على متن طائرة افتراضية تلوّنت شبابيكها بمشاهد من مطار بيروت تشعرك أنك في حالة إقلاع حقيقية، انطلقت عروض مشهدية «رحلة عبر الزمن» الذي افتتحت فيه «مهرجانات بيروت الثقافية» برنامج دورتها الثانية من ميدان سباق الخيل في بيروت. حضر الاحتفال حشد من رجال السياسة وفي مقدّمهم رئيس الوزراء السابق تمام سلام وزوجته لمى (رئيسة المهرجان) وكذلك وزير الثقافة غطاس خوري.
وعلى باب الطائرة (مدخل المسرح) يستقبلك أفراد طاقمها مرتدين لباسهم الرسمي وهم يتمنون لك رحلة آمنة وسعيدة. وما أن تدخلها وتستقر على مقعدك فيها حتى تبدأ في استكشافها بلهفة كونها لا تشبه غيرها ولا بشاشتها العملاقة (دخلت موسوعة غينيس) ولا بفضائها الواسع ولا حتى بمسرحها الذي انتصب في وسطه مجسّم «ساعة البرج» المعلم الشهير في أسواق بيروت، وقد اتّخذ جواز سفر لبناني مكانه عليها.
وفجأة ترى نفسك وكأنك تحلق فوق بيروت مستكشفا من خلال عرض ثلاثي الأبعاد التطورات التي شكّلت هيكلية بيروت عبر العصور مرورا بأجمل الحقبات التي عاشتها على مرّ التاريخ. ويرافق هذه الافتتاحية صوت الممثل اللبناني القدير عمر ميقاتي والذي جسّد دور والد مغترب لبناني (يظهر على المسرح) كان قد أوصاه بالعودة إلى بلده الأم قائلا له «رجاع إلى أرضك ولو بعد مية سنة لانو الأرض تشتاق لأولادها مثلهم تماما الذين يعيشون غرباء في بلاد لا ينتمون إليها وكأن لا هوية لهم».
وعلى وقع أغنية «طلّوا حبابنا طلوّا» للراحل زكي ناصيف عزفتها أوركسترا حية بقيادة المايسترو إيلي عليا وشارك فيها عزفا على البيانو الموسيقي غي مانوكيان، يتابع الحضور زيارة الشاب المغترب الذي يصل بيروت في سيارة تاكسي حقيقية (مرسيدس قديمة) نشاهدها تركن على خشبة المسرح لينزل منها بعد أن تجوّل فيها على مناطق معروفة في بيروت (الرملة البيضا وباب إدريس والزيتونة والأشرفية وغيرها). فيتلّفت روّاد المسرح يمينا ويسارا ليستكشفوها عبر صور متلاحقة تعرض على شاشة متحرّكة عملاقة تتجاوز مساحتها 2400 متر مربّع (بعرض ملعبي كرة قدم وكرة مضرب) وبارتفاع ثماني طبقات.
وتكمل الرحلة مسارها عبر نصّ كتبه المسرحي جورج خبّاز تناوب على إلقائه بصوته مرة وبصوت الممثل جوزيف بو نصار مرة أخرى، مستخدما «ساعة البرج» شاهدا على الحقبات التي مرّت بها بيروت ولسان حالها منذ أن غمرتها المياه بسبب كوارث طبيعية واجهتها مرورا بشخصياتها التاريخية كالأمير فخر الدين (يطلّ على المسرح ممتطيا حصانه مع جنود يرافقونه) الذي يحاول الاستفهام عن أوضاع بيروت اليوم من المغترب اللبناني.
وكذلك تطلّ شخصيات أخرى (بشارة الخوري ورياض الصلح وكمال جنبلاط والمير مجيد أرسلان وكميل شمعون)، ساهمت في عملية استقلال لبنان. ولتنتهي هذه الفقرة بتوصية تتوجه بها تلك الشخصيات كلّ بدورها إلى اللبنانيين مطالبة إياهم بضرورة اتحاد الشعب اللبناني للحفاظ على أرضه محصّنا بجيشه. ولتصدح أغنية الراحلة صباح «تسلم يا عسكر لبنان» وتشكّل تكملة لهذه اللوحة المشهدية. ومن بعدها نتعرّف إلى بيروت البحبوحة و«سويسرا الشرق» في السبعينات عندما كانت تقصدها أهم الشخصيات والنجوم العالمية. ويعرّج خبّاز في هذا المقطع على انتخاب جورجينا رزق ملكة جمال الكون من خلال صور فوتوغرافية لها تظهرها حاملة الكأس، ولتطلّ في فيديو خاص بالعمل ملقية التحية على جمهور المهرجان.
