سليمان لـ«الشرق الأوسط»: علاقتنا مع دول الخليج عامل أساسي في الصمود ضد إسرائيل

دخول «حزب الله» إلى سوريا أسقط معادلة «الشعب والجيش والمقاومة»

ميشال سليمان (غيتي)
ميشال سليمان (غيتي)
TT

سليمان لـ«الشرق الأوسط»: علاقتنا مع دول الخليج عامل أساسي في الصمود ضد إسرائيل

ميشال سليمان (غيتي)
ميشال سليمان (غيتي)

استنكر الرئيس اللبناني السابق تهجمات أمين عام «حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله، على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مطالبا الدولة والحكومة الجديدة بأن تتبنى لواء الدفاع عن علاقتنا الخارجية، كما أنها تتبنى الرد على التهديدات العدوة للبنان، إسرائيلية كانت أم إرهابية. ورأى سليمان، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «علاقتنا مع دول الخليج هي عامل أساسي في الصمود ضد إسرائيل ومواجهتها». وقال: «من مقومات هذا الصمود هم أبناؤنا بالخليج الذين يعملون هناك، ولولا هؤلاء، فلبنان على مر عشرات السنين التي مر بها من اضطرابات واهتزازات لم يكن يستطيع أن يصمد».
ورأى سليمان، الذي كان أيضا قائدا للجيش لمدة تسع سنوات تقريبا، أن قتال «حزب الله» في سوريا «لم يشرعه أي أحد، بل تم تشريع المقاومة ضد إسرائيل، وهذا الخلط أدى إلى سقوط معادلة ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة (كما وردت في البيانات الوزارية)، لأنه عندما ذهب (حزب الله) على سوريا بسلاحه وقدراته، فالمعادلة سقطت». ورأى أنه «حتى في مواجهة إسرائيل يمكن القول إن دوره دفاعي، بالإضافة إلى دور مرتبط بأداء الجيش. المكان الذي ينهزم فيه الجيش اللبناني ويدخل الإسرائيلي أو احتمال دخوله، يكون هناك دور للمقاومة». وفيما يأتي نص الحوار:
* كيف تقرأ ردود رئيس الجمهورية ميشال عون على التهديدات الإسرائيلية؟
- الإجابة عن تهديد إسرائيل لبنان، أن هذا أمر جيد، وأي طرف لبناني يهدد إسرائيل أو يرد على تهديداتها، فهذا أمر مشروع، بل واجب. لم يقل الرئيس إن الجيش ضعيف، بل قال إنه لا يملك القوة الكافية لهذا الموضوع، وطبعا التفسير لدى الناس أن الجيش «ضعيف»، إلا أن الكلمة ليست خطأ بحد ذاتها، لكن الأفضل لو أضيفت فورا إليها الاستراتيجية الدفاعية، لأنه في سبتمبر (أيلول) 2012 بعد «إعلان بعبدا» قدمت تصورا استراتيجيا يتناول الخطر الإسرائيلي وخطر الإرهاب والسلاح المنتشر مع المجموعات الحزبية، ووضعنا تصورا لكيفية مواجهة هذه الأخطار.
* لنعد إلى تلك الحقبة...
- في ذلك الوقت، استمعنا في جلسات الحوار إلى تصور الأطراف حول الاستراتيجية الدفاعية، منهم من قدم ورقة مكتوبة، ومنهم من لم يقدم، وشكلنا لجنة تقنين من بعض الأطراف، وبدأنا نناقش هذه الاستراتيجيات، وقد وضعت شخصيا مع مجموعة عمل أخرى خاصة استراتيجية دفاعية نحدد فيها الأخطار وكيفية مواجهتها وتحديدا موضوع سلاح المقاومة. وتضمنت الاستراتيجية أن هذا السلاح توضع قدراته بتصرف الجيش اللبناني عندما يحتاجه، وندرس وضعه بالمرة، أي الآلية. أما المبدأ الأساسي فهو أن نستفيد من قدرات المقاومة وسلاحها لصالح الجيش اللبناني ضد أي اعتداء إسرائيلي على أرضنا، وأن يملك الجيش الحق الحصري باستعمال عناصر القوة بآلية تحدد بالمناقشات، إلى أن يكون قد تحقق تسليح الجيش. فنحن ربطنا هذا الشيء بتسليح الجيش، أي أن نقوم بخطة لتسليحه.
