خادم الحرمين: العالم يواجه تحديات في مقدمتها الإرهاب تحتم على الجميع تعميق الحوار

اختتم زيارة ناجحة لماليزيا... وشهد التوقيع في جاكرتا على جملة برامج ومذكرات تفاهم وإعلان مشترك

الرئيس الاندونيسي مستقبلاً الملك سلمان في العاصمة الاندونيسية جاكرتا (تصوير: بندر الجلعود)
الرئيس الاندونيسي مستقبلاً الملك سلمان في العاصمة الاندونيسية جاكرتا (تصوير: بندر الجلعود)
TT

خادم الحرمين: العالم يواجه تحديات في مقدمتها الإرهاب تحتم على الجميع تعميق الحوار

الرئيس الاندونيسي مستقبلاً الملك سلمان في العاصمة الاندونيسية جاكرتا (تصوير: بندر الجلعود)
الرئيس الاندونيسي مستقبلاً الملك سلمان في العاصمة الاندونيسية جاكرتا (تصوير: بندر الجلعود)

قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، إن التحديات التي تواجه العالم، وفي مقدمتها ظاهرة الإرهاب، تحتم على الجميع تعميق الحوار وتكثيف الجهود لمواجهة هذه التحديات.
وشدد الملك سلمان في كلمة ألقاها خلال مباحثاته التي أجراها مع الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، في العاصمة جاكرتا، يوم أمس، على أن تطوير علاقة بلاده مع إندونيسيا على أسس راسخة ومتينة سيسهم إيجاباً في معالجة الأزمات والقضايا الإقليمية والدولية، ويعزز التعاون بين الدول الإسلامية القائم على مبادئ حسن الجوار، متطلعاً أن تسهم زيارته «في تطوير علاقاتنا إلى آفاق أرحب بما يخدم مصالحنا المشتركة».
وأكد الملك سلمان، الذي وصل إلى جاكرتا في وقت سابق أمس، في زيارة رسمية مقررة، تقديره موقف إندونيسيا في دعم التضامن الإسلامي، ودعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وسعي إندونيسيا إلى تقريب المواقف بين الدول الإسلامية. وفيما يلي نص الكلمة: «بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. فخامة الرئيس: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعرب لفخامتكم عن سروري لزيارة بلدنا الثاني الجمهورية الإندونيسية الشقيقة، مشيداً بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، متطلعاً أن تسهم هذه الزيارة في تطوير علاقاتنا إلى آفاق أرحب بما يخدم مصالحنا المشتركة.
وأستذكر بالتقدير زيارة فخامتكم إلى المملكة العربية السعودية في عام 2015م التي فتحت آفاقاً جديدة في العلاقات بين بلدينا الشقيقين في جميع المجالات، وما تبعها من زيارات متبادلة بين مسؤولي البلدين، وانطلاقاً من القواسم المشتركة التي تجمع بين بلدينا، وبحكم عضويتهما في منظمة التعاون الإسلامي، وهيئة الأمم المتحدة، ومجموعة العشرين، فإن الحاجة تدعو لتوثيق أواصر التعاون بينهما في جميع المجالات.
فخامة الرئيس: إن التحديات التي تواجه العالم، وفي مقدمتها ظاهرة الإرهاب، تحتم علينا جميعاً تعميق الحوار وتكثيف الجهود لمواجهة هذه التحديات، مقدرين موقف إندونيسيا في دعم التضامن الإسلامي، ودعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وسعي إندونيسيا لتقريب المواقف بين الدول الإسلامية.
إن تطوير علاقاتنا على أسس راسخة ومتينة سوف يسهم إيجاباً في معالجة الأزمات والقضايا الإقليمية والدولية، ويعزز التعاون بين الدول الإسلامية القائم على مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحل النزاعات بالطرق السلمية وفقاً لميثاق منظمة التعاون الإسلامي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
من جانبه، ألقى الرئيس جوكو ويدودو كلمة خلال جلسة المباحثات الرسمية التي عقدت في قصر إستانه الرئاسي بجاكرتا، جدد فيها الترحيب بخادم الحرمين الشريفين في بلاده، واصفاً هذه الزيارة بـ«التاريخية».
وأكد الرئيس ويدودو عمق العلاقات القائمة بين السعودية وإندونيسيا، وحرص بلاده على تعزيزها وتنميتها في مختلف المجالات بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين، وأشار إلى استعداد بلاده بأن تكون شريكاً استراتيجياً للمملكة في تحقيق أهداف «رؤية المملكة 2030».
وكان الملك سلمان والرئيس الإندونيسي عقدا في وقت لاحق اجتماع عمل ثنائياً، تناول استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه التعاون في شتى المجالات، إضافة إلى بحث مستجدات الأحداث على الساحتين الإسلامية والدولية.
