لاقى الفرنسيون - على ما يبدو بشيء من الإيجابية - الموقف الأميركي المستجد من مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد. فبعد إعلان واشنطن خلال الساعات الماضية أن رحيله ليس أولوية بالنسبة لها، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت إلى تحاشي التركيز فقط على مصير الأسد في إطار المساعي للتوصل إلى اتفاق سلام في سوريا. وقال الوزير الفرنسي عند وصوله إلى اجتماع لحلف شمال الأطلسي (ناتو): «إذا كان البعض يريد أن يتركز الجدل بأي ثمن حول، هل نبقي أو لا نبقي الأسد، فالسؤال لا يطرح بهذا الشكل. بل أن نعرف ما إذا كانت الأسرة الدولية تحترم التعهدات التي قطعتها».
وفي حين قال الوزير الفرنسي أنه يجهل «ماهية الموقف الأميركي في النهاية»، وحثّ المسؤولين في واشنطن على توضيحه، شدّد على وجوب «عدم الاكتفاء بالخيار العسكري، بل العمل أيضا لتشجيع المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سلام ومصالحة في سوريا، وإعادة الإعمار لضمان عودة اللاجئين في النهاية». ومن جهته، رأى وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أن «التركيز على التصدي لـ(داعش) أمر جيد» لكن «يجب حصول انتقال (سياسي في سوريا) لإبعاد نظام الأسد الذي تسبب بعدد كبير من القتلى والدمار للشعب السوري». وذكر إيرولت وجونسون بتمسكهما بـ«خريطة الطريق» من أجل حل سياسي في سوريا التي أقرها مجلس الأمن الدولي نهاية 2015 عبر القرار 2254.
في هذه الأثناء، تتردد المعارضة السورية في إبداء مواقف من تصريحات المسؤولين الأوروبيين والأميركيين على حد سواء، وتميل إلى التعامل مع بعضها كـ«بالونات اختبار». وفي هذا السياق، قال أحمد رمضان، عضو «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، إن وزير الخارجية الفرنسي «لم يلاق المواقف الأميركية الأخيرة بقدر ما أنّه رد عليها، حين سألها ما إذا كانت الأسرة الدولية التي واشنطن جزء منها ستحترم تعهداتها». واعتبر رمضان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترسل «بالونات اختبار» لقياس ردة فعل مختلف الأطراف حول استراتيجيتها الجديدة المرتقبة للمنطقة التي ستتبلور خلال شهر مايو (أيار) المقبل. ولفت إلى أن معارضين سوريين سيزورون الولايات المتحدة خلال أبريل (نيسان) المقبل للبحث بثلاثة ملفات أساسية أبرزها مكافحة الإرهاب بأشكاله كافة، وتحجيم إيران، وتهدئة الأوضاع وإقامة «مناطق آمنة». وأردف رمضان أن «المعارضة يمكن أن تكون شريكاً فاعلاً لواشنطن بكل هذه الملفات».
جدير بالذكر، أن السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي قالت أمس إن «واشنطن ستعمل مع دول مثل تركيا وروسيا سعيا للتوصل إلى حل سياسي طويل الأمد للنزاع السوري بدلاً من التركيز على مصير الرئيس السوري»، في حين قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال زيارته أنقرة إن «مصير الرئيس الأسد، على المدى البعيد، يُقرّره الشعب السوري».
ورداً على هذين الموقفين، جدد أعضاء في «الائتلاف» و«الهيئة العليا للمفاوضات» رفضهم الكلي لوجود أي دور للأسد في المرحلة المقبلة أو في أي عملية انتقال سياسي. وبينما أكّد منذر ماخوس، أحد المتحدثين باسم «الهيئة» أنّه «لا يمكن أن تقبل المعارضة أي دور لبشار الأسد في أي مرحلة من المراحل المقبلة، وليس هناك أي تغيير في موقفنا»، اعتبرت فرح الأتاسي، عضوة «الهيئة» نفسها أن وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض «يبعثان برسائل متناقضة بشأن سوريا.. وعليهما البدء بالاضطلاع بدور القيادة وعدم التركيز على قتال تنظيم داعش وحسب». كذلك قالت الأتاسي للصحافيين في جنيف بسويسرا إن على الولايات المتحدة أن «تضغط على روسيا وأن تنظر إلى المعارضة السورية كشريك يمكن الاعتماد عليه في مكافحة»الإرهاب، الذي لا يشمل فقط «داعش»، بل أيضا فصائل مسلحة مدعومة من إيران مثل حزب الله والحرس الثوري الإيراني.