* وما موقع سلاح «حزب الله» فيها؟
- لا يصح أن يقال إننا نرى أن سلاح «حزب الله» يدخل بالاستراتيجية الدفاعية، لأن الاستراتيجية وضعت لدراسة هذا الموضوع، فلا يمكن للجنة الحوار أن تدرس استراتيجية الجيش الدفاعية، بل هو يدرسها، والسياسة الدفاعية يقررها مجلس الوزراء، ونحن قلنا بحوار الاستراتيجية الدفاعية لدمج القوى غير النظامية ونستفيد منها، حتى يكون قد أصبح لدى القوى النظامية السلاح الكافي، هذه هي المفارقة.
* أمين عام «حزب الله» خرج مهددا إسرائيل، كما وجه اتهامات خطيرة بحق دول عربية مثل الإمارات والسعودية... كيف تنظر إلى هذا التصعيد؟
- تهديد إسرائيل أو الرد على التهديدات هو عمل وطني، وواجب رئيس الجمهورية ومن حق أي لبناني أن يطلق تهديدات ضدها ضمن الإطار العسكري، لكن التهجم على الدول الصديقة للبنان بالسياسة والعلاقات التاريخية التي تربط اللبنانيين وشعوب الدول الأخرى، فهو ليس حقًا لأحد، ولا يجوز لأحد أيًا كان أن يتعرض لهذه العلاقات، وتحديدا التعرض للمملكة العربية السعودية والإمارات. وهذا أمر لا يجوز إطلاقا. وإن أردنا أن نتكلم عن الدفاع والصمود، فمن مقومات هذا الصمود هم أبناؤنا بالخليج الذين يعملون هناك، ولولا هؤلاء فلبنان على مر عشرات السنين التي مر بها من اضطرابات واهتزازات لم يكن يستطع أن يصمد، إلا أن صمود هؤلاء بالمعنى المادي البحت كان أول خط دفاع. وفي الاستراتيجية الدفاعية هناك بند يتكلم عن هذا الموضوع بشكل واضح، الاقتصادي والدبلوماسي والعلاقات الدولية، وطبعا دول الخليج مستفيدة من اللبنانيين الذين يعملون لديها، لكن الفائدة متبادلة، والاستثمارات العربية التي يمكن أن تكون بلبنان يجب ألا نهملها، وهناك المساعدات التي قدمت للبنان عبر السنين بسبب التدمير الذي سببته إسرائيل ببلدنا، يكفي أن الإمارات قدمت للبنان كمية سلاح لا بأس بها من طوافات وزوارق عسكرية، وأول دولة فتحت موضوع نزع الألغام وساعدت بقيمة 50 مليون دولار ببرنامج نزع الألغام. أما السياح الخليجيون الذين يأتون للبنان، فلا يجوز أن يشعروا أن هناك كرهًا حيالهم داخل الشارع اللبناني.
* خلال بحث الاستراتيجية الدفاعية، ما الأسئلة الأبرز في المباحثات التي ووجهت بها؟
- سُئلت إذا كانت الدولة قادرة أن تتحمل عبء قيادتها وإمرتها لسلاح المقاومة، فطبعا كان جوابي بنعم، وهذا تم بالمحادثات الجانبية. وسئلت ماذا لو قصفت إسرائيل القصر الجمهوري أو ثكنات الجيش؟ قلت لهم إن هذا أمر طبيعي جدا بالنسبة لدولة عدوة أن تقصفك عندما تدافع عن بلدك، وإن كنت أنا بالقصر فلست مختلفا عن المواطن في بيته أو الجندي الموجود بالثكنة. فهل ننسى أنه في حرب يوليو (تموز) 2006 أن أول ما تم قصفه هو الثكنات، بأي حجة؟ هو تأديب سياسي ونحن لم نخف، بل ذهبت إلى الثكنة التي قصفت، وقلت للجنود، حضروا أنفسكم أنتم من سيحمي حدود لبنان بعد هذه الحرب، ويجب أن نتصدى في أي مكان تضربه إسرائيل، وأن نبحث عن الاشتباك مع جنودها في أي مكان على أرضنا.
