستوك» رواية «إمامي» للبناني سبيل غصّوب، وهي تحقيق متخيَّل في اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978، يضفر فيه الكاتب سيرة عائلته بتاريخ لبنان. وعن الدار نفسها تصدر «الجزء الغائب»، الرواية الثانية للممثلة والمخرجة رشيدة براكني، عن امرأة تلاحقها جراح طفولتها وحرب الجزائر.

والجزائر تحديداً تعود هذا الموسم من أكثر من باب: من خلال رواية ستيفان جوستي «أوقفوا إطلاق النار» التي تروي الساعات التي سبقت مجزرة شارع إيسلي بالعاصمة عشية نهاية الاستعمار الفرنسي، والتجارب النووية في الصحراء لدى كزافييه لو كلير، والملحمة الاستعمارية لدى ماتيو بيليزي. ومن فلسطين يكتب كريم قطّان بالفرنسية في «شمالية». وتتقاطع مع هؤلاء الرواية الشهادية «إلّا الحدود» لإليزا شوا دوسابان وهي فرنسية من أمٍّ كورية جنوبية، تنشر لدى دار «زوي» السويسرية، رحلتها إلى بيروت وجنوب لبنان ثم إلى الأردن غداة السابع من أكتوبر 2023. واجتماع هذه العناوين في موسمٍ واحد ليس مصادفة، فالرواية الفرنسية تكتب اليوم ذاكرتها الاستعمارية والمتوسطية بأقلام أصحابها لا بأقلام الوكلاء عنهم، وذلك في ذاته تحوّلٌ يستحقّ أن يُسجَّل.

أما الأدب الأجنبي، فرغم تقلّصه الكمّي، يبقى خزّان الاكتشافات، وقد اختار هذا العام صيغة الملحمة العائلية تتصدّره «لازار» للسويسري نيليو بيدرمان (23 عاماً)، الصادرة في ستٍّ وعشرين دولة، وهي تتتبّع عبر ثلاثة أجيال صعود سلالةٍ أرستقراطية وأفولها، انطلاقاً من طفلٍ وُلد في هنغاريا مطلع القرن العشرين. ويغوص الإسباني أرتورو بيريز-ريفيرتي في الحرب الأهلية في «خط النار»، فيما يحمل العمل الأول للأميركي من أصل ياباني أ. س. تاماكي، «عشيرة الأوراق الميتة»، أكبر طبعة في الخانة الأجنبية بثلاثين ألف نسخة، وهي حكاية صداقةٍ تُختبَر وسط صراعات عائلات الساموراي.

وتعود إليزابيث ستراوت إلى بلدة كروسبي في ولاية مين بـ«احكوا لي كل شيء»، بينما يحوّل الآيرلندي المقيم في نيويورك كولوم ماكان تحقيقاً في قطع الكابلات البحرية قبالة سواحل غرب أفريقيا إلى تأمّلٍ في هشاشة ما نحسبه متيناً.

ويكتمل المشهد بالاسكوتلندي دوغلاس ستيوارت في «جون، ابن جون»، المُدرَج في القائمة الأولى لجائزة «بوكر» هذا العام، حيث يعود شابٌّ حديث التخرّج إلى جزيرة هاريس في الهبريد الخارجية فيصطدم بأبيه وبجماعةٍ مشيخية مغلقة وبسرٍّ عائليّ قديم.

ويُنهي الإيطالي أنطونيو سكوراتي ملحمته عن موسوليني بجزئها الخامس، فيما تعود الأميركية لورا كازيشكي إلى الرواية في «سباحة تحت المراقبة» عن حادثة غرق طفل في مسبحٍ مزدحم من دون أن ينتبه إليه أحد، بينما تتّجه «أبولو 11» نحو القمر.

القائمة الأولى لـ«غونكور» تُعلَن في الثاني من سبتمبر (أيلول)، أي بعد أسبوعين فقط من الموجة الأولى للموسم الجديد، على أن تفتتح «ميديسيس» موسم الإعلانات في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، وتليها «غونكور» و«رونودو» في اليوم التالي. وحتى ذلك الحين، يمكن قول شيءٍ واحد بثقة: إنّ هذا الموسم أضيق سوقاً وأوسع خيالاً من سابقه.