وتوجت اللقاءات بالتوقيع على إعلان مشترك، ومذكرات تفاهم وبرامج تعاون بين حكومتي البلدين، وذلك بحضور الملك سلمان والرئيس الإندونيسي. ويهدف الإعلان المشترك إلى رفع مستوى الرئاسة للجنة المشتركة، الذي وقعه من الجانب السعودي الدكتور نزار عبيد مدني، وزير الدولة للشؤون الخارجية، ومن الجانب الإندونيسي وزيرة الخارجية ريتنو مارسودي، ومذكرة تفاهم بشأن مساهمة الصندوق السعودي للتنمية في تمويل مشروعات إنمائية، وقعها من الجانب السعودي المهندس يوسف بن إبراهيم البسام، نائب الرئيس العضو المنتدب، ومن الجانب الإندونيسي وزيرة المالية سري مولياني، ومذكرة تفاهم للتعاون الثقافي، وقعها من الجانب السعودي الدكتور عادل بن زيد الطريفي وزير الثقافة والإعلام، ومن الجانب الإندونيسي وزير التعليم والثقافة الدكتور مهاجر أفندي، وبرنامج التعاون في مجال قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وقعه من الجانب السعودي الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز العساف، وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، ومن الجانب الإندونيسي وزير التعاونيات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة «أ. أ. غ. ن بوسبا يوغا»، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم للتعاون في المجالات الصحية، وقّعها من الجانب السعودي سليمان بن عبد الله الحمدان، وزير النقل، ومن الجانب الإندونيسي وزيرة الصحة نيلا ملوك، والتوقيع على مذكرة تفاهم لإطار تشغيلي للنقل الجوي، وقعها من الجانب السعودي وزير النقل سليمان بن عبد الله الحمدان، ومن الجانب الإندونيسي وزير النقل بودي كارايا سومادي، وبرنامج تعاون علمي وتعليمي وقعه من الجانب السعودي الدكتور أحمد بن محمد العيسى، وزير التعليم، ومن الجانب الإندونيسي وزير البحوث والتكنولوجيا والتعليم العالي محمد ناصر، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال الشؤون الإسلامية، وقعها من الجانب السعودي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومن الجانب الإندونيسي وزير الشؤون الدينية لقمان حكيم سيف الدين، ومذكرة تفاهم في مجال المصائد البحرية والثروة السمكية وقعها من الجانب السعودي الوزير عادل بن زيد الطريفي، ومن الجانب الإندونيسي وزيرة الشؤون البحرية والسمكية سوسي بودجي استوتي.
كما تم التوقيع على برنامج للتعاون في المجال التجاري، وقّعه من الجانب السعودي الوزير الدكتور إبراهيم العساف، ومن الجانب الإندونيسي وزير التجارة إنفرتيستو لوكينتا، واتفاق تعاون في مجال مكافحة الجريمة، وقّعها من الجانب السعودي الفريق عثمان بن ناصر المحرج، مدير الأمن العام، ومن الجانب الإندونيسي رئيس شرطة إندونيسيا الفريق تيتو كار نافيان.
وعقب مراسم التوقيع، قلد الرئيس الإندونيسي، خادم الحرمين الشريفين وسام «نجمة الجمهورية الإندونيسية»، الذي يعد أعلى أوسمة البلاد؛ تقديراً لجهود الملك سلمان في مختلف المجالات.
حضر مراسم التوقيع وتقليد الوسام، الأمير خالد بن فهد بن خالد، والأمير منصور بن سعود بن عبد العزيز، والأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز، والأمير سعود بن فهد بن عبد العزيز، والأمير طلال بن سعود بن عبد العزيز، والأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز، مستشار خادم الحرمين الشريفين، والأمير سطام بن سعود بن عبد العزيز، والأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبد العزيز، المستشار في الديوان الملكي، والأمير منصور بن مقرن بن عبد العزيز، مستشار خادم الحرمين الشريفين، والأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز، المستشار في الديوان الملكي، والأمير أحمد بن فهد بن سلمان بن عبد العزيز، والأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز، والأمير سعود بن سلمان بن عبد العزيز.
وحضر جلسة المباحثات، الشيخ صالح آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، والدكتور إبراهيم العساف، ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والدكتور عادل الطريفي، وزير الثقافة والإعلام، والدكتور أحمد العيسى، وزير التعليم، وسليمان بن عبد الله الحمدان، وزير النقل، والدكتور نزار بن عبيد مدني، وزير الدولة للشؤون الخارجية، وأسامة الشعيبي، سفير السعودية لدى إندونيسيا.