موضوع بحث السلاح هو قرار ورد أيضا في قرار الأمم المتحدة 1701، وأن يكون هناك حوار حول هذا السلاح، وهناك شيء مهم بالقرار، وهو موضوع ترسيم الحدود، وكان مطلوبا من الأمين العام أن يرفع اقتراحات بعد شهر حول عملية ترسيم الحدود. والمقصود شبعا وكفر شوبا، وهذا موضوع مهم، لأن إسرائيل تعتبر هذه المنطقة سورية وتابعة لنطاق «الأندوف» بالجولان، بينما نحن نعتبرها لبنانية ولدينا إثباتات، والسوريون كانوا يقولون شفهيًا إنها أراض لبنانية، إلا أنه يبدو أن هناك سوريين بالمنطقة عندما دخلتها إسرائيل، وكان المطلوب ترسيما من أجل أن نقول لهم إنها لبنانية.
أنا أقول إن الجيش قوي جدا بشرعيته الدولية، ولكن طبعا يحتاج إلى أسلحة، وكان هناك توجه لتسليحه من قبل المملكة العربية السعودية بمبلغ مادي كبير ومفاجئ، إلا أن العلاقة بيننا وبين السعودية أدت إلى تراجع السعودية عن الهبة. وفي الماضي عندما قدم السعوديون هذا المبلغ، لم يقدّموه بتردد، ولكن التهجم عليها والتشكيك بالهبة أديا إلى ما الحال عليها اليوم.
عندما خرج كلام عن أن السعودية هي المسؤولة عن تفجير السفارة الإيرانية، كان لدي موقف فوري. أنا رئيس البلد وأنا المسؤول عن السفارة الإيرانية في لبنان، فهي دولة إيران في لبنان، كذلك السفارة السعودية في لبنان هي الدولة السعودية بلبنان. هذا العرف الدبلوماسي، فمن غير المقبول أن أسمع بالإعلام أن جهات تتهم السفارة السعودية. كذلك لم أكن أسمح أنه عندما يحصل شيء بلبنان يتبناه الحرس الثوري الإيراني قبل أن يسمع رئيس الدولة بالموضوع.
* مثل أي موضوع؟
- مثلا طائرة «أيوب» (من دون طيار) التي أطلقت فوق إسرائيل. المقاومة لا تتكلم أو تكشف شيئا، إلا أن الإيرانيين خرجوا يقولون وصلتنا صور لطائرة «أيوب»... وبعدها تتبنى المقاومة إرسال الطائرة. هذا الأمر يضعف المقاومة والدولة على حد سواء. والمقاومة من دون الدولة ليس لها حضور، كونها على الأقل مؤلفة من لبنانيين مواطنين تحضنهم الدولة، وهناك شعب لبناني حاضن الدولة وطوائف لبنانية حضنتها أيضا... ولا ننسى البطريرك (الماروني السابق نصر الله) صفير الذي لم يقصر في هذا الموضوع، فلا يمكن أن تقول إنك تعمل كل شيء من دون علم الدولة ورئيسها. من هنا أتمنى على الدولة والحكومة الجديدة أن تتبنى لواء الدفاع عن علاقتنا الخارجية، كما أنها تتبنى الرد على التهديدات العدوة للبنان، إسرائيلية كانت أم إرهابية، ونحن لا نقصر بهذا الشأن، وشرعيتنا بهذا الموضوع مهمة جدا أكثر من السلاح. نحن بحاجة للسلاح، لكن شرعيتنا أكثر من سلاح. عندما ضربناهم (الإسرائيليين) في بلدة العديسة، كنت أنا رئيسًا، وقتل ضابط إسرائيلي وعسكريان اثنان، وقبلها في بلدة مارون الراس كنت أنا قائدًا للجيش حين حاولوا (الإسرائيليون) التقدم، ولكننا أجبرناهم على التراجع، وذلك لأننا نملك الشرعية، لذلك لا يمكن أن نستخف بقوة الجيش قطعا.