يحتفظ الموسم الحالي بحضورٍ عربي ومتوسطي لافت لا على هامشه بل في صلبه


جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
TT

جيمس ماكنيل ويستلر... الموسيقى التي تنبعث من الرسوم

لوحة أم الرسام آنا ماكنيل
لوحة أم الرسام آنا ماكنيل

حين قرأت جملة ناقد الفن جون راسكن الذي اتهم فيها الرسام الأميركي جيمس ماكنيل ويستلر بأنه «يرمي دلواً من الطلاء في وجه الجمهور» صرت أفكر في أسباب انشدادي إلى أعمال رسام عاش في أواخر العصر الفيكتوري وبالأخص البورتريه الذي رسمه لأمه والذي رأيته في متحف أورسيه بباريس قبل سنوات. على الرغم من أن لغة السخرية التي أظهرتها عبارة راسكن فإنها تكاد أن تقترب من الحقيقة، وإن بطريقة مواربة. فويستلر لم يكن رساماً واقعياً، على الأقل لم تكن واقعيته تلتزم بقواعد تقليدية جاهزة. ذلك ما دفع البعض من النقاد إلى النظر إلى احتفائه بالألوان والخطوط الحرة بمثابة نبوءة لولادة فن حديث. كان تأثيره على النمساوي غوستاف كليمت (1862 - 1918) واضحاً، غير أن هناك مَن يذهب بعيداً ليجازف بالقول إن هناك شيء من ويسلر باعتباره أميركياً في تحول جاكسون بولوك (1912 - 1956) إلى الفن الحركي.

جيمس ماكنيل ويستلر الذي يقيم له متحف تيت بريتان بلندن معرضاً استعادياً هو الأكبر من نوعه ويستمر حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) المقبل لم يكن جزءاً من مدرسة أسلوبية واحدة ولم ينتسب إلى بلد بعينه على الرغم من ولادته في الولايات المتحدة. مواطن أميركي ولد في ماساتشوستس عام 1834 ودرس الرسم في روسيا بشكل جزئي ثم انتقل إلى باريس فالتقى بكلود مونيه الذي كان له أكبر الأثر عليه وتعرف هناك على فن الحفر الياباني على الخشب ومن بعدها استقر في لندن ورسم أجمل لوحاته فيها مستلهما ضبابها وجسورها متأثراً برسوم ويليام تيرنر ليموت فيها عام 1903.

وبسبب تعدد مصادر إلهامه وتنوع الأساليب الفنية التي تأثر بها وفكرته عن فن يتجاوز الواقع فإن جيمس ماكنيل ويستلر قد فلت من التصنيف المدرسي الذي لم يقيده بزمنه بحيث صار النظر إلى الصور الشخصية أو المناظر الطبيعية التي رسمها يتجاوز مسألة الموضوع إلى البحث في الطريقة التي حرر الرسام من خلالها تلك الصور والمشاهد من موضوعيتها ليعيد ترتيبها باعتبارها تكويناً بصرياً خالصاً.

صورة الأم وهي أشهر لوحاته

«ترتيب باللونين الرمادي والأسود رقم 1» هو عنوان اللوحة الشهيرة التي رسمها لأمه. تذكرني تلك اللوحة بلوحة بول سيزان التي رسم فيها أمه. رُسمت هذه اللوحة عام 1871 وهي الآن معروضة في متحف أورسيه وتُعتبر من أشهر اللوحات الأميركية خارج الولايات المتحدة. تنبعث قوتها من ضبط النفس لا من العاطفة. فشخصية آنا ماكنيل ويستلر الجالسة مُحاطة بالكامل تقريباً بدرجات الرمادي والأسود، القبعة البيضاء واليدان المطويتان واللوحة المؤطرة على الحائط، والستارة الداكنة على الجانب كلها تبدو مدروسة، صامتة ودقيقة.