من جهته، اعتبر خلف داهود، عضو المكتب التنفيذي لـ«هيئة التنسيق الوطني» أن «حملة الرئيس ترمب الانتخابية وتصريحاته بما يخص الشأن السوري، قبل تقلده منصبه، كانت واضحة المعالم. فالهدف الأساسي الذي أدى إلى التدخل العسكري الأميركي عبر التحالف الدولي في سوريا هو محاربة داعش والتنظيمات الإرهابية. وهذا الهدف ينقسم على استراتيجية تتعامل مع ظروف سياسية قائمة في دولتين هما العراق وسوريا، بحيث لا يمكن فصل عملياتهم العسكرية عن بعضهما البعض بحكم سيطرة داعش على مناطق في كلتيهما». ولفت إلى أن التصريح الأخير لوزير الخارجية الأميركي «يتماشى مع طبيعة السياسة الخارجية المتوسطة المدى التي حددتها الإدارة الجديدة. فهم يَرَوْن أن الإبقاء على النظام السوري بشكله العسكري في ظل بقاء الأسد في سدة الحكم، والتدخل العسكري الروسي، وتحجيم الدور الإيراني قائم على إنجاز جزء من المهمة التي وجدوا هم لأجلها في سوريا ويحمل عنهم عبء التكلفة».
ورأى داهود في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أيضاً، أن «كل ذلك يعني أن طبيعة الصراع السياسي بين الأطراف السورية وطرق حله، قضية غير ملحة ومؤجلة بالنسبة لواشنطن لعام أو اثنين، حتى تحقيق الأهداف الميدانية في تحرير مدينتي الرقة ودير الزُور من تنظيم داعش». وأضاف: «وبموجب تحقيق هذه الأهداف ستنقسم سوريا إلى مناطق نفوذ أميركية - روسية على شاكلة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، مع التعاكس في الجغرافيا بين شرق وغرب لكلتا القوتين. وبناء على ذلك سينتج هذا التقاسم مع أجندات القوى السورية المتصارعة شكلا من أشكال وحدة البلاد ونظامها السياسي لإدارة الدولة».
وحسب المعلومات، باشرت الولايات المتحدة الأميركية «تعميم» سياستها الجديدة في سوريا قبل نحو شهر تقريبا. إذ قال مصدر لبناني رسمي زار واشنطن أخيرا بـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولين الذين التقاهم كانوا واضحين لجهة أن الرؤية الأميركية الجديدة لا تتطرق لمصير الأسد، وتركز على محاربة «داعش» وتحييد الدور الإيراني. ولفت إلى أن «هناك قراراً أميركياً واضحا بتوسيع مشاركة قوات واشنطن بمهمة القضاء على التنظيم بعدما كانت سياسة الإدارة السابقة تتركز على دعم الأكراد للقيام بالمهمة».
من جهة أخرى، اعتبر الدكتور رياض طبارة، سفير لبنان السابق في واشنطن، أن المواقف الأميركية الجديدة بما يتعلق بمصير الأسد، التي تكشف ملامح السياسة المستجدة لواشنطن تتماشى تماما مع شعار «أميركا أولا» الذي رفعه الرئيس ترمب، معربا عن أسفه في تصريح لـ«الشرق الأوسط» لـ«غياب الأخلاقيات بالكامل عن السياسة الخارجية الأميركية التي باتت تقول علنا، قد نتعاون مع الشيطان لمحاربة داعش، وهي سياسة خاطئة تماما».
وأضاف طبارة «... يريدون في الوقت عينه تحييد إيران وإعطاء دور للقوة السنّية في المنطقة، لكنني أستبعد تماما أن يجاري حلفاء واشنطن في المنطقة هذه السياسة، فكيف يريدون من دون الخليج أن تساعدهم على التخلص من داعش وهم يشترطون بقاء الأسد؟ وكيف يريدون العون التركي وهم يؤسسون لدولة كردية في الشمال؟».
أما الدكتور جوزيف باحوط، الباحث في مؤسسة كارنيغي، فرجّح في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية أن يكون «الروس مسرورين جدّاً»، لأن الموقف الذي عبّر عنه تيلرسون يُلاقي الخط الذي تدافع عنه موسكو.
باريس بعد واشنطن... لتجنب التركيز فقط على مصير الأسد
المعارضة السورية تتحدث عن «بالونات اختبار أميركية»
نازحون سوريون فروا من المعارك بين «داعش» و«قوات سوريا الديمقراطية» يصلون إلى قرية شمال الطبقة (أ.ف.ب)
باريس بعد واشنطن... لتجنب التركيز فقط على مصير الأسد
نازحون سوريون فروا من المعارك بين «داعش» و«قوات سوريا الديمقراطية» يصلون إلى قرية شمال الطبقة (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