لذلك بترسيم الحدود، هناك نقطة مهمة أن سوريا قادمة على حل سياسي، ويجب ألا تفوتنا الفرصة أبدا في الحل الذي سيتم، يجب أن تلزم الدولة السورية أو تقبل بترسيم الحدود مع لبنان، بإشراف الأمم المتحدة من الحدود البحرية بالشمال إلى البرية، وصولا إلى شبعا وكفر شوبا، وذلك بهدف تحرير البقعتين من التراب اللبناني في الجنوب بالطريقة الدبلوماسية عبر الترسيم. وإذا تعذر ذلك يوما ما فربما تكون بطريقة عسكرية بإمرة الجيش اللبناني، فلم يعد مسموحا إلا أن يكون الجيش اللبناني هو صاحب الإمرة بكل هذه العمليات.
* صورة طيارة «أيوب» ألم تصل وقتها للدولة اللبنانية؟
- كلا، بل سمعتها من مسؤول إيراني، واستدعيت السفير الإيراني وأجابني برد دبلوماسي لم يكن مقنعًا.
* تجربة العديسة ومارون الراس، إلى أي حد ممكن الاستفادة منها بمسألة إثبات أن الجيش اللبناني قادر على أن يحمي الأرض؟
- قبل أن تصبح هناك مقاومات في لبنان، سجل الجيش اللبناني بطولات ضد إسرائيل من أيام المالكية وبسلاح ضعيف. الموضوع قبل كل شيء هو إرادة القتال. هل الجيش اللبناني تتوافر لديه إرادة قتال إسرائيل والدفاع عن الأرض؟ نعم حتمًا. ينقصنا السلاح، وكان سيأتي، وربما تتم استعادة الهبة أو غيرها لتقوية الجيش، إلا أن قوة شرعيتنا بإرادتنا وبالشرعية الدولية وبالتفاف كل الناس حول الجيش والإرادة الوطنية الجامعة هي حول الجيش.. ولا يمكنك أن تجزئ الأمر بالقول إن الجيش لا يملك صاروخًا يصل مداه إلى كذا، فإنه ضعيف. فالجيش يقاتل بالسلاح الذي يملكه وبالانتماء للدولة، وإسرائيل تعرف أنها لا تستطيع أن تحتل لبنان سواء أكان الجيش ضعيفًا أو قويًا.
الرئيس عون تحديدا عندما كنت على طاولة الحوار، هو الذي قدم أول استراتيجية دفاعية مبنية على الشعب، أي دفاع المواطنين، وكان يقول: «لا تبدأ المقاومة إلا بعد الاحتلال». وأنا استشهدت بهذا القول بالاستراتيجية عندما طالبت بوضع سلاح المقاومة بإمرة الجيش وإيجاد وسيلة لتحقيق الإمرة، مع التأكيد أن عمل المقاومة لا يبدأ إلا بعد الاحتلال، وهذا استشهاد بكلام الرئيس الذي كان عضوًا فاعلاً بالحوار وهو قائد جيش سابق ويعرف كيف يتعاطى بهذا الموضوع. إذن، مكونات الاستراتيجية معروفة، ولا يمكن أن نخرج عنها أو نستثني أحدا فيها. نحن ننظر إلى تحرير شبعا، لكن لا نريد في مقابل هذا الأمر أن تفقد الدولة سمعتها كدولة مستقرة فيها جيش منتشر بجميع الأراضي، لأن ذلك يضعف الاستثمارات ويهرب السياح. على الخريطة الدولية هناك علامة استفهام، أن لبنان مشترك بالحرب السورية، ولبنان لديه سلاح غير سلاح الدولة منتشر على أراضيه.