قد لا يعلم الكثير من الزوار أن ويستلر لم يُرد لهذه اللوحة أن تُقرأ في المقام الأول كصورة عائلية، فعنوانها الرسمي له دلالة. يدعونا ذلك العنوان إلى رؤية العمل كترتيب للألوان، كتكوين تحضر فيه الأمومة والعمر والذاكرة، لكنها مُنظّمة بالخط والسطح والتوازن. اشترت الدولة الفرنسية اللوحة عام 1891، وهو اعتراف لافت مبكر بفنان أميركي. «حتى عندما أرسم والدتي، فإنني أرتبها». تلك جملة قالها ويستلر بعد أن انضم إلى حركة الجمالية التي كان أوسكار وايلد من أبرز وجوهها. وهنا بالضبط نصل إلى الخلاصة التي انتهى إليها الرسام المعجب بالباروكي الإسباني دييغو فيلاسكز وفن الطباعة الياباني. مع الجمالية ومن خلالها انفتح ويستلر على عالم الفن من الداخل باعتباره شغفاً مستقلاً بإعادة ترتيب الأشياء في سياق جمالي لا يثقله شعور بالمسؤولية عن تصوير الحياة الواقعية أو خدمة أي غرض أخلاقي.

ولو تأملنا عناوين لوحاته مثل «ترتيب» و«سيمفونية» و«تناغم» لاكتشفنا أنها لم تكن مجرد زخارف لفظية فهي توجه الزائر إلى كيفية النظر إليها، ليس بحثاً عن حكايات، بل عن النبرة والتوازن والإيقاع والإحساس. كان هناك دائماً حديث عن الموسيقى في الرسم سبق نظرية الروسي/ الفرنسي فاسيلي كاندنسكي عن الروحاني في الفن.

من المعرض

من الانطباعية إلى لندن وبالعكس

بتأثير مباشر من المكان تنوعت طريقة ويستلر في معالجة موضوعاته وأسلوبه في التعامل مع جمالية اللحظة البصرية، سعياً وراء ترتيبها كما لو أنها حدث خاص لا يتكرر. رسم في لندن وجسور نهر التايمز المغطاة بالدخان والشخصيات الشبحية المخفية بالأبيض والألعاب النارية وسماء الليل وكلها مستلهمة من نهايات العصر الفيكتوري. ذلك ما يكشف عنه المعرض حين يتتبع الخيط الذي أمسك به الفنان في باريس من خلال رسومه الأولية وتجاربه التي طغت عليها تأثيرات كلود مونيه في رسومه الضبابية التي هي صدى لرحلته إلى لندن، يوم التقى تيرنر هناك. هكذا يكون ويستلر قد حضر إلى لندن بشحنة إلهام جاهزة. وهو ما يعني أنه قدم إلى لندن وفيه شيء مبهم منها. ذلك الشيء الذي استمده من رسومات مونيه الفاتنة التي فتحت أمامه أبواب رؤية حديثة تتخطى تفاصيل الموضوع المرسوم إلى محاولة صنع أجواء، تكون المدينة حاضرة فيها بروحها الخفية.

بالنسبة لويستلر فإن الموضوع لا ينحصر في دلالاته الحكائية التي تعمد الفنان أن يشتت انتباه المتلقي عنها بقدر ما هو مناسبة لإرشاد ذلك المتلقي إلى كيفية تعلم النظر بحثاً عن النبرة والإيقاع والإحساس والتوازن. كيف اهتدى الرسام إلى الطريقة التي تدفع المتلقي إلى عدم الاهتمام بالموضوع والخلاص من فضول البحث عن معنى بعد أن وقع أسيراً لمعادلات بصرية تقدم متعة النظر التي تشد الحواس كلها في حزمة واحدة. لن يجد متلقي معنى لأية غاية أو هدف حين يشعر أن كل لوحة من لوحات ويستلر لا تشكل أيقونة لوحدها، بل هي جزء من ظاهرة مترفة تتصل به بترف العيش في الرسم بعيداً عن الواقع الحائر بين تفاصيل مشهديته التي لا يمكن أن تقدم سوى احتمال واحد. في أعمال ويستلر يستمر المشهد في تدفقه ولا يجمد في حالة واحدة.