وحضرها من الجانب الإندونيسي، وزير الشؤون السياسية والقانونية والأمنية ويرانتو، ووزير الشؤون الاقتصادية دارمين ناسوتيون، ووزيرة شؤون التنمية البشرية والثقافية بوان مهارني، ووزير شؤون البحار لوهوت بانسر، ووزير الدولة براتكنو، ووزيرة الخارجية ريتنو مارسودي، ووزير مجلس الوزراء برامونو انونغ، ووزير التعليم والثقافة مهاجر أفندي، ووزير الشؤون الدينية لقمان حكيم سيف الدين، ووزيرة الصحة نيلا ملوك، ووزير الطاقة والثروة المعدنية اقنا تسيو، وعدد من المسؤولين.
وكان الملك سلمان بن عبد العزيز، بدأ يوم أمس، زيارة رسمية إلى إندونيسيا، حيث وصل إلى جاكرتا في وقت لاحق قادماً من العاصمة الماليزية كوالالمبور، وتقدم مستقبليه في مطار حليم الدولي، الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، ووزيرة الخارجية ريتنو مارسودي، ووزير الشؤون الدينية لقمان حكيم سيف الدين، وسفير إندونيسيا لدى السعودية أغوس مفتوح أبي جبريل، وحاكم جاكرتا باسوكي تجاهجا، وعدد من كبار المسؤولين في إندونيسيا، والسفير أسامة الشعيبي سفير خادم الحرمين الشريفين لدى إندونيسيا، وأعضاء السفارة السعودية بجاكرتا.
وأجريت لخادم الحرمين الشريفين، مراسم استقبال رسمية بالقصر الرئاسي وسط ترحيب شعبي كبير بمقدمه، وأطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيبا به، وعزف السلامان الملكي السعودي والوطني الإندونيسي، وصافح خادم الحرمين الشريفين كبار المسؤولين الإندونيسيين، بينما صافح الرئيس الإندونيسي الأمراء، وأعضاء الوفد الرسمي المرافق لخادم الحرمين الشريفين.
ووقّع الملك سلمان في سجل الزيارات كلمة، قال فيها: «يطيب لي بمناسبة زيارتنا إلى الجمهورية الإندونيسية أن نشكر فخامة الأخ الرئيس جوكو ويدودو، على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، متمنين لفخامته موفور الصحة والسعادة، وللشعب الإندونيسي الشقيق المزيد من التقدم والازدهار، راجين أن تسهم هذه الزيارة في تعزيز علاقاتنا الثنائية وتحقيق آمال وتطلعات شعبينا الشقيقين».
وكان خادم الحرمين الشريفين، اختتم في وقت سابق من أمس، زيارة لماليزيا، وكان في وداعه بمطار كوالالمبور الدولي، رئيس الوزراء الماليزي محمد نجيب عبد الرزاق، ووزير الدفاع الماليزي هشام الدين حسين، ووزير الخارجية حنيفة أمان، وعدد من المسؤولين الماليزيين، والسفير فهد الرشيد سفير السعودية لدى ماليزيا، وأعضاء السفارة بكوالالمبور.
من جانب آخر، أمر الملك سلمان بن عبد العزيز، بإلحاق الطلبة والطالبات الدارسين حاليًّا على حسابهم الخاص في ماليزيا بالبعثة التعليمية ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، ممن بدأوا الدراسة الأكاديمية في جامعات موصى بها، وفي تخصصات الابتعاث المعتمدة، أو من أنهى الساعات المطلوبة في التخصصات الأخرى، ويأتي ذلك حرصاً من خادم الحرمين الشريفين على تلمّس احتياجات المواطنين والمواطنات، والاهتمام بقضاياهم.
وبعد مغادرته العاصمة الماليزية، أبرق خادم الحرمين الشريفين إلى العاهل الماليزي السلطان محمد الخامس، ضمّنها شكره وتقديره، وقال: «يسعدنا ونحن نغادر بلدكم الشقيق أن نبعث لجلالتكم بالغ الشكر والتقدير على حسن الاستقبال وكرم الضيافة التي لقيناها والوفد المرافق أثناء زيارتنا لماليزيا».
وأضاف: «إن هذه الزيارة وما جرى خلالها من مباحثات قد أسهمت في تقوية العلاقات الثنائية في المجالات كافة، وتعزيز التفاهم المشترك بين البلدين بما يعود بإذن الله بالخير لبلدينا وشعبينا الشقيقين بما يخدم الأمن والسلم الدوليين».
كما بعث الملك سلمان بن عبد العزيز ببرقية شكر وتقدير إلى رئيس الوزراء محمد نجيب عبد الرزاق، وقال: «أتاحت لنا هذه الزيارة فرصة بحث سُبل تعزيز علاقاتنا الثنائية في المجالات كافة، ومناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك بما يخدم مصالحنا، ويُحقق تطلعات شعبينا الشقيقين والأمن والسلم الدوليين».



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.