* هذه الازدواجية بالسلاح وبقرار السلاح، إلى متى يمكن أن تستمر؟ وإلى أي حدّ هي طبيعية؟
- هي ليست طبيعية أبدًا. نحن حاولنا واللبنانيون حاولوا أن «يطبّعوها» من خلال الاستراتيجية الدفاعية، ولم يتحقق ذلك. «إعلان بعبدا» ينص على عودة المقاتلين من سوريا من جميع الأطراف، وليس من طرف واحد، إضافة إلى ضبط الحدود. اليوم أسمع أن بعض الناس يقولون إنهم يريدون تحييد الدولة، وهذا الأمر نحن معه. لكن إذا كان هناك أناس يقاتلون مع المعارضة أو مع النظام، فهذا يعتبر تدخلا شخصيا؟ لا هذا ولا ذاك يجوز، لأن الدولة مكونة من أناس ولها حدود، فهل هي مضبوطة أم لا؟
هناك كلام سياسي يستهتر بعقول الناس، لأن الدولة يجب ألا تسمح أن يقطع أي أحد الحدود بسلاحه. وللتكرار وضع «إعلان بعبدا» منع الشبان الذين كانوا يتجمعون للذهاب لمساعدة المعارضة السورية. بدأ «إعلان بعبدا» بذلك، بهدف ضبطهم ومنعهم، وتكليف الجيش بمنعهم، ولم يكن وضعه أصلا لمنع «حزب الله» من الذهاب إلى سوريا بل كانت بداية ذهاب شبان لبنانيين من الشمال إن كانوا لبنانيين أو غير لبنانيين، لكن من سكان لبنان، ولم يكن لدى أحد تحفظ على هذا البند على الإطلاق، بل كان هناك نقاش على «إعلان بعبدا» بما يخص بنود أخرى.
* هل كان «إعلان بعبدا» ضحية مشاركة «حزب الله» بالحرب السورية؟
- بعد الإعلان، أصبحت هناك مشاركة معلنة من قبل «حزب الله». قبله كانت هناك مشاركة بعنوان أن هناك مواطنين لبنانيين عند التخوم بين لبنان وسوريا، إلا أن المشكلة في أن التدخل أصبح معلنًا وبمجاهرة ومفاخرة... لا أعلم الذي تغير بالوضع حتى أصبح هناك تنكر لـ«إعلان بعبدا».
* «حزب الله» يقاتل في سوريا اليوم تحت عنوان «المقاومة» التي تشرعها البيانات الوزارية، فهل يجعل هذا لبنان طرفا في الحرب؟
- كلا، القتال في سوريا لم يشرعه أي أحد، بل تم تشريع المقاومة ضد إسرائيل، وهذا الخلط أدى إلى سقوط معادلة ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة (كما وردت في البيانات الوزارية)، لأنه عندما ذهب «حزب الله» على سوريا بسلاحه وقدراته فالمعادلة سقطت، إلا أنه أصبح هناك نوع من غض النظر.
شرعية سلاح «حزب الله» مربوطة بمحدودية الدور الذي يقوم فيه. عندما يخطئ بالدور تختلف الأمور. فهذا السلاح فقط للدفاع عن الأرض بالمكان الذي لا يوجد فيه جيش، وهذا لا يتطلب قانونًا. وما دام الجيش يتسلم الأمور فلا يحق لأحد أن يأخذ دور الجيش. وعندما تأخذ دور الجيش، فأصبحت غير شرعي، ذلك أن الشرعية مستمدة من الإرادة الوطنية الملتفة حول المقاومة في حال قامت بدورها المحدود، وألا تأخذ مكان الجيش، وإلا سيسقط دورها.
وحول ما يخص التدخل بسوريا، لم يقدّم له أحد الشرعية نهائيا. حتى في مواجهة إسرائيل يمكن القول إن دوره دفاعي، ودوره مرتبط بأداء الجيش، المكان الذي ينهزم فيه الجيش اللبناني ويدخل الإسرائيلي أو احتمال دخوله، يكون هناك دور للمقاومة. لا أحد يريد أن يظلم المقاومة أو يأخذ منها حقها، لكن هذه التضحيات يجب أن تصب بسيادة الدولة الكاملة، وإلا يكون العمل دون طائل إن لم يصب في سيادة الدولة. وهذا الأمر يرتبط أيضا بالاقتصاد. ففي عام 2008 كان هناك اعتصام في وسط بيروت، وعندما تم الاتفاق على انتخابي رئيسا تم فضه، فتحسنت المؤشرات الاقتصادية مباشرة.