لا ترى الفن بل تعيشه

يظهر تأثير الفنون الشرقية على ويستلر في تجارب التصميم الداخلي، ولا سيما عالم «غرفة الطاووس» الذي حقق من خلاله رغبته في أن يتجاوز الفن حدود اللوحة المؤطرة. صُممت هذه الغرفة الشهيرة في الأصل لمنزل فريدريك ليلاند بلندن والمحفوظة الآن في المتحف الوطني للفنون الآسيوية التابع لمؤسسة سميثسونيان. تنتمي تلك الغرفة إلى العالم الجمالي نفسه الذي تنتمي إليه لوحاته. عالمٌ يصبح فيه الفن بيئةً ومزاجاً وتجربةً بصريةً متكاملة. أنت لا ترى الفن بل تعيشه حين يحيط بك.


«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات
TT

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

«فتاة المانجو»... بين الأمكنة والذكريات

يواصل الكاتب العُماني الخطّاب المزروعي في مجموعته القصصية الأحدث «فتاة المانجو»، الصادرة عن «منشورات المتوسط»، بناء عالمه السردي من مفردات تبدو للوهلة الأولى متاحة وعادية الحضور مثل تفاصيل الحياة اليومية، ملامح الأمكنة، وطأة الذكريات، غير أنها تتحول داخل نصوص المجموعة إلى نوافذ لآفاق أسئلة أكثر عمقاً حول المصير الإنساني وحقائق الوجود، عبر لغة تولي اهتماماً خاصاً بالتكثيف وتبتعد عن الاستطراد.

تضم «فتاة المانجو» 16 قصة، منها: «شيءٌ من رائحتها»، «مسؤول ثلاجة الموتى»، «فتاة المانجو»، «ذاكرة منقوصة»، «حسين الضحّاك»، «ما يحدث»، «فاننتازيا سمك كورونا»، «دوائر مسعود»، «الكُمَّة»، «الغرفة الصفراء»، «زعفرانة»... وغيرها.

يركز المزروعي على المكان، حيث يحتل المكان موقعاً بارزاً في تجربته، فهو عنصر فاعل في تشكيل الحكاية وليس مجرد خلفية للحدث، كما يرتبط بالذاكرة وما تختزنه من تجارب، فضلاً عن كونه نقطة التقاء بين ما عاشته الشخصيات وما تواجهه في حاضرها، وهو ما يمنح الجغرافيا المحلية أبعاداً تتجاوز حدودها الصارمة.

صدر للخطاب المزروعي رواية «ذاكرة الكورفيدا»، ومجموعة قصصية قصيرة جداً بعنوان «سيرة الخوف»، فضلاً عن المجموعتين القصصيتين «الرائحة الأخيرة للمكان » و«لعنة الأمكنة»، إلى جانب كتابه عن النصوص الأدبية «التباسات»، كما تُرجمت أعماله إلى الإسبانية والإنجليزية واليابانية والتركية.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ من قصة «زعفرانة»:

«منذ أن فرغ من صلاة الفجر، لم يحرك ساكناً، اكتفى بمدِّ رجليهِ على السجادة، ملقياً ظهره على الجدار الخارجي للبيت. عادة في هذا الوقت يحضر الشاي والقهوة، كان يشعر بشيء أشبه بالكسل أو عدم الرغبة في فعل أي شيء، كأنه يفتقد شيئاً ما من حياته، شيء لا يعرف تفسيره، يتخيل مواء القطة، وهي تحك برأسها على ساقيه، فيشعر بانقباض في صدره كلما تذكرها.

من يشاهده من بعيد وهو لا يحرك ساكناً يظن أنه شجرة موز ميتة، عدا أنه بين الفينة والأخرى يضغط بكفه على وجنتيه اللتين تشبهان ثمرة أفوكادو متيبسة، ثم يغرس سبابته وإبهامه في عينيه، ليخرج منهما العمش المتيبس حواليهما. عيناه لا تسعفانه على الرؤية أبعد من متر على أكثر تقدير، إلا أنه حادّ السمع، لذا يعتمد على سمعه أكثر من بصره في كل خطوة يخطوها، حتى عندما يلتقي بأحد ما لا يكلف بصره التأكد منه، بل يترك تقدير ذلك لسمعه، وإذا كان الصوت غريباً عليه، يشنف جهة المتحدث ليتبين ملامحه».