وعلى إيقاع أغاني «يا أنا أنا وياك» لفيروز و«يا حبايب» لزكي ناصيف و«اجا الصيف» لمحمد جمال و«اي فيفا إسبانيا» لملحم بركات يستعرض العمل شريطاً مصوّراً بتكنولوجيا عالية عن بيروت في تلك المرحلة تفاعل معه الجمهور لا شعوريا من خلال تقنية ثلاثية الأبعاد المتّبعة فيه فراح بعضهم يحني رأسه خوفا من أن يلمسه معلم ما، كما راح يدلّ ويشير على مواقع تعني له ذكريات كثيرة. تضمنت هذه الجولة مواقع كثيرة بينها صخرة الروشة (تشعر أنك تجتاز جوفها) ومنطقة المنارة التي كانت تعجّ بالسياح الأجانب وكذلك أسواق بيروت وقهوة القزاز وغيرها من رموز بيروت أيام العزّ.
وبعلامات الدهشة والاستمتاع بلحظات عالبال غمرت الحضور طيلة فترة العرض، تستكمل المشهدية البصرية السمعية مشوارها لنطلّ معها على نجوم الفن في لبنان أيام الأسود والأبيض (فلمون وهبي وشوشو ونبيه أبو الحسن وفريال كريم أم ملحم وعلياء نمري وناديا حمدي وعاصي الرحباني) وغيرهم من الفنانين الذين راحوا يطلّون علينا في ديكور تألّف من شرفات عمارات بيروت القديمة، هم الذين شكّلوا بصمة فنيّة أصيلة تركت آثارها على الساحة الفنية العربية ككلّ. وتخلّل هذا العرض مقاطع تمثيلية وأخرى غنائية عزفتها أحيانا كثيرة ومباشرة من على المسرح الأوركسترا الموسيقية.
وبعد فقرة موسيقية أدت فيها الفرقة الموسيقية أغنية «أحلى زهرة» لزكي ناصيف تفاعل معها الحضور رقصا وتصفيقا، قدّمت فرقة راقصة لوحة تعبيرية على أغنية فولكلورية، ولننتقل بعدها إلى بيروت الحرب في صور عن الدمار الذي لحق بها فأنهكها اقتصاديا واجتماعيا. وتخلّلها عروض حية جسّدها فريق من الممثلين على المسرح ناقلين إلينا ما رافق تلك الحقبة من استشهاد لبنانيين وحرائق وانفجار ذخائر وانتشار أسلحة خفيفة وثقيلة. ولحق بهذه اللوحة المؤثّرة التي لوّنت بأغنية «لبيروت» لفيروز حقبة أخرى مغايرة تماما عن سابقتها وهي التي تحكي قصة بيروت ورشة الإعمار بالنسبة لشعب لا يموت بقي متشبّثا بأرضه على أمل أن يعيدها خصبة تماما كما أورثه إياها أجداده تحت عنوان «بتخلص الدني لكن ما بيخلص لبنان» وذلك على إيقاع أغنية «مهما يتجرّح بلدنا» لزكي ناصيف. ولتحل الفنانة عزيزة بعدها مباشرة ضيفة على مسرح «مهرجانات بيروت الثقافية» مؤدية أغنية بعنوان «وجوه». وليختتم العرض ببيروت النابضة بالحياة من جديد بشوارعها المكتظة بالساهرين والزوار من كلّ أقطاب الدنيا بعنوان «تحتك يا بيروت في 7 بيروت» إشارة إلى تكوينها الجيولوجي الذي هزّته كوارث طبيعية سبع مرات ولكنها بقيت صامدة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العرض هو من إخراج داني الجرّ وتولّى تنفيذه شركة
(3D Mapping factory) ويستمر حتى 2 يوليو (تموز) المقبل، وتبدأ بعده مباشرة مشهدية أخرى بعنوان «ألوان بيروت» تستمر حتى 5 يوليو المقبل.
مهرجانات بيروت الثقافية تطلق فعالياتها على متن طائرة افتراضية
ضمن مشهدية بصرية سمعية اتسمت بتقنية رفيعة المستوى
أحد مشاهد عرض «رحلة عبر الزمن» الذي تضمن لوحة عن الأمير فخر الدين
مهرجانات بيروت الثقافية تطلق فعالياتها على متن طائرة افتراضية
أحد مشاهد عرض «رحلة عبر الزمن» الذي تضمن لوحة عن الأمير فخر الدين
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