* السلاح الذي كان يفترض أن يصل إلى الجيش اللبناني كم كان متوقعا له أن يقوم بنقلة نوعية بقدرته؟
- عظيمة، قطعة السلاح التي تقدم للجيش تضرب مفعولها بخمسة، مقارنة مع أي منظمة مسلحة، لأنه يكفي أن يصمد الجيش فترة صغيرة، حتى شرعيًا تصبح جميع الناس والدول معه، وكان سيأتي سلاح مهم جدا ويقوي مدفعيته ويجعل لها حركية كبيرة وضبط أهداف بالطرق التقنية الحديثة. لم أشترك في كيفية التسليح. أنا طالبت بالسلاح وأتت الهبة، وبعدها الجيش أكمل التفاوض مع السعوديين، والسعوديون مع الفرنسيين. كانت ثلاثية دون أن يكون الجيش له أي علاقة بالشراء والبيع.
* قلت إنه بمجرد فك الاعتصام وانتخابك رئيسًا للجمهورية في 2008 تحسنت المؤشرات، فلماذا لم يحصل الأمر عينه اليوم؟ رغم أن لبنان مر بفترة فراغ تم ملؤها بانتخاب رئيس للجمهورية؟
- لا تزل فكرة العالم أن لبنان متدخل في الحرب السورية. لا أحد يقيس كم هي بعيدة الحدود عن بيروت. فعندما يأتي الأجنبي يرى الدنيا بخير، لكن عندما ينظر إلى الخريطة ولبنان مشترك ويصرح بالحرب السورية بهذه الطريقة، يحصل انقباض اقتصادي. والسبب الثاني هو الاستراتيجية الدفاعية التي تعطي الحق أن الدولة هي سيدة الأمور كلها. وعندما تقول الدولة، فهذا يعني الجيش وقوى الأمن والقضاء. وهذا يهم المستثمرين. فهل القضاء قادر أن يعطيك حقك إذا تعرضت لشيء خصوصا أن هناك بيئة قابلة لخطف أشخاص في بعض المناطق؟ فعندما تكون هناك بيئة مسلحة تصبح هناك تجاوزات من أشخاص هم ليسوا بالضرورة منتمين إلى هذه البيئة المسلحة.
* كيف ترى الأداء السياسي على أبواب انتخابات فيما يندفع لبنان باتجاه الفراغ البرلماني؟
- أيضا هذا يؤثر على الاقتصاد، لأن المجتمع الدولي بقدر ما يهمه أن يصبح هناك قانون حديث للانتخابات، بقدر ما يهمه أن تكون هناك انتخابات وتداول للسلطة الذي هو أهم حلقة من الحلقات الديمقراطية ولو على القانون نفسه. أليست هناك تحالفات جديدة على الأرض؟ إذن، سيصبح هناك تداول للسلطة على أي قانون كان. فلا يجوز السماح بالفراغ، بل يجب على الحكومة أن تمنع، لا أن تغضّ النظر أو تسمح بذلك. عندما كنت رئيسا للجمهورية، جاء وقت الانتخابات. عرضنا هيئة الإشراف على الانتخابات وقاطعوها سياسيا ولم يصوتوا عليها، فعلّقت الجلسات وقلت للوزراء إنني لن أقبل بترؤس أي جلسة أو بالتوافق مع جدول أعمال الحكومة إذا لم يكن أول بند من كل جلسة هيئة الإشراف، ووقتها سقطت الحكومة. الحكومة مجتمعة عليها أن تخلق كل السبل كي تقوم بالإجراءات القانونية، أما إذا تعذر فأنا أقترح إجراء الانتخابات النيابية لولاية قصيرة وفقًا لقانون أكثري عادل وسهل التطبيق، وفي أثنائها يتم تطبيق اللامركزية وإنشاء مجلس شيوخ واستراتيجية دفاعية وقانون نسبي «للانتخاب» على مستوى محافظات.
* كيف تقيم الأداء السياسي الحالي؟
- القوى السياسية تقوم بمصالحها، أما أداء الحكومة ورئاسة الجمهورية فلا نستطيع أن تحكم عليه الآن، بل يحتاج ذلك إلى وقت. وعلى السياسيين أن يعرفوا أن مصلحة الدولة تؤمن لهم مصالحهم على المدى البعيد، عندما يقتنعون بمصلحة القانون والسيادة والدولة... إلخ، تأتي معها تدريجيًا مصالح الجميع.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.